لو ممكن كباية قهوة 2
رواية “حلم ولا علم” للكاتبة “منى لطفي” الحلقة السابعة
استيقظت ( هبة ) في الصباح الباكر بعد ليلة طويلة من الأرق لم تلجأ الى النوم الا قرابة الـ 2 صباحا, وتفاجأت عندما نظرت الى ساعتها فوجدتها تشير الى الـ 7 صباحا .. معنى هذا أنها لم تنم سوى 5 ساعات فقط منذ الأمس!, تذكرت ما حدث بالأمس وجعل النوم يجافي عينيها وما صار من هذه الفتاة المسماة ( سارة ), وكيف تضايقت من أسلوبها مع ( أمجد ),وكيف أنها قد التزمت غرفتها بعد ذلك رافضة النزول لتناول العشاء متعللة بصداعها الذي يتكون من اسم واحد كان السبب في أرقها طوال الليل…. موجي!!
عندما حضر والدها للاستفسار عن حالتها كانت ترقد في سريرها, وعلم عندما رأى عينيها انها تتهرب من وجودها معهم خاصة انها علمت ان هذه الـ ( سارة ) قد مكثت لتناول العشاء فآثرت عدم الاحتكاك بها, نظر اليها والدها وقال بحنو :
– انا عارف سبب الصداع اللي عندك, ومش هضغط عليكي علشان تتكلمى معايا, لكن هقولك كلمة واحده.. ( هبة ) بنتي اقوى من كدا !! مش اي حد يهز ثقتها في نفسها, ( أمجد ) طلبك انت علشان عاوزك انت, واللى شوفته يخليني اقول انه لو كان عاوز اللي اسمها ( سارة ) دي كانت هتوافق على طوول, لكن كون انه اختارك انت, يعني عاوزك انت مش هي, فما تخليش الغضب والغيرة تعميكي وتخسريه بسهولة ..
انتفضت ( هبة ) التي اعتدلت جالسة في رقدتها منذ دخل والدها وقالت نافية باستنكار وتلعثم :
– نـ… نعم؟ غيرة ؟؟ ازاى يا بابا تقول كدا ؟ انا اغير من دي؟
أجابها بابتسامة حانيه :
– لا انت مش بتغيري من دي, انت بتغيري على دا !, واظن في فرق؟, انا عارف انه صعب انى اقولك كدا وأواجهك باللي أنا شايفه وحاسّه منك, يمكن لو كانت والدتك الله يرحمها عايشة كانت قدرت تنصحك افضل مني, لكن بردو ماينفعشي اشوفك في حيرتك دي وما اواجهكيش صح مش كدا ؟؟
ارتمت ( هبة ) في حضن والدها وقالت بغصة من البكاء:
– ربنا يخليك ليا يا بابا, انت ابويا وامى وصاحبي, انا ماليش في الدنيا غيرك, ربنا ما يحرمنى منك ابدا يارب ..
ابعدها يوسف عنه ومسح دموعها بيديه وهو يعلق بحنو :
– لا.. في شريك ليا دلوقتى, ولو انا كان عندى شك ولو بسيط انك مش هتكونى سعيده معاه انا كنت رفضت من الاول, لكن الراجل بيقدر يقرا الراجل اللي قدامه, خصوصا لو كان هياخد اغلى جوهرة في حياتي, اصبري حبيبتي واجمدي, انت قوية ومش ( سارة ) ولا غيرها اللي تقدر تضعف ثقتك في نفسك, عاوز ثقتك في نفسك ما يهزهاش أي شيء مهما كان, مافيش هروب تاني, وافتكرى كويس ( أمجد ) اختارك انت …
افاقت ( هبة ) من شرودها وقامت حيث اغتسلت وارتدت بنطال من الجينز اسود اللون وتي شيرت اصفر وحذاءا رياضيا خفيفا واطلقت شعرها ووضعت قليل من عطر الورود المفضل لديها ثم انصرفت بعد ان رتبت سريرها فكونهم لديهم خادمة لا يعني ألّا تهتم بترتيب غرفتها كما اعتادت …
هبطت هبة الى الطابق السفلي, ووقفت في مكانها أسفل الدرج قليلا حائرة أي اتجاه تختار؟, فمن الواضح ان سكان المنزل مازالوا نياما , كما أنها لم يتثنى لها الوقت الكافي لرؤية كافة أرجاء المنزل من الداخل فالزيارة الفجائية التي تكرمت عليهم بها طمطم قد تسببت في افساد يومها!!
قررت الذهاب الى الحديقة لتتنشق الهواء قليلا .. خرجت الى الحديقة وسارت حيث جلسوا امس, واغمضت عينيها مستنشقة الهواء الجميل وما لبثت ان سمعت من يقول :
– الله, لو كنت فاكر ان ست الحسن والجمال هتيجي كنت جبت الكاميرا معايا علشان أخد لها صورة ولا أخد معاها صورة سيلفي ..
التفتت ففوجئت ب ( علاء) يستند الى الحائط المقابل لها ابتسمت مجيبة :
– صباح الخير..
رد تحية الصباح عليها قائلا وهو يتقدم اليها :
– يا صباح النور, عاملة ايه ؟ اخبار صداع امبارح ايه؟؟
أجابته بهدوء وابتسامة خفيفة تعتلي شفتيها الورديتين :
– لا الحمد لله احسن كتير , بس غريبة ايه اللي مصحيك بدري كدا؟؟
أجاب ضاحكا :
– شكلك كدا خدت عنى فكرة انى انسان مستهتر لما جيت متاخر على الغدا امبارح, لكن اللى ماتعرفهوش انى كنت في الاستوديو بتاعى اللي انت شوفتيه امبارح, مندمج في لحن جديد بألّفه, والوقت سارقنى ونسيت نفسي, لكن انا بحب الصبح اووي, خصوصا في أول النهار, بيكون الجو جمييل, والهواء بارد وتحسي انك مالكة الكون دا كله وانتي لوحدك بتشوفي الجمال دا ..
شعرت هبة بالخجل من نفسها لدى سماعها كلامه ودفاعه عن نفسه لدى استشعاره لفكرتها السيئة عنه, وعاتبت نفسها بأي حق تظن في علاء الظنون وهي لم تراه الا منذ سويعات قفليلة, وكيف تبني أحكام مسبقة على شخص لم تختبر منه بعد أي شيء سواء ايجابي أو سلبي, فهي دائما ترفض الأحكام المسبقة, ابتسمت ابتسامة خجل واعتذار ةقالت بوصت رقيق:
-أنا آسفة يا علاء, المفروض ما كنتش حكمت عليك قبل ما اعرفك كويس, لكن المثل بيقول اللي ما يعرفك يجهلك, عموما من كلامك شكلك فنان وشاعر بجد, وتابعت:
– انا بدين لك باعتذار فعلا’ وياريت تقبل أسفي حتى كلام جدي عنك مش كافي يخليني أحكم عليك قبل ما أعرفك كويس …
نظر اليها (علاء) مجيبا بابتسامة هادئة:
– ما فيش حاجه تستاهل الاسف والاعتذار يا هبة, انت معذورة مهما كان,ممكن بقه نقفل كلام في الموضوع دا وطالما بنتكلم جد و دا من النادر بتاعى انى اقولك نصيحه تقبليها منى ؟
هزت براسها قائلة :
اتفضل انا سامعاك..
مال برأسه ناحيتها ونظر اليها وهو يقول بعزم :
– ما تخليش ( سارة ) تنجح في اللي هي عاوزاه !, انت مش اقل منها في حاجة!, اوعى تحسي بضعف او ثقتك في نفسك تقل !, لازم تعرفي اننا كلنا معاكى وأولنا ( أمجد ) .. صدقيني لما قال لنا انه اتقدم لك وانك اشترطت انه عيلته توافق على الارتباط دا انت كبرتي في نظرنا اووى, معلهش واحده تانية كانت ما هتصدق خصوصا ان ( أمجد ) مش صغير ويعتبر عريس لقطة, وسيم وغنى ومن عيلة ورجل اعمال مشهور, لكن كونك فكرت في قبول عيلته ليكي خلّانا عرفنا انه عرف بجد يختار …
ابتسمت له شاكرة كلامه وقالت :
– انا متشكرة اووي على كلامك دا يا ( علاء), انا طول عمرى نفسي يكون عندى اخوات, بس صدقنى انت وعلا بقيتوا اكتر من اخواتى بجد , ودلوقتى بأه يا ترى ممكن كوباية شاي, لقمة بجبنة, اي حاجه, حضرتك انا من غدا امبارح ما أكلتش ؟!
ضرب راسه بيده ضربة خفيفة وهو يقول :
– اووف دا انا مضيف فاشل صحيح .. بقولك, ايه رايك في فطير وعسل وجبنة ؟؟
نظرت اليه ضاحكة وهتفت بحماس :
– يا سلام اكلة ميه ميه ..
ثم قطبت متابعة :
– لكن هو حد صاحي دلوقتى هيعملنا الفطار ولا هتصحي حد مخصوص؟؟, لو كان كدا انا ممكن اعملنا اي حاجه سريعه ..
أجابها ضاحكا :
– الفطير جاهز, الموضوع كله عاوز تجهيز الفطار بس مش اكتر, الفطير بيخبزوه كل يوم في الفجر ويجيبوه لنا علشان عارفين جدي, دا الفطار المقدس بتاعه, مع انه ممنوع من الاكل الدسم لكن لازم ولو حتة صغيرة, ها قولتي ايه ياللا بينا نروح نحضّر ؟..
هزت براسها ايجابا ورافقته .. ما ان دخلا المطبخ حتى قال لها :
– ( سميرة ) تلاقيها دلوقتى في المزرعه بتجيب لوازم الغدا, احنا هنا كله طازة بطازة ..
ثم فتح البراد الكبير الذي يحتل مساحة لا بأس بها من المطبخ واخرج أنواعا عديدة من الجبن والعسل الأبيض والبيض لتجهيز طعام الافطار, تقدمت منه ( هبة ) وقالت وهي تتناول من يده المقلاة وطبق البيض:
– اتفرج انت بقه على الشيف هبة وهي بتعمل لك أحلى قرص عجة أسباني هتاكله في حياتك كلها!!
ضحك علاء وأجاب مفسحا لها الطريق لتبدأ بعمل البيض, فيما استند على البراد خلفه بكتفه:
– أما نشوف عجة أسباني ولا تايواني تقليد!!..
أجابت هبة مازحة:
– عيب حضرتك دا أنا تعليم الشيف يوسف أحسن شيف يعمل بيض أشكال وألوان في #مصر كلها, عموما هتدوق وتشوف, هوريك !!, وهي تظهر ثلاثة من أصابعها الخنصر والبنصر والوسطى فيما ضمت السبابة والابهام في حركة وعيد وتهديد, جعلته ينطلق ضاحكا بصخب رافقته ضحكتها المرحة…
فيما هى منهمكة بعملها وأثناء انشغالهما بالحديث طرق سمعها صوت يقول بسخرية طفيفة :
– الله.. انتو صاحيين؟, شكلكو كدا من بدري؟,انتو هنا من امتى بالضبط؟؟ وبعدين ينفع تخلي ضيفتنا تشتغل يا ( علاء )؟..
التفتت ( هبة ) لتنظر الى ( أمجد ) العاقد ساعديه وكان يرتدى زي ركوب الخيل, كان منظره جذاب لدرجة شديدة وخافت ان يظهر افتتانها على ملامحها فابعدت نظرها عنه وقالت بهدوء وبرود أغاظاه:
– لا ابدا, ( علاء ) كان عاوز يحضّر هو الفطار, بس انا اللي صممت, و ( سميرة ) مش فاضية, ايه المانع انى احضر الفطار؟, انا عارفة انه الخدامين عندكم كتير بس ايه المشكلة يعني الموضوع كله طبق بيض وكوبايتين شاي؟….
نظر اليها أمجد قليلا ثم أجاب بهدوء ونظرة غامضة تكتنف عيناه:
– طيب و ياترى الفطار دا ليكي انت و ….( علاء ) بس ولا ممكن حد تانى ؟…
أجابت هبة وهي مندهشة من طريقته في الحديث, وهذا الغضب المكبوت الذي تستشعره خلف كلماته, في حين نظر ( علاء ) اليه بخبث واضح :
– لا طبعا الاكل كتير, ثوانى بس ازود كمان فنجان شاي …
بعد ان انتهت من تحضير طعام الافطار ورتبت الصحون على الصينية الكبيرة ايذانا لنقلها الى الخارج لتناول الفطور وسط الخضرة الجميلة في الحديقة خارجا, دخلت ( سميرة ) وتفاجئت مما تراه, فسيديّها يقفان مشاهدان لـ ( هبة ) وهى تحضر الفطور, قالت ( سميرة ) :
– يا خبر يا خبر يا ست ( هبة ), حضرتك بتحضري الفطار بنفسك ؟ هيا دي تيجي ؟؟ حضرتك ارتاحى وانا هجيبلك الفطار لغاية عندك .. ثم نظرت لسيديّها وتابعت :
– انا آسفة يا سي ( أمجد ) معلهش, روحت الارض اجيب الخضار وطلبات الغدا والست ( حسنية ) بعافية شوية ما جاتش انهارده و ( عبد الله ) نزل البلد يجيب التموين ..
ثم نقلت نظراتها الى ( علاء ) وأكملت :
أنا اسفه يا سي ( علاء ) و …
قاطعتها ( هبة ) :
– انت بتتأسفي على ايه يا ( سميرة ) ما حصلشي حاجه لدا كله ؟؟ كلها طبق بيض وكوبايتين شاي؟!, وبعدين انا مش متعودة على الراحه انا بحب الشغل ..
تكلم ( أمجد ) بعد صمت دام لبرهة وهو ينظر الى ( هبة ) قائلا وابتسامة صغيرة تعتلي فمه بشفاهه الرفيعة دليل الحزم :
– حصل خير يا ( سميرة ), وبعدين يعني علشان الانسة ( هبة ) تحس بألفه للبيت باعتبار ما سيكون, مش هي بردو هتبقى ست البيت الصغيرة …
وقع تصريح ( أمجد ) كالصاعقة على ( هبة ) ولم تستطع الرد في حين خجلت ( سميرة ) وهمهمت بمباركة غير مسموعه وتبسم ( علاء ) بمكر قائلا في نفسه :
– والله و ( هبة ) قدرت تعمل اللي معملتوش اي ست تانية, برافو عليكي يا ( هبة ) .. برائتك وطفولتك هما اللي هيخلوه يستسلم, وخلوا ابو الهول يبتدي ينطق, ها…. بركاتك يا هبة, افرجها يا رب!!
أمر ( أمجد ).. ( سميرة ) ان تأتى بطعام الافطار الى الحديقة …
جلس هو و ( هبة ) و ( علاء ) لتناول الطعام وانضم اليهم بعد قليل ( علا ) ومدام ( سعاد ) والجد ويوسف, تجمع الكل على المائد المستديرة لتناول الفطور وسط الحديقة الغناء وزقزقة العصافير التي تملأ الجو…
ما ان تذوق ( علاء) البيض الذي صنعته ( هبة ) – وقد قامت ( سميرة ) بصنع اطباق اخرى لتكفي الموجودين- حتى اغمض عينيه وقال وهو يتذوق الطعام :
– يا سلااااااام أحلى طبق بيض اكلته في حياتي بجد , ثم فتح عينيه ونظر الى ( هبة ) متابعا بابتسامة مرحة ونظرات الخبث تتراقص في عينيه :
– تسلم ايدك يا مرا….يا ( هبة ) …
كاد ان يقول ( مرات اخويا ) ولكنه قضمها فلم ينتبه اليها سوى ( هبة ) والتى نظرت اليه بعصبية مما جعله يتدارك نفسه ومال اليها ليهمس لها :
– غصب عنى والله, طلعت كدا سماح يا أهل السماح!؟, نظرت اليه قليلا ثم لم تلبث ان ابتسمت وقالت :
– سماح ..
ابتسم واكمل طعامه, فيما راح ( أمجد ) ينقل نظراته بينهما , هو لا يعجبه أسلوب اخيه مع ( هبة ), والاكثار من المرح والمزاح معها, ولكن لابد ان يأتي الصد منها هي, ولكن من الواضح انه قد أعجبها اسلوب الغزل والمرح الذي يتصف به ( علاء ) في كلامه عموما ..
استفهمت ( علا ) عن موضوع طبق البيض, فحكى لها ( علاء) فيما كان الجميع يستمع ثم ضحكوا وقال الجد :
– لا اذا كان كدا يبقى لازم ادوقه..
وتناول قطعة صغيرة وتذوقها ليهتف بعده منتشيّا:
– الله , طعمه رائع فعلا ..
ثم نظر الى ( يوسف ) والد (هبة ) وتابع :
– ماشاء الله بنتك طباخه بريمو يا أ.(يوسف) ..
نظر( يوسف ) الى ابنته ضاحكا وهو يقول :
– اه اكيد ..
ثم نظر الى ( هبة ) وقال :
– اقولهم على مغامراتك في المطبخ وتجاربك اللي تعلمتيها فيا ولا خلي الطابق مستور احسن ؟؟
ضحكت ( هبة ) وأجابت :
– خلاص, خلاص يا ابو حجاج قلبك ابيض, وبعدين أنا حتى لسه قايله لعلاء الصبح اني تلميذة احلى شيف فيكي يا #مصر تخصص بيض!!
ما ان أنهت كلامها حتى انتبهت للجالسين حولهما, فهي وان كانت معتاده على التحدث مع والدها بمرح و لكن هؤلاء أناس اغراب لا يعلموا عنهما أي شيء, وقد يعتقدوا ان هذه حرية مبالغ فيها او نقص احترام منها لوالدها خاصة امام الأغراب ..
ولكنها لم تلبث أن فكرت فليفكروا كما يشاءوا لن أتزيف أمامهم بشخصية غيري لأنال رضاهم, فهذه أنا وهذا والدي فليقبلوا بنا كمان نحن أو… يتركونا بسلام!!
وكأن الجد قد قرأ ما دار في خاطرها إذ تحدث مبتسما وقال :
– ما شاء الله, ودمها زى الشربات كمان!, عارفة يا هبة لو كنت اصغر بـ 30 سنة بس.. ما كنتش سبتك تفلتي من ايدي!! …
ضحك الجميع بما فيهم ( هبة ) الا ( امجد ) الذي كزّ على اسنانه وقبض يديه بشده وهو يسمع ( هبة ) تقول :
– حضرتك ما شاء الله عليك مايبانش عليك سن أبدا..
نظر اليها ( أمجد ) ولم يستطع ان يتمالك نفسه وقال :
– يعني لو حد أد جدى اتقدملك توافقي؟؟
نظرت اليه وأجابته بثقة : لا طبعا ..
ثم نظرت الى جده وابتسمت متابعة :
– لو جدي بنفسه ممكن, لكن حد تانى لا ..
ضحك الموجودين بينما زاد غضب ( أمجد ) اكثر واكثر, بينما هتفت هبة في نفسها متوعدة:
– خليك يا موجي, أنا هطلع عليك القديم والجديد, أنا بقه هخليك ماشي والدخان بيطلع من عينيك وبؤك!!..
فيما أعجبت اللعبة ( الجد ) واراد ان يلقن حفيده درسا ليفيق من سباته ويعلم ان ( هبة ) انسانه ممتازة يتمناها الكثيرون فهو لم يرض عن الاستعراض الذي قامت به ( سارة ) امس وعلم ان ( هبة ) قد تضايقت مما حدث.. التفت الجد الى ( هبة ) وتساءل بتلقائية مزيفة :
– بجد ؟؟ ولا بتجبري بخاطر راجل عجوز ؟؟
تطلعت اليه هبة ضاحكة وأجابت :
– نعم ؟ راجل عجوز ؟ حضرتك بتخزي عنك العين اكيد ؟؟ شون كونرى عدا الـ 80 وكان من اوسم نجوم السنيما, وعمر الشريف عدّى بردو الـ 80 كمان ولسه زى ما هو ..
تبادل الجد و والدها الضحك بينما علق يوسف قائلا :
– هى دى ( هبة ) بنتي, معلهش لما بتحب حد بتاخد عليه وتحب تهزر معاه …
العبارة الأخيرة لفتت انتباه ( أمجد ) فهو لا يتذكر ان ( هبة ) بادلته الضحك والمزاح كما تفعل مع جده او حتى مع اخاه اللذان لم ترهما سوى بالامس فقط, وليس هما وحدهما.. بل امه واخته ايضا حتى ( سميرة ) الخادمه!, اذن لم هو ؟؟ أترى العيب فيه ام لانه لا يزال بعيدا عنها مما جعلها تعتمد الاسلوب العادي الأقرب الى الرسمية في حوارها معه؟؟, حتى اسمه لم تنطقه سوى مرة واحده عندما اجبرها على النطق به !! لابد ان يعلم شعورها تجاهه.. ولكن كيف؟ بالامس عندما شعر انها تضايقت من ( سارة ) لا يعلم لما فرح بداخله ؟ هل لانه اراد ان يقتنع انها تغار عليه والغيرة دليل على وجود مشاعر معينه ؟؟ هو لا يعلم ماذا يريد ؟ تارة يقول انه يريده زواج دون #حب وتارة اخرى يريدها ان تشعر بوجوده ولكن ما يعلمه الآن انه لا بد له من الانفراد بها!!..
استأذن ( أمجد ) من والد ( هبة ) قائلا :
– لو سمحت يا عمي ممكن آخد ( هبة ) أفرجها على المزرعه ؟؟ نظر والد ( هبة ) اليها وأجاب :
– انا بالنسبة لي مافيش مشكلة ولا ايه يا ( هبة ) ؟؟
تطلعت الى والدها متجاهلة النظر الى ( أمجد ) وقالت :
– اللي تشوفه يا بابا …, فنظر ( أمجد ) اليها واشار بيده لتتقدمه …
سارا بين الاشجار, كانت ( هبة ) مستمتعه بالنظر الى الطبيعه الخضراء حولها, أما ( أمجد ) فكان يشرح لها كل قطعه من الارض وما الذي يتم زراعته فيها, .. سارا حتى وصلا الى اصطبل الخيول فرأت حصان يخرج راسه من نافذة خشبية صغيرة, تقدم (أمجد ) وربت على وجه الحصان وهو يمسك براسه قائلا وابتسامة زهو تحتل وجهه :
– دا عنتر .. اجمل حصان عربي اصيل ممكن تشوفيه , عجبني في مزاد للخيول العربية واشتريته, صاحبه باعه لانه عنيد وما كانش راضي حد يركبه, انا اشتريته وروضته, وبئينا اصحاب, مدي ايدك ليه خليه يشمها علشان يعرفك وخدي إديلو دي… واعطاها قالبين من قطع السكر والذي يحتفظ به في علبة صغيرة في جيبه وتابع :
– الاحصنة بتحب السكر اديهاله وماتخافيش ..
امسكت قطعتى السكر من يده ومدتها الى الحصان وهى خائفه ولكنها ارادت ان تثبت لـ ( أمجد ) انها تثق به وانه أبدا لن يدفعها لفعل شيء يضرها!!
بعد ان تعرفت الى عنتر, نادى ( أمجد ) سائس الخيول وطلب منه ان يحضر مهرة صغيرة ويجهزها للركوب ويجهز( عنتر ) أيضا, ثم التفت الى ( هبة ) وقال مبتسما :
– انت بتركبي خيل ؟؟
اشارت براسها بالنفي فتابع :
– انا هديكي اول درس في ركوب الخيل دلوقتي, قلت لـ ( سعيد ) السايس يسرج لك ( شمس ) مهرة صغيرة سميتها كدا علشان اتولدت ساعه شروق الشمس ..
ارتاعت ( هبة ) من الفكرة وقالت :
– ايوة بس انا بخاف, مش هقدر, لا.. ازاى اركبها؟, افرض وقعت من عليها؟, لا انا خايفه مش هقدر ..
امسك بمرفقها واقترب منها ينظر فى عينيها وهو يقول :
– خايفه حتى وانا معاكى ؟؟
أجابت بهمس وقد تاهت في نظرات عينيه اللتان شعرت بهما وكأنهما تغازلانها:
– ها ؟؟
كرر عبارته مبتسما :
– هتخافي وانا معاكى يا ( هبة )؟, تفتكرى انى هخلى اي شئ يحصل لك ؟؟, ما تخافيش.. انا عاوزك تتعلمى الخيل علشان نبقى نخرج نجري بالخيل سوا, دي امتع حاجه انا بحب اعملها, وانا عاوز اي حاجه اعملها انت تكونى معايا فيها, ايه رايك؟؟
ابتلعت ( هبة ) ريقها بصعوبة وقالت بهمس :
حاا.. حااضر .. بس لو وقعت ذنبي في رقبتك ..
مال على اذنها هامسا لها:
– الحاجه الوحيده اللي عاوزك تقعى فيها هي …., وبتر عبارته ناظرا في عينيها ولكن قبل ان يواصل حديثه, قطع تواصلهما وصول السائس بالحصانين فإبتعد ( أمجد ) عنها وهو يحمد الله في سره على وصول السائس في الوقت المناسب, هو لايعلم ما الذي دهاه؟, فهو ما ان ينظر الى عينيها حتى يتوه عن عالمه ويبحر في عالم خاص بها فقط!!…
ساعدها على الركوب وصعد الى حصانه وامسك بلجام حصانها لتصبح على مقربة منه وهو يقول :
– ما تخافيش, انت اوزنى نفسك عليها.. ايوة كدا, انا ماسك اللجام, هنمشي بشويش سوا لغاية ما تتعود على وزنك وانت تتعودى عليها ياللا ..
وابتدآ السير قليلا حتى اعتادت ( هبة ) على الفرسة واعتادت الفرسة على وزنها وشدت ظهرها كما قال لها ثم ترك اللجام قليلا وما زالا يسيران بخفه , بعد برهة من الوقت عادا الى الاصطبل حيث ترجل من فوق حصانه واعطاه للسائس ليدخله الى حظيرته, وتقدم من ( هبة ) ليساعدها على الترجل هي الأخرى ولكن قدمها علقت في الركاب فسرعان ما تناولها بين ذراعيه ليتفادى وقوعها وانزلها على قدميها وهو ما يزال ممسكا بخصرها ونظرا الى أعين بعضهما البعض!
لم يعلما كم مر من الوقت وهما على وضعهما ذلك, ولكن كان ( أمجد ) أول من خرق الصمت المحيط بهما حيث قال بخفوت:
– (هبة ) …
أجابته بهمس :
– همممم !!
فقال وهو يميل اتجاهها :
– انا .., انا بحـ….. , وفجأة :
– يا سلام يا سلام, ايه دا.. انور وجدي وليلى مراد ؟؟؟
التفتا الاثنان متفاجئان من الصوت الذي قطع عليهما خلوتهما, والذي لم يكن سوى صوت …( سارة )!!…
ابتعدت ( هبة ) سريعا عن ( أمجد ) في حين التفت هو الى ( سارة ) وقال بترحيب متحفظ:
– اهلا سارة ازيك , عرفت منين اننا هنا ؟؟
وهو في قرارة نفسه لا يعلم أيشكرها ام ينهرها صارخا:
– ايه اللي جابك دلوقتى ؟..
حركت ( سارة ) راسها وقالت ببراءة مزيفة بينما ابتسامة صفراء تعتلي شفتيها القرمزيتين:
– ابدا عادي, مامتك قالت لى انك بتفرج …..( هبة ) – ونطقتها بمنتهى البرود – المزرعه وانا عارفة ان اول حاجه هتوريهالها عنتر اكيد يعني حسبة بسيطة ..
علق قائلا :
– تمام, طيب ياللا اتفضلوا نشرب الشاي أكيد سميرة جابته دلوقتي.. كانت ( هبة ) تنوى الاستئذان منصرفة, ولكنها تذكرت كلام والدها و (علاء) فشدت نفسها ورفعت قامتها,وسارت وسطهما بتصميم منها لأن تضع هي هذه الـ..طمطم عند حدها!!…
تناولوا الشاي في غرفة الجلوس, وانفردت ( سارة ) بالحديث الى ( أمجد ) متجاهلة ( هبة ) تماما والتى لم ترى أيّا من والدها او جدها فكلاهما في مكتب الجد حيث يتناقشان ويقرآن بعض الكتب, و مدام ( سعاد ) تستريح قليلا في غرفتها, وشعرت بالحرج لتستفسر عن مكان تواجد( علا ) او ( علاء ) فهى لم ترهما ..
حاول ( أمجد ) إشراكها بالحديث كثيرا, ولكن كل محاولاته قد باءت بالفشل فقد اصطنعت ( سارة ) حوارا تروي فيه ذكريات حدثت بينهما وكانها تريد ان ترسل برساله الى ( هبة ) تخبرها انها تتشارك مع أمجد ايام وذكريات لا تعلم هي عنها شيئا .. , تمتمت هبة بينها وبين نفسها بنزق وهي ترمق سارة بنظرة حنق عميقة:
– حسبي الله فيكي يا بعيدة روحي, كان خلاص ابتدى يستهجها وينطقها, جيتي زي البتاع خلِّيتي الكلمة تقف في زوره, روحي يا شيخه الهي يا رب الماية تقف في زورك كدا لا تعرفي تبلعيها ولا تخرجيها, تقف لك في النص كدا حيطة سد!!..
انتبه أمجد الى تمتمة هبة فقطب ومال عليها متسائلا:
– بتقولي حاجة يا هبة؟؟
انتبهت هبة الى سؤاله فرسمت ابتسامة عريضة على وجهها وقالت بمرح مزيف:
– ها… انا؟, وانا فتحت بؤي؟, ولا نطقت حتى!, خليك انت تابع نشرة الاخبار بتاعت ذكرياتكم لا تفوتك حاجة ولا تطلع لها مديون بمصاصة ولا كيس كاراتيه في سنّك دا لو اتعرفت تبقى كارثة!!..
رمقها بنظرة تحذير وهو يخبأ ابتسامته ثم أعاد تركيزه لسارة متابعا ما تقوله الاخيرة والتي رمقت هبة ببرود وعنجهية وتابعت سرد احداث 24 ساعة على مسمع أمجد!!..
فُتح باب غرفة الجلوس بعد وهلة زمنية كادت فيها هبة أن تتسبب بعاهة مستدية في تلك المسماة سارة تكمن في اسكات فمها عن العمل مطلقا!!.
اطلت ( علا ) من باب غرفة الجلوس والتى كانت مبتسمه ولكن سرعان ما خبت ابتسامتها لدى رؤيتها ( سارة ), رحبت علا بها ببرود ثم قالت لاخيها :
– معلهش يا أبيه ( أمجد ), عاوزة شوية حاجات من البلد هنزل اجيبهم, وكنت عاوزة اسالك او اسال ( هبة ) محتاجين حاجه اجيبها معايا ؟؟
كادت ( هبة ) أن ترجوها أن تدعها تصاحبها في مشوارها ذاك, ولكنها خجلت فـ ( علا ) لم تعرض مرافقتها, وهى بالتالى لا تستطيع فرض نفسها, ثم اذ بـ ( علاء ) يظهر قائلا :
– ايه دا؟, انتى قلتى 5 دقايق تشوفي البوس واليمامه عاوزين حاجه ولا لأ مسنترة هنا ليه ؟؟؟
استغرب ( أمجد ) وقطب حاجبيه وهتف مستنكرا :
نعم؟, يمامه؟؟ مين يمامه ؟؟
أجابه ( علاء ) بمرح وهو يغمز بمكر:
– هو في غير يمامه واحده هنا ؟!
قالت ( سارة ) وقد اغتاظت من تدليل علاء لهبة وحمل صوتها نبرة برود :
– ليه انت مش شايف انا و .. ( هبة ) احنا الاتنين موجودين؟
أجاب علاء ببرود شديد وهو يبتسم ابتسامة مغيظة لها :
– انا بقول يمامه ! يمامه !, ونظر الى ( هبة ) وهو يبتسم ثم ما لبث ان اعاد نظره الى ( سارة ) قائلا :
– مش حداية !!!
هتفت ( سارة ) مندهشة ومصدومة في آن واحد في حين كتمت كل من ( هبة ) و(علا) ضحكتهما :
– ايه ؟؟ انت بتقول ايه ؟؟
قاطعه ( أمجد ) بصرامه قائلا :
– ( علاااااااء ) اظن عيب ! مهما كان ( سارة ) ضيفه عندنا ما يصحش التهريج بالشكل دا..
قلب علاء شفتيه ممتعضا من كلام اخيه وقال :
– معلهش يا بوس انت عارف هزارى, ودلوقتى بأه هتيجي ولا لأ ؟؟ وهو ينظر لـ( علا ) ثم ما لبث ان طرأت على باله فكرة ونفذها فورا فقال ببراءة مزيفة :
– ايه رايك يا ( هبة ) تيجي معانا؟, منها تتفرجي على البلد وبالمرة نروح المركز كمان, اهو تغيير من جهة.. وتروقي دمك من جهة تانية ؟؟
لو كان بمقدور ( هبة ) لكانت عانقت ( علاء ) فرحة باقتراحه!, فهى فعلا قد شارفت على الانفجار!!
اومأت براسها موافقه وهتفت وهي تنهض واقفة بحماس :
– ثانية واحده ابلغ بابا بس…
ثم هرعت الى ابيها لتطلب اذنه و ( أمجد ) يمتاز غيظا..وهو يفكر في نفسه:
– هرعت لتسأل أبيها فقط وهو ما مكانه بالنسبه لها ؟؟ , اتراه ان رفض ذهابها واباها وافق من الذي سترضخ لقراره؟, هو أم والدها؟؟
عادت سريعا بعد ان تأكدت من أن هيئتها تصلح للخروج وقد وضعت بعض من ملمع الشفاه الوردي وبضعة قطرات من العطر وقد صففت شعر ها على هيئة ذيل فرس طويل وقالت بابتسامة عريضة لقرب ابتعادها عن هذا الجو المثقل الخانق الذي يكاد يطبق على أنفاسها:
– انا جاهزة ..
تحدث ( أمجد ) بغيظ مكبوت من بين اسنانه :
– معلهش ممكن شوية يا ( هبة )؟, ودون أن ينتظر سماع جوابها قبض على ذراعها وسار بها بعيدا عن اسماع الباقين, ثم أوقفها ووقف أمامها وهتف بها بغضب :
– بأه حضرتك أخدت اذن والدك بس وانا ايه إن شاء الله؟ موقعي ايه من الاعراب بالظبط؟؟
نظرت اليه بدهشة وأجابت بتلقائية مزيفة :
– انت مبني للمجهول !!
تساءل بدهشة وهو عاقد حاجبيه :
– نعم ؟؟ مبني للمجهول ؟ ازاى يعني مش فاهم؟؟
فقالت وهى تجذب ذراعها من قبضته والتي ارتخت بفعل دهشته من عبارتها السابقة:
– يعني لسه مافيش شئ يخليني اسالك أو أخد الإذن منك!, لما تبقى مبني للمعلوم تأكد انى ساعتها هاخد رأيك قبل والدى كمان! عن اذنك اتاخرت عليهم و …
وبترت عبارتها متطلعة الى ( سارة ) ببرود ثم أعادت نظرها ثانية اليه وأكملت بابتسامة مزيفة لم تصل الى عينيها :
– وانت ضيوفك مايصحش تسيبهم لوحدهم كتير كدا …
وانصرفت من دون أن تنتظر سماع تعليقه على حديثها وانطلقت مع ( علا ) و ( علاء ) بدون النظر اليه تاركة اياه يفكر كيف يصبح مبنى للمعلوم بالنسبة لها؟, ومتى؟, فهو لم يعد يستطع احتمال هذا الوضع أكثر من ذلك ولابد من حل عاااااااااااااجل لهذا الأمر الذي أصبح يقض مضجعه ليلا ونهارا فيما التساؤل ينخر عقله: ترى من هو بالنسبة اليها؟؟؟…
ترى ماذا سيفعل ( أمجد ) ليصبح مبني للمعلوم ل ( هبة ) وهل ستوافق ؟؟ وما موقف ( سارة ) اذا علمت ان الخطبة تكاد تكون رسميه بل وستعلن قريبا هل سترضى بالامر الواقع ام ستضع خطة محكمة لتفوز ب( أمجد )وان كان عن طريق الخلاااص نهائيا من ( هبة )….
رواية “حلم ولا علم” للكاتبة “منى لطفي” الحلقة الثامنة
بعد ساعة عادت ( علا ) وحيدة وما ان شاهدها ( أمجد ) حتى ذهب اليها رأسا سائلا اياها :
– اومال فين ( هبة ) و ( علاء ) ؟ انت رجعت لوحدك ازاي اساسا ؟؟
ردت عليه منهكة :
– اصبر يا( أمجد), ( هبة ) و ( علاء ) مارجعوش معايا, انا قابلت ( سلوى ) صاحبتي.. كانت عاوزة تشتري فستان خطوبتها وعاوزة تاخد رأيي وانت عارف ( علاء ) مش بيطيق اللف, اول ما وصلنا المحافظة سابنا وقال هيرجع لنا بعد ساعه وهو هيروح البروفة بتاعته علشان حفل الكلية وعرض على ( هبة ) تروح معاه, وبيني وبينك انا حسيت ان ( سلوى ) و ( هبة ) علشان ميعرفوش بعض مش معقوله ياخدوا على بعض بسهولة كدا وخفت هبة ما تنسجمش مع سلوى فقلت لـ( هبة ) لو عاوزة تروح مع ( علاء ) تحضر البروفة ووافقت, احنا خلصنا مشوارنا ورنينا على ( علاء ) قالى هو لسه مطول شوية واخو ( سلوى ) كان في مشوار فرجّعنا, بس ادي الحكاية كلها …
التمعت عينا ( أمجد ) غضبا وحاول اخفاءه بصعوبة وهو يقول بحدة مكبوتة:
– وهو الاستاذ دا ما قالش هيرجع امتى؟, ثم ازاى ( هبة ) تقعد معاه كل الوقت دا؟, والدها لو سأل عليها اقوله ايه… خرجت معاكي انتي وهو وانت رجعت لوحدك ؟؟
كانت علا تهم بالسير في طريقها للصعود الى غرفتها عندما سمعت عبارته فالتفتت اليه وقالت ببراءة :
– لا ما هو مش هيسأل عليها ؟؟
قطب امجد حاجبيه وسار اليها مستفهما :
– نعم ؟؟ مش هيسأل عليها ؟؟ ليه يعني ؟؟
فاجابته غير عالمة ان اجابتها ستثير عاصفة من الغضب :
– ما هى كلمت باباها استأذنته ووافق وقالها براحتك حبيبتي , على فكرة يا ( أمجد ) البنت دي اخلاقها عالية اووي ما شاء الله عليها لازم تستأذن باباها وصريحه معاه مش بتخبي عليه حاجه … بصراحه انا بحسدها عليه وبحسدك عليها ..
نظر اليها وقد استرعت انتباهه جملتها الاخيرة :
– نعم ؟ بتحسديني عليها ؟؟
هتفت بحماس وهى تهز رأسها مؤكدة على كلامها :
– اكيييييد !! بنت في منتهى الاخلاق ودمها خفيف وصريحه وواضحه في منتهى البساطة مش … غامضة ومعقدة زى ناس تانية …
سألها مستوضحا :
– تقصدي مين بالكلام دا ؟ ومين الناس التانية دوول ؟؟
نظرت اليه بطرف عينها وقالت :
– يعني مش فاهم قصدي مين بالضبط ؟
اشار برأسه نافيا فقالت بغضب خفي :
– ( سارة ) ! هو في غيرها ! بصراحه يا ( أمجد ) أسلوبها مستفز اووي بصراحه وخصوصا مع ( هبة ) وما تزعلش مني انت مش بتوقفها عند حدها وكأن عاجبك تريئتها على ( هبة ) واسلوبها المستفز معاها ..
قال بغضب :
– ايه ؟ انا ؟؟ ازاى تقولى حاجه زى كدا ؟ وبعدين انا مش شايف سارة غلطت في حاجه ؟؟ لو على اسلوبها احنا نعرفها من زمان ودى طريقتها قوليلي حاجات ملموسة حصلت لكن حاسة ولا ( هبة ) حاسة انا مش بتعامل على الاحساس انا بتعامل مع واقع مادى هي اهانت هبة بأي شكل ؟؟ اتعاملت معاها بطريقة مهينة ؟؟ لأ ! !.. يبقى الغيرة والحركات الفاضية بتاعت البنات دى انا مش فاضيلها لما تبقى تقلل من احترامها لـ ( هبة ) صدقيني مش هقف اتفرج لكن انا مش مستعد انى اكشّر في وشها لمجرد انك حاسة انها مستفزة!, وابسط دليل على كلامي وعلشان اقولك ان تفكيركم فيها غلط انها جات انهارده علشان تبلغنا بدعوة عيلتها لينا على العشا بمناسبة خطوبتي أنا وهبة القريبة وباباها فعلا كلم جدك يبقى يا ريت بلاش انك حاسيتي وأنها حاسّيت دي ها ؟؟؟.
ما ان التفت للانصراف حتى سمع صوتا يقول بحزن يغلفه برود شديد :
– تقدر تقولها انه مافيش لا خطوبة مرتقبة ولا غير مرتقبة, وتبلّغها انى ممتنة ليها اوي انها اتفضلت واتكرمت وعزمتنا على العشا ومش هملِّي عليك ازاي تتعامل مع ضيوفك فعلا, وبما ان الفروض انا وبابا من ضيوفك فأنا هرفع عنك الحرج .!!
التفت اليها مستفهما :
– قصدك ايه ؟؟
اجابته وهى تشيح بنظرها بعيدا عنه حتى لا يرى الدموع المترقرقه في عينيها والتي جاهدت في حبسها:
– قصدي انى شاكرة لك ولعيلتك الكريمة استضافتك لينا, بس بعد اذنك… مش هينفع الاستضافة تطول اكتر من كدا, فلو ممكن تطلب من السواق يوصلنى انا وبابا لمحطة القطر اكون شاكرة لك ؟؟..
اقترب منها قليلا بينما حاول كلا من ( علا ) و ( علاء ) – الذي دخل مع ( هبة ) وحضر مدافعة اخيه عن سارة منذ البداية – حاولا مقاطعتها ولكنه لم يسمح لهما بالكلام ورفع يده ليسكتهما ويواصل سيره حتى اقترب بجانب ( هبة ) وقال بهدوء مخيف :
– معلهش ممكن تسمعيني تانى كدا انت قلت ايه ؟؟ اظن انى سمعت غلط وبالتالى فهمت غلط ؟!
نظرت اليه نظرة واثقة حاولت ان تجمع فيها اعتزازها بنفسها وقالت ببرود شديد :
– لأ… انت سمعت صح !! وصح اووي كمان !
فأجاب بهدوء ينذر بهبوب العاصفة بينما اعتلت نظرة سوداء فحم عينيه :
– يعني انت عاوزة تمشي ؟!
هتفت بتأكيد :
– ايوة .. دا لو مافيش عندك مانع ؟؟
سأل بهدوء شديد ينذر بقرب هبوب عاصفة هوجاء:
– ولو عندى مانع ؟؟ هتغيري رأيك ؟؟
اجابته بهدوء وببرود شديدين يعاكسان ما يعتمل في داخلها من حزن وأسى :
– لأ .. للأسف .. رأيي غير قابل للنقاش, جواب نهائي زي ما بيقولوا ..
نظر اليها قليلا وقال بهمس لم يسمعه سواها :
– ما توصلنيش للنهاية معاكى!, انت لسه في حساب كبيير لك عندى فما تزوديش فاتورتك وتختبري صبري عليك أكتر من كدا!! ..
قطبت حاجبيها لعدم فهمها ما يعنيه بحديثه ذلك وقالت مستفهمة :
– نعم ؟ حساب ؟؟ وليا أنا ؟؟ وفاتورة ؟؟ معلهش حساب ايه وفاتورة ايه ؟؟
ثم نظرت اليه وتابعت بمنتهى الاستفزاز والغضب البارد :
– انت مالكش اي حساب او حق عندى, اظن واضح؟.. ولو على موضوع الخطوبة.. عادى اتقدمت لي بس اكتشفنا اننا مش مناسبين لبعض وشخصياتنا مختلفة وماحصلشي نصيب, عادى بتحصل في احسن العائلات, الوحيد اللي له حق انه يحاسبنى هو بابا ربنا يخليهولى, وبعده جوزى, وبما انك ولا صفة من الاتنين دول ينطبقوا عليك.. يبقى أظن انه مافيش لك اي وجه حق حتى انك تلمح بالكلام دا …
حبس ( علا ) و ( علاء ) أنفاسهما لكلام ( هبة ) فهذه المرة الاولى الذي يستطيع كائنا من كان ان يقف بوجه اخيهما الكبير ويعترض على كلامه بل ويقذف بأوامره عرض الحائط , أمسك ( أمجد ) بذراعها بشده حتى انها شهقت من الالم وقال من بين اسنانه :
– انت كدا جبتي آخرك معايا .. قلت لك قبل كدا ما تستفزنيش وتختبري صبري لكن انت مصرة ! ماشي اتلقي اللي يحصلك بأه!! بس علشان تكونى عارفة.. سفر من هنا ممنوع, ومش هتتنقلي خطوة واحده الا بأمرى أنا !!.. أظن واضح ؟؟؟
– ولـ اااااااااااد….
التفتت ( أمجد ) لمصدر هذه النبرة االعاليه فمنذ ان كان عمره 8 سنوات لم ينادى عليه بلقب ” ولد ” مطلقا , فوجئ بجده وهو يتقدم اليه ممسكا بعصاته العاجية وهو يهتف بغضب ويقف بجانبه ( يوسف ) والد ( هبة ) :
– انت نسيت نفسك يا ( أمجد)؟؟ ازاى تتكلم معاها بالاسلوب دا ؟؟ دول مهما كان ضيوفك ؟؟ انا مندهش ؟؟ همّ مش في سجن!, هم مشرفني بحضورهم ووقت ما يحبوا يرجعوا بيتهم هنوصلهم معززين مكرمين لغاية باب بيتهم كمان .. انا مستغرب.. ايه الاسلوب دا ؟؟ دى عمرها ما كانت طريقتك ولا اخلاقك ؟؟
ثم التفتت الى( يوسف ) الواقف بجانبه وقد سمع المقطع الاخير من كلام ( أمجد ) ولم يعجبه ما سمعه ابداا ولكنه لم يعلق تاركا الجد ينهي حديثه الى النهاية فيما قال الجد بهدوء نسبي وهو يجتهد ليلتقط انفاسه :
– معلهش يا أ. (يوسف) حقك عليا .. مش عارف ابرر االكلام اللى انت سمعته دا بايه ؟؟, لكن صدقنى انت وبنتك هنا في بيتي معززين مكرمين, وانا اللي بعرض عليك ضيافتى, قبلتها هتشرفني واشيلك فوق راسي … رفضتها حقك وما اقدرش اقول حاجه بس اتعشم انك تقبل ضيافتى لكم وانا اتعهد لك ان حفيدي مش هيضايق ( هبة ) ولا هيتعرض لها لا بالخير ولا بالشر, وانا عمرى ما رجعت في كلمة قلتها ..
نظر اليه يوسف بضيق حاول اخفائه فيكفيه غضب الجد على حفيده الكبير, وأجاب :
– طلبك على عيني وراسي يا ( علي الدين ) بيه , لكن الموضوع في الاول والاخر يخص ( هبة ) بنتى وانا عمرى ما اجبرتها على حاجه هى مش عاوزاها, هي قدامك اسألها حضرتك ..
التفت الجد الى ( هبة ) واقترب منها مستندا الى عصاه بسهوله في حين وقف ( أمجد ) مديرا لهم ظهره ناظرا من النافذه المطلة على الحديقة ونظر ( علا ) و ( علاء ) الى بعضهما البعض وتبادلا النظرات مع امهما التى اتت مسرعه على صرخة الجد واستمعا لكلام الجد مع ( هبة ) حيث قال :
– انت عارفة يا ( هبة ) غلاوتك عندى في اليومين دوول زادت ازاى .. لو عاوزة تفرحي قلب راجل عجوز رجله والقبر.. اقبلي ضيافتى.. وانا اتعهد لك انه يبعد عن طريقك خاالص, لكن لو مش واثقة في كلمتى مقدرش اجبرك ..
ثم سكت في انتظار سماع جوابها لطلبه , تحدثت ( هبة ) بخفوت فقد قاربت اعصابها على الانهيار فاليوم الذي بدأ بداية سعيده كاد ينتهى بمثل هذه الاحداث المريرة , نظرت الى الجد وقالت :
– طلبات حضرتك أوامر..
انفرجت اسارير الجد في حين تابعت هي قائلة :
– حضرتك عزيز عليا انا ووالدى وضيافتك لينا شئ يشرفنا اكييد ولو حضرتك متأكد انى مش هسبب ضيق او قلق من اى نوع يشرفنى انى اقبل ضيافتك ليا انا ووالدى ..
ثم نظرت الى والدها وأكملت :
– بس دا بعد اذن بابا طبعا ..
التفت الجد الى والدها الذي قال :
– ما اقدرش ارد لحضرتك طلب بعد كرمك ومقابلتك الحلوة لينا بس بعد اذنك انا بطلب بنفسي من ( أمجد ).. انه مالوش دعوه ببنتي تانى ويبعد عنها نهائي, لانه بعد اذنك وعلى أد ما انا بحترم حضرتك وكلمتك صدقنى لو ضايقها بأي شكل من الاشكال مش هسكت ..
نظر اليه الجد ثم نظر الى ( أمجد ) الذي لم يلتفت او يشارك في الحديث الدائر وقال بمنتهى الجدية :
– تأكد يا يوسف بيه لو حفيدي ضايق ( هبة ) بأي طريقة يبقى حط نفسه في موقف صعب معايا انا شخصيا …
هز ( يوسف ) برأسه مطمئنا من تأكيد الجد على كلامه في حين استأذنت ( هبة ) للصعود الى غرفتها ترافقها ( علا ) وبعد ان ذهب الجميع و ( أمجد ) لا يزال ينظر من النافذة اقترب منه اخاه وربت على كتفه وقال :
– غلط ! غلط يا ( أمجد ) ! طريقتك غلط !.. مش دي الطريقة ابدا اللي تقنعها بيها بجديتك في الارتباط بيها, في مليون طريقة تانية لكن عمر القسوة والتهديد ما كانوا بينهم خالص, انت كل اللي هتنجح فيه انك تخليها تبعد عنك اكترر ..
أجاب ( أمجد ) بجمود دون ان يلتفت اليه :
– ودا طبعا شئ يفرّحك!! ..
قطب ( علاء ) حاجبيه ورفع يده عن كتف ( أمجد ) وقال متسائلا :
– نعم ؟.. شئ هيفرحني! مش فاهمك يا ( أمجد ) انت قصد….
ولم يكمل عبارته حبث قاطعته قبضة كالصاعقة أمسكته من عنقه فيما هتف أمجد بعنف مكبوت :
– من ساعة ما جات وانت حاطط عينك عليها مش كدا ؟؟, تقدر تقولي غبتو فين انهارده ؟؟, خدتها وروحتو فين ؟؟ ها.. جاوب ؟؟..
حاول ( علاء ) ان يبعد يد ( أمجد ) عن عنقه وقال بعد ان نجح وبصعوبة في ذلك وقد اخذ يسعل بشدة :
– انت مش طبيعي يا ( أمجد ), انت واعى لنفسك انت بتقول ايه ؟؟ ازاى تشك في اخوك والبنت اللى انت عاوز ترتبط بيها ؟؟ لا.. انت اكيد مش طبيعي ..
ثم تركه وغادر منصرفا دون أن يمهله فرصة للرد على اتهاماته, في حين جلس ( أمجد ) على أقرب كرسي واضعا رأسه بين يديه الاثنتين وهو يهتف بتعب وأسى :
– لا مش طبيعي, ولا حاجه بئت فيا طبيعيه من يوم ما شوفتها, لكن احساسي انها ممكن تبعد عنى بيقــتلنى, اعمل ايه انا تعبت تعبت؟! ….
مرت الايام واقترب يوم الاحتفال السنوي الذي يقيمه الجد في المزرعه بمناسبة نهاية السنه المالية وتوزيع الارباح على المساهمين وبم انه يملك 60% من الاسهم فهو له حق الادارة …لم يقترب ( أمجد ) نهائيا من ( هبة ) وحاول الابتعاد عنها واذا صدف و تقابلا يعاملها بمنتهى الاحترام كما يعامل الضيف تماما , لا تنكر هبة انها افتقدت للاوقات التى شهدت اقترابهما من بعضهما البعض ومناوشتهما ونزهاتهما سوية , افتقدت نظراته وهمساته الدافئة, ولكنها لا تستطيع نسيان دفاعه المستميت عن هذه الـ( سارة ) .. لم ترها ثانية في المزرعه ولا تعلم ماذا حدث بخصوص دعوة العشاء , ولا تريد ان تعلم .. فهى تدعو من الله ان تمر باقي الاجازة سريعا لتعود الى منزلها هى ووالدها وقد قررت تقديم استقالتها فلم تعد تستطيع العمل معه ثانية ..
كما أن هناك والدها الذي تبدل حاله هذه الايام, فكثيرا ما يجلس مع الجد وعندما تدخل عليهما يصمتان ولا تعرف لما ؟؟..
ومن ناحية أخرى فقد تقربت من مدام ( سعاد ) واحبتها كثيرا, وقضت معها اوقات كثيرة وهى تعتنى باحواض الورود خاصتها , وأيضا وهى تخيط مفارش يدوية , كما اصبحت ( علا ) بمثابة شقيقة لها و ( علاء ) اصبح شقيق ثان لها, وأسرّ لها باحلامه وماذا يطمح أن يصير في المستقبل..
وطدت هبة علاقتها مع جميع الاسرة حتى الخدم..( سميرة ) و ( حسنية ) و ( سعيد ) السائس والذي كان يرافقها لدى نزهاتها على شمس بأمر من السيد كما كان يخبرها, ففرحت ان الجد يحرص عليها ولهذا أمر السائس بملازمتها , هى لم تسأله من هو السيد ؟ ولكن لابد انه الجد اليس كذلك ؟؟؟
الوحيد الذي اصبحت علاقتها معه جدية تماما وتبدلت اكثر من 180 درجة هو ( أمجد ), ولكن لقد قاربت الاجازة على الانتهاء وستعود سريعا لبيتها حيث الامان قبل ان يدخل ( أمجد ) حياتها ويتحول من مجرد حلم الى علم …
جاء يوم الحفل وكانت قد احضرت معها فستانين لحضور الحفلة قامت بالاغتسال وقبل ان تهم بارتداء ثوبها سمعت طرقات على الباب فتسائلت من ؟, سمعت صوت ( علا ) يطلب الاذن بالدخول فسمحت لها , دخلت ( علا ) – وكانت ترتدى ثوب السهرة خاصتها وهو ذهبي اللون ينسدل على الارض بطوله قصير الاكمام واطلقت شعرها الغجري الفتان ووضعت قليل من مساحيق التجميل فظهرت كالفراشة فاتنة – وضعت ( علا ) علبة طويلة بيضاء اللون عليها امضاء مصمم ازياء مشهور على السرير والتفتت الى ( هبة ) وقالت وعينيها تدمعان :
– ممكن اطلب منك طلب؟ , هزت ( هبة ) برأسها ايجابا وهى مستغربة من حالة ( علا ) التى تابعت :
– انا عارفة انك عاملة حسابك وجايبه فستان معاكى للحفلة بس ممكن تقبلي منى الهدية دي اتمنى اشوفك لابساها وزوقي يعجبك …
اقتربت ( هبة ) من العلبة وفتحتها وابعدت الورق الشفاف وامسكت ما بداخل العلبة ليظهر لها فستان قطع أنفاسها من قمة روعته ….
فنظرت الى ( علا ) وهى ماتزال ممسكة اياه وقالت باستغراب شديد:
– هدية ليا انا ؟؟, ليه يا ( علا )؟, احنا مافيش بيننا الكلام دا ؟؟ وبعدين ….. دا شكله غالى اووى ..
ثم قرأت اسم مصمم الازياء المدون على بطاقة مثبتة على العلبه وشهقت قائلة :
– ايلي صعب !! أشهر مصمم فساتين لبنانى !! معقولة ! دا الفنانات بيلبسوا من عنده وهما رايحين مهرجان كان ولّا الاوسكار مثلا .. ليه يا ( علا ) ؟؟
أجابت ( علا ) وعينيها تدمعان من فرحتها لاعجاب ( هبة ) بالفستان:
– انا ماليش اخوات بنات, وانت ربنا عوضنى بيكي, يبقى مستكترة انى اجيب لاختى هدية غالية وهى اغلى حاجه عندى ؟!
تركت ( هبة ) الفستان على السرير واندفعت لتحتضن ( علا ) قائلة من بين دموعها :
– وانا وربنا العالم انت بئيتى اكتر من اختى كمان انت و ( علاء ) عوضتونى الاخوات اللي ربنا ما قسمهومش ليا .. وانا بحبكم اووي …
ابتعدت ( علا ) عن أحضان ( هبة ) وقالت ضاحكة :
– لالالا اوعى!!, تحبيني انا اه.. لكن ( علاء ).. اوعى!, في ناس هنا مخهم شمال لو سمعوكى ممكن يرتكبوا جناية!!….
قطبت ( هبة ) جبينها وقالت متسائلة :
– مش فاهمه قصدك ايه يا ( علا ) ؟؟
فغمزتها ضاحكة وهى تسير الى الباب :
– ماتستعجليش هتفهمى وفي اقرب وقت ..
وخرجت تاركة ( هبة ) تسبح في حيرتها …ما ان همت بارتداء الثوب حتى سمعت صوت طرق على الباب ثانية ولم تكن قد ابدلت ثيابها بعد تسائلت من اجابها والدها انه يريد الحديث معها .. سريعا وضعت اسدال الصلاة عليها وفتحت له الباب بعد ان دخل جلس على الاريكة الموجوده بجانب سريرها واشار اليها لتجلس بجانبه وما ان جلست حتى امسك بيدها قائلا بحنو :
– اخبار عيون بابا ايه ؟ مابئيتش اعرف اقعد معاكى زى زمان ولا بئيتي تدلعيني وتتدلعي عليا زى الاول, وحشتيني يا هوبا..
امسكت يد والدها وقبلتها قائلة :
– ربنا يخليك ليا يا بابا, عموما هانت.. كلها كم يوم ونرجع بيتنا بالسلامة, وترجع ريما لعادتها القديمة وهدلعلك دلع اللي هوا يا ابو حجاج …
مسح والدها بحنو على شعرها وقال :
– مش لو ريما رجعت وما جاش اللي يخطفها من ابو حجاج!! ..
قطبت حاجبيها وقالت بإبتسامة شك :
– ايه يا ابو حجاج ماحدش يقدر ياخد ريما منك ابدا ..
سكت والدها ثم قال :
– عاوز اسألك سؤال يا (هبة ) بس تجاوبي بصراحه زى ما عودتك؟..
أجابت :
– اتفضل يا بابا أسأل ..
التفت بكامله اليها وقال وهو يضع عينيه في عينيها :
– انت مش هيوحشك المزرعة وناسها ؟؟؟
قالت وقد هربت بعينيها بعيدا عنه :
– اكيد يا بابا طبعا, الناس دوول عاملونا بمنتهى الاحترام كفاية ان جدي – وكان الجد قد طلب منها منذ البداية ان تناديه جدي – جه في صفي ضد …. ضد حفيده, ومدام ( سعاد ) و ( علا وعلاء ) حتى الناس اللي بتشتغل هنا كلهم هيوحشونى ..
فقال لها بمكر :
– وأمجد؟؟
قالت باندفاع :
– ايوة طبعـ…
ثم قضمت كلمتها وعضت لسانها وتابعت :
– ماله يا بابا ؟؟ عادى يعني هو بعد كلام جده معاه بصراحه ما كانش بيعترض طريقي خالص ..
فقال لها ابوها بجدية :
– عارفة ليه ؟؟ لانه عارف انك لو زعلت تانى منه هنمشي منها ومش هتقعدى ثانية واحده .. انت مسألتيش نفسك ليه اللي اسمها ( سارة ) دى ما عادتش بتيجي هنا ؟؟
فنظرت اليه متسائلة في حين تابع :
– ( أمجد ) اللي طلب منها ما عادتش تيجي, وفهمها بالمحسوس كدا ان طريقتها في الكلام معاه قودامك والتعامل معاك مش كويسة وانها لازم تحترمك لان احترامك من احترامه هو شخصيا ..
هتفت بدهشة :
– ايه ؟؟ امتى دا حصل ؟؟ وليه ما حدش قالي ؟؟
فقال ابوها :
– انت كنت رافضة اي كلام عنه, بل بالعكس كم مرة حاول يكلمك وانت تصديه!, خاف لو كلمناكى عنه او حد جاب سيرته العناد يركب دماغك وتصري انك تمشي, شوفتى بأه أد ايه هو بيراعى مشاعرك ولو على حساب مشاعره.. انا لما نهرته يوم كلامه معاكى دا كان الطبيعي كنت لازم افرمله لكن مش معنى كدا ان رأيي فيه اتغير ..
فقالت بهمس :
– يعني ايه يا بابا مش فاهمه ؟؟
أجاب يوسف وهو ينهض واقفا :
– ماتستعجليش يا حبيبتي, هتفهمى قريب اووى, ودلوقتى اجهزى علشان ما ينفعشي تتأخري عن الحفلة, واعرفي ان اي حاجه بابا عملها دا علشان مصلحتك مفهوم يا ( هبة )؟..
قامت من فورها وارتمت بين ذراعيه وهي تؤكد قائلة :
– اكيد يا بابا, اي شئ بتعمله بيكون فيه مصلحتى وانا موافقة وانا مغمضة ..
سألها وهو ينظر اليها :
– اكييد ؟؟
فهزت براسها ايجابا فتابع بابتسامة أبوية حانية :
– ابقي افتكرى كلامك دا يا ( هبة ) كويس..
وانصرف وهى مندهشة, ترى ما الذي حدث اليوم؟, الكل يتصرف بطريقة غريبة الأطوار معها, وحين تهم بالسؤال تكون الاجابه ستفهمين بعد قليل!!..
ارتدت الفستان فكانت كالبدر ليلة اكتماله جففت شعرها وسرّحته وتركته طليقا ثم وضعت احمر شفاه كرزى اللون ولبست حذاء عال احمر اللون ووضعت بضع نقاط من عطر الورود وامسكت بحقيبة سهرة حمراء صغيرة من الساتان الاحمر مطعم بالالماس الصناعى وكان الحذاء والشنطة بداخل الصندوق مع الفستان …
عندما فتحت باب الغرفة للخروج فوجئت بمدام ( سعاد ) امامها فابتسمت وقالت :
– اهلا يا مدام ( سعاد ) اتفضلي حضرتك ..
دخلت ( سعاد ) الحجرة وعيناها تلمع من الفرحة وقالت :
– بسم الله ما شاء الله عروسة زى القمر ..
قالت ( هبة ) :
– الله يخليكي حضرتك يا مدام …
فقاطعتها سعاد قائلة بحنو :
– بلاش كلمة مدام دى, ممكن تقوليلي يا طنط , او لو عاوزة تفرحيني بجد تقوليلي يا ماما!, انا عارفة ان محدش يقدر يملا مكان المرحومة والدتك.. بس ربنا العالم انت معزتك في قلبي من معزة ( علا ) بنتي تمام….
هزت ( هبة ) برأسها موافقة .. فيما اخرجت ( سعاد ) علبة قطيفة كانت تضعها في حقيبة ورقية مكتوب عليها اسم اشهر متجر للمجوهرات ( تيفاني ) وقالت :
– ممكن تقبلي الهدية المتواضعه دى مني ؟؟ دي هدية من ام لبنتها و يا ريت ما تكسيفينيش …
اضطربت ( هبة ) ولم تعلم ماذا تقول فهى من ناحية لا تريد اغضاب السيدة ( سعاد ) ومن ناحية اخرى الهدية باهظة الثمن وهى خجلة من قبولها ولكن ( سعاد ) حزمت امرها بالنيابه عنها وفتحت العلبة ليطالعها طقم من الياقوت الاحمر المطعم بالالماس فقالت ( هبة ) :
– الله يا مدا..,
نظرت ( سعاد ) اليها .. فتداركت قائلة :
– يا ماما ( سعاد ) الهدية جميلة اووى زوق حضرتك يجنن بس دي غالية اووى ..
أجابت سعاد بابتسامة خفيفة :
– الغالي للغالي, والغالي ما يهاديش الا الغالي, ويسلم زوق اللي اختارها !!..
ما ان همت ( هبة ) لتستفهم منها حتى تعالت الطرقات على الباب وسمعا من يناديهما لبدء حضور الضيوف , نزلتا الى الاسفل حيث شاهدت والدها ما ان وصلت الى الطابق الارضي وهويتحدث مع الجد وعندما شاهدها مال الى الجد حيث تحدث معه ثم تقدم الاثنان اليها وقال ابوها و عيناه تغيمان بالدموع :
– ما شاء الله ما شاء الله, والله وكبرت يا ( هبة ) وربنا ادانى العمر انى اشوفك في يوم زي دا, عقبال ما افرح بولادك يارب ..
ثم تقدم الجد اليها وسلم عليها ومال مقبلا وجنتيها وقال :
– بسم الله ما شاء الله .. انا قلت هو الفرق 30 سنه بس ….. بس اعمل ايه خطفك منى ؟…
فقالت هبة وهى خجلى :
– مين دا اللي خطفنى منك يا احلى جد؟, محدش يقدر يعملها ..
أجاب الجد ضاحكا :
– لا قدر وعملها!! ..
قطبت جبينها وابتدأت معدتها تتلوى فهى تشعر ان هناك شيئا يجري في الخفاء, وفجأه وقع نظرها عليه وكأن كل من بالغرفة اختفى ولم يبق سواهما, لم يستطيعا رفع ناظريهما عن بعضهما, انحبس الهواء في صدره من جمالها, كان يريد ان يطير بها ليحبسها في برج عاجي فلا يراها سواه, فهى تثير لديه غريزة رجل الكهف في الدفاع عما هو له ..
اما هى فقد انجذبت اليه بشده في بدلته السوداء التوكسيدو وربطه عنقه الفراشة الساتان الاسود, تقدم اليها ومد يده فوضعت يدها في يده بدون شعور وتعالت الالحان الراقصة من جيتار ( علاء) فرقصا ولم يلتفتا الى اي شخص آخر..
مكثا يرقصان حتى انتبهت انها في شرودها قد قادها الى الحديقة الى ركن منعزل منها, ولكنها كانت ما تزال تستمع الى صوت الموسيقى …ابتعدت عنه واخفضت راسها خجلا فمد يده ورفع وجهها اليه وهمس :
– بصي في عينيا ..
رفعت عينيها لترى نظرة في عينيه جعلت قلبها يرفرف بين جنبيها فما كان منه الا ان تابع بصوت أجش من فرط الانفعالات التي تمور بداخله :
– مبروووك …
تساءلت بهمس خافت وابتسامة خفيفة تلون شفتيها الكرزتين:
– الله يبارك فيك, بس مبرووك لك انتم!, الارباح ماشاء الله السنه دى ضعف السنه اللى فاتت ..
قال أمجد بابتسامة حانية :
– دى ارباح الشركة انا ماليش دعوه بيها, انا ببارك على ارباحى انا!!
قطبت قليلا ثم ابعدت ذقنها عن ملمس يده فوقعت يده جانبه وقالت :
– ارباحك ؟ مش فاهمه تقصد ايه بالضبط ؟؟؟
قال بخبث :
– انت ارباحى يا ملاكى الفتان …
تلوت معدتها واحست بشعور يشبه الاغماء وتساءلت بضعف وذهول:
– ازاى يعني؟؟
مال عليها ونظر الى عينيها وقال :
– فاكرة انت قولتيلي انى ماليش كلام معاكى طول ما انا مبني للمجهول لغاية ما اكون مبني للعلوم ؟!! وانا دلوقتى مبني للمعلوم!! ….
نظرت اليه مصعوقة فيما اكمل كلامه قائلا بابتسامة منتشية ترتسم على شفتيه الحازمتين :
– اقدم لك زوجك ( أمجد ) يا زوجتى العزيزة ( هبة ), والطقم اللى انت لابساه دا شبكتك!!, الدبل والخواتم هنلبسهم في الحفلة, احنا اللى هنفتتح البوفيه لان انهارده يا زوجتى العزيزة مش حفلة الارباح.. لا .. انهارده حفلة بمناسبة عقد قرآني أنا ( أمجد ) عليكي يا… عروسة!! …
زاغ بصر ( هبة ) واحست بسحابة سوداء تلفها ثم هوت الى تلك الدوامة التي تلفها لتغرق في قاعها ولكن تلقفتها ذراعي ( أمجد ) قبل ان يلمس جسدها الأرض!!…
ترى ماذا سيكون رد فعل ( هبة ) عندما تفيق ؟؟ وهل ستستسلم للامر الواقع ام ستصر على الانفصال لان الزواج تم من دون علمها ؟؟ وكيف وافق ابوها على ذلك ؟؟؟ وهل سترضخ ( سارة ) هى الاخرى للامر الواقع ام ستحاول وبشده انتزاع ( أمجد ) …
رواية “حلم ولا علم” للكاتبة “منى لطفي” الحلقة التاسعة
نظر ( أمجد ) الى وجه ملاكه النائم أمامه, مرر ظهر يده على وجنتها الناعمة نعومة بشرة الاطفال , واغمض عينيه وزفر عاليا, لا يستطع نسيان رعبه عندما وقعت مغشيا عليها بين يديه , وحمد الله انه لم يوجد سواهما فحملها ودخل بها الى الفيلا من الباب الخلفي حيث صعد بها الى غرفتها مباشرة, وها هو بجانبها منذ ما يقرب الـ 5 دقائق, كاد يموت رعبا باديء الأمر ولكن ما جعل دقاته قلبه المتقافزة خوفا وهلعا تهدأ قليلا انه وجدها تتنفس بطبيعين ولو تتغير وتيرة أنفاسها, وكأنها قد غرقت في سبات عميق, ما جعله يلغب فكرة الاستعانة بوالدته من دون علم أي شخص آخر حتى والدها حتى لا تشيع الفوضى والاضطراب بين الحضور, وقد صدق حدسه فمن الواضح أن إغماءتها جاءت نتيجة المفاجأة, ولكنه يريدها ان تفيق من سباتها العميق هذا, وتفتح عينيها الرماديتين الدخانتين والتى يتيه في بهائهما .. ليطمئن قلبه تماما….
أحضر قارورة العطر ورش قليل منها على منديله ووضعه على انفها وانتظر ثوان ليسمع صوت تأوهها بعد ذلك, فأبعد يده وهمس لها بحنو خافت :
– ( هبة ) انت سامعانى ؟؟ ( هبة ) انا ( أمجد ) ردي عليا ..
رمشت بعينيها قليلا قبل أن تفتحهما ونظرت اليه بنظرات تائهة ناعسة ليتيه هو في تلك النظرات الشاردة التي تسلبه عقله قبل لبّه!, في حين لم تعي هي ما يجيش في صدر مرافقها من انفعالات فتحدثت بصوت خافت فيما تضع يدها على رأسها غير واعية بما حدث لها :
– هو في ايه ؟؟ ايه اللي جرالى ؟؟ ايه اللي حصل ؟؟
ثم نظرت اليه دهشة وقد غدت في كامل وعيها وتابعت متسائلة بحيرة:
– انت بتعمل ايه هنا ؟؟
أجابها بابتسامة خفيفة :
– أغمى عليكي ولاقيتك مرة واحدة وقعت من طولك, بس الحمدلله لحقتك , ربنا ستر مش عارف لو كنت اتخبطت ع الارض كان جرالك ايه؟؟ انتي بقالك اكتر من 5 دقايق نايمة وجسمك ما لمس الارض, اومال لو كنت خدتي الارض في حضنك بقه؟!!
نظرت اليه مذهولة وكررت عباراته:
ايه ؟؟ وقعت وكنت هاخد الارض في حضني وانت الـ….
وبترت عبارتها حيث تذكرت سبب اغمائها المفاجئ فقامت من فورها تتحسس فستانها وشعرها وقالت وهى تحاول الوقوف على قدميها بينما لا تزال تترنح من أثار الدوار الذي داهمها قبلا:
– انت مين اللي سمح لك انت تدخل اوضتى؟؟ وبعدين دا تزوير ! ازاى اتجوزك وانا معرفش وما مضيتش على اي قسيمة ؟؟ وبابا ازاى وافق ؟ انت كداب !! انا ههقول لبابا اكيد هو ما يعرفش آآه…
وسرعان ما وضعت يدها على عينيها مطلقة تأوه ألم من شدة الصداع الذي فاجئها , زفر ( أمجد ) بضيق وقال وهو يهرع اليها ليسندها حيث تقف مترنحة تكاد تقع للمرة الثانية :
– ممكن تقعدى الاول قبل ما تقعى من طولك ولا انت استحليتيها انت تقعى وانا اشيلك ؟؟ ( اراد استفزازها لتعود اليها حيويتها حتى لو بالصراخ في وجهه ولكنه لا يريدها ان تعود الى حالتها التي كانت عليها من الضعف )
أجابت حانقة فيما تحاول ان تدفع يده بعيدا عنها:
– نعم ؟؟ لعلمك بقه لو مافيش غيرك يسندنى انا مش عاوزاك!!
تركها ونظر اليها بهدوء مستفز:
– ومش هتلاقي غيري يا هانم عاوزة!, مين غير جوزك اللي يسندك ان شاء الله ؟! انا لغاية دلوقتى مراعي احساسك وأن المفاجأه كانت جامده عليكي لكن بعد كدا مش هراعي ..
نظرت اليه وهى تقول بعصبية :
– انت هتستعبط؟؟ يعملوها ويخيلو ؟! انت عارف انت قلت ايه ؟ دى مش مفاجأه حضرتك؟! دى كارثة .. مصيبة.. نكسة .. لكن بالتأكيد افظع من اي مفاجأه…
تمالك ( أمجد ) نفسه بصعوبة واخذ نفس عميق وهتف من بين اسنانه:
– انا مطول بالي عليكي لغايه دلوقتى, ما تستفزنيش والا ما تلوميش الا نفسك..
اضطربت قليلا من تهديده الواضح ولكنها أجابته وهى تحاول ألا تظهر ما شعرت به من تحذيره لها مذكرة نفسها أنه لا يملك أي حق عليها:
– ليه ان شاء الله, هتضربني؟
أجاب باستخفاف واضح وهو يميل مشرفا عليها بينما اضطرت للابتعاد بوجهها قليلا بعيدا عن نظرة عينيه الثاقبتين:
– لا مش هضربك, هو مافيش غير الضرب بس اللي الواحد ممكن يأدب بيه مراته؟!, ابسط حاجه انه بدل ما انهارده كتب كتاب بس.. اقنع والدك انه يكون كتب كتاب و ….دخلة !!, ها.. ايه رايك ؟! هى دي بأه المفاجأه اللى بجد فعلا!!…
تسمرت( هبة ) في مكانها من دون أن تنبس ببنت شفة بينما لاحت علامات الصدمة على ملامحها وقالت وهي تحاول بث الثقة الى نفسها أولا:
– بابا مش هيوافق ..
قال بخبث :
– اللي خلاه يوافق قبل كدا على كتب الكتاب يخليه يوافق دلوقتي على الفرح.. صح ولا ايه؟؟
شعرت بالذعر من مجرد التفكير في امكانية موافقة والدها على هذه المهزلة التي يدعيها امجد, ولكنه صادق فلو صح أمر عقد القران ذلك, فمن السهل أن يوافق وتلدها على الزفاف, فقد سبق له وأن عقد قرانها من دون علمها حتى وان كان متأكدا تماما من موافقتها ولكنها ليست جارية أو سبيّة يتحكمون فيها من دون علمها, ولكنها تكاد تقسم أنه لا بد وأن في الأمر شيء, ليس والدها أبدا الذي رباها على الكرامة وعزة النفس من يكون هو أول من يفرك في كرامة ابنته, هناك حلقة مفقودة ولا بد لها من اكتشافها!!, ولكنها لا تنكر أنها تميل الى تصديقه فهو يتكلم بمنتهى الثقة بالنفس وهو ليس غبيا ليدعي أمرا كهذا خاصة وكل الشواهد تؤكد صحة كلامه بدءا من الفستان هدية علا المفاجئة انتهاءا بحديث والدها الغريب الذي تناوله معها في وقت سابق اليوم, ولكنها لن يفيدها ابداء ذعرها أمامه, على جثتها أن تذرف دمعة واحدة أو أن ترجوه ليفك قيدها ان صح عقد القران هذا!!
جذبت نفسا عميقا ثم نظرت اليه بتمالك أدهشه ونال اعجابه في ذات الوقت وقالت بهدوء وهى تنظر اليه ولكنها لم تستطع منع الدموع التي قفزت الى عينيها ولكنها تحكمت فيها بصعوبة وهي ترفض بإباء أن يظهر عليها أي بادرة من بوادر الضعف امامه :
– ليه ؟؟ انت بتعمل فيا كدا ليه ؟؟ كل دا علشان ايه ؟؟ علشان رفضتك ؟؟ كرامتك غالية اووى كدا عندك ؟؟
قال بهمس أجش وهو يقترب بوجهه منها حتى أنها شعرت بأنفاسه الساخنة وهي تضرب صحيفة وجهها المرمري:
– هتصدقيني لو قلت لك ان كرامتى مالهاش اي دخل باللي عملته!! ..
هزت راسها بالنفي بينما ارتسم تعبير الاستنكار وعدم التصديق وجهها وهي تنظر اليه رافضة لما تسمعه فيما تابع قائلا وعيناه تنظران اليها برجاء غريب عليه لم يسبق لها وأن لمحته في عيناه قبلا:
– لا .. صدقي !!, الحاجه الوحيده اللى خلّتني عملت كدا هى …. انتِ!!
نظرت اليه مصدومة فتابع وهو يقبض على ذراعها بحرص خوفا من رفضها لملامسته :
– اه .. صدقي, .. انت يا ( هبة ), انت السبب !!, رفضك ليا وقرارك انك تبعدي عني هو اللي جنني وشتت عقلي و خلاني اعمل كدا, باباكى لو مش متأكد انى فعلا عاوزك وهصونك ما كانش وافق !! عنادك الفظيع كان هيخسرنا بعض .. وانا مش عاوز اخسرك ..
أجابت بهمس حزين وعينيها تمتلآن بالأسف:
– انت ما كسبتنيش علشان تخسرني !!, انت مش ملاحظ طريقتك معايا ؟! كلها اوامر !! حتى في طلبك الجواز مني كان بالأمر !! انا بنت لها مشاعرها يا ( أمجد ) .. من حقي الانسان اللى ارتبط به يحس ناحيتي باحساس معين وانا كمان .. لكن انت عقلك بس اللي بيحسبها والعقل جميل لو الموضوع شُغل وبس, لكن الجواز والعلاقات الانسانية لهم حسابات تانية خاالص, وانا قلتلك كدا قبل كدا .. ليه تحرمنى من حقي في الاختيار .. انت اتقدمت لى وانا اخترت انى ما وافقش يبقى المفروض تحترم دا .. وتسيبني اشوف طريقي واقابل انسان عادى زيي, انا مش عاوزاه رجل اعمال ومشهور و.. و.. و..,لا لا لا.. كل دا مايهمنيش , انا عاوزاه انسان بسيط .. يخاف عليا .. يحترمنى ويحترم رأيي, .. يحسسني انى اغلى حاجه في حياته وانه لو خسر الدنيا كلها مش مهم, المهم انه ما يخسرنيش أنا, مش يفرض نفسه عليا لمجرد انه عاوزنى ؟! انا مش شئ يعجبك فتقوم تقرر انك تاخده وتمتلكه .., انا انسانه وليا مشاعر واحاسيس ..
نظر اليها عميقا بينما اشتدت قبضته من غير وعي على مرفقها وقال بحدة مكبوتة:
– على جثتي يا هبة انك تكوني لحد غيري, الحب والكلام دا في الافلام والروايات وبس, لكن في الواقع.. العقل هو اللي حسبته بتكون صح .. انت بالنسبة لي عروسة مناسبة سنك وشكلك وثقافتك وتربيتك واظن ان نفس الشئ بالنسبة لي يعني فرق 12 سنة مش كبير اوي, انت 24 وانا 36,دا غير إني رجل اعمال ناجح.. غني, من عيلة, وشكلا أكتر بكتير من مقبول, اعتقد يعني يبقى بحسبة بسيطة كدا جوازنا هيكون ارتباط ناجح ..
أجابته وقد أغاظها كلامه بمثل هذه الثقة المفرطة بالنفس وهو يعدد مزاياه كعريس منتظر بينما امتلأت نفسها بالشفقة تجاهه وهي تتيقن في داخلها أن أمجد ينقصه أهم شيء ألا وهو الاحساس!, فهو وإن كان يمتلك مقومات الزوج الناجح شكلا ومظهرا, ولكنه يظل فاقدا لأهم عنصر لا بد من توافره في مواصفاتها لزوج المستقبل, ألا وهو المشاعر الانسانية, لذا أجابته ونبرة صوتها تلون بهدوء حزين وهى تشير الى قلبها :
– لكن دا لازم يكون له رأي في الحسبة دى.. انا مش هحوّر الكلام ولا هدوّره ومش هنكر انى كنت منجذبة ليك, لا.. ومبهورة كمان!, مبهورة بكل اللى انت قولته دا.. بس دى كانت القشرة اللي بره, أنما لما قربت منك اتخضيت وخفت .. اه ما تستغربش كدا .. خفت من القسوة والبرود اللي فيك واللي بتتعامل بيهم حتى في ابسط الامور .. خفت من عقلك الشديد دا!, ( أمجد ) انا مش هتجوز واحد أخد معاه جايزة نوبل !!, انا عايزة انسان بسيط لحم ودم زيي, مش مهم اي شئ, المهم انى اطمن اخر الليل انى هحط راسي على دراعه وهيحضنى .. حضنه دا هو الامان بالنسبة لي مش رصيده في البنك ولا مكانته ولا شكله ….
أجاب بغضب ناري لمع من بين فحم عينيه المشتعل:
– آخر مرة اسمح لك انك تتكلمى بالاسلوب دا قدامى عن انسان اي انسان حتى لو كان في حلمك دا,حاجة متأكدة حطيها في دماغك كوي ساوي, انتِ مالكيش زوج غيري انا, ومافيش دراع مخلوق هتتحط عليك ولا تلمس شعرة منك غيري,أظن كلامى واضح؟, عموما احنا ضيعنا وقت طويل اووى والناس مستنيانا تحت .. انا قريت الفاتحه مع والدك والناس كلها تحت عارفة انها جاية تحضر كتب كتابنا والمأذون مستني !!..
نظرت اليه مصعوقة وقالت :
– المأذون ؟؟ يعني احنا مش …
قاطعها ببرود :
– لأ … احنا لسه متجوزناش رسمي, والدك اللى هو وكيلك وافق على الجواز وقرينا الفاتحه قدام الناس كلها, لو لسه رافضه براحتك.. بس شوفي والدك هيكون موقفه قدامنا ايه وقدام الناس اللي جاية انهرده عارفة انها جاية تحضر حفل كتب الكتاب والشبكة؟!, عن نفسي.. انا عاوزك ووالدك مرحب بكدا, يبقى يا بتاعت المثاليات الفارغة انزلى بكل جرأة وقولي قدام الناس اللى تحت دوول كلهم انك رافضة وان والدك كذب لما وافق على اساس انك موافقة وقرا الفاتحه معايا … ها قلتي ايه ؟؟؟ الكرة في ملعبك دلوقتى؟؟؟,,
لم تستطع النطق بحرف واحد ,, لابد وانها في كابوس بشع .. تتمنى ان تستفيق منه قريبا .. لا يمكن ان يكون من يقف امامها الآن هو من كان بالأمس القريب حلمها …لا هو أفظع من الكابوووس ..ولكن ليست ( هبة ) من تخضع لتهديدات جوفاء وقالت في نفسها :
– اوكي يا ( أمجد ) ما بئاش ( هبة يوسف ) اما خليتك تقول حقي برقبتي ولا هتلمس شعرة واحده منى هى حرب وانت اللي ابتديتها بس استحمل بأه هم مش بيقولو ان كيدهن عظيم ماشي ..ماشي يا ( أمجد ) …
نظرت اليه من تحت جفونها وقالت ببرود :
– حاضر يا ( أمجد ) بيه .. مش ( هبة ) اللي تصغر بابوها قدام الناس بس خليك فاكر انت اللي ابتديت والبادي أظلم ..
وقف امامها وأجاب بابتسامة غريبة تعتلي شفتيه بينما تحتل نظرة غريبة حارت في تفسيرها فحم عينيه :
– عارفة.. انا فعلا بحسد والدك عليك .. أد كدا بتحبيه ومخلصاله .. بس صدقيني انا كمان مش هرتاح غير لما اكون عندك في نفس المكانة دي لا واكتر كمان, وبكرة تشوفي يا ( هبة ) .. ودلوقتى ممكن تظبطى نفسك علشان ننزلهم اكيد قلقوا احنا اتأخرنا عليهم اووى؟…
اتجهت حيث منضدة الزينة ووقفت امام المرآه.. ونظرت الى نفسها وقالت وهى تتطلع الى صورته المنعكسة في المرآه أمامها:
– ويا ترى الفستان دا زي الطقم الالماظ بردو منك ؟؟
اقترب منها ونظر اليها عبر المرآة وأجاب :
– أكييد!!… علشان تعرفي انى عارفك كويس أوي, وما فيش أي تفصيلة فيكي مهما كانت صغيرة بتفوتني, حتى مقاسك!, وهتتفاجئي من الدبلة والخاتم بردو مقاسك بالظبط, علشان لما اقول انى حافظك يبقى مش بقول اي كلام والسلام …
نظرت الى فستانها الابيض المنسدل على الارض باتساع يزينه من عند الصدر شريط ساتان احمر ومن ذيله شريط اخر من الساتان الاحمر كذلك وترى طقم الالماس الذي البستها اياه والدته في وقت سابق وكيف ان الياقوت الاحمر والالماس يتماشيان مع موديل الفستان, جددت زينتها ورشت بعض العطر ثم التفتت اليه ففوجئت بتعبير غريب على وجهه ونظرة عميقة في عينيه سرعان ما اختفت حالما نظر اليها , اشار اليها لتتقدمه وخرجا من غرفتها نزولا الى الدرج ليتسللا الى الباب الخلفي تماما كما سبق له وصعد حاملا إياها,ت جنبا للاسئلة الكثيرة عن سبب صعودهم الى الأعلى, دخلا الى البهو الواسع الذي يعج بالضيوف وذهب أمجد الى والدها حيث مال عليه قليلا ليحدثه وما لبث انا سار اليها ها ابوها ليقف أمامها ويمسك بيديها ونظر اليها قائلا بحنو وابتسامة سعادة تنير وجهه:
– صحيح يا ( هبة ) يا بنتي اللي قالو ( أمجد ) ؟ انت فعلا موافقة ؟؟ انا لو كان عندى نسبة شك ولو بسيطة انك مش هتكونى سعيده معاه صدقيني عمرى ما كنت وافقت, بس لو عندك رأي تاني قولي حبيبتي احنا لسه فيها, مش عاوز يكون فيه اي ضغط عليكي ؟؟
نظرت هبة الى ( أمجد ) الذي انتبه اليها وسار حتى وقف الى جانبها وقد سمع الشطر الاخير من كلام والدها وقال موجها كلامه اليها بهدوء ظاهر ولكنها تعلم جيدا ما الذي يخبئه بهدوءه ذاك :
– ايه يا ( هبة ) حبيبتي انت ما قولتيش لوالدك انك موافقة من غير ضغط لا منى ولا منه ؟؟ اطمن يا عمي انا مش هلاقي زي ( هبة ) ابدا ومش هسمح لأي شئ او أي حد مهما كان إنه يزعلها أو يقف بيني وبينها!!..
ابتسم والدها وذهب ليزف البشرى الى الجد الجالس في غرفة المكتب مع المأذون في حين التفتت ( هبة ) الى ( أمجد ) وقالت :
– حلو اووى انك مش هتسمح لأي حد انه يضايقني !, كلام جميل بجد, طيب واذا كان الحد دا بأه هو …. انت ؟! يبقى ازاي الحال ؟؟؟
اغمض عينيه وعدّ في سره من 1 الى 10, فهو لا يريد ان يغضب أو يحتد عليها, ولكنها تختبر صبره وبقوة, ثم ما لبث ان زفر بعمق وفتح عينيه ونظر اليها وقال بشبح ابتسامه :
– معلهش, انا مقدر مشاعرك دلوقتى, واوعدك ان الفرح هيكون في اكبر اوتيل في البلد, وهيكون فرح ولا فرح قطر الندى لانك مش اقل منها أبداااااا…
نظرت اليه هبة في دهشة ومالبث ان جاء والدها يحثهما على التقدم معه لعقد القرآن….
جلست ( هبة ) في كرسيها وهى تشاهد ( علا ) تتمايل على الانغام الراقصة الصادرة من جيتار ( علاء ) ومدام ( سعاد ) تقف وسط الضيوف ترحب بهم وتتلقى التهنئة بينما والدها والجد منشغلان بالحديث والضحك مع الضيوف .. كانت طوال الوقت تلعب باصبعها في خاتم زفافها, والمحبس والخاتم الالماسان اللذان يعلوان خاتم الزفاف,وهي مندهشة مما يحدث حولها, وكأن هذه حفلة انسانه اخرى غيرها..
استرعى انتباهها ضحكة انطلقت رقراقه من … عريسها والذي تقدم ووقف امامها ومد يده اليها وهو ينظر اليها بحنو غريب جعل قلبها يرفرف في صدرها .. وضعت يدها في يده لا شعوريا وقامت معه ,, لف ذراعيه حول خصرها ووضع يديها حول رقبته ومال معها على الانغام الرومانسية لجيتار ( علاء ) وهمس في اذنها :
– وحشتيني ؟؟
نظرت اليها مندهشة فاكمل قائلا وهو يبتسم :
– آه .. وحشتيني بجد .. من ساعه ما وقعنا القسيمة وانا مش عاوزك تغيبي عن عيني لحظة واحده ..
احمرت وجنتيها خجلا وتذكرت بعد توقيع العقد حيث اتى اليها وهى جالسة بين امه واخته ووقف امامها فقامت اليه وهي تنظر اليه بحياء وخجل بينما تطلع اليها بنظرة طويلة تحمل انفعالات شتى جعلت قلبها يختض في صدرها, ولم يلبث أن مال عليها ليطبع قبلة طويلة فوق جبينها جعلت ركبتيها يتخبطان في بعضهما ويتحولان الى سائل هلامى حتى أنها خافت الا يستطيعا حملها فتنهار ساقطة امامه!!.. وكأنه قد شعر بها وأشفق عليها حيث ابتعد عنها في اللحظة المناسبة وامسك بيدها ليقبلها ثم جلس بجوارها حيث البسها الدبلة والمحبس والخاتم وقامت هى بإلباسه خاتمه وكانت يديها ترتعشان فلم تستطع وضع خاتمه جيدا فما كان منه الا ان امسك بيدها وهى تدفع بالخاتم في بنصره ليساعدها مما جعل ارتجافتها تزداد!!…
افاقت من شرودها على قوله الهامس :
– سرحتى في ايه ؟؟ ياريت يكون فيا .. انا عارف انى عصبي وعنيد بس مش عاوز اخسرك, ممكن نبتدي صفحه جديده ؟؟ ممكن ؟؟…
نظرت اليه قليلا ومالبث ان أشرق وجهها بابتسامة عريضة ولمعت عيناه بينما أجابته بتأكيد:
– ممكن …
انقضت السهرة بعد ذلك في منتهى السعاده والمرح, ولم ينغصّها سوى …نظرات ( سارة ) المليئة بالكراهية السوداء والتى كانت تلقي بها الى ( هبة ) من حين الى آخر…
اعتادت ( هبة ) و ( أمجد ) على الذهاب كل يوم صباحا للنزهة على ظهر الخيل وصارحها أمجد انه هو من طلب من ( سعيد ) السائس ان يرافقها كظلها عندما تمتطى ( شمس ) …
بعد ثلاثة ايام من حفل عقد القرآن وكانت الاجازة قد شارفت على الانتهاء ولم يبق سوى يومين وتعود هبة ووالدها الى مقر اقامتهما ولم تكن ( هبة ) قد تناقشت مع ( أمجد ) عن عملها معه, فبالنسبة اليها لا يوجد اي سوء من ان تظل في عملها فهى تحبه وقد افادها كثيرا, ولكن اذ بهذا الأمر يُفتح تلقائيا بينهما!
كانا يتحدثان اثناء احتاسئهما الشاي في الحديقة حيث قالت ( هبة ) :
– صحيح يا سيادة المدير, اجازتى هتخلص كمان يومين.. فعاوزة ارتب مع جناب حضرتك هتقول للموظفين ايه ؟ وخصوصا ان الموضوع حصل فجأة من غير اي تمهيد ..
وضع أمجد فنجان الشاي على الطاولة امامه ثم اعتدل جالسا ونظر اليها قائلا بتلقائية:
– وليه اجازتك تخلص بعد يومين؟, عاوزة تمدي الأجازة براحتك.. وليه الشغل من اساسه ؟؟ انت مش هتحتاجى الشغل في حاجه .. انا عاوزك متفرغالى انا وبس, عاوزة تشتغلي يا ستي اشتغليني انا , انا موافق!!…
نظرت اليه وقد ارتابت ان يكون قاصدا لما فهمته, فهي قد لمست أن حديثه يحمل طابع الجد وان كان في ظاهره المزاح, فقالت :
– ( أمجد ) انت بتتكلم بجد ولا بتهزر ؟ انتي فاكر اني بشتغل علشان محتاجة فلوس؟, ( لم تنتظر سماع اجابته واندفعت متابعة):
– لا طبعا. تبقى غلطان!, انا بشتغل علشانى انا .. مش علشان محتاجه فلوس, انما انا محتاجه احس بوجودى .. بكيانى .. مافيش مانع ابدا انى اكون بشتغل وفي نفس الوقت زوجة .. انا مش شايفه اي تعارض بينهم …
اغمض امجد عينيه وقال بصوت مسموع :
– يعني ياربي اعمل ايه؟, مش عاوزة تكملها وتقول زوجتك او مراتك لا… زوجة وبس ؟؟
ثم نظر اليها وتابع بحسرة :
– حرام عليكِ نفسي اسمعها منك !!..
قالت وهى تشيح بنظرها بعيدا عنه باضطراب وخجل :
– تسـ … تسمع ايه ؟؟
مال عليها هامسا لها:
– مراتك!, نفسي اسمع منك الكلمة دي!, مراتك… انت مراتي… مراتي انا… عارفة الكلمة دي بتعمل فيا ايه ؟؟…
لم ينتظر سماع جوابها بينما امتدت يده لتعتصر أصابعها الهشة بين أحضان أصابعه الضخمة القوية, بينما نظراته تشيع الفوضى في جميع حواسها, اضطربت… ارتبكت….و…سكنت!, لم تستطع افلات يدها من قبضته بينما هو فما إن قبض بأصابعه القوية على أصابعها الضعيفة مختبرا رقة بشرتها والتي تضاهي نعومة بشرة الاطفال حتى شعر وكأنه قد لمس سلكا كهربائيا عالي التردد!!, إذ تدفق الدم يجري ساخنا وبقوة في أوردته, بينما انطلقت شرارات أمامهما وكأن هناك ألعاب نارية تتقافز فوق رأسيهما, ثم مال ناحيتها حتى غدا على بعد بوصات قليلة من وجهها وطالعها بنظرات تائهة وهو شارد في مبسمها الساحر وهمس باسمها بخفوت فتاهت في نظراته العميقة وهمهمت بنعم لتصفع أنفاسها الساخنة صفحة وجهه ولا يستطيع الصمود أكثر من ذلك فيخطف قبلة عميقة من شفتيها جعلتها تفتح عينيها على اتساعهما ذهولا و… صدمة!!, وكأنها قد استحالت قطعة من رخام حتى إذا ما تمادى وشعرت بيديه وهما يعبثان بملابسها إذ بها تدفعه بقوة بعيدا عنها وهي تزمجر كقطة غاضبة ولكن ليس قبل أن تترك له تذكارا بسيطا يتذكرها به!, ألا وهو قضمة خفيفة لـ شفتيه جعلته يتأوه ألما و……مرحا!!!
ابتعد وهو يطلق آهة عميقة بينما قطبت هبة حنقا وغيظا وتمتمت بصوت نزق وصل الى أسماعه:
– قلة أدب!!…
لم تعطه المجال للكلام اذ تابعت في غضب جعل وجنتيها يحمران من شدة الغضب و.. الخجل, مما أكسبها صورة فاتنة لم تعيها تاه فيها أمجد بينما انبرت هي تتابع في غيظ:
– انت اتهبلت يا أمجد؟!, حد يعمل كدا؟, وفين؟ في الجنينة؟, أي حد يعدي يشوفنا؟, ايه كنت هتعمل ايه حضرتك لو حد شافك؟, ايه هتقول اتفضل معانا؟؟..
هتف أمجد وهو لا يدري أيضحك أم يصرخ غضبا وغيظا من هذه الطفلة القابعة أمامه ولكن في ثوب إمرأة شديدة الاغراء:
– انتي بتستعبطي يا هبة؟, ايه اتفضل معانا دي؟, وبعدين انتي ناسية ولا ايه؟, انتي مرااااتي… هفضل أحفظك فيها كدا لغاية ما تقوليها وتصدقيها كمان, فاهمه انتي مرات أمجد علي الدين, مراتي أنا!!
عقدت ( هبة ) جبينها وقد ارتابت منه ومن إسلوبه الغريب في التعامل معها, فهو لم يسبق له وأن أظهر أيّا من تلك الاحاسيس التي تراها وتلمسها في عينيه, فقد عقد قرانهما منذ ثلاثة أيام ولم يحاول وضع إصبعا عليها, فما الذي حدث جعله يخرج عن طوره ويظهر كعاشق غيور لا يكاد يبعد يديه عن حبيبته؟!!..
لا لا لا , لا بد أن في الأمر سرّ, وسرّ خطير أيضا!!, انه ليس أمجد رجل الثلج المعروف!!, هل يا ترى قد جال في باله أنه لانهما قد عقدا القرآن فهي الآن زوجة له يستطيع التصرف معها بمنتهى الحرية والسماح لنزواته بقيادة علاقتهما؟, ولكن هذا ليس بحب أذا صح ما تفكر فيه, انها رغبة والرغبة أبدا ليست بحب!!
همست تتساءل في نفسها ببعض من الاسئلة التي تقض مضجعها:
– هو ماله انهارده ؟ مش بعاده يتنحنح لي يعني ؟؟ اقوله ايه دا بأه وهو عمال يبص لي بصات تخليني اقشعر..وزي ما يكون عاوز يعيده تاني؟و طب خليه يقرب كدا لو العضّة اللي فاتت ما خليتوش يتوب أنا بقه هديلو القاضية اللي هتخليه يتوب عن الصنف كله!!..
نظرت اليه وقالت بابتسامة زائفة وكأنها تهادن طفلا صغيرا رغبة منها في ابعاد تلك النظرة التي تغلف عينيه وتسبب القشعريرة التي تشعر بها وهي تمر على طول عامودها الفقري:
– يعني هي المشكلة كلها انى ما قولتش مراتك؟!, بس كدا؟, ولا فيه حاجة تانية؟..
ابتعدت عنه معتدلة في جلستها وقد سحبت يدها من بين يديه وهو ينظر اليها بغيظ في حين اكملت قائلة :
– معلهش اعذرني, بس شكلي كدا مش هقولها دلوقتي خالص!, إذا كنت انا لسه ما قولتهاش وانت عمال تنحنح لي كدا وتعمل قلة أدب, اومال لو قلتها بأه ؟؟
نظر اليها بدهشة وكرر كلامها بذهول :
– ايييه ؟؟ أنا بعمل قلة أدب؟,وكمان بـأتنحنح لك ؟؟ انا بتنحنح ؟؟؟, أنا قليل الأدب أنا؟!..
سكت لوهلة ثم اطلق ضحكة عاليه جعلتها تطلع اليه في دهشة وما ان هدأت ضحكته حتى قالت بابتسامة صغيرة:
– الله .. ما انت ضحكتك حلوة اهى وبتعرف تضحك زينا !!..
قال بتعجب ولا تزال الابتسامة تلون وجهه:
– نعم ؟؟ اه طبعا بعرف اضحك ..
أجابت بجدية زائفة :
– اومال ليه 111 المعقودين بعقدة واشنيطة عندك دوول على طول؟؟
تساءل بدهشة بالغه :
– ايه؟؟ 111 .. وعقدة واشنيطة ؟؟ انت بتقولى ايه بالظبط ؟؟
اوضحت له مقصدها وهى تشير بين حاجبيها قائلة :
– انت على طوول عاقد حواجبك, لحد ما قلت دى مش عقدة وبس لا واشنيطة كمان, ونااااااادر لو ابتسمت بس, دا انا حتى كنت فاكراك خايف تضحك لا وشك يشقق …
ضحك بخفة وقال معلّقا:
– لالالالالا انت مش ممكن, انا عارف انك طفلة وعلى سجيتك واللي في بالك بتقوليه على طوول… بس مش اووى كدا بردو!!
اصطنعت هبة الجدية وقالت:
– طفلة!, طيب وطالما أنا طفلة بقه يبقى حسّك عينك تقرب مني ولا تحط ايدك عليا, والا هسيح لك!, عارف واحنا صغيرين كانت ماما بتقول لنا لو حد جه جنبنا نصوّت ونلم عليه الدنيا, تحب أوريك الطفولة اللي على أصلها بقه؟؟…
لم يتثنى له الرد عليها اذ تناهى الى سمعهما صوتا يقول بمرح زائف:
– اهلا بالعرسان … انتو مستخبيين هنا بتعملو ايه يا اشقيا؟؟…
نظرت ( هبة ) الى صاحبة الصوت والتي لم تكن سوى ..سارة… من قمة راسها الى اخمص قدميها بنظرة غيظ, فيما أجاب ( أمجد ) ليلطف الاجواء فهو اصبح يعلم ( هبة ) جيدا وانها لن تتوانى عن قول ما يجول في خاطرها ومن دون اي حذر :
– اهلا ازيك يا ( سارة )
ونهض من كرسيه ووقف مصافحا لها في حين لم تكلف ( هبة ) نفسها عناء الوقوف, وسمعت ( أمجد ) وهو يقول :
– اتفضلي يا ( سارة ) استريحي .. , مشيرا الى الكرسي خلفها ولكنها لم تضع وقتا وسرعان ما جلست على كرسيّ آخر بجواره هو, وقد وضعت ساقا فوق اخرى مما أدى الى انحسار الثوب الى ركبتيها فازداد غيظ وغضب ( هبة ) منها…
قالت ( سارة ) ناظرة الى أمجد برموشها المصطنعة:
– ميرسي يا ( موجي ) ..
نظرت ( هبة ) اليها وقالت قبل ان يتثنى الوقت لـ ( أمجد ) للإجابة:
– لا هو مووووجي – وشددت على لفظ مووجي – دايما جنتل مان بصراحه ..
علقت الاخرى قائلة بنظرة ناعسة الى أمجد من تحت جفنيها :
– اووه .. انتى هتقوليلي ؟.. أنا عارفاه يوم بيوم وساعه بساعه, هو صحيح اكبر منى ب 8 سنين بس, لكن انا وقتى كله قضيته معاه هنا في مرزعتهم, او مع بعض عندنا في المزرعه .., حتى موجى.. الكلمة دى اول حاجه نطقتها وانا صغيرة, ماكنتش عارفة اقول ( أمجد ) فقلت موجي وطلعت عليه, حتى هو اتعود عليها, ولما كبرت صمم انى افضل اقولها له.. لانها بتفكره أد ايه انا كنت طفلة شقية وانا صغيرة ..
ثم وجهت حديثها كليّة الى ( أمجد ) وتابعت :
– صح يا موجي؟؟ فاكر؟؟
ارتبك ( أمجد ) قليلا ولكنه أجاب محاولا التعامل بطبيعية وان لم ينكر القلق الذي يساوره بشأن هذه المجنونة التي تقبع بجواره كبركان يوشك على الانفجار محرقا الأخضر واليابس في طريقه, فهو يعلمها جيدا حتى أنه يكاد يقسم في هذه اللحظة أنه يكاد يرى دخانا أسود يتطاير من أنفها وأذنيها على حد سواء بينما تتراقص شعلات صغيرة لاهبة في أعماق عينيها بلونهما الذي استحال كليل عاصف في ليلة شتوية قارسة :
– إ.. ايه ؟؟.. آ آ آ فاكر اكيد ..
واذ به يشعر بألم رهيب نتيجة ضغط عال لقدمه ليفاجأ بأن هذا ما هو الا نتيجة لضربة قوية من كعب حذاء ( هبة ) لقدمه البائسة!, كانت الضربة موجعه حتى أنه صرخ قائلا رغما عنه:
– آآآآآآآآوتش…
نظرت اليه ( هبة ) ببراءة مزيفة وهتفت باهتمام مصطنع وهي تميل عليه بلهفة زائفة :
– ايه يا مووجي ؟؟ في حاجه حبيبي ؟؟ حاجه وجعتك ؟؟؟
نظر اليها ساخطا وأجاب :
– لا ابدا .. بس تقريبا شكلي دوستني برجلي على رجلي!! …
وضعت ( هبة ) يدها على جبهته وقالت بتلقائية عاقدة جبينها :
– ايه؟, يعني ايه دوستني برجلي على رجلي دي ؟؟ انت تعبان حبيبي ولا ايه ؟؟
لم يستطع ( أمجد ) الإجابة حيث كان هائما في لمسة يدها لجبينه وهو يقول في سره :
– وبعدها معاكى يا ( هبة ) هتجننيني بطفولتك دى ..
ثم نظر اليها نظرة جعلتها تضطرب وقبل ان تبعد يدها أمسك بها وقبل باطنها وهو يهمس :
– لو كنت تعبان قبل كدا فأنا من لمسة ايدك دلوقتي خفيت …
سحبت ( هبة ) يدها من يده بعد ممانعة منه ولكنه لم يرضى بأن تفعل هذه المجنونة أي مشهد مثير أمام سارة, فهو يعلم تماما أنها قادرة على الصراخ أمام الجميع متهمة إياه بمحاولة التحرّش بها!!
قالت هبة بصوت ناهر هامس لم يسمعه الا هو :
– انت وقح ….
وقد توقدت وجنتيها خجلا فأصبح وجهها كثمرة الطماطم الحمراء الناضجة ..
ضحك ( أمجد ) ضحكة عالية وقال :
– لا حبيبتي انا كويس الحمد لله…, ثم التفت الى ( سارة ) الجالسة تتميز غيظا وغضبا ووجه اليها الحديث قائلا :
– صحيح يا سارة, اخبار والدك ووالدتك ايه؟؟
رسمت ابتسامة مغناجة على شفتيها القرمزيتين ومالت ناحيته وهي تجيب:
– الحمد لله يا ( أمجد ) ,.. الا صحيح .. شوفت آخر حصان عربي بابا اشتراه؟؟..
هز برأسه نافيا فيما اكملت:
– جايبه من مزاد خيول عربية في لندن, انما ايه تحفة.. روعة!!
ثم وجهت كلامها الى هبة متابعة :
– اصل الخيول عشق ( أمجد ) وانا بعشق ( أمـ….) قصدي الخيول زى ( أمجد ) !!…
أومأت ( هبة ) برأسها بابتسامه صفراء فيما اكملت ( سارة ) وقد مدت يدها لتضعها على ذراع ( أمجد ) الذي لم يعر لفتتها انتباها وقالت :
– ايه رايك تيجي معايا دلوقتى تشوفه ؟؟
ثم نظرت الى ( هبة ) وقالت :
– وطبعا ( هبة ) تيجي معاك لو عاوزة ؟؟
نظر ( أمجد ) الى ( هبة ) التى أجابت برسمية وابتسامة صغيرة توين ثغرها الوردي :
– لا معلهش اعفيني انا , انا عندى معاد مش هقدر اتأخر عليه , عن اذنك…
ونهضت منصرفة من دون أن تنتظر سماع أي تعليق سواءا منها أو من أمجد, فما كان من أمجد والذي نظر اليها في دهشة وتساؤل ما ان سمع تصريحها بأمر خروجها في معادها المزعوم ذاك بينما بدأت نفسه تجيش بالغضب, الّا أن استأذن من ( سارة ) وقام مسرعا ليلحق بـ هبة..
ناداها آمرا إياها بالوقوف مكانها ولكنها لم تنصع واكملت سيرها لتلج الى المنزل واتجهت الى الدرج وما ان همت بالصعود حتى أمسك ( امجد ) بيدها ليمنعها من اكمال طريقها وقال وهو يلهث :
– انت … انت مش بتقفي ليه, مش أنا ناديتك وقلت لك تستني؟..
نقلت هبة نظراتها بينه وبين يده القابضة على معصمها وقالت بسخرية خفيفة :
– معلهش .. اصلي مستعجلة شوية, انت كمان ما تخليش ضيفتك تستناك كتير, انت راجل تري جانتيه يا مووووجي …
اغمض أمجد عينيه وزفر بحنق طويلا ثم نظر اليها مجيبا بحدة وعتاب :
– اظن مافيش داعى للتريئة!, سارة عرضت علينا احنا الاتنين اننا نروح معاها, وانت كنت ممكن توافقى وتيجي معايا, هى جاية بتعرض بأدب, انتي حتى ما سبتيليش فرصة اني ارفض , واتصرفت على اساس انى وافقت!, وبعدين .. تعالى هنا قوليلي .. مشوار ايه اللى انت هتتأخري عليه دا؟؟؟
أجابت ببرود بكلمة واحدة أثار ت حيرته وحنقه وغضبه:
– علاء….
هتف باستنكار :
– نعم ؟ ( علاء ) ؟ وانت رايحه مع ( علاء ) فين ان شاء الله من غير ما تقوليلي ؟؟
أجابت بهدوء مغيظ :
– انا كنت هقولك قبل ما ….طمطم هانم تشرف, وكنت ناوية اقولك تيجي معانا..
ابتسم بسخرية وغضب وقال غاضا النظر عن نعتها لسارة بطمطم فلا يريد الخوض في امور جانبية وترك الكارثة الكبرى التي تلقيها عليه بمنتهى البرودة والاستفزاز بأنها خارجة مع … أخيه هو, وانها كانت ستتكرم عليه وتعرض عليه مرافقتهما, فعلا لقد أثبتت طيبة قلبها!!
هتف بحنق وغضب مكتوم من بين أسنانه:
– والله ؟؟ يعني بدل ما انا اعرض عليك انك تخرجي معايا انا واخويا انت اللى بتبلغيني انك خارجه مع اخويا؟, ومن غير ما اعرف كمان!, وكنت هتعزمى عليا .. لا تصدقي فيكي الخير .. وممكن اعرف بأه على فين العزم كدا ان شاء الله ؟؟
حركت كتفيها باستهانة وأجابت بتلقائية زائفة:
– مش طالبه تريئة يا ( أمجد ), المشوار دا جه فجأه وجدك ووالدى كانو حاضرين و ( علاء ) بيقول ان زميلهم اللى بيعزف بيانو مريض جدا ومش هيقدر يحضر البروفة النهائية للفرقة بتاعتهم, وبما انى حافظة اللحن اللى كان بيتدرب عليه هو و( علاء ) ومش بس كدا لأ…ولعبته اكتر من مرة ع البيانو هنا, فبابا هو اللى اقترح انى ممكن اروح معاه علشان انقذ الموقف مش اكتر ..
قبض على ساعدها بقوة آلمتها جعلت شهقة ألم صغيرة تفلت من بين شفتيها الكرزتين رغما عنها وهتف بسخط:
– انت بتستعبطي؟!!, مراتى انا تروح تلعب بيانو مع شوية طلبه!!, وبعدين من امتى وانت بتعزفي بيانو؟, وازاي انا معرفش حاجه زى كدا ؟؟, يعني انا جوزك معرفش و اخويا يعرف ؟؟؟
تطلعت اليه بسخرية خفيفة وقالت :
– والله دى مشكلتك انت مش انا .. كونك ما خدتش بالك من كدا في حين ان عيلتك كلها عارفة يبقى اكيد الغلط مش عندى ..
أجابها وهو يشد من قبضته على ذراعها :
– دا مش موضوعنا دلوقتى .. ازاي يا هانم توافقي على حاجه زى كدا من غير ما تاخدى رأيي ؟؟
حاولت جذب ذراعها من يده ولم تفلح فأجابته بحدة وغضب :
– بابا هو اللى اقترح دا, اييه عاوزنى اكسفه واقوله استنى اما آخد رأي ( أمجد ) الاول ؟؟
صرخ غاضبا:
– لا.. المفروض تاخدي رأي جوزك الأول يا هانم, هي كلمة واحده انسي انك تروحى في حتة من غيري تانى او تعملى اي شئ من غير ما ترجعيلي أنا, والدك على عيني وراسي, لكن انا جووووووزك دلوقتى!, ورأيي هو اللي يمشي ..
نظرت اليه بغرابه وقالت :
– انت اتجننت ؟؟ اقولك بابا تقولى جوووزك ؟؟ مافيش مقارنه بين الاتنين …
لم يعطها الفرصة لتتم عبارتها موضحة ما عنته بقولها, فقد نما الى عقله أنها تعني ان والدها هو الاهم في حين ان كل ما قصدته بعبارتها تلك ان هو له مكانه ولوالدها مكانة أخرى لديها!, قاطعها حانقا وقد لمعت عيناه باستفزاز ونيران الغضب تتراقص بين فحم عينيه المشتعل غضبا وغيظا و….غيرة :
– أيوة عليكي نور, هو.. كدا انا مجنون!, ايه رايك بأه ؟؟
ثم افلت ذراعها بقوة وسار قليلا موليا اياها ظهره بينما وقفت تطالعه بانشداه ثم ما لبث أن التفت اليها وقال ناظرا اليها من أعلى كتفه بنظرة سوداء عميقة بينما نبرة الآمر الناهي تلون صوته القاطع لأية محاولة منها في الاعتراض على حديثه:
– قودامك 10 دقايق بالظبط تجهزى نفسك علشان هتروحى معايا نشوف الحصان, ومش عاوز اعتراض, اظن مفهوم؟, ولا كلمه زياده بعد كدا هسمعها منك, انا مستنيكي في الجنينه ….
وأنصرف مغادرا, في حين مسّدت ( هبة ) ذراعها موضع قبضته ورفعته لتشاهد آثار اصابعه على بشرتها البيضاء وعلمت انها في الغد ستتدرج بألوان الطيف, فبشرتها سريعه العطب, احتلت نظرة تصميم وعزم واضحين عينيها وهمست بثقة وتأكيد بالغيْن:
– حااااااضر يا … زوجى العزيز, انا فعلا مش هقول ولا كلمه ..
ثم اتجهت صاعدة الى الاعلى حيث غر فتها وقد استقر تعبير من توصل الى حل نهائي وقاطع لا يقبل الفصال!! …
نظر ( أمجد ) في ساعته اليدوية فوجد انه قد فات من الوقت ثلث ساعه ولم تظهر ( هبة ) بعد, هو يعلم انه قد احتد كثيرا عليها, ولكنها هى من تبرع في استفزازه وخاصة حين يشعر ان هناك من هو اقرب اليه منها حتى وان كان والدها!!…
شاهد ( سميرة ) فطلب منها الذهاب لغرفة هبة لابلاغها بانتظاره لها في الأسفل, ولكنها فاجأته بقولها :
– ست ( هبة ) خرجت من زمان مع سي ( علاء ) يا سي ( أمجد )…
نظر ( أمجد ) اليها مذهولا في حين اقتربت ( سارة ) والتي شعرت بوجود أمر غريب بينه وبين هبة فانتهزت الفرصة لتزيد الحطب اشتعالا وقالت بخبث :
– تؤ تؤ تؤ .. بأه كدا ينفع؟, يعني تفضل الخروج مع اخوك على الخروج معاك ؟؟ هى متجوزاك ولا متجوزه اخوك ؟؟؟
نظر اليها ( أمجد ) بقوة فسكتت بينما اتجه منطلقا الى داخل المنزل وهو يرغي ويزبد بينما الشياطين تتراقص امام عينيه ….
الحلقة العاشرة
سحب ( أمجد ) الكرسي في صالة المسرح الجامعى حيث تقوم بروفات الحفل السنوي وجلس في الظلام يستمع الى الالحان التى تصدح من جيتار اخيه و بيانو …( هبة ) …, لم يرها في البداية حتى اعتادت عيناه الظلام فاستطاع ان يتبين معالمها بسهولة ..استراح في جلسته واغمض عينيه وسبح مع الالحان الجميلة حتى افاق على صوت يقول وهو يصفق بيديه عاليا :
– هااايل .. برافو برافو … ايه الجوهرة اللى انت جبتهالنا دي يا ( علاء ) كانت مستخبية فين ؟؟؟…
اعتدل ( أمجد ) في جلسته , ثم ثبت نظره على صاحب الصوت وما لبث ان نهض وسار حتى وقف وراءها وسمع صاحب الصوت يتابع بحماس:
– انتي مش ممكن بجد ؟؟ اقول ايه ؟ كروان ؟؟ بلبل ؟؟ صوابعك تتلف في حرير فعلا …امتع موسيقى اسمعها من زمان .. على كدا بأه ( اسماعيل ) كان بيخبط في الحلل مش بيعزف!!..
لم ينتبه اي شخص لوجود هذا التنين التي تكاد النيران تخرج من انفه وفمه على حد سواء وسمعها تقول بخجل :
– شكرا يا أ. ( ممدوح ) دي شهادة اعتز بيها من فنان زى حضرتك..
أجاب ( ممدوح ) مبتسما وهو يشير بيده نافيا:
– لالا.. انا مش بجامل في شغلى ابدا واسالي ( علاء ) وهو يقولك , بيسمونى الغول علشان مش برحم حد …لكن بجد ماشاء الله عليك ..
قال ( علاء ) ضاحكا :
– خلى بالك دي مشغولة !! الخط مشغول مش فاضي !! واللى داخل في الخط مش سهل ابدا ! وانا اكبر نصير ليه علشان تبقى عارف…
تساءل ( ممدوح ) بمزاح:
– يا سلام وليه ان شاء الله ؟ يبقى مين يعني ؟ …
– أنا!!…. صدرت هذه الكلمة وبقوة من ( أمجد ) الواقف وراءهم متواري في الظلام ثم سار حتى اصبح في دائرة الضوء فالتفتت الأعين اليه في حين نبض قلب ( هبة ) بشده فهى تعلم انها تمادت في استفزازه هذه المرة, ولكنها لا تطيق طريقته في القائه الاوامر وخاصة بوجود هذه الـ ( سارة )!!
افاقت من شرودها وهى تسمع ( ممدوح ) يرحب بأمجد بينما يمد يده لمصافحته قائلا:
– اهلا اهلا استاذ ( أمجد ) , فرصة سعيدة..
شد ( امجد ) على يده وهو يجيب تحيته بابتسامة صفراء:
– أنا اسعد …
هتف ( علاء ) باستغراب ودهشة:
– ( امجد ) ! غريبة ! ما قولتش انك جاى يعني ؟ دى اول مرة تعملها؟!
أجاب ( أمجد ) ونظره مثبت على ( هبة ) والتي هربت بعينيها منه:
– لا ابدا قلت اخليها مفاجأة, انا عارف انك عندك بروفة هنا وبعدين انا متأكد ان زيارتى دي مش هتكرر تانى ..
بينما هو ينظر الى ( هبة ) متوعدا ففهمت انه يلقي اليها بأمر كعادته وتحذير مبطن من أنها لن تأتي الى هنا ثانية , غضبت هبة من طريقته السادية في تناول الأمور ونظرت اليه بنزق, في حين قال ( ممدوح ) :
– لالا يا أ . ( أمجد ) اسمحلي ! لازم تيجي ! على الاقل علشان تسمع احلى الحان من (هبة ) ..
تضايق ( امجد ) حين سمعه ينطق اسم ( هبة ) مجرّدا, بل لقد شعر أنه ينطقه كمن اعتاد مناداته كثيرا وكأنه على معرفة جدية بها وليس أقل من ساعة زمنية!! ..
ارتسمت ابتسامة صفراء على وجهه وامتدت ذراعه ليحيط بخصرها في حين كتمت شهقتها من المفاجأه وتصلب جسمها وحاولت الابتعاد عن ذراعه ولكنه شد على خصرها حتى آلمها في حين استمر ( ممدوح ) قائلا غير واعي بما يثيره من عواصف رعدية واعاصير :
– بجد انا بحسدك على ( هبة ) , بلبل بيغرد ..صوابعها بتطلع الحان ما سمعتش في روعتها وانا اللي شغلى كله في الموسيقى واؤكد لك انها موهوبة لدرجة انها ممكن تعزف في الاوبرا … فكرى في اللي قلتلك عليه يا ( هبة ) ولو وافقت سيبي كل حاجه عليا انا …
قاطعه أمجد الذي كان قاب قوسين أو أدنى من لكمه على فمه حتى يخرس لسانه هذا الذي يلقي قصائد مديح فيها بينما هي لم تنظر اليه سوى نظرة حنق أشاحت بوجهها بعيدا بعد ذلك وتقف معاندة كطفلة صغيرة تم أخذ دميتها منها!!.., قاطعه مستأذنا بالإنصراف وقد أمسك بمرفق تلك الحانقة الفاتنة والتي لم تستطع الاعتراض أمام الواقفين!!
كان أمجد يسير مسرعا حتى أنها كادت اكثر من مرة ان تقع, قالت وهى تلهث :
– ايه يا ( أمجد ) بالراحه مش كدا هقع !!
وقف فجأه فاصطدمت بظهره وكادت تسقط لولا انه لف وأسندها قابضا على ذراعيها فتأوهت من قبضته وخاصة ان اصابعه ماتزال اثارها موجودة وذراعها يؤلمها منذ أن شد عليه غضبا في وقت سابق من اليوم حين علم بانها ستأتى مع ( علاء ) البروفة, هتف أمجد من بين أسنانه :
– من مصلحتك نمشي بسرعه من هنا قبل ما ارتكب جناية اتفضلي!!
لاحظ انها تعض على شفتيها بينما ارتسم تعبير الالم على وجهها, فقطب وقال :
– ( هبة ) مالك ؟؟ , ثم تدارك وتابع ساخرا:
– إيه وجعتك اووى ؟؟ ولا زعلانه علشان ماشية وسايبه المعجب الولهان ؟؟
نظرت اليه بحزن وغضب وأجابت محتدة:
– انت هتفضل طول عمرك كدا مش بتشوف ابعد من مكان رجليك , عاوز تعرف انا تعبانه من ايه ؟ اتفضل !!
وازاحت كمّها قليلا فرأى احمرار ذراعيها .. بّهت مما شاهد ثم رفع عينيه اليها وهو يتساءل في ذهول:
– ايه دا من ايه ؟؟
أجابت بسخرية وهى تعيد اكمامها ثانية :
– اكيد ما ضربتش نفسي ولا جبت الالوان ولونت ؟؟
فقال بحده :
– ( هبة ) ! مش وقت تهريج !!. من ايه اللى انا شوفتـ….
ثم بتر عبارته ونظر اليها مصدوما وأكمل في غير تصديق:
– انا ؟؟ منّي انا ؟؟ معقوول ؟؟ مسكتي هي اللي عملت فيكي كدا ؟؟ ..
لا تعلم ( هبة ) لما اشفقت عليه عندما شاهدت معالم الصدمة على وجهه فأجابت محاولة التهوين من الأمر وهى تشيح بيدها :
– ما .. ما حصلشي حاجه !! انا اللي بتأثر بسرعه .. بشرتي حساسة!!
نظر اليها وهو لا يدري ماذا يقول؟, فآخر ما يريده ان يتسبب لها بالأذى أيا كان حتى وان كان بدون شعور منه, قال بأسف حقيقي:
– انا .. انا آسف !! معلهش حقك عليا .. صدقيني ما اعرفش ولا اخدت بالي , اوعدك اللى حصل دا مش هيتكرر تانى ..
اومات براسها موافقة وهى تهرب بعينيها منه ثم سارا الى ان ركبا السيارة سوية وانطلقت في طريقها ….
أبطأ امجد السيارة ما ان وصلا الى فسحة خالية من الطريق وأوقفها جانبا, ثم صمت قليلا قبل أن يلتفت اليها يطالعها بينما سمرت نظراتها هي على الزجاج الأمامي للسيارة, تطالع الطريق الشبه خال, زفر أمجد بعمق ثم تحدث بهدوء قائلا:
– وآخرة العند دا إيه يا هبة؟, أنا لو ما كنتش شوفت طريقتك مع باباكي وإزاي بتحترميه في الصغيرة قبل الكبيرة ودا أول حاجة شدتني ليكي, احترامك الشديد له, لو ما كنتش شوفت دا قلت يمكن مش واخده بالها لغاية دلوقتي اني جوزها والمفروض أي حاجه تحصل أنا أول واحد تاخد رأيه, لكن انتي حاجة ز يدي ما تفوتكيش يا هبة, يبقى أنت اكيد قاصدة تعملي كدا!, ليه؟… ممكن تجاوبيني يا هبة؟!!..
التفتت هبة برأسها اليه ناظرة ببرود وتحدثت بهدوء مجيبة:
– عاوز تعرف ليه يا امجد؟, اوكي هجاوبك, أمجد انت مش ملاحظ انك بتتعامل معايا مش كزوجة زي ما انت دلوقتي بتفكرني انك جوزي حتى ولو ع الورق وبس,… انت بتتعامل معايا زي ما اكون موظفة عندك!!, لما أحس انك بتتعامل معايا كاتنين مرتبطين مش كرئيس ومرؤوس صدقني وقتها انا كمان اوتوماتيك هتعامل معاك بتلقائية, لا هتعمد اني أنفيك من حياتي ولا اني هقلل من احترامك, المشكلة بجد انك مش بتشوف غير اللي ليك وبس يا امجد, مش بتراعي اللي عليك كمان!!..
نظر اليها أمجد قليلا ثم تساءل بهدوء:
– طيب ممكن نفتح صفحة جديدة؟, مش هنتكلم في اللي فات ولا نعاتب, ممكن نبتدي من جديد؟؟..
مد يد اليها مصافحا فطالعتها بريبة ثم مدت يدا مترددة سرعان ما تلقفتها يده وقبل أن تستوعب ما يجري كان يجذبها اليه بقوة ليخطف قبلة خفيفة من شفتيها الكرزتين أبتعد عنها بعدها وقال مازحا:
– كدا احنا وقعنا العهد دا!!…
ثم تابع مواصلة طريقهما والابتسامة تعلو وجهيهما!!..
حال وصولهما, خرجت ( هبة ) من السيارة بعد أن فتح لها أمجد باب السيارة ودخلت الى المنزل متجهة الى غرفة الجلوس مباشرة حيث الكل مجتمع يلحق بها أمجد, وبعد أن ألقيا السلام على الموجودين استرعى انتباه هبة غياب والدها فقطبت بحيرة وتساءلت بابتسامه :
– اومال ابو حجاج فين ؟ نايم ؟؟
أجاب الجد وهو يربت على مقعد بجواره فأتجهت اليه وجلست بينما الجد يقول :
– والدك يا عروستنا الجميلة جالو تليفون من جيرانكم, تقريبا ماسورة مايه اتكسرت في شقتكم والدنيا باظت, فاضطر انه يسافر وهييجي انهارده بالليل ان شاء الله..
قفزت ( هبة ) من مكانها وقالت بدهشة وفزع :
– اييه ؟؟ بابا سافر من غيري ؟؟ طيب ليه ماقاليش ؟؟ ليه ما استنانيش ؟؟ وبعدين هيروح ويرجع انهارده ازاى المسافة لوحدها مش اقل من 3 ساعات ؟؟
هوّن الجد عليها قائلا :
– يا بنتى ما تخافيش انا بعت معاه ( حسانين ) السواق هيفضل معاه ويرجعه اهدي , وبعدين انت ما كونتيش موجوده والموضوع مستعجل وعاوز يكسب وقت علشان يرجع انهارده وانت في وسط اهلك بردو هو انا مش جدك ولا ايه ؟؟
خجلت ( هبة ) من نفسها وتقدمت حيث جلست بجواره ومدت يدها تربت على يده وقالت :
– طبعا جدي, ربنا يخليك ليا يارب, بس انا ما اتعودتش ان بابا يروح في مكان من غيري ؟! مقدرش اتخيل انه يبعد عن عيني لحظة واحده؟!…
– يا سلام ! اومال هتتجوزى وتبعدي عنه ازاى؟ ولا انت ناوية تاخديه معاكى في الجهاز ؟؟ ..
سكت الموجودين فيما نظرت هبة الى ( أمجد ) وتساءلت بدهشة :
– نعم ؟؟ اخده معايا في الجهاز ؟؟
نهضت من مكانها وهى تتابع قائلة بذهول :
– انت ازاى تتكلم بالاسلوب دا عن بابا ؟؟
نظر الجد بصرامة الى ( أمجد ) وقال:
– (أمجد ) ايه الطريقة في الكلام دى؟؟ راعي طريقتك وكلامك ! اظن انت مش صغير علشان اعرفك المفروض تتكلم ازاى ؟؟
اشاح ( أمجد ) بنظره بعيدا وقال :
– انا مش قصدى يا جدي, عمي ( يوسف ) انا بكنّ له كل #حب واحترام, بس بصراحه طريقتها مستفزة اووى , يعني هو مش سايبك مع اى حد ولا في الشارع !!
اشارت الى نفسها بدهشة :
– انا ؟ انا طريقتي مستفزة ؟؟ ولا انت اللى استاذ في الاستفزاز والفارسة ؟؟
ولوت تقاسيم وجهها متابعة بسخرية طفيفة :
– بس عارف ايه ؟ الكلام معاك ضايع ..
ثم نظرت الى جدها وحماتها وقالت :
– معلش اسمحولي هطلع ارتاح في اوضتى شوية واكلم بابا – وشددت على كلمتها – اطمن عليه ..
تقبلا استئذانها …فغادرت بينما زفر أمجد بحنق فلم يمر أقل من ساعة زمنية على صلحهما وها هما يعودان الى نقطة البداية من جديد, بينما ألقى اليه كلام من الجد ووالدته بنظرات معاتبة, ثم تبادلا النظر فيما بينهما بقلة حيلة, فأمجد مهما حدث من الواضح أنه سيظل… أمجد!!
وصلت الى غرفتها حيث دخلت و اغلقت الباب سريعا وامسكت بالمحمول من فورها وطلبت رقم والدها وما هى الا ثوان وسمعت صوته الحبيب يجيبها, فسارعت بالكلام بلهفة :
– بابا .. وحشتنى يابابا .. كدا يا ابو حجاج بردو .. ان غاب القط .. ما استنتنيش ليه ؟؟ طيب هاتيجي الليله دي ؟ ايه ؟؟ يمكن تبات للصبح ؟؟
قفزت في مكانها فزعه وهى تقول :
لالالالا يا بابا تعالى انهارده بلاش حكاية الصبح دى .. ها ؟.. لا مافيش .. بس اصلي مش متعوده انام في حتة وانت مش فيها .. –ضحكت قليلا ثم قالت – انت هتقول زيه يا ابو حجاج !!.. ايه عنده حق ؟.. لالامالوش اي حق عندى!! انت الاولانى يا حبيبي .. خلاص يا بابا زى ما تشوف, بس اتعشى وخد الدوا بتاعك وابقى طمنى عليك ولو هتبات عندى شرط أنك… سكتت قليلا فقد قاطعها ثم ارتسمت ابتسامة شقية على شفتيها النديتين وأجابت بغمزة شقية:
– لالالا هتجيب لي ايه .. غزل البنات؟؟, دى رشوة يا ابو حجاج وانت عارف انى ضعيفة قدام غزل البنات .. استنى ما تاكلنيش في الكلام الشرط يا ابو حجاج انه اول حاجه أفتح عينيا عليها الصبح وشك الجميل دا ها ؟؟ خلاص ؟؟ اذا كان كدا استبينا يا باشا ؟؟؟ هاهاها ان ما كنتش ادلع بابا حبيبي اومال مين يدلعه؟؟ لا اله الا الله..
واغلقت المحمول وما ان التفتت حتى شهقت بدهشة عندما طالعتها عينين سوداوين ونظرة غريبة تعتمل بداخلهما, قالت بارتباك :
– انت .. انت دخلت ازاى ؟؟
تقدم منها بهدوء وقد كتف ساعديه مما أظهر عضلات صدره القوية والتي تكاد تتمزع عليها بلوزته التي يرتديها بينما أجاب قائلا :
– خبطت ماردتيش, وبعدين سمعتك بتكلمى والدك مارضيتش اقطع كلامكم وقلت استنى لما تخلصي المكالمة..
رفعت رأسها ونظرت اليه بقوة قائلة :
– في حاجه نسيت تقولها وجاي تكمل هنا ؟؟
أجاب بهدوء :
– انا عارف انى زودتها, بس بردو انت مش حاسه انك خلاص ماعدتيش البنت الصغيرة اللي باباها هو كل حياتها؟, انت كبرت وفي حكم المتجوزة يعني شوية وهتعملى عيلة يبقى لو ممكن شوية مراعية لجوزك ولو ربع باباكى؟؟ ,,
قالت باستغراب ودهشة :
– صغيرة ايه ومتجوزة ايه ؟؟ كل دا علشان زعلت ان بابا سافر ؟ اه.. حقي!!, بابا دا مش مجرد أب عادي بالنسبة لي.. لأ!, بابا دا انا فتحت عيني لاقيته هو كل دنيتي , بابايا وصاحبي واخويا وعيلتي كلها, يبقى مش اول ما اتخطب يبقى خلاااص !.. لأ !! بابا هيفضل طول عمره بابا وماحدش هيقدر يفرقنا ابدا …
ثم أولته ظهرها فيما جسدها يهتز من شدة الانفعال في حين تكلم هو:
– انا مقولتش انك هتفارقي باباكي , لكن بردو المفروض يبئالك اهتمامات تانية, واعتقد ان جوزك المفروض يبقى اول اهتماماتك صح ولا غلط ؟
لم تجبه فهز برأسه وأكمل :
– عموما خلاص, انا بس حسيت انى زودتها شوية ومارضيتش تنامى وانت زعلانه, انا معرفش انهارده في ايه دى تانى مر…
ثم سكت فجأة وما لبث ان تغيرت نبرته وهو يقول بلهجة اخافتها وجعلتها تستدير اليه :
– صحيح موضوع ايه اللي كان بيقول عليه اللي اسمه ( ممدوح ) دا؟
أجابته وهى تبتلع ريقها بصعوبة بينما يجول في خاطرها أنه ما ان يبدأ الحال أن يهدأ بينهما حتى يبرع أمجد في خلق المشكلات مجددا وكأنه يعشق النكد فعلا!, بل أنها تكاد تجزم أنه هو من قيل فيه المزحة التي تحكي عن سيدة كانت تهوى النكد فاتفقت مع زوجها على تخصيص يوم معين في الاسبوع للنكد, وحدث أن حضر ذات يوم ففوجيء بها ترقص طربا وعندما تساءل عن السبب أخبرته بفرح زائد:
– بكرة النكد بكرة بكرة بكرة..
لم تكن تعني ان امجد هو هذا الزوج بل …. تلك الزوجة!!, فهو النسخة الذكورية لتلك المرأة النكدة, وليعينها الله عليه!!
أجابت بهدوء:
– ابدا.. عزفي عجبه وقالى انى ممكن ابتدى العزف في قصور الثقافة وكدا وانه فيه موسيقى تصويرية لبرنامج هيقدمه لقناة من القنوات عاوزنى اعزف تتر المقدمة ..
نظر اليها بدهشة وصرخ قائلا :
– نعم ؟؟ قصور ثقافة ايه وبرامج وتليفزيون ايه ؟؟ الراجل دا اتجنن ؟ وانت تبقي اجن منه لو وافقت على كلامه !! انا مراتي انا تشتغل في فرقة ومعرفش ايه ؟؟
احتدت عليه قائلة :
– انت ليه بتتكلم كأنها حاجه مش كويسة ؟؟ وبعدين ايه حكاية مراتك مراتك دي اللي انت ماسكهالي؟؟, اولا انا لسه مابئيتش مراتك, كتب الكتاب مش معناه انى خلاص بئيت مراتك!!, وثانيا بأه.. طول ما انا في بيت بابا رأيه هو اللي يمشي عليا, ما انكرش انى لازم آخد رأيك لكن مش تفرضه عليا لأ, أسمعه آه بعد كدا اقتنعت.. انفذه, ما اقتنعتش يبقى تحترم رأيي واختياري, بابا ربانى على كدا ….
زفر ( امجد ) في ضيق وقال وهو يقترب منها حتى انها احست بهسيس انفاسه الساخنة وهو يتحدث من بين اسنانه :
– ايه ؟؟ كتب الكتاب مش جواز ؟؟ لا يا هانم انت دلوقتى شرعا مراتى ! يعنى لو عاوز نتجوز دلوقتى محدش له عندى حاجه ولا باباكى كمان ..
أجابت بتحد واضح قائلة :
– كتب الكتاب شرعا مراتك بس لازم اشهار!! الفرح عندنا هو الاشهار.. لانه في ناس كتيير متعرفش انى مراتك علشان كدا عندنا هنا كتب الكتاب بردو خطوبة بس بشكل شرعي, علشان نقدر نتعرف على بعض كويس ودا بأه يجيبنا لثانيا .. واضح كدا ان اللى عرفته عنك لغاية دلوقتى ما يبشرش بالخير!!.. ما انكرش انك فيك صفات كتييير كويسة, بس اسوأ حاجه فيك…طريقة أؤمر تطاع دي, غير عصبيتك وتسرعك.. ودا غريب بالنسبة لرجل اعمال ناجح ؟؟ دا الشركة مسمياك رجل الثلج اقدر اعرف التلج راح فين ؟؟ …
أجابها وهو يطالعها بنظرات أشاعت الفوضى في جميع حواسها:
– سااااح على ايديكي يا ( هبة )!! ..
قالت بدهشة : أفندم ؟؟
تابع وهو يقترب اكثر وهى تبتعد عنه بخوف بخطوات متعثرة الى الخلف :
– بقولك سااح انت سيحتيه !! المفروض تكونى فرحانه بنفسك.. انتي قدرت تسيحي التلج, مستغربة ليه !! بس عموما كويس.. انت خليتيني آخد بالي من حاجه مهمة اووي .. اننا المفروض ما نأجلش الجواز اكتر من كدا, انا مش بأكون نفسي ولا انا بدور على شقة !!, انا مستعد اتجوزك من بكرة وأعملك فرح في اكبر فندق في البلد ايه رايك ؟؟
تطلعت اليه بدهشة قائلة :
– رأيي ؟؟ رأيي في ايه ؟؟ ماحدش بيتجوز خبط لزق كدا ؟؟ احنا لسه كل شوية بنتخانئ, ما ينفعشي نتجوز واحنا بالشكل دا مع بعض, هننتهى قبل ما نبتدي!! .., ثم تحدثت الى نفسها وهي تطالعه بريبة:
– ساح ايه بس؟, دا ساح وناح كمان!, الراجل زي ما يكون عاوز يعوض 36 سنة مرة واحدة!, دي ايه الحوسة دي ياربي, مش كنت فكرت كويس قبل ما أحلم؟, لازم الحلم دا يا ربي؟, اتفضلي يا ست هبة أهو اتحقق وريني بقه هتصحي منه ازاي؟, لطفك يارب!!..
انتبهت من شرودها على صوته و هو يعلّق بسخرية خفيفة :
– لا بيتهيألك بس ! اول ما يتقفل علينا باب واحد خلاص كل الخلافات دى هتزول, علشان كدا اول حاجه هعملها مع والدك اول ما يرجع بالسلامة ان شاء الله هو انى احدد معاه معاد االفرح .. تصبحي على خير …
وخرج واغلق الباب وراءه فيما ارتمت هى على المقعد خلفها وهى تحدق مندهشة في الباب خلفه …..
على مائدة الافطار كان الكل مجتمع باستثناء ( أمجد ), عندما انضمت اليهم هبة فوجئت بوالدها فركضت اليه وارتمت في أحضانه وهى تهتف:
– بابا ! حمدلله على السلامة يا حبيبي انت جيت امتى ؟؟
ابعدت وجهها عنه قليلا وقالت بعتاب شقي :
– انا مش قولتلك عاوزة افتح عينيا الصبح على احلى ضحكة ربنا ما يحرمنى منها ابدا؟؟ …
ضحك وقال :
– يا بكاشة ضحكتى انا بردو, اومال ( أمجد ) يبقى ايه ؟؟
أجابت بتلعثم وقد تلون وجهها بلون الفراولة الطازجة لشدة خجلها:
– ها …لا .. (أمجد) شكل وانت شكل تانى خاالص …
– طيب والله كويس انى عرفت انك واخده بالك من ضحكتى وانها شكل تانى خاالص!!
التفتت اليه هبة مندهشة وهى تهتف :
– بسم الله الرحمن االرحيم بيطلعوا امتى دوول !!
– زجرها والدها قائلا :
– ( هبة ) مش كدا ..
فقالت بخفة :
– آسفة يابابا ما أقصدش حاجة, ولو ان ( أمجد ) عارفنى بهزر صح يا ( أمجد ) ؟؟
هز ( امجد ) رأسه موافقا بسخرية وقال :
– صح.. يا ( هبة ) ……
بعد الافطار طلب ( امجد ) من والد ( هبة ) الحديث على انفراد مما اقلق ( هبة ) ولكن ( علا ) سألتها عن بروفة ( علاء ) وكيف سارت الأمور هناك, وما الذي حدث بينها وأمجد, وانضم اليهم ( علاء ), لم تروي لهم هبة ما حدث بينهما بالطبع , بل تعمدت الابتعاد عن ذكر ما حدث بينها وأمجد وركزت على فريق علاء والبروفة, بينما انشغلت مدام ( سعاد ) بشغل تابلوه وقد جلس الجد مسترخيا في كرسيه يقرأ الجريده اليومية …
اندمجت ( هبة ) في الحديث معهم وفجأه استرعى انتباهها وجه ابيها المشرق وهو يميل اليها ليرفعها حاضنا اياها وهو يهتف :
– مبروووك حبيبة بابا, طيب مش كنت تقوليلي؟, هيا دى حاجه تكسف بردو؟..
أجاب على السؤال الصامت الذي يلوح في عينيها قائلا بسعادة تطغى على وجهه:
– ( أمجد ) قالى انه طلب منك من زمان تحديد معاد الفرح وانت مكسوفة مش عارفة تصارحيني ازاى؟؟, دى مافيهاش كسوف حبيبتي, الف الف مبرووك, ولو ان ( أمجد ) مستعجل كان عاوزه اخر الاسبوع الجاي بالعافية خاليته بعد اسبوعين نكون عزمنا حبايبنا احنا كمان!! …
ابتعدت ( هبة ) عن ذراعي والدها ونظرت اليه باستغراب وهى تهتف بعدم تصديق:
نعم؟, اسبوعين؟, انا فرحي بعد اسبوعين ؟؟
أجاب يوسف وهو يضحك :
– ايوة يا حبيبتي .. ايه مكسوفه ؟ دا يوم المنى يوم ما أسلمك لعريسك بايدي …
ما ان همت بالكلام حتى وجدت ( امجد ) يقف بجانبها وهو ينظر اليها نظرات تحذيرية قائلا لابيها :
– معلهش يا عمي, بنت بأه ولازم تتكسف ..
نظرت اليه هبة بدهشة وحنق ولكنه انتهز فرصة انشغال والدها بالحديث الى جده ومال عليها هامسا :
– اقـ,ـتلى فرحته بأه ؟ شوفتى الفرحة بتتنطط في عينيه ازاى ؟ تقدري تموتى فرحته ؟؟
لم تستطع الاجابة عليه وازداد وجهها شحوبا …..
مرت الايام سريعا فبعد ان تحدد موعد الزفاف, أصرّ (أمجد) على ان يسافر هبة ووالدها الى المدينه حيث يقومان بجمع اشيائهما اللازمة لانهما سيستقران معهم في المزرعه, رفض والدها باديء الأمر ولكن ( امجد ) اصر, فهو يعلم مدى تعلق ( هبة ) بأبوها, ولكن ابوها رفض ان يعيش بينهم بدون أن يشارك بأي عمل, فعرض عليه (أمجد) ان يتولى منصب مدير لشركة جده, فهو مشغول بشركته في العاصمة ويريد من يصبح عينه الحارسة في شركة جده, وحيث انه يعمل على اتخاذ بعض الاجراءات والتى تضمن له التواجد بصورة اكبر في المزرعه فهو يفكر في اختيار مدير كفؤ لشركته, فهو يريد يوسف بجانبه ليسكون ساعده الايمن بها, بينما قدمت ( هبة ) طلب اجازة مفتوحة ورفضت تقديم استقالتها فهي تحب عملها وستنتظر حتى تستقر امورها ثم ستعود الى عملها ثانية!!
سافرت ( هبة ) ووالدها حيث انشغلا بتجميع حاجياتهم ودفع ايجار مقدم لصاحب الشقة وترك خبر مع جارتهم …..
اثناء عودتها ووالدها مع السائق الذي اصر ( أمجد ) على ان يلازمهم كي يسهل حركة تنقلاتهم , شعرت هبة انها تفتقده وبشدة, لا تنكر انه قد داوم على الاتصال بها يوميا ليطمئن عليها وعلى والدها وكيفية سير امورها وهل تحتاج الى اى شئ , وتذكرت دهشتها بينما انشغلت في شراء لوازمها وجهازها مما تحتاجه العروس, اذ بوالدته وأخته يحضران فجأه ويخبرانها انهما سيتسوقان معها كى لا يتركاها وحدها, وأسرت ( علا ) لها ان هذه اوامر ( أمجد ), لانه على يقين انها ستشعر بافتقادها والدتها اثناء تحضيرها لوازم جهاز عرسها..
مكثت والدته واخته في فندق قريب منهما حيث انهيا لوازم العروس باقل من يومين في دوامة شراء محمومة, وقد اعطى ( أمجد ) بطاقة شراء بنكية مفتوحة لامه لكى تشتري لـ ( هبة ) ما تريده حتى لو رفضت فهو يريد جهازا لم تشتره عروس قبلا , ابتسمت بحب وهي تتذكر ما شعرت به وقتها, فهو وان لم يفصح عن مشاعره الحقيقية بعد ولكن كل تصرفاته معها تدل على اهتمامه الشديد بها, قد يكون بل هو مؤكدة أنه من الاشخاص الذين لا يستطيعون التعبير عن مكنونات قلوبهم بالكلام, ولكن لا بأس يكفيها أنه يفكر بكل ما يخصها صغيرا كان أو كبيرا, وهي ستعلمه كيف يطلق لسانه من عقاله, ليعبر عما يجيش في صدره من أحاسيس لمستها هي بالفعل في أكثر من موضع وبصدق تام…..
استفاقت من شرودها وهى مبتسمه وتحس بسيل من الفرح الذي يتدفق الى قلبها فيجعل دقاته كقرع الطبول فغدا زفافها على حلم حياتها والذي اوشك ان يصبح علم …..
ترجلت مسرعة من السيارة ولم تنتظر ان يفتح لها السائق الباب بينما خرج والدها وهو يقول ضاحكا وهى تركض لتصل الى الباب سريعا وتقرع الجرس :
– بالراحه يا بنتي تقعى بعدين خدى بالك …
ضحكت ( هبة ) وواصلت ركضها وهى تقول :
– ما تخافش على بنتك يا ابو حجاج حتى لو وقعت هقع واقفة …
ضغطت جرس الباب بفرحة, ففتحت ( سميرة ) والتى ابتسمت ما ان رأتها وهتفت بحبور:
– اهلا اهلا ست ( هبة ) اتفضلي ..
دخلت ( هبة ) سريعا وهى ترد تحيتها سائلة اياها عن الجميع فاخبرتها انهم في غرفة الجلوس بانتظارها هي ووالدها , وأن ( امجد ) بغرفة المكتب, لم تستطع هبة التوجه اليهم اولا بينما حلمها يقبع على بعد خطوتين منها, وهى تريد مفاجئته, فهي تشعر انه قد اشتاق اليها في المدة التى سافرت فيها تماما كما افتقدته, كلام اخته عنه يؤكد احساسها وطريقته في الحديث معها وكيف قال لها آخر مرة بشوق غريب :
– ( هبة ) المزرعه وحشة اووى من غيرك اوعديني انك مش هتتأخري عليا …
فوعدته , هى تعلم انها لا بد لها من القاء السلام على العائلة قبلا, ولكنها لا تستطيع الانتظار, فما كان منها الا ان توجهت فورا الى حجرة المكتب حيث كان الباب مواربا قليلا ففتحته باندفاع وهى تقول مبتسمة راسمة في خيالها جميع انواع الاستقبال الا….!!
– انا جييييييت!!
ما لبثت ان ماتت البسمة على شفاهها عندما شاهدت ( امجد ) وهو …..يحضن ( سارة ) …سمع ( امجد ) شهقتها فأبعد ( سارة ) سريعا عنه وهو يتقدم الى ( هبة ) مادا اليها يده وهو يقول برجاء :
– لالالا يا ( هبة ) ما تتسرعيش انا هشرحلك
امسك بيدها التى ابعدتها عنه وهى تدفع يده بعيدا وتضربها قائلة وهى تبكى :
– ايه ؟ تشرح لى ؟؟ تشرح ايه بالظبط ؟؟
أجاب بنرة أقرب للتوسل وهو يحاول تهدئتها من جديد :
– أقسم بالله ما في حاجه من اللى في خيالك دي حصلت ..
ثم نظر الى ( سارة ) وصرخ :
– ما تقوليلها يا ( سارة ) !!
ابتسمت ( سارة ) بخبث سرعان ما أخفته وقالت بحزن كاذب :
– اقول ايه بس يا ( أمجد ) ؟؟
هتفت ( هبة ) بقرف واضح وهى تخلع خاتم خطبتها من يدها وتقذفه بها :
– لا ما تتعبيش نفسك, مافيش اي شرح ابدا يخليني اكدب عينيا, وخد دبلتك دي ماتلزمنيش اديهالها هي..
ثم انطلقت راكضة بينما ركض هو في إثرها ولم يلق بالا لجده او ابوها وباقي عائلته التى حضرت سريعا على صوت الشجار فكل ما كان يشغله هو خوفه وقلقه الشديد على ( هبة ) ….
وصلت ( هبة ) الى باب المدخل حيث فتحته بشده وكاد ان يقترب منها ويمسكها.. كاد… ولكنه ابصر ما لم تبصره وهى تركض فصرخ بها ولكن بعد فوات الاوان فقد تعثرت في سلم باب المدخل حيث وقعت و ضربت رأسها وبقوة في رخام السلم , ركض اليها ( أمجد ) سريعا ونزل على ركبتيه بجانبها وهو يمسكها بحرص فيما عيناها مغمضتان وهتف بهلع وحزن :
– ( هبة ) حبيبتي افتحى عينيكي ..افتحى عينيكي علشان خاطرى .. ارجوكى يا ( هبة )..
لم يصدر عنا أية استجابة فتابع صارخا بصوت يقطع نياط القلوب بينما انهمرت دموعه في غفلة عنه وهو يصرخ:
-هبة حبيبتي, هبة لا ما تسيبينيش بعد ما لاقيتك … ,
ثم صرخ في الجميع والذين حضروا وشاهدوا ما حدث ( هبة ) :
– اسعااااااااااف .. حد يجيب اسعااف بسرعه …تقدم ( علاء ) مسرعا وهو يقول :
– ( امجد ) الحق دي بتنزف !!…..
رفع يده التى كانت ممسكة براسها ليشاهد دمها وهو يغمر يده وابصر بقعة كبيرة من الدماء مكان سقطتها في حين سمع صوت بكاء والدها وهو يقبض على كتفه ويقول :
– ( هبة ) بنتى … عملت فيها ايه ؟! ( هبة ) ماتت.. ماتت… ماتت!!…
نظر اليه في ذهول وفجأه اذ به يتذكر ضحكتها وشقاوتها , عصبيتها , وحنانها تذكر وجهها المبتسم الضاحك ثم.. فجأة.. صرخ صرخة الم شديد واحتضنها بشده وهو يقول :
– هباااااااااااااااااة …. لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا….