جوزي راح يصطاد 3
نظرتُ يميناً ويساراً والوحل يغوص فيه حذائي، وبناتي يصرخن بصوت مكتوم تحت المطر الغزير الذي كان يغسل دموعنا. شريف كان يتقدم بخطوات واسعة، والقطعة الحديدية في يده تلمع مع كل ومضة برق تقطع السماء. المسافة بيننا وبينه كانت تتقلص برعب، ولم يعد أمامنا مفر سوى التراجع نحو عمق المنطقة الصناعية المهجورة، حيث المصانع القديمة والظلام الدامس.
سحبتُ البنات وجرينا باتجاه ممر ضيق يقع بين مستودعين مهجورين. كان الممر مليئاً بالخردة وصناديق الحديد الصدئة، وهو ما أعاق حركتنا، لكنه في نفس الوقت أعاق شريف الذي كان يلاحقنا وهو يسب ويشتم بغضب أعمى.
صرختُ في لوجي وأنا أركض:
— “لوجي.. خدي أخواتك واستخبي ورا الخزان الكبير ده.. ومحدش فيكم يخرج مهما حصل!”
دفعتهم خلف خزان مياه حديدي قديم وضخم، والتفتُّ أنا لأواجه شريف. كنت أعلم أنني لو استمررت في الركض معهن، فسيقضي علينا جميعاً بمجرد أن يمسك بنا. كان يجب أن أشتت انتباهه بعيداً عن البنات، حتى لو كان الثمن حياتي.
وقفتُ في منتصف الممر المظلم، أتنفس بصعوبة والمطر يغرق وجهي، ورفعتُ الموبايل القديم في يدي لأجعله يراه تحت ضوء البرق، وصرختُ فيه:
— “شريف! الموبايل معايا.. والصورة والرسائل اللي فيه اتبعتت خلاص لأختي وللمحامي! لو حصلنا حاجة، السر كله هيكبر والبلد كلها هتعرف إنك قتلت أخوك عشان الفلوس!”
كانت كذبة خطيرة، لكنها كانت ورقتي الأخيرة لأجعله يتوقف.
توقف شريف بالفعل على بُعد خطوات مني. أنفاسه كانت تخرج كالدخان في الجو البارد، ووجهه المبلل بالمطر بدا كأنه وجه شيطان. نظر إلى الموبايل في يدي، ثم ضحك ضحكة هستيرية عالية تداخلت مع صوت الرعد:
— “تبعتيها لمين يا سمر؟ الموبايل ده ملوش خط أصلاً ومفيش فيه شبكة من سنين! بتغفليني؟ أنتِ فكراني غبي؟”
قبل أن أستوعب رد فعله، اندفع نحوي بسرعة رهيبة ورفع القطعة الحديدية ليضربني بها. غريزة البقاء جعلتني أنحني بسرعة، لتمر الحديدة فوق رأسي وتصطدم بالجدار الأسمنتي خلفي، محدثة شرارات قوية وصوتاً مرعباً.
وقعتُ على الأرض من قوة اندفاعي، وطار الموبايل القديم من يدي ليسقط وسط الوحل على بُعد مترين. زحفتُ بسرعة لألتقطه، لكن شريف كان أسرع؛ وضع حذاءه الثقيل فوق يدي بقسوة جعلتني أصرخ من شدة الألم.
انحنى شريف، وجذبني من شعري بقوة ليرفع وجهي تجاهه، وقال بنبرة مليئة بالغل والتشفي:
— “كنت عايز الموضوع يخلص من سنة يا سمر.. كنت عايزك تعيشي وتربي البنات وأنا من بعيد لبعيد أضمن إن مفيش خيط يوصل لي. لكن غباءك وغباء بنتك هو اللي جابكم لحد هنا. دلوقتي.. هتلحقي جمال، والناس كلها هتقول إن الست المسكينة من كتر حزنها على جوزها، عقها خف وأخدت بناتها ورمت نفسها في البحيرة في ليلة مطرة زي دي!”
في تلك اللحظة المرعبة، وأنا أشعر بالأنفاس الأخيرة تقترب، لمح عيني شريف شيئاً يتحرك خلفه.
لم تكن لوجي قد اختبأت كما طلبتُ منها.. كانت تقف خلف شريف مباشرة، ممسكة بماسورة حديدية رفيعة وجدتها في الخردة، وبكل ما تملك من قوة طفولية ودموع تملأ عينيها، ضربت شريف على ركبته من الخلف.
شريف صرخ من الألم والسرعة، واختل توازنه ليفلت شعري ويسقط على ركبة واحدة في الوحل.
استغللتُ الفرصة فوراً، ودفعتُه بكل ثقلي ليسقط بالكامل على الأرض، وجريتُ نحو لوجي وأمسكت يدها، وسحبنا أختيها الصغيرتين اللتين كانتا تبكيان برعب، وركضنا بأقصى سرعة خارج الممر الضيق نحو الشارع العمومي، والوقت كان يداهمنا لأن شريف بدأ يستعيد توازنه ويقوم من الأرض وهو يزأر كالوحش الجريح.
بمجرد وصولنا لحافة الشارع المظلم، لمحتُ أضواء سيارة قادمة من بعيد بسرعة كبيرة، كشافاتها القوية شقت المطر والظلام. وقفتُ في منتصف الطريق وأنا ألوح بيديّ بجنون والصراخ يملأ حنجرتي: “الحقوناااا.. امسكوا قاااتل!”
السيارة فرملت بعنف وصدر من إطاراتها صوت حفيف حاد على الأسفلت المبلل، وتوقفت على بُعد إنشات قليلة مني.
انفتح باب السيارة بسرعة، وخرج منها رجل لم أكن أتوقع رؤيته أبداً في هذا المكان وفي هذا الوقت!
انفتح باب السيارة بعنف، وخرج منها الأستاذ عادل المحامي ومعه شابان من أقارب جمال!
كان الأستاذ عادل ممسكاً بهاتفه، وملامح القلق والجدية تكسو وجهه. بمجرد أن رآني بناتي ملقاة في وسط الطريق تحت المطر والوحل يغطيني، صرخ في الشابين:
— “امسكوا شريف بسرعة! هو هنا!”
الشابان اندفعا فوراً نحو الممر المظلم الذي خرجنا منه، حيث كان شريف يترنح محاولاً النهوض واللحاق بنا، والحديد في يده. لكن بمجرد أن رأى الإضاءة ورأى أقارب جمال الأقوياء يركضون نحوه، أدرك أن اللعبة انتهت تماماً. حاول الالتفاف والهرب من المخارج الخلفية للمنطقة الصناعية وسط الظلام والمطر.
ارتميتُ على الأرض وأنا أتنفس بصعوبة، وضممتُ بناتي الثلاث إلى صدري ونحن نبكي جميعاً بكاءً هستيرياً. اقترب الأستاذ عادل منا بسرعة، ونزل على ركبتيه وهو يحاول تهدئتي ويغطي البنات بعباءته، وقال بصوت يرتجف من الصدمة:
— “الحمد لله إنكم بخير يا سمر.. الحمد لله إنني لحقتكم.”
سألته وأنا أرتجف والدموع تعمي عيني:
— “أستاذ عادل.. أنت جيت هنا إزاي؟ عرفت مكاني منين؟”
أخرج الأستاذ عادل هاتفه وأراني الشاشة؛ كانت هناك رسالة نصية قصيرة وصلت إليه قبل نصف ساعة من رقمي أنا! مكتوب فيها عنوان المستودع القديم بوضوح وجملة واحدة: *”شريف قتل جمال.. احنا في المستودع والحقونا.”*
نظرتُ إلى لوجي بنظرة ذهول، فابتسمت البنت من بين دموعها وقالت بصوت متقطع:
— “أنا اللي بعتها يا ماما.. لما كنتِ بتتكلمي مع عمو شريف في التاكسي وكنتِ خايفة، سحبت تليفونك من الشنطة بالراحة وبعت الرسالة دي لعمو عادل عشان كنت عارفة إننا رايحين المستودع اللي في الصورة.”
ضممتُ لوجي لصدري وقبلت رأسها وأنا لا أصدق أن ذكاء هذه الطفلة وشجاعتها هما ما أنقذ حياتنا الليلة.
خلال دقائق، دوت سرائن شرطة النجدة في المكان بعد أن كان الأستاذ عادل قد أبلغهم وهو في الطريق. شقت الأضواء الحمراء والزرقاء ظلام المنطقة الصناعية، وحاصرت القوات المداخل كلها. لم يمر وقت طويل حتى خرج الشابان مع الضباط وهم يقتادون شريف مكبلاً بالحديد، وجهه كان مليئاً بالوحل، وعيناه تملأهما نظرات الغل والهزيمة، ولم يستطع حتى أن ينظر في عيني.
تقدمتُ نحو ضابط المباحث وأنا أرتجف، وفتحتُ حقيبتي. أخرجتُ منها جاكيت جمال، الموبايل القديم الذي يحتوي على صورة الجريمة والرسالة الممسوحة، والأهم من ذلك.. دبلة جمال الفضية التي حفرت بها الأرض قبل قليل.
سلمتُ الأدلة للضابط وقلت بغصّة مريرة:
— “ده دليل قتل جوزي جمال.. جمال م ماتش في عاصفة، شريف قتله هنا في المستودع ده من سنة كاملة عشان يسرق فلوسه.”
نظر الضابط إلى الهاتف والصورة، ثم نظر إلى شريف وقال بحسم:
— “أهلاً بيك يا شريف.. القضية اللي اتقفلت من سنة، هتتفتح الليلة، بس المرة دي بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.”
تم اقتيادنا جميعاً إلى مديرية الأمن لتقديم الإفادة الرسمية، وتأمين البنات. طوال الطريق، كنت أضغط بيدي على دبلة جمال وأنا أشعر بغصة الفراق، ولكن لأول مرة منذ سنة، شعرت بنوع من الراحة.. الحقيقة ظهرت، ودم جمال لن يضيع هباءً.
ولكن، بقيت هناك خطوة أخيرة.. ففي مركز الشرطة، وأثناء التحقيق ومواجهة شريف بالدليل القاطع، انهار تماماً وبدأ يعترف بكل شيء، لكنه قال جملة واحدة جعلت المحقق يقف، وجعلت قلبي يقف للمرة الألف في هذه الليلة الطويلة..
قال شريف وهو يبكي بهستيريا ويوجه إصبعه المرتعش نحوي:
— “أنا مقتلتوش لوحدي! جمال لسه عايش.. جمال محبوس في السرداب اللي تحت بيت أمي القديم!”
ساد صمت قاتل في غطاء التحقيق. شعرتُ فجأة بأن الجدران تدور بي، ولم أعد أسمع سوى طنين حاد في أذني. أستاذ عادل المحامي وقف من صدمته، وضابط المباحث انحنى فوق مكتبه وصرخ في شريف:
— “أنت بتقول إيه؟! انطق وقول الحقيقة، الصورة اللي في الموبايل دي إيه؟!”
انهار شريف بالبكاء التام واعترف بكل شيء:
— “الصورة دي كانت ليلة الأحد فعلاً.. ضربته عشان يوقع على تنازل عن الأرض وعن الفلوس، وكان مغمى عليه. كنت ناوي أقتله، بس لما جيت أنفذ خفت.. خفت من حبل المشنقة. نقلته في وسط الليل لبيت أمي القديم المهجور في الفيوم، وحبسته في السرداب اللي تحت الأرض. بقالي سنة كاملة بروح هناك كل كام يوم في السر، أرمي له أكل وشرب عشان يفضل عايش، وأنا مطمن إن الكل فاكر إنه غرق في البحيرة والموضوع اتقفل!”
لم أنتظر سماع بقية الاعتراف. صرختُ في الضابط والدموع تملأ عيني:
— “أرجوك يا فندم.. جوزي بيموت بقاله سنة تحت الأرض.. أرجوك الحقوه!”
خلال دقائق، تحركت قوة مكبرة من الشرطة، وسيارات الإسعاف، وأصررتُ على الركوب معهم رغم توسلات الأستاذ عادل بأن أبقى مع البنات. تركتُ بناتي في أمان مع شقيقة جمال الأخرى التي جاءت مسرعة، وانطلقت السيارة تنهب الأرض نهباً نحو الملاذ الأخير لجمال.
وصلنا إلى البيت القديم مع خيوط الفجر الأولى. اقتحم الضباط المكان، وتوجهوا مباشرة نحو المطعم القديم خلف المطبخ، حيث أشار شريف إلى باب خشب سري مغطى بالسجاد والأتربة.
رفع الجنود الباب، وهبطنا السلالم الضيقة المؤدية إلى السرداب المظلم. رائحة الرطوبة كانت خانقة، ومع أول ضوء من كشافات الشرطة، لمحته..
كان هناك، مستلقياً على فراش مهترئ في زاوية الغرفة الضيقة. جسده كان نحيلاً للغاية، ولحيته طويلة وبيضاء، وملامحه شاحبة كالموتى. بمجرد أن رأى الضوء، غطى عينيه بيديه المرتعشتين وهو يئن بضعف.
— “جمال! جمال!”
صرختُ بـ أعلى صوتي وارتميتُ فوقه وأنا أحتضنه وأبكي بحرقة لم أذقها في حياتي.
نظر إليّ بعينين متعبتين، غائرتين، لكن بريق الحب والحياة عاد إليهما في ثانية واحدة. همس بصوت مبحوح كأنه يأتي من بئر عميق:
— “سمر.. أنتِ جيتي؟ أنا كنت عارف إنك مش هتصدقي إني غِـرقت.. كنت عارف إنك هتدوري عليا.”
حمله رجال الإسعاف بسرعة ونقلوه إلى المستشفى. الأطباء أكدوا أنه يعاني من سوء تغذية حاد ونقص شديد في الفيتامينات، لكن بنيته القوية وتحمله جعلاه ينجو من هذا الكابوس طوال عام كامل.
بعد مرور أسابيع، عاد جمال إلى بيتنا، وعادت الروح إلينا وإلى بناته الثلاث اللواتي لم يتركن أحضانه لعدة أيام. شريف نال جزاءه، وصدر ضده حكم بالسجن المؤبد لارتكابه جرائم الخطف، والتعذيب، والسرقة بالإكراه.
في ليلة هادئة، كنا نجلس جميعاً في غرفة المعيشة، وجمال يمسك يد لوجي ويقبلها بعمق وهو يشكرها على شجاعتها التي أنقذت العائلة كلها. نظرتُ إلى دبلته الفضية التي عادت تزين إصبعه، ونظرتُ إلى بناتي وزوجي، وحمدتُ الله في سري.. لأنني لم أستسلم لـ كلام الناس، ولأن صوت قلبي كان على حق دائماً.