انا متجوزه بقالى 12سنة 4
وقفت الطبيبة من وراء مكتبها واقتربت من ريهام وهي تمسك بتقرير الأشعة والتحاليل، وقالت بنبرة مليئة بالتأثر: “مدام ريهام.. إنتي حامل! حامل في الأسبوع السادس، والنبض واضح ومستقر جداً.”
ساد الصمت أركان العيادة. شعرت ريهام وكأن الزمن قد توقف تماماً، وأن الكلمات تدور حولها دون أن تستوعبها. نظرت إلى الطبيبة بعينين متسعتين وقالت بصوت مرتعش: “حامل؟ إزاي يا دكتورة؟ أنا بقالي 12 سنة بعمل عمليات وحقن مجهري وتحاليل، وكل الأطباء قالوا إن الأمل ضعيف جداً وشبه مستحيل طبيعياً!”
ابتسمت الطبيبة وقالت وهي تضع يدها على كتف ريهام: “الطب فيه حدود، بس إرادة ربنا ملهاش حدود. علمياً، ساعات الضغط النفسي الشديد والعصبي اللي الست بتعيش فيه بسبب السعي وراء الخلفة بيعمل بلوك أو انسداد غير مرئي في الهرمونات. لما إنتي استسلمتي لربنا، وخرجتي من العلاقة السامة دي، وضغوطها زالت تماماً من حياتك، وجسمك وعقلك ارتاحوا.. حصلت المعجزة الطبيعية دي. مبروك يا ريهام، إنتي هتبقي أم.”
لم تتمالك ريهام نفسها؛ انهمرت دموعها بغزارة، لكنها لم تكن دموع حزن أو قهر كالسابق، بل كانت دموع شكر وفرحة غسلت كل آلام السنين الماضية. خرجت من العيادة والشرود يسيطر عليها، واتصلت بشقيقها أحمد الذي حضر مسرعاً وحين علم بالخبر، احتضنها في وسط الشارع وهو يبكي بفرحة عارمة ويقول: “ربنا كبيييير أوي يا ريهام! ربنا مبيسيبش حد صابر وراضي. ده رزقك اللي كان متأخر عشان يجي في وقته الصح، ويكون ليكي لوحدك ومحدش يشاركك فيه ولا يمنّ عليكي بيه.”
انتشر الخبر سريعا في عائلة ريهام، وتحول منزل أهلها إلى قاعة احتفالات صغيرة، والكل يحمد الله على هذه المعجزة التي جاءت بعد سنوات من الجفاف والقهر.
على الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك الغرفة الضيقة والرطبة، كان مدحت يجلس على الأرض بجوار فراش والدته، يقطع قطعاً صغيرة من الخبز ويضعها في فم الحاجة فايزة ببطء شديد بسبب ثقل لسانها. كانت الأجواء كئيبة، ولم يعد بينهما حديث سوى أنات المرض وحسابات الديون المصاريف التي لا تنتهي.
في تلك اللحظة، رن هاتف مدحت. كان المتصل أحد أقاربه من بعيد، والذي كان يعلم بقصته مع ريهام. أجاب مدحت بصوت مجهد: “أيوة يا قريبي.. في جديد؟”
قال القريب بنبرة تحمل تردداً كبيراً: “مدحت.. أنا اتصلت عشان أقولك خبر، بس أرجوك تتماسك. أنا عرفت من واحد صاحب أحمد أخو ريهام إن ريهام راحت للدكتورة انبارح.. وطلعت حامل يا مدحت. حامل طبيعي ومن غير عمليات ولا حقن، وعيلتها مقلوبة من الفرحة.”
سقطت قطعة الخبز من يد مدحت. شعر بصدمة كهربائية تضرب جسده بالكامل. تجمدت الدماء في عروقه، وظل يردد ببلاهة: “حامل؟ ريهام حامل؟ إزاي؟ إحنا بقالنا 12 سنة بنموت عشان يحصل ده!”
قال القريب بأسف: “ربنا أراد دلوقتي يا مدحت. يظهر إن العيب مكنش منها هي.. أو يمكن لما ارتاحت نفسياً ربنا كرمها. المهم أنا قولت أعرفك عشان لو سمعت من برا متتفاجئش. لا إله إلا الله.”
أغلق القريب الخط، وترك مدحت في حالة ذهول تام. التفتت إليه الحاجة فايزة بعينها السليمة، وقد لاحظت تغير ملامحه وفزعه، وحاولت النطق وهي تحرك شفتيها بصعوبة: “فـ.. فـي إيـه؟ مـ.. مـدحـت.. جـرى إيـه؟”
نظر مدحت إلى أمه، وشعر بغضب عارم وحسرة تكاد تنفجر من صدره. صاح بصوت باكٍ ومجنون هز الغرفة: “ريهام حامل يا أمي! ريهام اللي قولتِ عليها عاقر ومبتخلفش ومقطوعة من شجرة! ريهام اللي خليتيني أطلقها وأخرب بيتي وأبيع شقتي وأستلف عشان أتجوز غيرها! طلعت بتخلف.. طلعت هتبقى أم، وأنا اللي خسرت الشقة والعفش والفلوس والكرامة، وقاعد هنا في الضلمة مش لاقي لقمة آكلها! إحنا اللي ظلمناها يا أمي.. إحنا اللي طمعنا ودمرنا نفسنا بإيدينا!”
انهمرت الدموع من عين الحاجة فايزة السليمة، وحاولت الكلام لكن صوتها تحول إلى نحيب مكتوم وثقيل. أدركت في تلك اللحظة أن العقاب الإلهي لم يكن فقط في مرضها أو فقرها، بل في رؤية الضحية وهي تزهر وتصل إلى قمة سعادتها، بينما هم يغرقون في القاع بسبب ما اقترفته أيديهم.
مرت الأيام، وبدأت بطن ريهام تكبر يوماً بعد يوم، ومعها يكبر نجاح مكتبها الجديد. كانت تتابع فحوصاتها بانتظام، وتحيط نفسها بحب عائلتها ودعم شقيقها أحمد، متجاهلة تماماً وجود مدحت وعائلته في هذا العالم.
أما مدحت، فقد وصل إلى مرحلة اليأس التام. وفي أحد الأيام، وبينما كان يسير في الشارع عائداً من عمله البعيد وهو محمل بالهموم، وجد نفسه دون وعي يتوجه نحو المنطقة التي يقع فيها مكتب ريهام الجديد. وقف بعيداً وراء إحدى السيارات، ينظر إلى لافتة المكتب المضيئة والراقية.
وفجأة، انفتح باب المكتب وخرجت ريهام رفقة شقيقها أحمد. كانت علامات الحمل واضحة عليها، ووجهها يشع نوراً وفرحاً وهي تضحك مع شقيقها وتستعد لركوب سيارتها الجديدة.
نظر إليها مدحت من بعيد، وامتلأت عيناه بالدموع. كان يتمنى لو يركض إليها، ويرتمي تحت قدميها ويطلب منها السماح، ويعيدها إلى حياته. تحركت خطوة ونوى الاندفاع نحوها، لكن في تلك اللحظة بالذات، التفت أحمد شقيق ريهام مصادفة، ولمح مدحت واقفاً يراقبهم من بعيد.
تغيرت ملامح أحمد، وأشار لمدحت بنظرة تحذيرية حادة، ثم التفت إلى ريهام وفتح لها باب السيارة بسرعة لتركب دون أن تلمح طليقها. تحركت السيارة واختفت وسط زحام المدينة، تاركة مدحت واقفاً في مكانه والدموع تحرق وجنتيه.
لكن مدحت لم يكن يعلم أن رؤيته لريهام في تلك الحالة ستدفعه لاتخاذ قرار جنوني في الصباح الباكر، قرار سيعيد فتح الملفات القديمة ويضع ريهام أمام مواجهة جديدة لم تكن تتوقعها على الإطلاق.. فماذا يخطط مدحت أن يفعل في الجزء القادم؟
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
لم ينطق مدحت بكلمة طوال ليلته. جلس في زاوية الغرفة المعتمة يراقب أنفاس والدته الثقيلة، بينما كانت ملامح ريهام وهي تضحك وبطنها البارز أمامها لا تفارق مخيلته. كان الشيطان يهمس في أذنه أن هذه الطفلة –أو الطفل– التي تحملها ريهام هي فرصته الأخيرة لاستعادة كل ما خسره. فكر بجنون: “لو عادت ريهام إليّ، سأعود صاحب ملك، وسيكون لي ابن يحمل اسمي، وسأخرج أمي من هذا القبر الضيق!”
لم يستمع مدحت لصوت العقل الذي يذكره بأنه طلقها طلاقاً بائناً بإرادته وإبرائه، وأنها باتت تكره رؤية وجهه. قاده اليأس إلى خطة انتحارية قرر تنفيذها مع شروق الشمس.
في الصباح الباكر، وقبل أن تتوجه ريهام إلى مكتبها، فوجئت وهي تفتح باب بيت أهلها بمدحت واقفاً أمامها. لم يكن مدحت القديم بكبريائه الزائف؛ كان شعره أشعث، وملابسه مجعدة، وعيناه غائرتين يملؤهما انكسار مخيف. قبل أن تصرخ ريهام أو تستدعي شقيقها أحمد، انهار مدحت بالكامل وارتمى على ركبتيه عند عتبة الباب، ممسكاً بطرف عباءتها وهو يبكي بحرقة ويسيل لعابه من شدة الذل.
صاح مدحت بصوت مبحوح هز أرجاء السلم: “سامحيني يا ريهام! أرجوكي ارجعيلي! أنا اضحك عليا، أمي هي اللي عمت عيني ودمرت حياتي وحياتك! ربنا منعمش عليكي بالخلفة طول الـ 12 سنة دول إلا عشان يثبتلي إنك إنتي الست الأصيلة الشريفة اللي تستاهل تصون اسمي. أنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي، واكتبلك وصايا على نفسي، بس ارجعيلي ومتحرمينيش من ابني اللي في بطنك!”
خرج أحمد، شقيق ريهام، من الداخل على صوت الصياح. وحين رأى مدحت في هذا الوضع المهين يمسك بشقيقته، اشتعل غضباً واندفع نحوه ليركله ويبعده عنها، صائحاً: “إنت اتجننت يا دندف؟ جاي لحد هنا وبتتمد إيدك عليها؟ اخرج برة!”
لكن ريهام رفعت يدها فجأة لتوقف شقيقها. نظرت إلى مدحت الركع عند قدميها بنظرة باردة كالموت، نظرة خالية تماماً من الغضب، بل مليئة بالاشمئزاز والاشفاق. تراجعت خطوة إلى الوراء لتسحب طرف ثوبها من يده، وقالت بصوت هادئ، حاد ومزلزل:
“ابنك؟ إنت فاكر يا مدحت إن الطفل ده ابنك؟”
توقف مدحت عن البكاء ونظر إليها ب أمل بائس، فتابعت ريهام وهي تبتسم بمرارة: “إنت لو كان عندك ذرة عقل أو بتفهم في الأصول، كنت عرفت إن ربنا مأخرش الخلفة عنا 12 سنة لأن العيب فيا.. ربنا أخرها لأنه رحيم بيا، مكنش عاوز يربطني بعيل من راجل خاين وطماع زيك وزي أمك. ربنا نقذني ونضّف حياتي منكم الأول، ولما بقيت حرة وباسم نفسي وفي ملكي، رزقني بالمعجزة دي عشان تكون ليا لوحدي.. للست اللي شقيت واتظلمت وصبرت. الطفل ده ملوش أب يا مدحت، الطفل ده ابني أنا وبس، وإنت مالكش فيه ولا قشة، زي ما مالكش في الشقة والعفش.”
التقط أحمد أطراف الحديث وجر مدحت من ياقته بعنف ودفعه نحو درجات السلم قائلاً: “لو شوفت خيالك في الشارع اللي إحنا فيه تاني، مش هعملك محضر.. أنا هسيب أهل المنطقة يربوك ويعرفوك مقامك يا غشاش. ارمي نفسك في أي داهية إنت وأمك!”
تلقى مدحت الدفعة ليتهاوى على السلالم، يجر أذيال خيبته الأكبر. خرج إلى الشارع وهو يشعر ب جنون فعلي يزحف إلى عقله؛ لقد تبخرت آخر أوهامه، واستوعب للمرة الأولى وبشكل قاطع أن ريهام أغلقت كتاب الماضي ورمته في النار، وأن قطارها تحرك بسرعة نحو القمة، تاركاً إياه دهساً تحت عجلاته.
عاد مدحت إلى الغرفة العشوائية بوجه يشبه الأموات. ارتمى بجوار سرير والدته الحاجة فايزة، التي كانت تراقب ملامحه المنهارة بعينها السليمة، محاولة فهم ما جرى. نظر إليها مدحت وعيناه تشعان حقداً وندماً، وقال بصوت هامس ومخيف: “روحتلها يا أمي.. روحتلها واتذللت تحت رجليها وطردتني زي الكلب. ريهام قالتلي إن الطفل ده بتاعها لوحدها، وإن ربنا طهرها مننا قبل ما يديهولها. إحنا ضيعنا كل حاجة.. كل حاجة يا أمي.”
أغمضت الحاجة فايزة عينها، وانفجرت في بكاء صامت مرير، شاعرة بأنفاس الموت والندم تخنق صدرها، وهي ترى ابنها الوحيد يتحول إلى حطام إنسان بسبب طمعها.
مرت الأشهر الباقية من الحمل كأنها حلم جميل لريهام. كانت بطنها تكبر، ومعها تكبر نجاحات مكتبها الذي أصبح واحداً من أشهر مكاتب الاستشارات في المنطقة. كانت محاطة برعاية شقيقها أحمد وحب عائلتها، تستعد لاستقبال معجزتها المنتظرة بقلب نقي وصافٍ.
وفي ليلة من ليالي الشتاء الشديدة البرودة، فاجأت آلام الوضع ريهام. نُقلت مسرعة إلى المستشفى وسط حالة من الطوارئ المبهجة في عائلتها. دخلت غرفة العمليات، ودقائق الانتظار كانت تمر على أحمد ووالدها كأنها سنين..
وفجأة، انفتح باب غرفة العمليات، وخرجت الممرضة تحمل بين يديها لفة بيضاء صغيرة، وصوت صراخ طفل نقي يملأ الممر..
ابتسمت الممرضة وقالت لأحمد ووالده: “مبروك.. الست ريهام قامت بالسلامة، وجابت ولد زي القمر!”
بكى أحمد من الفرحة وسجد على الأرض شكراً لله، بينما كانت ريهام بالداخل تفتح عينيها بتعب، لتنظر إلى طفلها الذي وُضع بين يديها، وتتنفس بعمق وهي تعلم أن هذه هي البداية الحقيقية لحياتها الجديدة.
لكن، في نفس تلك الساعة التي ولد فيها طفل ريهام، كانت الغرفة الضيقة في الحي العشوائي تشهد حدثاً آخراً مرعباً؛ فقد استيقظ مدحت فجأة على صوت أنين غريب ومتقطع يصدر من والدته الحاجة فايزة. أسرع نحوها وأشعل الضوء الخافت، ليجد وجهها قد تغير تماماً، وعينها معلقة بالسقف وهي تلهث بصعوبة بالغة..
أمسك مدحت يدها بارتباك وصاح: “أمي! في إيه؟ حاسة بإيه؟”
نظرت إليه الحاجة فايزة بنظرة أخيرة طويلة ملؤها الخوف والندم، وحاولت شفتيها الثقيلتين النطق بكلمة واحدة.. كلمة “ريهام”.. قبل أن تسترخي يدها تماماً، وتخرج روحها إلى بارئها، تاركة مدحت وحيداً في الغرفة المظلمة مع جثتها والديون والفضيحة.
لم يجد مدحت أحداً يقف بجواره في تلك الليلة الباردة؛ ماتت والدته الحاجة فايزة وهي تردد اسم “ريهام” بأنفاس مثقلة بالندم، ووجدت جثتها مسترخية على ذلك الفراش المتواضع في الغرفة الرطبة. اضطر مدحت للاستدانة مجدداً من بعض الجيران في الحي العشوائي ليدفع تكاليف الكفن والدفن، وسار خلف نعشها مع ثلاثة من الغرباء فقط، في جنازة مهينة وخفيفة لم يحضرها قريب أو صديق، بعد أن قطع الجميع صلتهم به إثر الفضيحة التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي.
عاد مدحت إلى غرفته الفارغة، وجلس على الأرض وحيداً. استوعب في تلك اللحظة حجم الكارثة؛ لقد خسر الزوجة المخلصة، والشقة والمال، وضاعت العروس الجديدة، وماتت أمه مشلولة ومقهورة، وبات هو محاصراً بديون الجيران وأقساط لا تنتهي، يعيش في قاع المجتمع كعامل مجهد لا يلتفت إليه أحد. أصبح يقضي ليله بالبكاء والنظر إلى جدران الغرفة المقشرة، مدركاً أن كل ما أصابه لم يكن سوى عدل الله الذي أمهله لحين، ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر.
في المقابل، كانت المستشفى التي وضعت فيها ريهام تشهد أجواءً من النور والبهجة. ضمت ريهام طفلها إلى صدرها، وقررت أن تسميه “يوسف”، ليكون رمحاً للفرج والجمال بعد سنوات الصبر البئر التي عاشت فيها.
مرت الأيام والسنوات سريعة، وتحولت حياة ريهام إلى قصة نجاح ملهمة. كبر يوسف وأصبح طفلاً جميلاً يملأ عليها الدنيا بهجة، وكان شقيقها أحمد بمثابة الأب والسند له. أما مكتب الاستشارات المالي الخاص بريهام، فقد تحول بمرور السنوات إلى شركة كبرى لها فروع، وأصبحت ريهام من سيدات الأعمال المشهود لهن بالذكاء والنزاهة والأصل الطيب.
وفي أحد أيام الصيف، وبعد مرور خمس سنوات على تلك الأحداث، كانت ريهام تستقل سيارتها الفارهة بصحبة ابنها يوسف وشقيقها أحمد. توقفت السيارة أمام إحدى الإشارات المرورية المزدحمة في وسط المدينة. التفت يوسف الصغير إلى النافذة، وأشار بيده قائلاً: “ماما.. بصي الراجل ده شكله تعبان أوي.”
نظرت ريهام من النافذة بدافع الفضول، لتتجمد ملامحها للحظة. كان هناك رجل أربعيني، يرتدي ملابس رثة وممزقة، وظهره منحنٍ يحمل صندوقاً خشبياً لبيع المناديل وبعض البضائع البسيطة بين السيارات تحت أشعة الشمس الحارقة. كان وجهه شاحباً للغاية، وعلامات الهرم والكسرة قد حفرت على وجهه أخدوداً عميقاً.
إنه “مدحت”.
تعرفت عليه ريهام فوراً رغم تغير حاله. التقت عيناهما عبر زجاج السيارة الفارهة. تجمد مدحت في مكانه، وسقطت علبة المناديل من يده على الأسفلت. نظر إلى ريهام وهي في قمة أناقتها ووقارها، وإلى الطفل الجميل الذي يجلس بجوارها ويشبهها كثيراً، ثم إلى أحمد الذي كان يقود السيارة وينظر إليه بنظرة نصر صامتة.
شعر مدحت برغبة في أن تنشق الأرض وتبتلعه؛ كان هذا اللقاء هو العقاب الأشد قسوة من الموت نفسه. أن يرى بعينيه الغنى والرفعة والولد للضحية التي ظلمها، في المقابل الذي يتسول فيه هو قروشاً في الشوارع. لم تنطق ريهام بكلمة واحدة، ولم تفتح النافذة لتشتمه أو تتشفى فيه؛ بل اكتفت بنظرة هادئة مليئة بالحمد لله، ثم أغلقت عينيها ودعت لولدها. تحركت الإشارة، وانطلقت السيارة مسرعة، تاركة مدحت واقفاً في وسط الغبار والشمس، يجمع المناديل من على الأرض والدموع تنهمر على وجهه المغبر.
### الحكمة من القصة:
> **”إن الله يمهل ولا يهمل، والبيوت البنية على الظلم والطمع هدمها حتمي.”**
> * **جزاء الظلم عاجل أم آجل:** تذيق الدنيا للإنسان من نفس الكأس التي أذاقها لغيره. مدحت وأمه طمعوا في ملك ريهام وحاولوا طردها وكسر كرامتها بقلة الخلفة، فكانت النتيجة أن سُلبت منهم شقتهم وصحتهم ومأواهم، ورزق الله ريهام بالولد والمال في الوقت الذي حرمهم فيه من كل شيء.
> * **الرضا بقضاء الله يفتح أبواب المعجزات:** صَبَرت ريهام 12 سنة ورضيت بحكمة الله دون تسخط، ولما نفضت عن نفسها غبار العلاقة السامة وتوكلت على الله وأخذت بحقها بالقانون والأدب، رفعها الله وأبدلها بعد العسر يسراً، وجعل عقمها سبباً في معجزة طبيعية أبكت القلوب.
> * **المال والولد رزق من الله وليس شطارة بشرية:** حاول مدحت استبدال ريهام لياتي بالولد الذي يحمل اسمه بمال ريهام وشقاها، فخرج من الدنيا بلا زوجة، ولا ولد، وبلا مأوى، ليبقى وحيداً يجر أذيال الخسران.
>