انا بنت بشتغل في محل

أنا بنت بشتغل في محل وظروفي المادية صعبة جدا ومن أول ما اشتغلت صاحب الشغل عرف إن حالتنا على قدها وإن في البيت عندنا حاجات أساسية ناقصة زي تلاجه وغيره . بصراحة هو وقف جنبي، وساعدني هو وأهله وجمعوا مبلغ واشترولي تلاجه لاننا كنا محتاجينها عشان الصيف واللي كانت عندنا باظت ومبقتش نافعه وعايزه مصاريف كتير
وكمان وفرولي شوية أثاث كان عند حد من قرايبهم وأنا عمري ما نسيت وقفتهم معايا ولسه بدعيلهم لحد النهارده.
لكن مع الوقت بقيت حاسة إن المساعدة دي خلتهم يطلبوا مني اي حاجه حتى لو ملهاش علاقة بشغلي.
بقيت طول اليوم أسيب المحل وأنزل أجيب طلبات البيت للمدام، أشتري خضار منظفات، أو أي حاجة ناقصة في بيتهم وبعدها أطلعها لحد الشقة وهي في دور عالي ومفيش أسانسير وأفضل شايلة الأكياس لوحدي.
ومش ده بس، ساعات صاحب الشغل يندهلي وأنا واقفة في المحل عشان أروح أفتح باب الجراج لابنه وهو داخل بالعربية أو يخليني أشيل شنط سفر تقيلة وأطلعها لحد الشقة و ابنه يطلع قدامي من غير ما يشيل حاجة
وفي أيام يطلب مني أكنس الرصيف قدام العمارة أو أعمل اطلع انضف الشقة لمراتة ، مع إنها ملهاش أي علاقة بالشغل اللي أنا اتعينت عشانه.
#انجي_الخطيب
اللي مخليني محتارة إني بشوف البنات اللي شغالين في محلات تانية شغلهم واضح ومفيهوش اي طلبات زيادة ييجوا يشتغلوا في المحل ويمشوا محدش بيطلب منهم يخلصوا مشاوير شخصية أو يخدموا أهل صاحب الشغل.
أنا بجد بقيت كل يوم بروح الشغل وأنا مخنوقة وحاسة إنهم بقوا بيتعاملوا معايا كأني خد.امة عندهم مش موظفة. وفي نفس الوقت ضميري بيأنبني لأنهم فعلًا وقفوا معايا في وقت صعب، ومش عايزة أبقى ناكرة للجميل.
بفكر أسيب الشغل، لكن خايفة أجرحهم وخايفة كمان أقعد من غير شغل لأن ظروفي فعلًا متستحملش وفرصة شغل جديدة مش مضمونة وهتعب على ما الاقي بمرتب معقول ده لو لقيت اصلا..
أنا مش طالبة غير إني أشتغل شغلي بكرامة ومن غير ما أحس كل يوم إني أقل من اللي حواليا..
#انجي_الخطيب
في يوم من الأيام، كنت طالعة بالصدفة أودي طلبات البيت للمدام، وكان الباب موارب شوية.. سمعت صوت خناقة عالية وصوت صاحب الشغل بيزعق، وقفت مكاني من الخضة وأنا شايلة كراتين المنظفات.
​صوت المدام كان حاد وهي بتقوله: “أنت لسه بتستغلها؟ البنت بدأت تشك، وشفتها النهاردة وهي بتبص لي بصه غريبة، لو عرفت إحنا ليه فعلاً جبنا لها التلاجة وساعدناها، مش بس هتسيب الشغل.. دي ممكن تروح القسم!”
​قلبي دقاته بقت مسموعة في ودني، كنت عايزة أتحرك بس رجلي اتسمرت في الأرض. كمل صوت صاحب الشغل بصوت واطي ومخيف: “اسكتي خالص.. البنت دي طول ما هي حاسة بالجميل، هي في إيدينا، ومحدش غيرها يقدر يدخل البيت ويخرج من غير ما يلاحظ ‘الحاجة’ اللي مخبيينها في المخزن اللي هي بتنضفه كل أسبوع.. لو مشيت، مين اللي هيعمل الدور ده ويضمن لي إن السكة في أمان؟”
​سمعت صوت خطوات بتقرب من الباب، اتجمدت في مكاني وأنا مش عارفة أعمل إيه.. أهرب؟ ولا أواجههم؟ ولا أتصرف كإني مسمعتش حاجة؟
مديت إيدي بالراحة عشان أسند الكراتين على الأرض، بس فجأة.. الباب اتفتح على الآخر، وظهر وش صاحب الشغل قدامي وهو بيبص لي بصه باردة، وعيونه مكنتش بتبص لي أنا.. كانت بتبص على “السلسلة” اللي أنا لابساها في رقبتي، اللي لقيتها يومها جوه التلاجة اللي جابوهالي!
يا تري اية هو سر التلاجة؟! وصاحب الشغل هيعمل اية في البنت بعد مارشاف السلسة في رقبتها….
انجي_الخطيب
اتسمرت في مكاني، الكراتين تقلت في إيدي كأنها بقيت رصاص، وعيني اتعلقت في عينيه اللي كانت بتلمع بشراسة مش مفهومة. هو ممدش إيده ياخد الطلبات زي العادة، ولا حتى قال “شكراً”، فضل واقف سادد الباب بجسمه الضخم، وبصته نازلة على رقبتي كأنها خنجر مغروس فيها.
​”إيه اللي نزلك لحد هنا يا بنت؟ مش قولتلك الطلبات تسيبيها عند باب الأسانسير في الدور الأرضي؟” صوته كان هادي بشكل مرعب، صوته اللي بيخليني أحس بالرعب أكتر من وقت ما بيزعق.
​بلعت ريقي بصعوبة، ولقيت صوتي طالع بالعافية: “ال.. الأسانسير كان عطلان يا باشا، وطلعت السلم عشان ما أأخرش المدام.”
​اتحرك خطوة ناحيتي، والمدام ظهرت وراه، وشها اتخطف أول ما شافتني، وبصت لجوزها نظرة قلق فظيعة. هو مقربش، بس كشر بابتسامة صفرا وهو بيقول: “سلسلة حلوة أوي.. شكلها لايق عليكي، بس غريبة، ماخدتش بالي منها قبل كدة، دي كانت في التلاجة اللي جبناهالك؟”
​الكلمة نزلت على قلبي زي التلج. عرفت إزاي؟ أنا مكنتش لبستها غير النهاردة لأول مرة عشان أغير بيها شكل لبسي البسيط. قلبي بيدق لدرجة إني حاسة إن دقاته هتفضحني. رديت وأنا بداري رعبِي: “دي.. دي حاجة بسيطة لقيتها جواها، قولت ألبسها عشان تكسر اللون.”
​ضحك ضحكة قصيرة مفيهاش أي روح، وبعدين مد إيده فجأة ومسك دراعي بقوة، شاددني لجوه الشقة وقفل الباب ورايا برجله في حركة واحدة سريعة. “بما إنك بقيتي جوه وشوفتي اللي ميتشافش، يبقى لازم نعرفك الحقيقة يا حلوة.. التلاجة مكنتش هدية، دي كانت مخزن متنقل، والسلسلة اللي في رقبتك دي مش إكسسوار، دي كانت المفتاح اللي بيفتح خزنة ‘المخزن’ اللي بتنضفيه كل أسبوع، وانتي من غير ما تحسي بقتِ شايلة سر حياتنا ورقبتك دي.. هي اللي بقت تمن السكوت.”
​حاولت أشد إيدي، بس قبضته كانت من حديد. بصيت للمدام اللي كانت واقفة بعيد، عيونها مليانة خوف مش عليا، خوف على نفسها. في اللحظة دي، مكنش عندي اختيار، الخوف اللي كان مكلبشني اتحول لغضب مكتوم، ولقيت نفسي بقول بصوت ثابت مكنتش أعرف إنه يطلع مني: “يعني أنا مش شغالة عندكم.. أنا كنت حارسة لحاجة إجرامية من غير ما أعرف؟”
​بصلي بذهول من جرأتي، وقبل ما ينطق، سمعت صوت خبط عنيف على باب الشقة، وصوت ضابط شرطة بينادي من بره: “افتح الباب، الشرطة في كل مكان، محدش يتحرك!”
​وشوشهم انخطفت، وبصوا لبعض برعب، وفي اللحظة اللي اتشتت فيها انتباهه ويدُه خفت شوية على دراعي، زقيته بكل قوتي ورميت الكراتين في وشه وجريت ناحية الباب، صرخت بأعلى صوت عندي: “أنا هنااااااا! افتحواااا!”
​لقيت الباب بيتفتح بقوة، ونور الكشافات عما عينيا، ووقعت على الأرض وأنا مش عارفة أنا في حلم ولا حقيقة، بس في وسط الدوشة دي، كانت عيني لسه على السلسلة اللي في رقبتي، اللي كانت السبب في كشف كل حاجة، والسبب في إني أكتشف إني كنت ببيع عمري وكرامتي لناس ميعرفوش الرحمة، بس الأكيد.. إني أخيراً اتحررت.
……..
الشرطة دخلت زي الإعصار، الكل في حالة ذهول، وصاحب الشغل ومراته بقوا متكتفين في ثواني، وأصوات الكلابشات وهي بتقفل على إيديهم كانت هي الصوت الوحيد المسموع في الشقة بعد ما الهدوء غطى المكان. الضابط اللي دخل الأول بص لي بحدة ممزوجة بتقدير، وطلب مني أهدا وأقعد على الكنبة، وأنا جسمي كان بيترعش من صدمة الموقف وتتابع الأحداث.
​فضلت قاعدة مكاني، عيوني مش قادرة تبعد عنهم وهما بيتحركوا في كل ركن في الشقة، بيفتشوا، بيفتحوا أدراج، وبيصوروا كل حاجة. الضابط قرب مني وقالي بصوت واطي: “إحنا بقالنا شهور بنراقبهم وبنحاول نوصل لأي خيط يخلينا ندخل الشقة دي قانوني، وكل اللي كنا محتاجينه حد من جوه يدينا إشارة.. الحركة اللي عملتيها لما صرختي هي اللي أنقذت حياتك وضمنت وجودنا هنا.”
​في اللحظة دي، صاحب الشغل بصلتي بصه كلها حقد وغيظ وهو بيتشد للمخرج، وكأنه لسه مش مصدق إن “البنت الغلبانة” اللي كان بيذلها هي اللي كانت سبب في نهايتهم. المدام كانت بتبكي، مش ندم، بس خوف من المجهول اللي بيستناها.
​الضابط أخد مني أقوالي، وحكيت كل حاجة، من أول التلاجة اللي جابوهالي لحد مشاوير البيت المذلة، وتفاصيل المخزن اللي كنت بدخله كل أسبوع. لما حكيت عن السلسلة اللي لقيتها جوه التلاجة، الضابط أخدها مني بحذر بـ “جوانتي” وحطها في كيس بلاستيك، وقالي إن السلسلة دي كانت جزء من مسروقات قضية رأي عام ومطلوبة في ملف كبير، وإن وجودها معايا كان فخ عشان يورطوني لو البوليس كشفهم.
​خرجت من العمارة والشارع كان مقلوب، الجيران واقفين بيبصوا باستغراب، ولأول مرة في حياتي، مشيت في الشارع وأنا رافعة راسي. مفيش أكياس شايلاها، مفيش أوامر بتنفذها، ومفيش خوف من بكرة. عرفت وقتها إن رزقي مش في إيد صاحب الشغل، وإن الكرامة اللي كنت بحاول أحافظ عليها هي اللي نجتني في الآخر.
​بعد كام يوم، كنت ببدأ حياتي من جديد، بعيد عن المحل وعن الناس دي، لقيت عرض شغل في مكان محترم، شغل حقيقي بمقابل عادل، وناس بتحترم خصوصيتي وكرامتي. مكنتش محتاجة تلاجة جديدة ولا أثاث، كنت محتاجة بس أحس إني إنسانة، والدرس اللي اتعلمته كان غالي، بس نتيجته كانت إن الشخص اللي جوايا صحي، وعمري ما هسمح لحد تاني يذلني باسم “الجميل” أو “المساعدة”.
………
عدت الأيام وبدأت حياتي تاخد شكل تاني خالص، الشغل الجديد طلع نعمة في حد ذاته، ناس محترمة، تقدير ملموس، ومواعيد واضحة ومحددة. مفيش حد بيطلب مني حاجة تخرج عن نطاق شغلي، ومفيش حد بيقدر يبص لي بصة “الاستعلاء” اللي كنت بشوفها كل يوم.
​في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب. قلبي نغزني، ترددت قبل ما أفتح، بس فضولي كان أقوى. رديت، وسمعت صوت مكنتش أتخيل إني اسمعه تاني.. صوت “المدام” من جوه الحبس.
​صوتها كان مكسور، مش زي ما كنت بسمعه وهي بتأمرني، قالتلي بنبرة كلها رجاء: “أنا عارفة إني مليش حق أطلب منك أي حاجة، وعارفة إني دمرت حياتك ومسحت بكرامتك الأرض.. بس أنا عرفت إنك الشاهد الوحيد اللي كلامه هيحدد مصيري في القضية دي. جوزي رماني في وش المدفع وقال إن كل حاجة كانت بتخطيطي أنا، وإنه مكنش يعرف حاجة عن المخزن ولا عن المسروقات.”
​سكتت للحظة، وحسيت ببرود غريب في صدري، كملت هي بصوت مخنوق: “أنا كل اللي طالبه منك، إنك تقولي الحقيقة في المحكمة، تقولي إن كنتِ بتشوفي مين اللي كان بيمشي الشغل فعلياً، تقولي إنك كنتِ ضحية زيي بالظبط.. يمكن لو ساعدتيني، أقدر أخد حكم مخفف وأشوف ولادي تاني.”
​وقفت في نص الشارع، وبصيت للسما، حسيت بوجع قديم بيتحرك جوايا، بس الوجع ده كان بيضمد نفسه بنفسه. رديت بصوت ثابت وهادي: “أنا مش هظلمك ولا هغير الحقيقة، الحقيقة اللي شفتها بودني في ليلة القبض عليكم هي اللي هقولها في المحكمة. لا هزيد كلمة ولا هنقص كلمة. العدل مش أنا اللي بوزعه، والجزاء عند ربنا هو اللي بيعرف مين اللي يستحق ومين اللي اتجر ورا طمعه.”
​قفلت السكة قبل ما تسمع ردي الأخير، ورميت التليفون في الشنطة. مشيت في الطريق، وحسيت بخفة في قلبي مكنتش حساها من سنين. السلسلة اللي كانوا فاكرين إنها هتكون قيدي، بقت هي رمز حريتي. مفيش “تلاجة” تانية هتشتري سكوتي، ومفيش “جميل” هيذلني بعد كدة.
​أنا مش إنجي اللي كانت بتشيل كراتين وتكنس أرصفة عشان ترضي حد، أنا البنت اللي قدرت تخرج من تحت رماد الذل ووقفت من تاني. عرفت إن الدنيا مهما قسيت، بيفضل فيها عدل، واللحظة اللي قررت فيها إني أرفض أكون “خدامة” وأختار أكون “إنسانة”، كانت هي اللحظة اللي بدأت فيها حكايتي الحقيقية.. حكاية بنت عرفت قيمتها، وعرفت إن كرامتها أثمن من أي مصلحة، وأغلى من أي تلاجة.
​القصة دي خلصت، بس بدأت جوايا قصة تانية.. قصة حياة جديدة، نظيفة، ومستقلة، من غير أي “مخازن” سرية، ومن غير أي “أصحاب شغل” بيتاجروا بوجعي. وأنا راجعة بيتي، كنت ماشية بابتسامة، لأول مرة في حياتي، الابتسامة دي طالعة من قلبي مش من خوفي.
……
بعد مرور شهور، جه يوم الجلسة الحاسمة. لبست لبس بسيط ومنظم، ودخلت قاعة المحكمة بخطوات واثقة، مفيش فيها رعشة الخوف اللي كنت بحس بيها وأنا طالعة سلم العمارة شايلة أكياسهم.
​قفت قدام القاضي، وبصيت في عين “صاحب الشغل” اللي كان واقف في قفص الاتهام، كان شكله دبلان، ملامحه اللي كانت بتخوفني بقت عادية جداً، مجرد إنسان مهزوم قدام القانون والواقع. لما بدأت أتكلم، صوتي مكنش بيترعش، حكيت كل تفصيلة، من أول “هدية” التلاجة اللي كانت فخ، لحد استغلالهم ليا في مشاوير البيت وتنظيف المخزن، ووصولاً لليلة اللي سمعتهم فيها بيخططوا لمصيري.
​لما خلصت شهادتي، ساد صمت في القاعة، بصيت ناحية “المدام” اللي كانت بتعيط في القفص، مكنش جوايا شماتة، كان جوايا سلام نفسي. القاضي حكم في القضية، وطلعت الأحكام عادلة، وخرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسة إن أخر صفحة في الكتاب ده اتقفلت للأبد.
​عديت على المحل القديم، كان مقفول بالشمع الأحمر، وقفت قدام بابه لحظة، افتكرت البنت اللي كانت بتكنس الرصيف وهي مكسورة، والبنت اللي كانت بتمسح دمعتها وتدخل تبتسم للزبائن وهي جواها نار. ابتسمت لنفسي، وقلت بصوت واطي: “باي باي يا إنجي القديمة، انتِ عملتي اللي عليكِ، وطلعتي أقوى مما كنتِ تتخيلي”.
​في الطريق وأنا مروحة، قابلت صاحبتي اللي كانت بتشتغل في محل تاني، سألتني بفضول: “ها يا إنجي، أخبارك إيه؟ سمعت إنك بقيتي بتشتغلي في شركة كبيرة، إيه الفرق اللي حسيتيه؟”
​بصيت لها وضحكت من قلبي: “الفرق يا ستي مش في المرتب ولا في المكان.. الفرق إني بقيت بشتغل بكرامة، مفيش ‘مدام’ تطلب مني أكنس، ومفيش ‘باشا’ يفتكر إني اشتريته بتلاجة. الحرية اللي الواحد بيحس بيها لما ياكل من تعب إيده بشروط آدمية.. دي لوحدها تسوى الدنيا وما فيها.”
​روحت بيتي الصغير، قعدت أشرب كوباية شاي بهدوء، فتحت كراسة كتاباتي، وبدأت أكتب من تاني. القصص اللي كنت بكتبها للناس، بقيت بكتبها من تجربتي، من وجعي اللي اتحول لخبرة، ومن خوفي اللي اتحول لشجاعة.
​أنا النهاردة مش بس بشتغل، أنا بكتب حياتي بإيدي، وأي حد هيحاول يمس كرامتي، هعرف أوقفه عند حده، لأن اللي شاف الموت بعينه في “مخزن” ذل، مبيخافش من أي تحدي تاني.
…….
أخدت نفس عميق وفتحت صفحة جديدة في الكراسة، وبدأت أكتب السطور الأخيرة لحكايتي عشان تكون درس لكل بنت في مكاني، كتبت: “اللي بيشتري كرامتك بـ ‘تلاجة’ أو ‘أثاث’، بكرة يبيعك بأرخص تمن عشان يغطي على جرائمه. أوعي تخلي الاحتياج يعميكي عن الحق، وأوعي تفتكري إن الجميل لازم يتسدد بكرامتك، الجميل في الدنيا بيترد بكلمة حلوة ومعروف، لكن لو اتقلب استغلال، يبقى لازم تحطي النقط على الحروف، ولو لزم الأمر.. اصرخي، لأن صوتك هو سلاحك الوحيد.”
​قفلت الكراسة وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على كتافي سنين نزل، وقمت وقفت قدام المراية، بصيت لملامحي اللي اتغيرت، نظرة الخوف والكسرة اختفت، وحلت مكانها نظرة القوة والثقة. مسحت إيدي على شعري، وابتسمت لنفسي في المراية بامتنان، أنا مش بس نجوت من قضية، أنا نجوت من “سجن” كنت أنا اللي بانيه لنفسي بالخوف والتردد.
​تاني يوم، نزلت الشغل الجديد بنشاط، ولما دخلت الشركة، لقيت مديري بيستقبلني بابتسامة مهنية وبيقولي: “أهلاً يا إنجي، جاهزة نبدأ المشروع الجديد؟” رديت بثقة: “جاهزة يا فندم، وبكل طاقتي.”
​الحياة ما وقفتش عند باب المحل القديم، بالعكس، دي كانت بداية طريقي المهني اللي بحلم بيه. بقيت بكتب قصص تانية، قصص عن بنات زيكوا، عن الصبر، وعن القوة اللي بتطلع في أحلك الظروف، وبقيت بستخدم منصاتي عشان أنصح البنات إنهم يشتغلوا بكرامة، وإن كرامتهن أغلى من أي فرصة عمل ممكن تذلهن.
​بقيت بمشي في شوارع مصر، وأنا حاسة إن كل رصيف مشيت عليه زمان وأنا مكسورة، هو النهاردة شاهد على انتصاري. الخوف مابقاش جزء من حياتي، والذكريات الوحشة بقت مجرد “مادة خام” بكتب بيها رواياتي اللي بتلمس قلوب الناس.
​أنا اللي بدأت حكايتي بـ “تلاجة” مكسورة، وانتهت بأنها بنت بتبني كيانها بكرامة وإيدين مرفوعة للسما، راضية، ومستعدة لأي تحدي جديد. خلصت حكايتي، بس الحياة لسه مليانة حكايات، ومستعدة أعيشها كلها.. بكرامتي.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *