حكايات زهره الرابيع الاخير

الصريخ كان جاي من حماتي! لفت نظري ونظر كل اللي في الطرقة، كانت جاية بتجر رجليها بالعافية، ووشها أصفر زي الليمونة، ووراها منة أخت أحمد وشكلها باهت تماماً ومكسورة. حماتي أول ما شافتني، سابت عكازها وجريت عليا، ومسكت في عباية أبويا وهي بتعيط بحرقة وتقول:

“بوس إيدك يا حاج.. حوس بيني وبين بنتك! سمر يا بنتي، أنا حقك عليا، أنا اللي قسيت عليكي، وأنا اللي ركبي انحنت بجد من بعد ما سبتي البيت.. البيت اتخرب يا سمر، ومنة خطيبها فضحنا في البلد كلها ومحدش عاد بيعتب بابنا، وأحمد أخوكي طردنا من الشقة الكبيرة وقالنا أنتوا السبب في خراب بيتي وضياع مراتي!”

بصيت لأحمد بصدمة، لقيت أحمد وطى راسه في الأرض تاني، بس المرة دي من الخزي والعار مش من السكوت. كان طرد أمه وأخته من الشقة الكبيرة علشان يرجعني، وافتكر إن بكده هيصلح اللي انكسر.

منة قربت مني وهي بتعيط ودموعها مغرقة وشها، وقالت بصوت مكسور ومفهوش نقطة كبرياء من بتاعة زمان: “سامحيني يا سمر.. أنا كان عقلي صغير وعميتني الفلوس والمنظرة الكدابة.. أنا اتقال في حقي كلام يوجع من أهل العريس، ودقت الإهانة اللي دوقتها ليكي وأكتر.. أبوس إيدك بلاش المحاكم وبلاش تشمتي الناس فينا أكتر من كده”.

المنظر كان كفيل يهز أي حد، بس أنا قلبي كان زي الحجر. افتكرت وقفتي في المطبخ من النجمة، افتكرت جلابيتي المتبهدلة بالصلصة، وافتكرت الكلمة اللي هزت جدران قلبي: *”دي شغالة عندنا.. خشي جوه هاتي باقي الأكل!”*.. وافتكرت نظرة أحمد للأرض وهو ساكت.

حطيت إيدي في وسط ورجعت خطوة لورا، وبصيت لهم كلهم بمنتهى الثبات وقلت بصوت مسموع هز طرقة المحكمة:

“سبحان مغير الأحوال! بقى الست الكبيرة والآنسة المتعلمة واقفين قدام الشغالة سمر بيترجوها؟ ذنب الشغالة يا حماتي مبرحش الأرض، وكسرة نفسي قدام ناس غُرب رجعتلكم في شرفكم وسيرتكم.. وأنت يا أحمد، فاكر لما تطرد أمك وأختك يبقى كده صنتني؟ اللي ملوش خير في أمه وأخته ملوش خير في مراته، والبيت اللي اتبنى على الكدب والظلم مبينعدلش بمكيدة جديدة”.

المحامي بتاعي نده عليا وقال: “يلا يا مدام سمر، الرول بتاعنا دخل وجلسة القايمة والنفقة بدأت”.

بصيت لأحمد وقلت له بمنتهى الجبروت: “أنا مش هتنازل عن قرش واحد، وهدومي وحاجتي هاخدها بالقانون، والطلاق اللي قلته في ساعة غضب، أنا هخليه طلاق رسمي بحكم محكمة وبإرادتي أنا.. علشان لما حد يسألني كنتِ فين، أقولهم كنت عند ناس معندهمش أصل، وفوق ت راسي ورجعت لبيت أبويا”.

سبتهم واقفين في الطرقة زي التماثيل، ودخلت قاعة المحكمة وأنا شاعرة بكل خطوة بخطوها، وكأن الأرض بتتشال بيا من كتر الفخر إني مجبتش ورا ومستسلمتش.

أحمد حاول يدخل ورايا القاعة وهو بيصرخ وبينده عليا: “سمر استني! أنتِ مش عارفة أنا هعمل إيه لو الجلسة دي تمت.. أنا هقلب الدنيا!”.

أحمد كان بيصرخ وصوته مهزوز في المطبخ الخارجي للمحكمة، والحرس جرا عليه ومسكه وقاله: “هدوء يا أستاذ، إحنا في ساحة قضاء!”. أحمد اتراجع وهو بينهج، وعينيه كانت بتلف في المكان زي المجنون، باصصلي وباصص لأبويا وإخواتي وهو حاسس إن كل خطوطه الدفاعية اتهدت.

دخلنا القاعة، ووقفت قدام منصة القاضي. المحامي بتاعي قدم مستندات القايمة، وعقود المؤخر، وشغل كل الأدلة اللي تثبت طلاقه ليا شفهياً وتطاوله عليا. القاضي بص في الأوراق، وبعدين بص لأحمد وسأله: “الكلام ده صحيح يا أستاذ أحمد؟ أنت طلقت زوجتك في العلن وطردتها من بيتها؟”.

أحمد وقف ولسانه اتمسك، مكنش قادر ينطق ولا كلمة كدب لأن جارتنا أسماء كانت واقفة ورا وبصاله بتحدي، وجاهزة تشهد باللي حصل كله. وطى راسه للمرة المليون، بس المرة دي قدام القاضي، وقال بصوت خافت: “حصل يا فندم.. بس كنت غضبان”.

القاضي بصله بنظرة حاسمة وقاله: “الغضب مبرر للمخطئ، لكنه مبيضيعش حقوق الناس”. وأصدر القاضي قراره بتمكيني من كافة منقولاتي الزوجية كاملة، وإلزام أحمد بدفع المؤخر والنفقة المتجمدة فوراً، وتوثيق الطلاق رسمياً.

خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسة إن الهوا اللي بنفسه نقي ونظيف، حاسة إن روحي رجعتلي. حماتي ومنة كانوا قاعدين على الكراسي الخشب اللي برة، أول ما شافوني خارجة والابتسامة على وشي، عرفوا إن كل حاجة انتهت. حماتي دارت وشها وهي بتعيط من الخيبة، ومنة حطت راسها بين إيديها وهي شايفة مستقبلها وعيلتها بيتحولوا لسيرة على كل لسان.

أحمد جرى ورايا لحد باب المحكمة الخارجي، وقف قدامي ووشه باهت تماماً، وقالي بنبرة تهديد أخيرة مختلطة بالرجاء: “خلاص يا سمر؟ ارتحتي كده؟ أهو البيت اتخرب رسمي، وأنا هسيب البلد كلها وأمشي.. بس افتكري إنك أنتِ اللي اخترتي البعد، وافتكري إن البيت اللي خدمتيه سنتين، مش هيدخله ست تانية غيرك.. أنا عمري ما هنسى اللي عملتيه فينا”.

بصيت له بكل برود، وعدلت شيلتي وقربت منه خطوة وقلت له بصوت واطي ومسموع: “البيت اتخرب من يوم ما رضيت عليا الإهانة يا أحمد.. وأنا مش ندمانة على السنتين اللي خدمتكوا فيهم، لأنهم علموني إن الأصل مبيتشريش بفلوس، وإن الست اللي تفرط في كرامتها علشان مركب تمشي، بتغرق في أول موجة. مع السلامة يا أحمد.. وياريت تقفل الباب وراك وأنت ماشي”.

سبته ومشيت مع أبويا وإخواتي، وركبنا العربية وأنا ببص على المحكمة ورايا وبقفل صفحة عيلة الشهاوي من حياتي تماماً.

بعدها بأيام، جه ميعاد تنفيذ قرار التمكين وأخذ القايمة. رحت البيت الكبير ومعايا عربيات النقل والبوليس وأبويا وإخواتي علشان آخد حاجتي قشة قشة.. وبمجرد ما فتحنا باب الشقة ودخلت، شوفت المنظر اللي خلاني أقف مكان أول الشقة وأنا مش مصدقة عيني من اللي حصل ليهم في الأيام اللي غبتها!

بمجرد ما باب الشقة اتفتح، الهوا اللي خرج منها كان محمل بريحة كمكمة وإهمال غريب. البيت الكبير اللي كان دايماً بيبرق من نضافتي وغسيلي وترويقي، كان منظره يصعب على الكافر.

السجاد كله بقع ومليان تراب، صواني العزومة المشئومة إياها كانت لسه مكومة على الحوض وفي طرقة المطبخ، مطلعاش ريحة عفن والدبان لافف حواليها. حماتي كانت قاعدة على الكنبة بجلابية قديمة، وشها دبلان وعينيها وموتة من العياط والتعب، ومنة واقفة في وسط الصالة وشعرها منكوش وضوافرها اللي كانت بتتصور بيها ومتبهدلة وهي بتحاول تغسل كوباية ومش عارفة.

أول ما دخلت ومعايا عمال النقل وإخواتي، حماتي بصتلي بنظرة انكسار ومقامتش من مكانها، ومنة رمت الكوباية من إيدها وقعدت في الأرض تبكي بحرقة ونشيج ملوش آخر. أحمد كان واقف في الزاوية، هدومه مش مكوية، دقنه طويلة، وعينيه حمرة من قلة النوم والحسرة.

بصيت للمكان اللي ضاع فيه سنتين من عمري، ومحستش بأي شماتة، حسيت بنعمة الرضا والحمد إن ربنا نجاني من المستنقع ده.

بدأوا العمال يشيلوا حاجتي.. غرفتي، دهبي، شاشاتي، حتى السكاكين والمعالق اللي جيت بيها في جهازي مسبتلهمش منها قشاية. كنت واقفة وأسماء جارتي معايا بتراجع القايمة بالورقة والقلم، وكل ما حتة عفش تخرج، حتة من روح البيت ده كانت بتطلع معاها.

أحمد قرب مني بخطوات تقيلة، ووقف على مسافة قريبة، وقال بصوت حشرج بالدموع: “خلاص يا سمر؟ هتمشي بجد؟ الشقة فضيت.. والبيت مابقاش بيت. أنا بعت عربيتي علشان أسدد المؤخر والنفقة اللي المحكمة حكمت بيهم، والنهاردة بقيت على الحديدة.. لا طيلت شكل قدام الناس، ولا طيلت مراتي الصالحة اللي كانت شيلاني”.

بصيت له النظرة الأخيرة، وقلت له بكل ثبات وقوة: “الشقة مفضيتش من العفش يا أحمد.. الشقة فضيت من البركة يوم ما ظلمتوني. الفلوس والعربيات بتروح وتيجي، بس الكرامة والست الأصيلة لو راحت، مابتتعوضش بمال قارون”.

لفيت ضهري وبصيت لحماتي ومنة وقلت لهم: “بيقولوا في الأمثال: (يا مستقوية بالزمن.. الزمن دوار). خلو بالكم من نفسكوا بقى، وشوفوا مين هيطبخ ومين هيغسل ومين هيشيل نكدكم”.

نزلت السلم وأنا سامعة صوت بكاهم مالي البيت، ورايا عربيات النقل شايلة حاجتي كلها. أول ما رجلي عتبت الشارع، النفس اللي أخدته كان أطول وأجمل نفس أخدته في حياتي.

رجعت بيت أبويا، وحق الهانم الشغالة رجع لها تالت ومتلت، وعرفت إن الست لما بتصون كرامتها، ربنا بيرفعها ويدوق اللي ظلموها نفس الكأس ومن نفس المكيال. وقفلت ورايا باب الحكاية دي وأنا رافعة راسي، وببدأ حياة جديدة، نظيفة، ومفيهاش غير الناس اللي تعرف قيمتي بجد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *