هي دي العروسة للى جاية 2
## الجزء الثالث
وقع كلام فاتن على آدم زي الصاعقة، ملامح وشّه اتغيرت وعينيه اتسعت من الصدمة. الكلام مكنش مجرد تخمين، دي كانت بتتكلم بثقة تامة وكأنها قرية ورق الوصية كلمة كلمة، وعارفة البئر وغطاه.
آدم خطى خطوة سريعة ناحيتها، وصوته اتنبح وهو بيحاول يداري ارتباكه بالعصبية:
ـ “شرط إيه؟ أنتي بتتكلمي عن إيه؟ الوصية واضحة.. الجواز منك هو الشرط الوحيد عشان الشركات والفلوس تنزل في حسابي!”
فاتن هزت راسها بأسف مفرود على وشها، وابتسمت ابتسامة باردة وهي بتقعد تاني على الكنبة بكل برود، وفردت فستانها الأبيض بحركة واثقة وقالت:
ـ “واضح إنك مقرتش السطور الصغيرة اللي في آخر الورقة يا ابن عمي، أو يمكن المحامي بتاعكم خاف يقولك عشان ميتسبش في جلطة لست الوالدة وللست سوزي.. جدي الله يرحمه مكنش سذج، وكان قاري كل ألاعيبكم.”
آدم قرب منها أكتر، الغضب والفضول كانوا بياكلوه:
ـ “انطقي يا فاتن! إيه هو الشرط؟”
فاتن رفعت عينيها وبصت له بثبات:
ـ “الشرط يا آدم بيه.. إن الجواز ده لازم يستمر لمدة سنة كاملة ‘جواز حقيقي’ مش على الورق، وبشهادة المحامي المشرف على الوصية اللي هيزورنا هنا في القصر بشكل مفاجئ من وقت للتاني. ولو حصل طلاق قبل السنة، أو لو ثبت إن الجواز ده صوري ومجرد حبر على ورق.. الـ 500 مليون جنيه والشركات كلها بتروح فوراً لجمعيات خيرية وملاجئ للأيتام، وأنت تطلع من المولد بلا حمص.. والأنيل من كدة، إن القصر اللي إحنا واقفين فيه ده نفسه، مكتوب باسمي أنا بيع وشراء من جدي قبل ما يموت، يعني لو حبيت تفركش، هتفركش وأنت في الشارع.”
آدم حس إن الأرض بتلف بيه، الجدران كأنها بتطبق على نفسه. الكلام ده معناه إن كل خطة سوزي، وكل الأحلام اللي بناها في الكام يوم اللي فاتوا اتهدت فوق دماغه. سنة كاملة؟ مع بنت من الأرياف؟ وفي قصر هي تملك فيه كل حاجة؟
مسك راسه بإيديه وهو مش مصدق، وسابها وخرج برة الأوضة زي المجنون.
في الصالة الكبيرة برة، كانت ثريا وسوزي قاعدين على نار مستنيين، وأول ما شافوا آدم خارج وشه أصفر وعرقان، جريوا عليه.
ـ سوزي بلهفة وجشع: “إيه يا آدم؟ كلمتها؟ فهمتها إنها مجرد فترة وتغور؟”
ـ ثريا بقرف: “مالك يا ابني شكلك عامل كدة ليه؟ البنت دي قالتلك حاجة؟”
آدم بص لسوزي ولامه بنظرة مليانة يأس وذهول وقال بصوت مخنوق:
ـ “الخطة باظت.. إحنا كنا بنلعب مع تعلب.. جدي قفل اللعبة علينا من كل ناحية.”
ـ سوزي حطت إيدها على وسطها بعصبية: “يعني إيه باظت؟ اتكلم انطق!”
آدم حكى لهم على شرط السنة، وعلى إن القصر بقى باسم فاتن. ثريا حطت إيدها على قلبها وصوتت بصوت مكتوم: “يالهوي! القصر؟ قصر السيوفي يتكتب باسم الفلاحة دي؟ مصطفى! فين مصطفى؟”
وجريت ثريا تدور على جوزها وهي بتزعق.
أما سوزي، فوشها اتقلب مية حتة، وعينيها طلعت شرار، وقفت قدام آدم وصوتها علي:
ـ “سنة؟ أنت عاوزني أستناك سنة كاملة وأنت عايش مع البنت دي في أوضة واحدة؟ أنت اتجننت يا آدم؟ أنا مستحيل أوافق على المخروبة دي!”
في اللحظة دي، انفتح باب الأوضة، وخرجت فاتن.
كانت لسه بالفستان، بس قلعت الطرحة، وبان شعرها الأسود الطويل الناعم اللي كان واصل لآخر ظهرها، ملامحها في إضاءة الممر كانت تبهر أي حد، بس نظرتها كانت حادة زي الموس.
مشيت بهدوء لحد ما وقفت قدام سوزي، وبصت لها من فوق لتحت وقالت بصوت هادي بس يرعب:
ـ “صوتك ميعلاش في بيتي يا شاطرة.. القصر ده من اللحظة دي بتاعي، وأنا اللي أقول مين يقعد ومين يمشي. خطيبك العزيز ده لو عاوز الفلوس، هيفضل هنا تحت طوعي وشروطي لمدة سنة.. مش عاجبك؟ خديه في إيدك واخرجي برة، بس خدي بالك.. هتاخديه على الحديدة، لا حيلته قرش ولا يملك حتى الهدوم اللي هو لابسها دي.”
سوزي اتصدمت من قوة عين فاتن، وبصت لآدم مستنية إنه يرد كرامتها أو يزعق، بس آدم كان واقف ساكت، باصص للأرض وعقله شغال حسابات.. الـ 500 مليون والشركات، ولا سوزي؟
فاتن لفت وشها لآدم وقالت بلهجة أمر:
ـ “آدم بيه.. غير هدمك وتعالى ورايا على المندرة الصغير اللي تحت، عشان في قواعد جديدة للمعيشة في البيت ده هنمشي عليها من اللحظة دي.. وإياك تتأخر.”
سابتهم ومشيت بخطوات ملكية، وسابت وراها بركان قايد.. وسوزي بتبص لآدم بنظرة كره ووعيد، وآدم حاسس لأول مرة إنه مبقاش هو صاحب القرار.
## الجزء الرابع
دخل آدم أوضته وهو بيجر رجليه بالعافية، رمى جاكيت البدلة على السرير بعصبية، ووقف قدام المراية يفك كرافتته وإيديه بترتعش من كتر الغيظ والذهول. “أنا؟ آدم السيوفي يتعمل فيا كدة؟ ومن مين؟ بنت جاية من الوديان!”.. بس في نفس الوقت، كان في صوت جواه مصدوم من جمالها ومن شخصيتها اللي هزت كيانه في دقايق.
غير هدومه ولبس قميص وبنطلون كاجوال، وخرج وهو ناوي يوريها إنه مش سهل، ومش معنى إنه محتاج الفلوس إنه هيسلم لها رقابته.
نزل المندرة الصغيرة اللي تحت، وهي أوضة واسعة على الطراز العربي القديم كان جده بيحب يقعد فيها. دخل لقى فاتن قاعدة، بس كانت غيرت فستان الفرح.. لبست عباية استقبال بيضاء رقيقة جداً ومطرزة بخيوط دهب خفيفة، ولمت شعرها الأسود الطويل في ضفيرة مرخية على كتفها. كانت بتشرب فنجان قهوة بكل روقان وكأنها صاحبة المكان من سنين.
أول ما شافته، شاورت له بصباعها على الكرسي اللي قدامها وقالت:
ـ “اتفضل اقعد يا آدم بيه.. أتخرت خمس دقايق، وأنا مابحبش قلّة المواعيد.”
آدم قعد وحط رجل على رجل، وحاول يستعيد هيبته وقال بنبرة حادة:
ـ “بقولك إيه يا فاتن.. متعيشيش الدور قوي. قصة جدي والوصية والشرط ده كله على عيني وعلى راسي، بس أوعي تفتكري إنك هتمشي كلمتك عليا. أنا وافقت أقعد عشان الشركات، يعني جواز مصلحة وشغل.. وأنتي ليكي أوضة وأنا ليا أوضة، ونتحمل بعض الـ 12 شهر دول لغاية ما كل واحد ياخد نصيبه ونغور.”
فاتن حطت فنجان القهوة على الترابيزة ببطء، وبصت له بنظرة حادة خلت كلامه يقف في زوره:
ـ “أولاً.. رجل على رجل دي تنزلها وأنت بتتكلم معايا، عشان الأصول بتقول إنك بتتكلم مع مرتك وصاحبة البيت. ثانياً.. حكاية أوضة وأوضة دي انسىاها خالص.”
آدم اتنفض من مكانه: “نعاام؟! يعني إيه أنساها؟”
ـ فاتن ببرود: “يعني المحامي المشرف على الوصية، الأستاذ شاكر، راجل ذكي ومتربي على إيد جدي، ومبيفوتوش الهوا. لو جه في أي وقت ولقى حاجتك في أوضة وحاجتي في أوضة، هيعرف إن الجواز صوري والفلوس هتطير. من النهاردة.. هدومك وحاجتك كلها تتنقل الأوضة الكبيرة بتاعتك، وأنا هقعد معاك في نفس الأوضة.”
آدم بلع ريقه وحس بنبضات قلبه سريعة: “أنتي بتتكلمي جد؟ أنتي مش خايفة مني؟”
ـ فاتن ضحكت ضحكة ثقة سحرت آدم من غير ما يحس: “أخاف؟ أخاف من إيه يا ابن عمي؟ أنا بنت الحاج كامل، اللي علمني أريد الرقبة وما أهابش حد إلا اللي خلقها. وبعدين أنت راجل ومتربي، ولا أنت عندك رأي تاني في نفسك؟”
آدم اتزنق في الكلام، ومبقاش عارف يرد يقول إيه، البنت دي بتعرف تلعب بالكلام وتلجمه في ثانية.
ـ فاتن كملت كلامها وهي بتقف وتقرب منه: “من بكرة الصبح، الساعة 8 بالدقيقة، تكون جاهز ولابس بدلتك عشان تنزل معايا الشركة. جدي سابلي إدارة نسبة من الأسهم، وأنا مش هسيب مالي ومال عيلتي لواحد مدلع زيك يضيعه في السهر مع الست سوزي.”
وفي اللحظة دي، الباب بتاع المندرة اتفتح فجأة ودخلت سوزي وهي منهارة، وعينيها حمرا من العياط والغل، ووراها ثريا أم آدم.
ـ سوزي بزعيق: “آدم! أنا مش هسمح بالمسخرة دي! أنا عرفت من الشغالين إنها بتؤمرك تنقل حاجتها لأوضتك! أنت هتمشي ورا كلام الفلاحة دي؟ دي بتخطط عشان تاخدك مني وتسيطر على كل حاجة!”
فاتن مالت براسها وبصت لسوزي ببرود قاتل، ومشت خطوات بطيئة ناحيتها لحد ما بقت في وشها. الغرفة كلها اتملت بالتوتر، وآدم واقف يراقب ومستني يشوف فاتن هتعمل إيه مع إعصار سوزي.
ـ فاتن بصوت واطي بس حاد زي السكينة: “أنا حذرتك برة يا شاطرة.. وصبري لحد كدة وخلص.”
لفت فاتن وشها ونادت بأعلى صوتها: “يا عوض!! يا عوض!”
دخل راجل كبير من صعيد مصر، لابس الجلباب والشال، وهو كبير حراس القصر اللي جده كان معينه مخصوص لحماية فاتن.
ـ عوض بطاعة: “أؤمري يا ست البنات.. رقبتنا سدادة.”
ـ فاتن شاورت على سوزي وقالت بلهجة آمرة هزت المكان: “الست دي.. تلم أغراضها وتخرج برة بوابة القصر فوراً، ورجليها متعتبش المكان ده طول ما أنا على ذمّة آدم السيوفي. ولو حاولت تدش (تدخل) البيت تاني، سيب الكلاب عليها!”
سوزي صرخت بذهول: “أنتي بتطرديني أنا؟ آدم! اتكلم! سيباها تطردني؟”
آدم بص لفاتن، ولقى في عينيها نظرة وعيد.. نظرة بتقول لو اتكلمت، الـ 500 مليون هيروحوا للملاجئ بكرة الصبح!