اخت جوزى قدمتنى 2

أحمد جرى عليا وعينه مليانة غضب أعمى، ورفع إيده وكان لسه هيضربني، في اللحظة دي أنا موطيتش راسي ولا رجعت خطوة لورا، بالعكس، وقفت مكاني وبصيت في عينه بكل جمود وقوة.

وقبل ما إيده تلمسني، جارتي أسماء صرخت فيه ووقفت في وشه: “وريني كده هتمد إيدك عليها إزاي وأنا واقفة؟ وربنا يا أحمد لو لمستها لأكون لمة عليك أهلي والشارع كله وأعملك فضيحة بجلاجل، اتقي شرها دي ولية غلبانة وشايلالكم المر!”.

أحمد إيده اتعلقت في الهوا، وشه كان جايب ألوان من كتر الغل والكبت، بصلها وبصلي وهو بينهج وقال بصوت يرعش من العصبية: “أنتِ خربتي بيت أختي وضيعتي مستقبلي، وضيعتي مستوايا قدام الناس! أنتِ طالق يا سمر! طالق بالتلاتة! ومش عايز أشوف وشك في البيت ده تاني!”.

حماتي أول ما سمعت كلمة الطلاق، زغردت بصوت عالي وقالت: “في داهية! المركب اللي تودي، غوري يا فقرية يا خطافة الرجالة، ضيعتي من إيد البنت عريس كان هيشيلنا من الأرض شيل، اطلعي برة بجلابيتك المعفنة دي!”.

منة كانت قاعدة على الكنبة بتعيط بهيستيريا، وتقطع في فستانها الفخم اللي كانت لابساه للعريس، وتبصلي بحقد وهي بتقول: “والله ما هسيبك يا سمر، أنتِ كسرتيني قدام الناس وخليتيني ميسواش، غوري من هنا!”.

كل ده وأنا واقفة في وسط الصالة بتفرج عليهم، ومفيش دموع في عيني.. بالعكس، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. الطلاق اللي كان زمان يخوفني ويخليني أموت من الرعب، في اللحظة دي جالي كأنه طوق نجاة.

بصيت لأحمد وقلت له بمنتهى البرود: “كتر خيرك يا أحمد، دي أحسن حاجة عملتها من يوم ما دخلت البيت ده.. بس فاكر إني هخرج بجلابيتي زي ما أمك بتقول؟ لأ.. أنا هطلع أوضتي، آخد كل حقي، دهبي، وهدومي، وحاجتي اللي جيت بيها، ومش هسيب هنا قشاية تخصني”.

حماتي صرخت: “حاجة إيه يا مهدومة أنتِ؟ أنتِ ليكي إيه هنا؟ أنتِ تطلعي بهدومك اللي عليكي!”.

أسماء جارتي ردت عليها: “لأ يا حبيبتي، هتاخد حاجتها كلها ورجلها فوق رقبتكم، والقايمة بتاعتها معانا، والبوليس ييجي يفضها لو فكرتوا تمدوا إيدكم على حاجتها”.

طلعت على فوق وأسماء معايا، دخلت الأوضة وبدأت ألم كل هدومي ودهبي في الشنط. كنت بلم حاجتي وأنا بفتكر كل لحظة ذل عشتها في الأوضة دي، وكل مرة كنت بنام دمعتي على خدي وأحمد نايم في سابع نومة ومش سائل فيا.

وأنا نازلة بالشنط، لقيت أحمد واقف في الصالة، باصص للأرض، الغضب اللي كان فيه بدأ يهدأ ويتحول لنظرة ندم وخوف أول ما شاف الشنط بجد وعرف إني خلاص ماشية. حاول يقرب مني ويقول بصوت واطي من ورا أمه: “سمر.. أنتِ سقتِ فيها، وأنا كنت غضبان..”.

قاطعته وبصيت له النظرة الأخيرة وقلت له: “أنت بعتني يا أحمد، وطيت راسك علشان متكدبش أختك، ورضيت إني أكون شغالة.. ومن النهاردة، البيت ده ملوش شغالة.. وروني بقى مين اللي هيخدم ومين اللي هيطبخ ومين اللي هيشيل”.

نزلت من البيت وأسماء شايلة معايا الشنط، ورايحة على بيت أبويا وأنا مقررة إن دي مش النهاية، وإن حقي في القايمة والمؤخر وكل قرش تعبت فيه هاخده بالقانون.

أول ما وصلت بيت أهلي وحكيت لأبويا وإخواتي اللي حصل، الدنيا اتقلبت، وأبويا قال كلمته: “بنتي متهانش، واليوم اللي افتكروا فيه إنهم كسروا ضهرك، هيكون يوم خراب بيتهم”.

وبالفعل، بعد يومين اتنين بس من قعدتي في بيت أبويا، تليفوني رن، وكان المتصل هو.. أحمد!

بصيت للشاشة وقلبي متهزش شعرة، مكنش فيه أي حنين، كان فيه بس فضول أعرف الكسر اللي في صوته هيوصل لحد فين. فتحت الخط وحطيت التليفون على ودني وسكت، مكنتش عايزة أبدأ أنا بالكلام.

سمعت صوته وهو بينهج، صوت واحد ضايع، قالي بنبرة مكسورة ومترددة: “سمر.. عاملة إيه؟ أنا عارف إنك زعلانة، وعارف إن اللي حصل كان غصب عننا كلنا.. الشيطان دخل وسطنا يا سمر، وأنا مكانش قصدي أطلقك، دي كانت ساعة غضب والطلاق في الغضب مبيقعش، ارجعي بيتك يا حبيبتي، البيت يضرب يقلب من غيرك”.

ضحكت ضحكة خفيفة كلها استهزاء وقلت له: “البيت يضرب يقلب؟ قول كده بقى.. أنت مش كلمتني علشان وحشتك يا أحمد، ولا علشان ضميرك أنبك على مرأتك اللي اتهانت قدام عينك ووطيت راسك وسكت.. أنت مكلمني علشان المواعين اتكومت، والبيت اتملا تراب، وأمك ركبها وجعتها من أول يومين، والآنسة منة مش عارفة تعمل لنفسها كوباية شاي بعد ما العريس طار!”.

أحمد سكت لحظة، وبعدين صوت نبرته اتمت بالغل تاني وقالي: “جرى إيه يا سمر؟ هتكبري وتنسي نفسك ولا إيه؟ أنا بشتريكِ وبقولك ارجعي، وأختي منة أهو خطوبتها فركشت والبيت كله نكد وحماتك عيانة، بدل ما تقفي جنبنا في الأزمة دي جاية تتشطري عليا؟ اخلصي ولمي هدومك وأنا هاجي آخدك النهاردة، كفاية فضايح لحد كده”.

في اللحظة دي، أبويا سحب التليفون من إيدي بكل هدوء، وحطه على ودانة، وقال بصوت جهوري هز سماعة التليفون: “اسمع يا ابن الشهاوي.. بنتي مش هترجع، واليوم اللي فكرت فيه أختك تطلع بنتي شغالة، واليوم اللي وطيت فيه راسك وسكت، كان آخر يوم لبنتي في عيلتكم النكرة.. بنتي ملهاش رجوع، وميعادنا الجاي في المحكمة، قايمتها ومؤخرها ونفقتها هتاخدهم قرش ينطح قرش، وإلا المحاكم ياما بتشيل”.

أبويا قفل السكة في وشه وعمل له بلوك، وبصلي وقالي: “ارفعي راسك يا سمر، اللي يبيعك بالرخيص ملوش مكان وسطنا، وحقك هيجيلك لحد عندك”.

ومرت الأيام، والبيت الكبير بتاع عيلة أحمد اتقلب جحيم.. عرفت من جارتي أسماء إن أم أحمد ومنة مبقوش يطيقوا بعض، الخناقات بقت تطلع للشارع لأن مفيش حد فيهم متعود يشيل قشاية من الأرض. حماتي مبقتش قادرة تقف في المطبخ، ومنة شايفة إن أمها هي السبب لأنها مدخلتهاش المطبخ من صغرها، وأحمد بقى يرجع من شغله يلاقي البيت يضرب يقلب ومفيش لقمة نظيفة يأكلها، وبدأ يحس بقيمتي وبكل ثانية كنت بخدمهم فيها برموش عيني.

أما منة، فالعريس اللي طار منها راح حكى لـ طوب الأرض عن اللي شافوه في البيت ده، وعن الجحود والكدب اللي اتعاملوا بيه معايا، فبقت سيرتهم على كل لسان في المنطقة، ومبقاش في عريس راضي يعتب بابهم.

بعد أسبوعين، جه ميعاد أول جلسة في المحكمة علشان القايمة وحقوقي.. أحمد جه مع محاميه، وكان وشه شاحب، باين عليه الهم والتعب، لبسه مكانش مكوي وزي المتبهدل.. أول ما شافني داخلة المحكمة وأنا لابسة أشيك طقم عندي، ورافعة راسي ومبتسمة وجنبي أبويا وإخواتي، جرى عليا ودموعه في عينه..

وقف قدامي وقال بصوت مرعوب: “سمر، أرجوكي بلاش محاكم، أنا مستعد أعملك كل اللي أنتِ عايزاه.. هعزلك في شقة لوحدك بعيد عن أمي وأختي، وهكتبلك شيك بمؤخرك، بس بلاش تخربي بيتي وتفضحينا في المحاكم.. أنا عرفت قيمتك والله!”.

بصيت له بمنتهى الجمود، ولسه هرد عليه وأقوله كلمتي الأخيرة اللي هتخليه يلف حوالين نفسه.. وفجأة، سمعنا صوت صريخ عالي جاي من وراه! مكنتش مصدقة عيني لما لفيت وشوفت مين اللي جاي وبيصرخ في وسط المحكمة..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *