اهدي مسمعش نفسك 2
الفصل العاشر
فور أن عادت يمنى لمنزلهم عيناها أتت على الغرفة المعروفة على الفور، ولكنها لم تجرؤ على الدلوف اليه، وتوجهت مباشرةً الى داخل المنزل تهتف باسم والدتها، التي ردت عليها من داخل المطبح :.
– تعالي يايمنى، انا هنا يابنتي.
وصلت اليها تلقي التحية وتشاكسها كالعادة:.
– مساء الفل على احلى ست الكل، عاملة آيه ياست ابوها ؟
رفعت نجية حاجبيها بدهشة مشوبة بالسعادة بعد أن ذكرتها ابنتها بالأسم المحبب على قلبها وهي تقلب في الإناء الموضوع أمامها على الموقد، فقالت :
– وه وه يايمنى، دا انتِ باين الغزالة رايقة معاكي، مدام جاية تفكريني باسم الدلع اللي كان يناديني بيه ابويا .
تبسمت يمنى بتصنع كما مازحتها بتصنع كي تداري ما تشعر به من قلق، وسألتها :
– بتحبي انتِ قوي الأسم ده ياما؟
– ومين ماتحبش دلع ابوها يابتي بس ؟ اه الله يرحمك يابوي ويبش بش الطوبة اللي تحت راسك.
قالت نجية بتأثر واضح على ملامح وجهها الشاردة قبل إن تستفيق عائدة لابنتها تسألها:
– هو انتِ إيه اللي رجعك بدري النهاردة كدة، مش عوايدك يعني ؟
ارتبكت قليلًا قبل أن تتماسك في الرد :
– ولا حاجة، اصل الحركة كانت خفيفة في الوحدة فقولت اروح احسن.
– خفيفة كيف والنهاردة التلات، يوم تطعيم الأطفال في الوحدة؟
سألتها بتشكك زاد من توترها وجعلها تتلعثم قليلًا قبل ان تخرج جملة مفيدة:
– ااا.. ياما انا كنت مصدعة وماكنش فيا دماغ لتطعيم اطفال ولا وجع قلب .
– طب وما تقولي انك مصدعة من الأول، هو انا كنت هاحاسبك يعني؟
توقفت قليلًا صامتة بعد أن أحرجتها والدتها بكلماتها، وخرج صوتها اَخيرًا بخجل:
– اهو اللي حصل بقى، اتلخبطت.
قالت نجية بمغزى :
– سلامتك من الصداع واللخبطة يايمنى، ربنا يصلح حالك .
شددت على كلماتها الاَخيرة وهى تنظر لابنتها التي ادعت عدم الفهم ، وسألتها:
– أبويا واخويا محمد يعني مش شايفاهم؟ هما راحوا فين ؟
– ابوكي واخوكي شغالين في الجنينة جوا بيعزقوا في حوض الخضار.
اومأت برأسها وهي ترتد للخلف لتخرج، تكبح السؤال الملح عنه بصعوبة، ولكنها أجفلت على هتاف والدتها فور ان استدارت :
– صح يايمنى اما اقولك، الجدع اللي جوا ده مارديش يفطر النهاردة وكان مُصر ياخد العلاج على بطن فاضية، بس انا مارديتش اتبعه في جنانه :
التفت اليها تسألها بقلق:
– كيف يعني على بطن فاضية ؟ هو عايز يُضر نفسه ولا إيه؟
– والله ما انا عارفة يابنتي إيه اللي جراله، وخلاه مقلوب،كدة ، دا الكلمة بيطلعها بالعافية، باين يونس شد عليه بكلام واعر ماتحملوش.
ردت يمنى على كلماتها بجزع :
– عمي يونس كان عنده جوا؟ ودا ايه اللي دخلوا أساسًا ؟
ارتفعت كتفاها وانخفضت بقلة حيلة:
– والله ما اعرف يابتي، أهو فجأة كدة لقيته داخل على اؤضته يفتحها ويدخل عنده من غير استئذان.
………………………
وبداخل الغرفة وامام النافذة الخشبية المفتوحة على مصراعيها من وقت ان فتحها يونس قبل أن يوقظه ويتحدث معه، لقد استطاع للمرة الثانية ان يتحامل على قدميه واَلام رأسه حتى يصل اليها ويجلس أمامها، يتنفس الهواء النقي من الخضرة والأشجار المزروعة بهذه الحديقة المتواضعة بمساحتها الصغيرة، وانواع الخضروات واشجار الفاكهة، محدقًا بسالم وابنه محمد الصغير وهم يعملون في الأرض بكل جد ونشاط، ابتسم من قلبه وهو يرى محمد المشاكس الصغير وهو يقلد أبيه في كل خطوة يقوم بها، حتى في وقفته والأفعال الصغيرة له، مااروعه من مشهد قد لا يشعر به سالم في ظل انغماسه طوال الوقت في الكد في العمل ومشاغل الحياة، هو نفسه لو مر أمامه هذا المشهد منذ سنوات أمامه، لم يكن يراه بهذا الجمال ، بل لم يكن يراه من الأساس؛ مع هذا الثراء الفاحش والحياة المرفهة التي كان يعيشها، فنحن لا نشعر بقيمة الأشياء والمعنى الحقيقي للحياة سوى عندما نتعرض للضغط الشديد، أوالقسوة والخيانة من اقرب الأشخاص.
انتبه على طرق خفيف على باب، فعلم من الطارق، هتف عليها لتدخل، وحينما دلفت بطلتها التي تثير بقلبه الراحة والسعادة ، رفرف قلبه بين اضلعه؛ مع رؤيته لنسمات الهواء التي ضربت وجهها وطيرت طرف حاجبها بلمسة ساحرة، فلم ينتبه لما تقوله، حتى كررت بصوت اعلى:
– بقولك عامل ايه النهاردة، مابترودش ليه؟
اجفل من شرده ليعود لواقعه، ثم اشاح بوجهه نحو النافذة مرددًا بصوت خافت:
– الحمد لله كويس، متشكر:
انتبهت يمنى على نبرته الحزينة والخالية من العبث كعادته في الحديث معها، فقالت :
– امي قالتلي انك مارديتش تفطر ، وكنت عايز تشرب علاجك على معدة خالية، ودا مُضر.
ظل صامتًا ولم يرد ، اردفت هي :
– هو عمي يونس قالك إيه بالظبط وخلاك تزعل بالشكل ده؟ معلش هو عصبي شوية وكلامه كمان شديد زيه.
– عمك معاه حق يايمنى .
اجفلتها كلماته، ونظرت اليه باستفسار وعدم فهم ، فتابع :
– عمك راجل بيدافع عن ابوكي وبناته بدافع الأخوة ، المشكلة فيا انا وفي المصيبة اللي وقعت فيها، وبعدها جرت كل البلاوي اللي وقعت فوق راسي، وكله كان بسبب غبائي .
قطبت بحيرة تسأله:
– غباء ايه ده اللي يوقعك في المصايب والبلاوي .
أطرق برأسه لحظات قبل أن يجيبها:.
– ممكن يايمنى تكلمي عمي سالم وتقوليه اني عايزه في موضوع ضروري .
اومات له بالإيجاب وقالت:
– تمام هاقوله ، بس انت لازم تاكل دلوقت عشان علاجك ، ماينفعش يتأخر أكتر من كدة .
حدق بها صامتًا لبعض اللحظات قبل أن يسألها:
– هو انتِ ايه اللي رجعك بدري النهاردة؟ مش برضوا ميعادك على ٣ العصر.
اذهلها تركيزه الشديد بمواعيد عملها ودراستها، خجلت من سؤاله، فقالت وهي تشغل نفسها في النظر على بعض عبوات الدواء التي وجدتها على الطاولة القريبة امامها، كي تفحصها ثم ترتيبها ورفع المنتهية منها:.
– عادي يعني، حسيت بشوية صداع في دماغي فاستأذنت ومشيت .
– لو قولتلك ان دخلتلك عليا دلوقت كانت من ساعة تقريبًا، امنية في قلبي واتحققت في وقتها هاتصدقي ؟
تركت مابيدها والتفت اليه مستفسرة :
– يعني ايه؟
أجاب وعيناه تأسر خاصتيها :
– يعني يايمنى، انا لما اتخنقت قوي اتمنيت اشوفك في اللحظة نفسها عشان برؤيتك، بحس بأمان كبير وهم بنسى حمله على كتفي، هل دا بقى طبيعي؟
صمتت وتركت مابيدها كي تستأذن للخروج من أمامه على الفور ، حتى اذا وصلت الى غرفتها شهقت بصوت عالي بفزع، تجيب لنفسها عن أسئلته بما لا تجرؤ على البوح به امامه ، انه يسألها وكأنه ليس على علم، كيف يسألها وهي تحلم برؤيته وتشعر بألمه من قبل أن تراه؟ كيف يسألها وقد امتلأت كراستها برسم عيناه التي طاردتها في منامها وصحوها قبل رؤيتها على الحقيقة؟ كيف يسألها وهي قد انقبض صدرها وتشتت ذهنها في نفس اللحظة التي اخبرها فيها عن شعوره بالإختناق، وهذا برغم بُعد المسافات بينهم، اذًا فالأحق لها هي أن تسأله وتسأل نفسها أيضًا :
– هل هذا طبيعي؟ وماالرابط الذي يربط بينهم ليحدث ؟
…………………………..
وفي الحديقة الصغيرة وبعد أن انتهى سالم من العمل في حوض الخضرة واطلق المياة على الباقي كي ترويهم ، جلس أسفل الشجرة الكبيرة لفاكهة الجميز يلتقط أنفاسه ، مسح بطرف كمه العرق المتساقط بغزارة على جبهته ووجهه وعنقه، ثم تناول زجاجته البلاستيكية ليشرب،من مياهاها الباردة ويرتوي هو أيضًا ، لكنه شهق فجأة ينتزعها عنوه حينما شرق يسعل بفضل الثمرة التي سقطت على أنفه فجأة وأجفلته ، وبعد أن هدأ
والتقط انفاسه صرخ وهو ينظر بالأعلى :.
– يابن الكل……. مش تاخد بالك كنت هاتفطستي دلوقت .
رد محمد الجالس على إحدى اغصانها المتينة :
– افطسك ليه يابوي؟ هو انا عملت حاجة؟.
– نزلت الجميزة الناشفة على مناخيري وانا بشرب، وخليتني شرقت ياواض الناصحة.
قال سالم بغضب وكان رد محمد ضحكة مقهقهة بصوتٍ عالي، دون توقف، جعلت سالم هو الاَخر تصيبه العدوى ، وهو يجاهد لرسم الحزم امام ابنه فقال :
– خلص فُضها ياولدي وانزل من عندك لاحسن تقع، كفاية الحباية اللي جمعتهم
ردد محمد بانفعال :
– حباية قليلين اللي لقيتهم طيببن وجمعتهم يابوي ، والباقي كله اخضر .
– ياولدي ما هو لسة الموسم بتاعها، انت اللي مستعجل عليها ، انزل ياللا ياحبيبي كفاية كدة .
– حاضر يابوي حاضر باه .
قال محمد وهو ينفض كفيه بغضب طفولي، ثم تراجع حتى اقترب من اَخر الغصن الغريب واصبح في متناول اباه ، الذي انزله سريعًا مرددًا بارتياح:
– ايوة كدة ربنا يهديك ياولدي، دا انا كنت حاطط يدي على قلبي، خايف عليك لا توقع .
رد محمد بتشنج وهو يضع ماجمعه من ثمار داخل اناء بلاستيكي :
– تاني برضوا هاتقولي خايف، دا انا مطلتعش غير عالجزع الاولاني ومجمعتش غير الحباية القليلين دول، المش مكملين كيلوا حتى.
– فضل ونعمة يامعلم محمد، دا كفاية ان جمعتهم بيدك ياخي ، هو احنا نطول برضوا؟
تفوه بها سالم وهو يتناول جلبابه من على الأرض يرتديها، وتحمس محمد من قول فردد وهو ينظر اليهم في الإناء:
– انا هاقسمهم بالواحدة علينا انا وخواتي البنات، وانت امي وصالح يابوي .
أجفل سالم على جملة ابنه فسأله باهتمام :
– هو انت صالح فاكره منينا يامحمد عشان تحسبه معانا ياولدي؟
رد محمد بعفويته :
– ايوة يابوي عشان صالح زين وكلامه زين زيه، وانا بحبه قوي عشان هو صاحبي ، ودايمًا يقولي انت راجل يامحمد، شد حيلك عشان تفرح ابوك وامك واخواتك لما تكبر وتبقى حاجة زينة .
انهى محمد كلماته امام صدمة ابيه منها ثم هم ليذهب ولكن سالم استوقفه قبل ان يتحرك:
– خد هنا يامحمد ، اوعى تكون ياولدي بتقول الكلام ولا تجيب سيرة الراجل ده قدام حد من صحابك ولا عيال الجيران، او اي حد،
رد صالح بحمائية :
– ماانت نبهت عليا يابوي في الموضوع ده وانا قولتلك حاضر ، ومدام قولت حاضر؛ يبقى عمري ما هافتن على واحد صاحي .
– صاحبي!!
تمتم بها سالم بدهشة، وهو متسمر محله فظل ينظر الى ابنه الذي أردف بكلماته ثم ذهب من أمامه، لا يعي بخطورتهم .
………………………
حينما دلف سالم من الباب الداخلي للحديقة التي في خلف المنزل، وجد امامه يمنى متكتفة الذراعين واقفة أمامه وكأنها تنتظره ،
– إيه امال ؟ في حاجة اياك؟
سأل سالم ابنته بريبة، فاجابته بسؤال :
– هو عمي يونس قال ايه لصالح عشان يبقى بالحالة دي؟
قطب سالم بحيرة سائلًا :
– حاجة ايه بالظبط؟ وحالة ايه اللي بتقولي عليها دي ؟
اجابته يمنى بتفكير :
– مش عارفة اوصفلك ازاي ؟ بس هو مارديش يحط لقمة في جوفه من الصبح وبيقول لامي انه عايز ياخد الدوا كدة ، وانا لما دخلت عنده عشان اسأله، قالي ان عمي معاه حق ، وان الغلط منه هو عشان غباءه كان السبب في كل المصايب والبلاوي اللي حلت فوق راسه!
ضيق سالم عيناه قليلًا يستوعب قبل يسألها :
– بلاوي ولا مصايب ايه اللي بيقول عنها ؟
– مش عارفة يابوي بس انا لما سألته طلب يشوفك عشان يكلمك.
اجابته بحيرة، فتمتم سالم بكلماتها :
– عايز يكلمني ! ودا هايكون عايزني في ايه يعني ؟
تحرك ليتخطاها ويذهب ولكنها أوقفته :
– بابوي انا كنت بسألك، هو عمي قالوا ايه بالظبط وخلاه بالحالة دي وانت مجاوبتنيش ؟
– يابتي انا كمان ماعرفش، عمك نفسه انا ماشفتوش ولا كلمته امبارح من وقت مااتصلت بيه و……
قطع كلماته متذكرًا، اكملت على كلماته تسأله:.
– و إيه يابوي ؟ قولتوا لبعض ايه في التليفون ؟
نظر اليها قليلًا بصمت قبل ان يرد عليها:
– ماقولناش ولاحكينا يا يمنى ، انا بس قولتله على اسم صالح الحقيقي واسم بلده وعيلته، ويس على كدة مقولتش على حاجة تانية، اوعي بقى خليني اروح اشوف الجدع ده، واشوف ايه حكايته.
اوقفته يمنى قبل ان يبتعد عنها :
– معنى كلامك ده ان عمي سأل عليه وعرف ايه حكايته ؟
استدار اليها ابيها قائلًا بتخمين:
– ويبقى أكيد حكايته واعره قوي، بدليل ان عمك دخل عليه وحذره بشدة حسب مافهمت من كلامك .
صمتت يمنى تستوعب كلمات ابيها الذي غمغم عائدًا :
– ربنا يسترها ويعديها على خير.
………………………..
اقترب سالم من الغرفة الموجود بداخلها صالح وقبل ان يدلف اليها دافعًا الباب المفتوح قليلًا بمواربة، ولكنه توقف حينما استمع لصوت صالح وهو يتكلم مع ابنه الصغير محمد:
– سامعني يامحمد، عايزك ياحبيبي تخلي بالك من الكلام دا كويس .
قطب سالم وانتابته الريبة من الكلمات، فدفع الباب قليلًا ليرى، فوجد ابنه جالس امام صالح على الاَريكة اسفل النافذة الخشبية بالغرفة، يتناول معه من الطبق الصغير ثمار الجميز التي جمعها من شجرتهم ، رد محمد بسؤال:
– ايوة يعني ايه؟ برضوا مش فاهم، كيف اخلي بالي من خواتي البنات؟ وكيف عايزني احذر من القرايب.؟.هما مين القرايب دول مش خواتي برضوا؟
تبسم صالح يمسح بكفه على شعر محمد قائلًا بحنان:
– خواتك البنات مش قرايب يامحمد، خواتك دول يبقوا دمك، يبقوا عرضك اللي لازم تحميه من كل عين تبصله بنظرة شينة، خواتك دول مهما كبروا ولا اتجوزا ولا خلفوا حتى،هايفضلوا محتاجين اخوهم سندهم يبقى في ضهرهم.
توقفت الكلمات على لسانه يبتلع الغضه المؤلمة بحلقه حتى، ادمعت عيناه وراَها محمد، وانتبه عليها سالم الذي ظل واقفًا محله يستمع، يستشعر معنى كلماته ومغزاها، كلمات لا تصدر بهذه الحرقة الا من قلبٍ موجوع .
– انت بتبكي باعم صالح؟
سأل محمد فنفى صالح يمسحها بطرف سبابته :
– لا يا حبيبي، دا انا بس عيني اطرفت على خفيف، حكم هي وجعاني من الأساس، المهم بقى انت فهمت كلامي يامحمد ؟
اجاب محمد بثقة:
– ايوة فهمت طبعًا، اي حد هايكلم اخواتي ولا يضايقهم هافرمه فرم .
تبسم صالح يقبله على رأسه بحب، فهذا الصغير لخص بعفويته معنى الحماية والسند، دون مجهود في التفكير.
سالم أيضًا الذي ابتسم في محله، تحمحم يدفع الباب، فيكفيه ماسمعه من حديث،
– السلام عليكم
رفع الاثنان راسهم اليه وردد خلفه صالح التحية:
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
تكلم سالم ممازحُا وهو يجلس أمامهم على الكرسي الخشبي.
– وه وه دا ايه الرضا السامي ده؟ الباشا محمد جايبلك من الجمبز لحد عندك؟ دا انت باين امك دعيالك .
– امي!
تمتم صالح بها بألم قبل ان يتابع باقتضاب :
– ربنا يرحمها .
انتبه سالم على حزنه، فا اردف سائلًا ابنه :
– وعلى كدة بقى الصحن اللي بتاكل منه من نصيب صالح ولا نصيبك؟
سأله مستفسرًا:
– نصيب ايه بالظبط ؟
– اصله ياسيدي بعد ما جمع الجميز الطايب، اتفق معايا انه هايوزعهم بالواحدة علينا، بما انها اول طرحة من الشجرة.
قال سالم فجاء الرد من محمد.:
– الصحن دا مش محسوب، دا صحني انا هاكلوه مع صالح، والباقين هانوزعهم مابينا بالعدل..
– وه ياضلالي،
اردف بها سالم ضاحكًا امام صالح الذي اصابته العدوى وابتسم ممازحًا رغم حزنه:
– دا العدل بتاع محمد باشا بقى، حد يقدر يعترض؟
رد سالم على مزحنه:
– وانا مين بس يابوي عشان اعترض؟ هو في حد في الدنيا يقدر يعارض الباشا؟
توقفت الثمرة على فم محمد الذي نظر اليهم ببلاهة، لايفهم شى مما يقولانه، فضحك الاثنان على تعبيرات وجهه الذي انقلبت لغضبٍ طفولي بعد ضحكاتهم، فنهض فجأة قائلًا بحنق:
– انا قايم احسن .
بعد ان غادر وهدا ضحكاتهم نظر صالح لسالم يحدثه بجدية:
– كويس انك جيت ياعم سالم، عشان انا كنت عايزك في موضوع مهم .
سأله سالم :
– عايز تحكيلي على اللي حصل بينك وبين يونس.
نفى قائلًا :
– لا طبعاً ، انا عايز احكيلك حكايتي يمكن تصدقني
– يهمك قوي اني اصدقك .
اجاب على سؤال سالم بتأكيد :
– مدام قعدت في بيتكم وكلت من وكلكم وشربكم، يبقى أكيد يهمني انكم ماتندموش على مراعيتي ولا علاجي، رغم اني معرفش ان الكلام اللي هاقوله ده ، هايدخل دماغك وتصدقه ولا لأ.
اومأ سالم برأسه وهو ينهض قائلًا:
– سيب كل حاجة لوقتها، انا هاقوم دلوك عشان تعبان وعايز اتغدى واريح، كُلك لقمة انت كمان وريح راسك التعبانة، وعلى العشية بإذن الله انا هاجيلك واسمع كل حكايتك .
– بس انا كنت عايز احكي دلوقت.
قال صالح بإصرار، فرد سالم بعند :
– وانا ياسيدي مش عايز اسمع دلوقت، خليها على العشية زي ماقولتلك، هي الدنيا هاتطير؟
…………………… .
على الطاولة المستديرة للطعام ( الطبلية) في المساء وجميع أهل المنزل جالسون على الأرض، في انتظار رب الأسرة سالم الذي أتي اليهم بعد ان فرغ من صلاته ليتناول معهم وجبة العشاء، جلس مثلهم وعيناه تطوف عليهم، يقول :
– عيني باردة عليكم النهاردة تتحسدوا!
ردت نجية باستغراب:
– وايه اللي جد بقى عشان يتحسدوا ؟ .
بنظرة ماكرة رد سالم وعيناه ذهبت نحو ندى التي جلست تتناول العشاء معهم اليوم :
-وه يا مرة يامتوهة انتِ، مش واخدة بالك ان الطبلية كاملة ومحدش غايب؟
التفتت نجية نحو ابنتها بلهجة ماكرة هي أيضًا تجاريه قائلة:
– اَااه ، فهمت، اصلي مكنتش واخدة بالي بقى ياابو محمد ؟ بس انت تقصد البسة اللي كانت غايبة بقالها يومين، والنهاردة جات تاكل معانا تحت الطبلية صح؟
اومأ ضاحكًا سالم :
– صح ياام محمد، عرفتيها ازاي دي؟
وانطلقت ضحكات الجميع بعدها ومزاحهم المبطن حول ندى التي اسبلت عيناها تتناول طعامها في صمت، دون ان ترد عليهم، وما الداعي للرد وقد اطمان قلبها بعودة فرصتها مرة اخرى؛ نحو الشاب الذي اتى اليوم ليخبرها بأنه يريد معاودة التقدم لطلب يدها مرة أخرى، عاد بذهنها لقاءهم اليوم بجوار سور مدرستها وطلبه اخذ رأيها، في الإرتباط به، بقدر الخوف الذي اجتاحها بهذه اللحظة من جرأته، بقدر السعادة التي شعرت بها، حينما وجدته متمسك بها رغم تعرضه للرفض من ابيها ووالدتها، لم تجرؤ على احراجه؛ بل صمتت تخجل عن الرد ؛ فاستغل هو الفرصة لاخذ رقم هاتفها ! ذاكرًا لها ان اسمه كي تذكره .
رددت بأسمعاها الأسم تعيده بذهنها .
– كرم،
– ساكتة يعني ياست ندى ومابتروديش؟ بش بعادة يعني الأدب ده؟
– همممم.
خرجت منها بعدم تركيز، بعد أن أجفلها ابيها بسؤاله، والذي تابع :
– ايه يابت ؟ هو انتِ سرحانة كمان ؟
استفاقت من شرودها فردت بسأم :
– وه يابوي ، هو انتوا هاتخدوني سيلوتكم النهاردة ؟ يعني الحق عشان قولت اكل معاكم؟ لو مضايقين اقوم.
هدر عليها غاضبًا :
– اقعدى يابت واترزعي على حيلك، هو انت كمان مش حاملة الهزار ؟
اطرقت ندى برأسها نحو الطعام تتناوله بصمت، كما فعل الجميع بعد صياح سالم الغاضب وتحوله، ثم مالبث ان يقطع محمد الصمت بعفويته كالعادة:
– انا النهاردة عملت زي سبايدر مان وطلعت الشجرة .
ردت يمنى على كلماته ضاحكة:
– سبايدر مان مرة واحدة يااستاذ محمد؟ وعلى كدة طلعت الشجرة كيف ياعم سبايدر؟.
حكى لهم محمد كيف صعد على شجرة الجميز خاصتهم، وكيف التقط ثمارها التي نضجت مبكرًا ، ثم توزيعها على افراد العائلة وصالح؛ صديقه كما يدعي! وعند هذه النقطة تدخلت ندى معترضة:
– صاحبك كيف ياض بلا هبل؟ هو في سنك ده ولا تعرفوا انت من الأساس .
رد محمد مدافعًا:
– صاحبي والنعمة، هو دايمًا بيقولي كدة، عشان هو طيب وبيحبني.
– طيب وبيحبك!
رددتها ندى بسخرية اثارت عضب يمنى اخيها واستنكار الجميع، تدخلت معهم سمر في الحديث:.
– وفيها ايه يعني لما يقول عليه انه صاحبه ياست ندى ؟ ثم ان الراجل اساسًا، في حاله وفي حال نفسه، دا طول الوقت محبوس في الأوضة، ما بيطلعش منها غير على الحمام اللي جمب اوضته وهو بيتسند على الحيطان ولا في مرة عينه رفعها عن الأرض ولا بص لواحدة منينا، طب والله انا بيصعب عليا لما نبقى بنهزر ونتكلم مع بعضينا هنا، وهو قاعد لوحدة طول الوقت.
اجفلت سمر الجميع بكلماتها المتعاطفة مع الرجل وحالته، حتى الجمتهم عن الرد، وعادوا لطعامهم يتناولوه بصمت، حتى أتى اليهم يونس الذي خرج من غرفته اَخيرًا كي ينضم اليهم :
– معلش ياجدعان اتأخرت عليكم، بس كان معايا تلفون معهم.
قال يونس وهو يجلس ليتناول الطعام معهم، اومأ له سالم بعيناه وأكمل يمضغ طعامه بشرود في كلمات ابنته الصغيرة ومحل اعراب خذا الرجل في البيت، ثم مالبث أن ينهض سريعًا وهو يخاطب شقيقه:
– كمل وكلك يايونس وتعالي ورايا فوق عالسطح، عشان انا عايز اتكلم معاك.
لاحقه يونس باستفسار:
– مابدري ياخوي، هو انت لحقت تاكل؟
لوح سالم بكفه له بصمت، وتابع سيره الى الصعود نحو السطح.
……………………………..
– مابيرفعش عينه من الأرض هههه .
تفوه بها يونس مستنكرُا بسخرية وتابع :
– والله باين بتك مخبلة وطالعة بركة يا واد ابوي؟
تغضن وجه سالم من سخرية اخيه فقال باستياء:
– ولزوموا إيه المقلتة دي يا يونس، هو انت شايف بتي هبلة عشان تتمألس عليها.؟!
ذهب عن وجه يونس العبث فاردف بجدية نحو أخيه:
– انا مش بتمألس عليها ولا اتريق، انا بس مستعجب البت وامها وابوها واختها الكبيرة كمان، كلكم ياسالم بقى قلبكم ني معاه وانا بقى العفش فيكم، قولت نخلص منه من الاولى عشان مانعرفش المصايب اللي هاتيجي وراه ، لكن انتوا رفضتوا بحجة انكم عايزين تساعدوه وتعالجوه وقولت عليه روح وكلام فاضي ، طب اهو اللي حسبتوا طلع صح، والواد اللي قاعد تحت دي في أوضة ولدك ماطلعش مجرم وبس ، لا دي طلع ابن حرام ومابيتمرش فيه الجميل ولا يقدر شرف ولا عرض.
انقبض قلب سالم فسأله بجزع :
– قصدك ايه يا يونس بكلامك ده ؟ خلي بالك ياواد ابوي، دا كلام واعر ويطير فيه رقاب .
رد يونس بشبه ابتسامة ساخرة :
– رقبة مين بقى ياسالم ؟ رقبتي انا اللي هاكمل ٣٠ سنة دلوك ومالمستش مرة عشان طمعان في حلال ربنا؛ وبحط القرش على القرش وطافح الكوتة عشان اقدر اكمل شقتي وحق الشبكة قبل ما اتقدم لبنت من بنات البلد، ولا رقبة صاحبنا ده ؛ اللي كان عايش في قصور وبياكل احسن وكل ويلبس احسن لبس، في عز بيت جده ، وفي حما النايب ابن كبير البلد عندهم شعبان ابو مندور؛ اللي مقدرش مكانته واتهجم على مرته بعد ما سرقهم .
حجظت عيناه سالم واضربت حدقيتيه وهو يسأله بعدم استيعاب :
– انت بتقول ايه يايونس ؟ وجبت الكلام ده منين ؟
رد يونس بثقة :
– جبت الكلام ده من ناس ساكنة في بلدهم نفسها، يعني مش بالف ولا بخترع من مخي، ماهو انت لما ادتني الأسم امبارح واسم بلده على طول انا اتصلت بجماعة اصحابي هناك وهما اللي رسوني على الحكاية، وكمان قالولي الكبيرة؛ المحروس كان محبوس بقالوا يجي اربع سنين ومحدش يعرف في البلد ان كان خرج من السجن ولا لساتوا محبوس فيه.
– يعني كمان خريج سجون؟
سأل سالم ورأسه لا تقوى على تلقي حجم الصدمات ، رد يونس بتهكم :
– امال انت كنت ظانن إيه بعد الكلام اللي قولته دا كله؟ الراجل بلغ عنه وسلمه للحكومة متلبس ، يعني واخد لعنات عيلتوا كمان .
دارت الأرض بسالم ، من كم الصدمات التي يتلقاها واحدة تلو الأخرى عن هذا الرجل الذي يأويه داخل بيته بدافع انساني ويقوم على خدمته وعلاجه مع زوجته وابنت…..
انتقض فجأة وقد اشتعل رأسه لمجرد التخيل انه قد يأذي ابنته، فتناول بندقيته ليتحرك مغادرًا دون النطق ببنت شفاه ، اوقفه يونس وهو يتصدر بجسده أمامه :
– هاتعمل ايه ياسالم ؟ مش عايزين نجيب لنفسنا النصايب على واحد مالوش تمن زي ده.
– اوعى من قدامي يايونس ، خلينا امشي اعدي احسنلك .
قال سالم وهو يدفع اخيه بيده الحرة ، ولكن يونس تشبث به وبالبندقية:
– يا سالم ماينفعش تتهور ، انت معاك عيال عايز ترابيهم .
دفعه بقوة هادرًا بأعين حمراء مشتعلة ببراكين الغضب:
– ماهو عشان عيالي اللي عايز ارابيهم سيبني ياسالم .
……
الفصل الحادي عشر
بوجهِ مكفهر دفع باب الغرفة بعنف ودون استئذان بيده الحرة ، واليد الأخرى كانت ممسكة بالسلا..ح الذي خطا به لداخل الغرفة ، اشتعال عينيه مع أنفاسه الهادرة يُنذر بالجحيم ، وجد صالح جالسًا بجذعه متكئًا على وسادة خلفة بجمود، لم يهتز أو حتى يجفل وكأنه كان في انتظاره.
– انت ياض، الكلام اللي قالوا يونس دا صح ولا كدب ؟
تفوه بها سالم فور دخوله دون القاء التحية حتى، نظر صالح اليه بثبات وأجاب بهدوء:
– انه كلام بالظبط ؟ اللي سمعوا يونس من الناس هناك في البلد ؟ والا الحقيقة اللي مايعرفها حد غيري ؟
قال سالم بنفاذ صبر :
– ماتلاوعنيش يابني اَدم، رد وقول الكلام ده صح ولا غلط؟
صمت قليلًا قبل أن يتناول من جواره على الناحية الأخرى ، مصحف القرءان الكبير وقال:
– المصحف اللي في يدي ده، عترت عليه بالصدفة في الأوضة هنا، وانا قبل ما اتكلم والا ارد عليك بكلمة واحدة حابب أوضح لك ، اني مش مجبر عشان احلفلك ان عليه؛ ولا اثبتلك حتى اني راجل زين ، بس انا مصمم احلفلك عشان تطمن ان بنتك ولا مراتك، مكانوش بيدخلوا على راجل لامؤاخذة وس…… ولا واحد سمعته شينة. انا هاحلف بس عشان اطمن قلبك .
هدر سالم بصوتٍ خفيض من تحت أستانه لكن قوي:
– تطمن قلبي كيف بعد اللي سمعته؟ وانا هايجيلي نوم بعد كدة ولا هاقدر احط راسي على المخدة، بعد ماعرفت انك اتعديت على حرمة ابن خالك؛ في البيت اللي اتربيت فيه، وانا بخبالي كنت بدخل عليك مرتي وبتي تعالجك ، فاكراك حرامي ولا قاتل قتلة؛ لكن خاين عهد وعديم شرف؛ اهي دي بقى اروح ادفن نفسي حي ولا انها تحصل فاهم ؟
اغمض عيناه كي يخفي حجم الوجع الذي يشعر به، من كلمات الرجل التي طعنته في صدره وذكرته بمرار ايام سالفة؛ تجرع فيها كأس الظلم اضعاف، ثم نالبث ان يرفع بيده السليمة الغير مصابة، المصحف الشريف يضعه على عينه ويحلف:
– وحياة المصحف الشريف اللي على عيوني، وكلمات ربنا اللي لا يعلى عليها؛ احلف بالقسم اللي تتهز فيه الجبال؛ اني شريف من كل التهم اللي لفقهالي ابن خالي شعبان ابو مندور في حق مرته، وتهمة السرقة اللي دخلني فيها السجن بشهادة وادولة زور، وإن برائتي دي يشهد عليها ربنا اللي يقدر يخسف بيا الأرض، لو كنت اتبليت ولا كدبت بحلفاني على كتابه الكريم .
– وواد خالك بقى النايب الكبير شعبان ابو مندور هايتبلى عليك ليه بقى؟ ويجيب اسم مرته في حاجة شينة زي دي ؟
سأل سالم بتشكك وكان جواب صالح ان قال بثقة :
– عشان يحمي نفسه مني!
– قطيب جبينه سالم يسأله بسخرية وعدم تصديق:
– يحمي نفسه منك! ليه بقى ؟ كنت ماسك عليه ذلة مثلًا ولا كان خايف لاتاخد مكانه في نيابة الدايرة؟
– كان خايف لاخد روحه؟ ودا اللي حصل حقيقي بعد ما طلعت من السجن على طول .
قال صالح ببساطة اثارت انتباه سالم الذي ذهبت السخرية من صوته :
اجاب صالح بهدوء وهو يشير على الكرسي الخشبي في اَخر الغرفة لسالم :
– هات الكرسي اللي هناك ده ياعم سالم، وانا احكيلك من طق طق لسلام عليكم، وانت تحكم بعدها، ان كان معايا الحق ولا ابن حرام واستحق الرجم .
…………………………..
وفي مكان اَخر
بداخل الغرفة الشاسعة في القصر المعروف، كانت تقف زواياها، مستندة على الحائط بظهرها، تنظر بحسد ؛ نحو الفتاة وهي تتناول طعاها من يدِ الخادمة، بهدوء طفلة في الخامسة، مع براءتها التي ازدادات مع حالتها؛ بعدم ادراكها مايحدث حولها وماحدث لها هي سابقًا وادت لكوارث تركت مازالت اثارها عالقة حتى الاَن ، انتبهت فجأة على صوت ابنتها وهي تخاطبها:
– لساكي برضوا واقفة مكانك وماتحركتيش ؟
ردت بعدم انتباه :
– ايه؟ بتقولي ايه يا نعمة؟ مسمعتش كويس
قالت الفتاة بسأم :
– بسألك ياأمي على وقفتك دي ، هو انتِ مابتزهقيش من البص عليها البت دي ؟
– ازهق ولا ما ازهقش، مالك انتِ تعباكي في إيه انا ؟
قالت المرأة بحدة وكان رد ابنتها وهي تلوي ثغرها بعدم رضا :
– هي مش حكايتي انا على فكرة ياامي، الموضوع فيكي انتِ، بتيجي عند البت دي وتقعدي بالساعات فتنسي عزا جوزك نائب الدايرة الكبير المحترم، وتنسي انتِ نفسك كصفتك زوجة المرحوم؛ واللي كل الناس بتسأل عليها اول ماتدخل علينا العزا.
التفت اليها قائلة بسأم :
– هو العزا دا مش خلص وفضناها على كدة، الناس اللي بتيجي وعايزة تلت وتعجن دي؛ انا ماليش مرارة ليها يابنتي، يعني يجوا ولا مايجوش، ماليش دعوة بيهم انا ، عايزين تستقبلوهم انتِ واخواتك وعماتك كمان؛ استقبلوهم لكن انا مش هاضغط على نفسي أكتر من كدة .
ردت الفتاة باستنكار:
– وه ، بقى انتِ مش عايزة الناس، اللي جاينلك ياخدوا بخاطرك مخصوص، عشان تقعدي تتأملي في واحدة هبلة زي دي ، مش دريانة بالناس ولا الدنيا اللي حواليها حتى .
– مكانتش هبلة، كانت زينة البنات واحسنهم، بس نعمل ايه بقى؟ الله يجازي اللي كان السبب .
خرجت كلمات المرأة بانفعال اثار فضول ابنتها للسؤال :
– مين هو بقى اللي كان السبب ياأمي ، انا عايزة اعرف ؟
تسمرت المرأة محلها لحظات تنظر لابنتها بعجز عما تخبرها به ، فقالت اَخيرًا بنفاذ صبر وهي تدفع بنتها للخروج:
– بقولك ايه يانعمة، انزلي يابنتي واستقبلي الناس اللي جاين يعزوا ولو حد سألك عن ثريا مرة النائب، قوليلهم هجت ولا لقيتلها سفرية،
غمفمت الفتاة وهي تندفع للخروج عنوة:
– في إيه ياما؟ هو انتِ عايزة الناس تاكل وشنا ؟
دفعتها ثريا مرة أخرى لكن بقوة حتى أخرجتها من باب الغرفة ، ثم أردفت لها بعدم اكتراث:
– خليهم يعيبوا ولا ياكلوا وشنا، انتِ اللي عليكي تنفذي اللي قولتلك عليه وبس؟
بصقت كلماتها ثم صفقت الباب بوجه ابنتها بقوة، كي تنهي الجدال معها، ثم عادت نحو الفتاة وجدتها اوقفت الطعام، تنظر لها بعدم فهم، ابتسمت لها ثريا قائلة:
– بتبصيلي كدة ليه ياورد؟ كملي اكلك انتِ وماتشغليش نفسك،
كملي يابنتي.
توقفت قليلًا بتفكير ثم غمغمت مع نفسها وهي محدقة بالفتاة:
– والله ما انا عارفة احسدك ولا اكرهك ولا اشفق على حالتك ؟ كنت سبب رئيسي في المرار اللي انا عايشة فيه بقالي سنين؛ لكن كمان انتِ ايه ذنبك عشان الومك وكل اللي حصل مكانش بجودتك ، على العموم هو ربنا كان ارحم بيكي من الكل، واحنا بقى نشرب جزاة مافعلنا !
…………………………….
خرجت نعمة حانقة من فعل والدتها ، فكانت تغمغم ساخطة ورأسها ملتفة نحو الباب الذي صفقته والدته بوجهها، حتى اصطدمت بغير قصد بأخيها عثمان الذي كان خارج بالصدفة من غرفته، ابتعد عنها متأفافًا فقال مخاطبًا لها :
– مش تحاسبي يازفتة انتي كنت هاتوقعيني ، في حد يسرح برضوا وهو ماشي كدة ؟
ردت هي ساخرة بغضب :
– معلش ياسي الباشا، ان كنت ازعجتك ولا بقعتلك بدلتك الغالية ، حقك عليا ياسيدي .
نهت جملتها وهمت لتذهب وتتركه، ولكنه اوقفها فور ان استدارت :
– ايه يابت انتي مالك في ايه ؟ بتدلقي كلامك الدبش في وشي وعايزة تسيبني وتمشي بعد كدة .
زفرت من فمها بقوة ثم قالت :
– نعم ياباشا عايز ايه مني ؟
تحاهل عدم رضاه على طريقتها السوقية في التحدث فقال:
– اانا مش هاتعبك ياختي ولا ازعجك، انا بس عايز افهم؛ كنت ماشية بتبرطمي ليه في الكلام وقت ماخبطتي فيا ؟
– ببرطم على الست الوالدة ياسيدي، اللي مابقاش ليها قاعدة ولا مركز غير في اؤصة المدعوقة بت عمتي انصاف ، البنت اللي جبتوها من مستشفى المجانين ، كنا ناقصينها احنا دي كمان ؟
خاطبها يتحلى ببعض الصبر:
– بنت عمتك انصاف مش مجنونة ولا حاجة، دي مجرد واحدة عندها حالة نفسية، بس حالتها صعبة، انتي بقى زعلانة ليه عشان والدتك بتراعيها ؟
فغرت فاهاها قائلة بدهشة :
– انت كمان هاتعمل زي امك ياسي الأستاذ وتقولي انتِ مالك؟ في ايه ياناس؟ هو انتوا ناسين هي تبقى اخت مين؟ ولا نسين العملة السودة اللي عملها اخوها مع ام……..
قطعت جملتها مضطرة حينما اطبق اخيها على ذراعها ضاغطًا قائلًا بغضب:
– اخرسي خالص يابت انتِ واعرفي انتِ بتهلفطي بإيه قبل ماتعوكي الدنيا، الكلام دا غلط الله يخرب بيتك ، مين قالهولك ؟
نفضت ذراعها قائلة بتحدي :
– مش محتاجة حد يقولي، أينعم انا اصغر واحدة فيكم، وماحضرتش الكلام في وقته ، لكن في بلدنا مافيش حاجة بتستخبى ياحبيبي، وقصة البني اَدم ده، كانت معبية البلد، والصغير يعرفها قبل الكبير .
ضم قبصته يلوحها امامها بتهديد :
– اخرسي خالص يانعمة، كل الكلام اللي اتقال في البلد دي كدب ومجرد اشاعات ، مافيش اي حاجة منها صح ؟.
– طب ولما هو كدة، ابويا كان حابسه ليه بقى ؟
صمت يحدق بها قليلًا كي يبحث عن رد مناسب لسنوات عمرها الصغيرة، حتى لا يصدمها بالحقائق المرة؛ عن ابيها رجل التقوى والقدوة في نظرها، فقال اَخيرًا بيأس:
– الموضوع دا كبير ومعقد جدًا عليكي يانعمة، انا مش هاعرف اشرحه، دي حاجات اكبر من الخلافات واكبر من اي شئ في خيالك.
استشعر عدم تفهما لكلماته من نظرتها اليه ببلاهة، فقال مشفقًا على عقلها الصغير:
– اسمعي يانعمة، سيبك من كل الكلام اللي قولته، بس اللي طالبوا منك، ماتصدقيش اي حاجة من مجرد الكلام، الشيئ ماتصدقهوش غير لما تشوفيه بعنيكي، يعني ماتشغليش دماغك بكلام قديم ولا حتى جديد، خليكي في مذاكرتك وبس ممكن ياقمر.؟
لم ترد ولكنها ارتدت قليلًا تلوي ثغرها بعدم رضا وتحركت تذهب من أمامه وكأنه لم يحدثها من الأساس
……………………….
وفي بيت سالم وبالتحديد بداخل غرفة الفتيات سمر وندى التي جالسة على طرف تختها، منكفئة على احدى قطع القماش الصغيرة البيضاء بتنفيذ تطبيقها الذي تعلمته من الدراسة بالتطريز بطريقة حرفية، تعمل على تعلمها جيدًا بكل تركيز ، انتفضت فجأة على سماع دوي هاتفها بنغمة ورود مكالمة تليفونيه لها، تناولت الهاتف لترى من المتصل؛ صعقت حينما تبينت هويته، سهمت تنظر بتفكير امامها في الفراغ؛ مندهشة الأتصال السريع ، فلقد كان الإتفاق ان ينتظر قليلًا حتى تمهد لأهلها كي يوافقوا للنظر في طلبه للزواج بها مرة اخرى، وبناءًا على هذا وافقت هي إعطاءه رقم هاتفها .
– ماتردي يابت انتِ ولاقفلي الزفت ده، بدل الصداع انا مش ناقصة.
هتفت بها سمر التي كانت تستذكر دروسها على المكتبة المتواضعة بداخل الغرفة، التفتت ندى تزفر بتأفف قائلة:
– نعم ياست سمر، لحقتي ياختي تصدعي من رنة تليفون ؟
– ومصدعش ليه ان شاء الله؟ وانا بذاكر بتركيز على الدروس الصعبة في الكتاب، ماهي كمان مش ناقصة زن الرنة المستفزة بتاعتك،
لوت ندى ثغرها تلوح لها بالهاتف:
– اهي يااختي الرنة خلصت، انبطي بقى ياست البرنسيسة.
شهقت لها سمر تشير بسبابتها الذي انار امامها بورود اتصال اَخر :
– طب أهي الرنة رجعت تاني ياست ندى، وريني هاتعملي ايه بقى؟ هاتقفلي ولا تردي؟
لفت ندى الهاتف لتجد نفس الرقم، ازدردت ريقها فردت على شقيقتها بصوت متردد:
– طبعًا انا خلاص هارد عليها بقى ، امال هاسيب صاحبتي ترن على الفاضي، واطمني ياستي مش هاتكلم جمبك عشان ماصدعش مخك . .
نهضت لتترك المكان ولكن فور أن وضعت يدها على مقبض الغرفة، هتف عليها سمر قائلة:
– ولما هي صاحبتك مش كاتبة اسمها على النمرة ليه؟
استدارت لها تصك على اسنانها :
– انتِ مالك انتِ، اكتب اسمها ولا مكتبش حتى خالص، دا انت حشرية جدًا على فكرة.
ردت سمر باستخفاف:
– من بعض ماعندكم يااختي .
…………………………….
خرجت ندى من غرفتها تتسحب على اطراف اقدامها، حتى دلفت لداخل الحديقة الخلفية في بيتهم، كي تختفى عن أعين الجميع ، هدأت قليلًا من صوت تنفسها المضطرب قبل أن تضغط على ازار هاتفها كي تطلب نمرته، بعد أن تجاهلت اتصالاته منذ دقائق خوفًا من اهلها، على الفور اجابها هو بلهفة :
– الوو .. اخيرًا رديتي .
ردت بتوتر :
– انا مكنتش هارد عليك اساسًا، هو انت ليه اتصلت ؟
وصلها صوته :
– وفيها ايه لما اتصل يا ندى ؟ امال انا واخد نمرتك ليه يعني ؟
– لا طبعًا ماينفعش تتصل، انا قولتلك هحاول مع اهلي تاني عشان برضوا ولما يحصل هاتصل بيك على طول وابلغك.
– ما انا كنت هاصبر ياندى، بس اعمل ايه بقى في قلبي اللي بيضرب داخل ضلوعي ولا اكنه مركب سماعات من ساعة ماخدت مواقتك وقولتي انك مش معترضة بخجلك اللي جنني وموافقة، عليا النعمة ماقدرت انام وانا ببص على نمرتك في تلفوني، وغضب عني لقيت صوابعي على النمرة تتصل بيكي .
برقت ندى وانحاشت انفاسها باضطراب من كلماته المتغزلة وصوت تنهداته التي تصدح بالأشواق على طبلة أذنها، فخرجت كلماتها بتلعثم :
– مممن فضلك ياأستاذ اااا…
– كرررم، اسمي كرم يااحلى ندى، هو انتِ لحقتِ تنسي اسمي بالسرعة دي؟ .
– ياأستاذ كرم ماينفعش حضرتك تقولي الكلام واحنا لسة مافيش بينا حاجة، عيب مايصحش .
– لا يصح ومش عيب طبعًا، مدام هاتبقي مراتي ياندى ، ماهو انا لايمكن اتنازل تاني ولا ابعد عنك بعد ماخدت موافقتك، وعرفت انك ميلالي .
تدلى فكها وعيناها برقت في الظلمة، وقد طار مع الهواء ماتبقى من ثباتها، فلم تجد من الكلمات كي ترد عليه.
– روحتي فين ياندى؟ ماتردي ياقمر.
– مممم لو سمحت انا هاقفل دلوقت.
– اغلقت المكالمة ولم تنتظر موافقته، فقد دارت الأرض بها ولم تعد لديها قدرة للرد وقد تخدرت اعصابها من كلماته !
وقفت على اقدامها المرتجفة وسارت لتخرج من باب الحديقة الخلفية لتدلف لداخل المنزل ، بخطوات خفيفة على اطراف اقدامها، حتى لا يشعر بها احد من اهل المنزل ويسألها، وصلت الى غرفتها فوجدت شقيقتها غفت على كتابها الذي كانت تستذكر دروسها فيه وهي جالسة على مكتبها، لم تعطيها انتباه فااكملت حتى وصلت لتختها تلتحف بالغطاء حتى ذقنها، قلبها يضرب داخل اضلعها بخوف لاتدري سببه ، ولا تجد تصنيفًا لماتفعله اهو خطأ ام صواب؛ شئ بداخلها يخبرها انها تفعل الصواب خصوصًا والرجل قد تقدم لطلب يدها سابقًا، من قبل أن يتعرف عليها او يُعرفها بنفسه حتى، اذن فقصده شريف ويقصد الحلال فهو متمسك بها ويعشقها كما ذكر، فلماذا تُحرم على نفسها هذا الإحساس الجميل، احساس الحب كما تصفه لها احدى صديقاتها المقربات، إحساس الفتاة حينما تشعر بأنها مرغوبة ويعشقها أحدهم ، شئ جميل لاتجد وصفًا لروعته فهي جميلة وتستحق التقدير والتدليل، ولكن مايخيفها انها تخفي الأمر على أسرتها، أسرتها التي رفضته بحجة انه غريب، والسبب الأصلي للرفض هو عدم تزويجها قبل شقيقتها يمنى، اذن فالخطأ منهم وليس منها ، هم من رفضوا دون اخذ رأيها ولا مراعاة شعورها، في شئ يخص حياتها ومستقبلها،
– بت ياندى انت لسة صاحية؟
انتفضت مجفلة على الصوت الأنثوي لدرجة لفتت نظر والدتها التي قالت بجزع:
– بسم الله الرحمن الرحيم ، هو انتِ اتخضيتي ياندى؟ انا مقصديش اخوفك يابتي .
اومأت برأسها دون رد فتابعت نجية :
– انا بس استغربت انك صاحية وعينيكي مفنجلة على اختك اللي نامت على الكتاب من غير ماتنيهها.
– اااه ما انا كنت مغفلة انا كمان وعيني فتحت يدوب ثواني قبل ماتيجي.
قالت ندى لتبرر لوالدتها التي اقتربت من سمر الصغيرة تهدهدها حتى استيقظت بنصف وعي، فنهضت مستندة على ذراع والدتها حتى ارتمت على فراشها، ودثرتها بالغطاء .
خاطبتها نجية وهي ترتب في كتب الدراسة على مكتب سمر، – طب كملي انتِ نومك عشان تصحى بدري، وماتغلبنيش في صحيانك عالصبح ، زي كل يوم .
اومأت ندى تتصنع النوم وتغمض عيناها التي فتحتهم على وسعهم ، فور خروج والدتها من الغرفة، تنهدت تعود لحيرتها مرة أخرى، ولكن مع استعادة ذهنها لكلماته ابتسمت بانتشاء، تخاطب نفسها، بأنها محبوبة ويبدوا انها على وشك خوض تجربة الغرام التي تراها بالأفلام وتعيشها في الاغاني وتسمع عن قصصها الحية من زميلاتها في الدراسة!
……………………….
– انت بتقول ايه ياجدع انت؟ واعي انت للكلام اللي طالع من خشمك دلوقت؟
تفوه بالكلمات سالم وذهنه في حالة من التشتت، وعدم التركيز بعد ان قص عليه صالح قصته على عجالة، والذي قال يجيبه :
– انا حالف على المصحف ياعم سالم، وكل كلمة طلعت مني دلوقت، هاتسأل عليها قدام ربنا وها يجازيني عليها اشد الجزاء لو كنت بتبلى عليه فيها .
صمت سالم يشيح بنظره عنه وهو يستوعب ويستعيد بذهنه كل كلمة ذكرها صالح في حكايته العجيبة.
– ايوة ، بس انت عايزني اصدق ازاي بس ؟ دا كلام شديد قوي على واحد جاهل زيي يستوعبه،.
رد صالح بصوت مثقل بالهموم :
– المشكلة ماهياش فيك انت ياعم سالم ولا في جهلك، المشكلة هي انك مش قادر تصدق عليه، زي ماعمل اهلي تمام ، لما صدقوه هو وكدبوني انا، بس كانوا هايصدقوني ازاي، وانا كتمت على جرحي بملح عشان اختي اللي حلفت لاتنتحر لو حد جاب سيرتها ، عشان كانت متأكدة ان مافيش حد هايرحمها ولا يقول في حقها كلمة زينة ، وكانت هاتشيل ذنب فوق الظلم اللي وقع عليها، انا نفسي ماعرفتش غير بعدها بوقت طويل، يجي شهرين بالصدفة.
– وانت عرفت ازاي بقى ؟
عاد برأسه صالح للخلف وكأنه يعود لنفس اللحظة:
….
الفصل الثاني عشر
انصاف امرأة طيبة لدرجة السذاجة، تربت ببيت جدها بعد ان توفى والديها مبكرًا ، ضمها الى كنفه وتحت رعايته حتى كبرت واصبحت في سن الزواج فتخير لها من جمع الخاطبين، مايليق بها ويراعي بحنانه يتمها وضعفها، سلمها جدها الى رجل نزيه السمعة ويتميز بالأخلاق الحميدة، كان زوجها يخدم بالجيش وفي رعاية الوطن كظابط بالحرببة، قضت اجمل ايام عمرها معه ، في سعادة لم تستمر سوى بضع من السنوات انجبت فيها ولد اسمته صالح والبنت أسمتها فاطمة، ولكن الايام الجميلة لاتدوم، فقد توفى زوجها في احدى العمليات الحربية ، فعادت لبيت جدها مرة اخرى ولكنه لم يستمر في مراعاتها كثيرًا فتوفى هو الاَخر وترك المهمة لعمها الذي لم يكن في طيبة جدها ووداعة زوجها البطل الراحل، لم يكن يعاملها معاملة سيئة ولكنه كان يفضل الموت على ان يعطيها حقها كاملًا من ثروة اخيه، وعاشت انصاف لتربي ابناءها صالح وفاطمة في بيت جدها الذي ورثهُ عمها وابناءه، تتنعم بثراء العائلة مع ابناءها كالجميع؛ ولكن ليس من حقها المطالبة بميراث ، شعبان ابن عمها كان اكبر الأبناء، كان الواجهة والصورة اللامعة بين ابناء العائلة ذلك للباقته في الحديث وذكائه في الرد ، دائمًا مايتشدق بالقيم والمبادى فيخدع من حوله بصورته البراقة، تربى صالح في كنفهم، لا يحمل للدنيا هم، فتربيته المرفهة مع جينات ابيه السمحة، جعلته يراعي الأرض ويعمل مع شعبان الذي كان يضع يده على املاك العائلة ويديرها بفضل ذكائه ودهائه الا محدود ، لم يجرؤ في مرة للمطالبة بحق له ولا لوالدته، فقد كان يكتفي بما يصل في حسابه وحساب والدته من عائد الأرض سنويًا وبعض المكافاءات من عمله بالتجارة مع شعبان، رغم صغر سنه، وحينما وصل بعمره الى عمر التجنيد اصر على التقدم كباقي الشباب رغم انه كان وحيد والدته لكنه صمم على الالتحاق متطوعًا، بسبب رغبة تنامت مع عشق تغلغل بداخله من الصغر ، وقد اتخذ والده الشهيد قدوته، مانعت والدته الطيبة قراره يدفعها الخوف مماحدث لأبيه سابقًا ولكن مع اصراره اضطرت للموافقة مضطرة تنفيذًا لرغبة ابنها، ونجح في الاختبارات ليتمكن من الالتحاق بالجيش ، فترك والدته وفاطمة شقيقته الصغيرة، تحت رعاية عم والدته الذي اصابه المرض مع تقدمه في العمر وشعبان كبير العائلة بعد والده ، الذي كان في هذا الوقت متزوجًا ومعه اربعة من الأبناء، أكبرهم عثمان، مرت الشهور الأولى لصالح في قضاء فترة التجنيد؛ ما أجملها ، مع حماسه الامتناهي في التدريبات وتقدير رؤسائه له، ثم اكتسابه صدقات جديدة لشباب من عدة محافظات في الجمهورية، ثم يأتي لوالدته في الاَجازات محمل باشتياقه لها ولشقيقته الصغرى فاطمة، ولكنه كان في كل مرة يلاحظ ابتعاد شقيقته عنه واختلافها مرة عن أخرى ، في البداية لم يعطي بالًا ولكن مع التكرار و التغير الذي بدأ يشهده على تصرفات شقيقته وافعالها الغريبة ، بالأنطواء دائمًا داخل غرفتها لفترات طويلة، ثم نظرات عيناها الحائرة والزائغة ، حتى انه دلف لداخل غرفة والدته بالصدفة فشهد صراخها عليها :
– بقولك مش عايزة اروح ولا اَجي ، عايزة اترزع مكاني في اؤضتي، انتِ ليه مابتسمعيش الكلام .
– يابنتي انا احترت معاكي اعمل ايه بس في دماغك الناشفة دي؟ هو انتِ لو طلعتي من اؤضتك هاتتخطفي يعني؟ دا ايه الهم ده؟.
– بس بس في ايه ياجماعة مالكم؟ وليه الخناقة دي ؟
تفوه بها صالح وهو يقترب منهم بعد ان دلف لدخل الغرفة ولم يشعرن به في خضم شجارهم، قالت والدته:
– تعالى يابني شوف صرفة مع اختك، اللى عايزة تفضل قافلة على نفسها ، حتى قعاد مع عالسفرة مع العيلة رافضة….
قاطعتها هاتفة :
– ياستي مش عايزة اتنيل اقعد معاهم، فيها حاجة دي ياناس .
أردفت انصاف لابنها الواقف امامهم ينظر بحيرة نحو شقيقته :
– طب احكم واشوف بنفسك، دي حتى بطلت تدخل تطل على عمي ولا تطمن عليه .
صرخت فاطمة ببكاء :
– يعني وهي دخلتي انا عليه هي اللي هاتخليه يخف، ويقوم على حيله، ماتسيبوني في حالي ياناس، دا البيت الكبير ده فيه الف واحدة غيري، لازم تديقوا عليا وتخنوقوني ، انا قرفت وكرهت البيت، كرهته وكرهتكم كلكم ، كلكم .
نهت كلماته لتدخل في حالة من البكاء الشديد ، اقترب منها صالح يضمها اليه ويهدهدها بحنان:
– خلاص ياحبيبتي لا تروحي ولا تيجي، وافضلي مكانك ياستي زي ماتحبي، بس ماتزعليش ياقلب اخوكي .
كان صوت نشجيها في البكاء بحرقة يمزق في اوصال قلبه الملتاع عليها ووالدتها تسمرت مكانها تنظر لصغيرتها بجزع ، عاجزة عن فهمها ومعرفة ما يتعبها .
اصاب القلق صالح فحرم عليه حتى النوم ، عن حال شقيقته الذي تبدلت من فتاة شقية وجملية حد الفتنة الى شبه فتاة متقوقعة على نفسها دائمًا، حتى انه عاد الى خدمته بالتجنيد مرغمًا يقضي الشهور الباقية على مضض في انتظار انتهاءها على احر من الجمر، كي يفيق الى حال شقيقته وما اصابها ، على الرغم من اتصاله بوالدته شبه يوميًا للإطمئنان عليها ووصايته لها بأخذها الى الطبيب الذي كانت ترفض اقتراحه بشده شقيقتها، حتى انهى اَخيرًا صالح مدته، فعاد الى بلدته سريعًا دون ان يخبر احد بميعاد عودته، يذكر انه حينما دلف الى القصر ، كان فارغًا من الجميع سوى الخدم الذي تكفل احدهم ويدعى عم فضل، بإجابته عنهم فقال لصالح:
– العيلة كلها راحت المزرعة يقضوا وقت ويتغدوا هناك النهاردة يا صالح بيه ومافضلش غير الست اختك الصغيرة، هي قاعدة فوق في أوضتها والباشا الكبير ماانت عارفه عيان ومايقدرش يتحرك ولا يسيب البيت، اهو قاعد في جناحه دلوقتي على حاله ، ربنا يشفي عنه يارب.
اومأ له صالح برأسه يتمتم :
– اللهم امين يارب، طيب تمام ، روح انت شوف شغلك يا عم فضل وانا طالع اشوف الاتنين. .
صعد على الفور صالح الدرج كي يذهب الى شقيقته، حينما وصل الى الطابق الثاني ، وقبل ان يصل الى غرفتها تراجع مقررًا الأطمئنان على عم والدته المريض اولًا ثم الذهاب اليها، فتحركت اقدامه نحو غرفة الرجل كي يطمئن عليه ثم الى شقيقته كي يقضي معها اليوم كاملًا حتى يقترب منها ويعلم مالذي اصابها، ربما تبوح أوتتكلم ، وجد الرجل على، حالته طريح الفراش بعد ان اصاب الشلل النصف الأيسر من كامل جسده، فلا يستطيع تحريك يده او السير بأقدامه أو اخراج كلمة مفيدة من فمه الذي التوى بزواية كبيرة للأسفل، قبله على جبهته وربت على ذراعه متمتمً ببعض الكلمات اللطيفة والمهونة على اسماع الرجل ، قبل ان يخرج تارك الغرفة وقد اَلمه حال الرجل الكهل وكسرته على الكبر ، فور أن فتح باب الغرفة أمامه، لمح من البعيد مرور شبح احد الأشخاص في الممر المؤدي لغرفة والدته وشقيقته، اغلق باب الغرفة وسار مغادرًا الى غرفة شقيقته، والتي ما أن وصلها ووضع يده على مقبض الباب، سمع همهات بكاء مختلطة بأصوات وهمسات رجلٍ ، فتح الباب قليلًا بمواربة ليرى مايحدث فصعق لما يراه امامه، شقيقته ملتصقة بباب خزانة الملابس، تبكي وتترجى بإذلال ورجل يقف امامها، علمه صالح من ظهره وصوته المستفز :
– إيه يابطة؟ هاتفضلي اليوم كله لازقة في الدولاب، هي اول مرة يعني؟
فاطمة وهي تبكي بحرقة وانكسار :
– حرام عليك سيبني وامشي بقى، هو انت مش راضي تعتقني لوجه الله ابدًا .
ضحك متبخترًا وهو يحوم حولها وهي تتهرب منه بخوف:
– اسيبك ازاي بس ياهبلة ؟ هو انتِ اللي في جمالك وحلاوتك دي تتساب، دا انتي ولا القشطة نفسها ، قربي بقى خليني اطفي شوقي اليكي .
صرخت تفلت نفسها من قبضته :
– والنعمة لو ماسيبتني لاكون فاضحاك قدام البلد كلها، وقايلة لمراتك على كل حاجة .
دوت ضحكته المجلجلة وهو يلاحقها:
– لو تقدري تعمليها، كنت عملتيها من زمان، وحتى لو حصل، تفتكري هايهمني، دا انا هلاقيها فرصة عشان اطلقها واتجوزك والبلد كلها هاترحب ودا عز الطلب ياقلب شعبان ما انا مش هاسيبك لحد غيري ابدًا ، قربي بقى وماتخلنيش اخدك بالغصب زي كل مرة، قربي يا فاط……، ااه .
دوت صرختها مترافقة مع صرخته المتالمة بعد ان انقض عليه صالح فجأة بغتةً من الخلف، يكيل له بالضربات الموجعة على وجهه وجسده الضخم:
– يا كل…… ياجبان … ياعديم الشرف ، انا ها خلص عليك النهاردة.
انزوت فاطمة تنتفض من الخوف وتبكي بحرقة باحد الأركان في الغرفة، والمعركة بين صالح وشعبان على اشدها، صالح يضرب بانتقام وشعبان لا يجد الفرصة لصد الضربات ولكن جسده القوي وجلده التخين يستطيع التحمل، بالرغم من شعوره بالألم الشديد اثر الضربات الموجعة التي يتلاقاها من صالح ، حتى تمكن اَخيرًا بالأفلات هاربًا من قبضة صالح، كالفأر الذي وجد طريقه من داخل المصيدة، تحرك صالح ليلحقة ولكنه تفاجأ بتصلب اقدامه على الارض وقد تشبثت شقيقته بيديها على اقدامه تمنعه التحرك برجاء:
– ابوس ايدك يا صالح سيبوا يمشي وماتفضحنيش،
برقت عيناه بالغضب يهدر عليها بغضب:
– سيبني يافاطمة خليني احصله واخلص عليه النجس ابن ال……..
تشبثت اكثر تترجاه باكية:
– حرام عليك ياصالح، اختك هي اللي هاتتفضح لو الخبر خرج برا اؤضتي دي .
تلاحقت انفاسه الغاضبة تهدر بداخل صدره بصخب، لايصدق ماتراه عيناه، انكسار شقيقته ورجاءها بذل لعدم الأخذ بثأره ممن سرق براءة طفولتها واستغلها لهو القهر بعينه ، دنى اليها يجذبها من اكتافها لتقف على اقدامها وعيناه تحاصر انكسار عيناها فقال مشددًا على أحرف الكلمات:
– مين اللي يفضح مين؟ هو اللي يتفضح عشان بيدعي الصلاح والقيم قدام الناس، وهو في الأصل وس….. وابن ستين كل…… ، لكن انتي ازاي تخليه يستغلك كدة، كان فين عقلك؟ مكالمتنيش انا ليه ولا كلمتي أمك عشان نوقفه عند حده .
ارتفعت عيناها الذابلة اليه قائلة بضعف :
– وانت بقى كنت هاشوفك فين عشان اقولك؟ اجيبك من الجيش مثلًا على ملا وشك ، بحجة انك تيجي تحميني بعد ماسيبتني انا وامي تحت سيطرته ولا اكلم امي اللي عمرها ماكانت هاتصدقني وهي بتعتبره الوصي علينا احنا الاتنين بعد انت ماسيبتنا؟
صعق صالح وكأن دلوًا من الماء المثلج سقط فوق رأسه، شقيقته الصغيرة التي كبرت قبل اوانها ، تقولها في وجهه بكل جرأة، انه السبب فيما حدث لها من استغلال من قبل شعبان ابن عم والدته بعد أن تركها فريسة سهلة بيده، دون ظهر أو سند يحميها من غدر الأقارب ويقف بوجه من يحاول النيل منها ، أو استغلالها .
– بس انا كنت هاعرف منين انه بالوضاعة دي؟ انا اتخدعت فيه زي كل الناس اللي مخدوعة فيه، انا عمري ماعقلي صورلي انه ممكن يبصلك وانت بعمر عياله .
قال صالح مدافعًا عن نفسه باستيحاء رغم الشعور بالذنب المتعاظم بداخله ، ردت فاطمة بحرقة:
– بس اهو حصل ومابصش وبس لا، دا اتعرض لي كذا مرة لحد اما كسرني ، وانا خرسة وماقدرش عشان لو اتكلمت ماحدش هايصدقني ، ولا هايصدق برائتي حتى لو عرفوا الحقيقة، برضوا هايقولوا عليا اني غاويته، يعني في كل الاحوال انا اللي خسرانة .
فاض بصالح وانتفخت اوداجه من نبرتها المستفزة بالإستسلام ، فدفعها للخلف هادرًا:
– اوعي تفتكري ان بكلامك ده هاتنيل واسكت على عيني، انا يمكن غلطت مرة لما سيبتك انتِ وامي تحت مسؤليته، لكن الغلط دا لايمكن اكرره بإني اسيب حقك منه، دا انا اروح اندفن وانا حي اشرفلي .
صرخت تركض خلفه كي توقفه، ولكنها فور ان تخطت باب،الغرفة، ارتدت للخلف تدلف اليها مرة أخرى واغلقت الباب عليها بخوف ، مما قد يحدث، بسبب جبنها وقلة حيلتها حينما سكتت على تحرشات شعبان بها في البداية لها ، حتى ازدادت جرأته عليها مستغلًا ضعف شخصيتها وهوانها معه؛ الذي جعله يكسر براءتها دون رادع او خوف من شئ .
– وحصل ايه بعدين؟
سأل سالم بعد أن توقف صالح عن سرد بقية القصة ، نظر له صامتًا لبعض الوقت قبل ان يتمكن من الإجابة اَخيرًا ، بصوتٍ متثاقل بالألم :
– اللي حصل هو اني روحت باندفاعي ناحية جناحه عشان اخلص عليه وانتقم لشرف اختي وشرفي ، لكنه كان مستعدلي ، بمجرد ما فتحت باب اوضته، لقيته لف ذراعيه الاتنين على جسمي من الخلف وشل حركتي، بعدها بقى قعد يصرخ ولم عليا كل الناس اللي بتشتغل في البيت ، يشهدهم على السافل اللي اتعدى على حرمة بيته واتهجم على مراته في غياب كل افراد الأسرة ، رغم ماكنتش واخد بالي ان مراته قاعدة في اؤضتها اصلًا ، ولا حتى كنت اعرف انها رجعت البيت اصًلًا عشان تراعي بنتها العيانة..
وبعدها اتنصبتلي محكمة من العيلة ، يحاسبوني على قلة اصلي، وانا متربط ومش قادر اجيب سيرة اختي، اصلي لو حتى اتكلمت على رأيها هي مين هايصدقني انا ويكدبه، جابوا مراته عشان يسمعوا شهادتها في الكلام اللي قالوا عني، سكتت ومردتش بأيوة ولا لأ، استغل هو سكوتها وهلل امام الجميع يقول بعلو صوته:
– اشهدوا ياناس وشوفوا بنفسيكم، مراتي الست المحترمة، اتصدمت من اللي حصل وماقدراش تحكي ولا توصف اللي حصلها من صالح في غياب الجميع، دا لولا اني وصلت في الوقت المناسب ماحدش عارف ، كان هايجبرها على ايه؟
صرخت بعلو صوتي وقولت اني برئ وبيتبلى عليا، لكن ماحدش صدقني، الكل صدقوا هو واتحكم عليا بالطرد من العيلة، انا في ساعتها ماهمنيش اي شئ يحكموا بيه، عشان كل اللي كان بيدور في عقلي ساعتها هو اني انتقم منه وبس، ماكنتش اعرف اني ساعتها باديلوا الحبل اللي هايلفوا حوالين رقبتي، في ظرف ساعة من بعد ماانفض الاجتماع وانا كنت بودع امي عشان الم هدومي ادورلي على شقة بره وبعدها ارجع عشان اخدهم هي وفاطمة وانفذ اللي في دماغي، لقيت الشرطة بتسحبني من على باب القصر ، ودا لا شعبان باشا مكتفاش بطردي وبس لا، دا بلغ عني اني كنت حرامي وانا شغال عنده وهو بيداري عني بس بعد اللي حصل مش هايسكت عن حقه، وطلعلي اوراق رسمية من شغلي معاه يثبت فيها اني كنت باغتلس منه وبسرق في فلوس العيلة، وضاعت الحقيفة وانا كمان ضعت وانا مش قادر اثبت حقي مع واحد استغل قلة خبرتي وقتها زي مااستغل صغر سن اختي عشان يحصر قلب امي على ولدها اللي اتحبس ظلم، واخته اللي مااتحملتش اللي بيحصل قدامها خصوصًا مع ضغط شعبان عليها في غيابي ، فانهارت وطار عقلها منها واتحبست هي كمان في مصحة بعيدة عن امي اللي قلبها وقف منها يوم محاكمتي وماتت .
– لا حول ولا قوة الا بالله.
تمتم بها سالم وهو ييشيح بوجهه بعيدًا عن صالح الذي فرت دمعة ساخنه من عيناه على وجنته،، فصمت قليلًا كي يستجمع افكاره، بعد ان افقدته الذكرة السيئة تماسكه وقد عادت لتفعل بعقله الافاعيل.
اطرق سالم هو الاَخر وشرد عقله بتفكير في صعوبة الرواية التي ذكرها الاَخر، لو صدقت بالفعل ، ولكنه انتفض فجأة يسأله:
– اه صح ، انت ماقولتليش اليوم اللي جتلنا فيه مضروب بالرصاصة دا كان بسبب ايه؟
– كان بسبب اني قتلته .
– نعم ! قتلته ازاي يعني مش فاهم
تفوه بها سالم بعدم استيعاب، رد صالح بهدوء:
– مش فاهم ايه ياعم سالم ؟ بقولك انا اللي قتلت شعبان ابو مندور ، في اليوم اللي طبيت عليكم فيه، بعد ماهربت من الحراس اللي صابوني في كتفي اثناء ماكان بيطاردوني .
رد سالم وهو يهز برأسه بعدم تصديق:
– قتيل كيف يعني؟ انا ماسمعتش خالص ان شعبان ابو مندور مات مقتول .
– كيف يعني دا انا مفرغ فيه ٣ رصاصات في صدره ، يبقى ازاي ماماتش مقتول؟
صاح بها صالح رغم الألم الذي انتشر برأسه ، هتف سالم هو الاَخر:
– ياولدي زي مابقولك كدة، شعبان ابومندور دا مش راجل هين ، دا كان نايب عن الدايرة وخبر موته انتشر في البلاد كلها، دا حتى كبارات البلد عندينا لموا نفسيهم وعملوا عزوة لما راحوا يعزوا في جنازته، وماحدش فيهم ابدًا ذكر انه مات مقتول .
شحب وجه صالح وهو ينظر في الفراع بحيرة مما سمعه من سالم، يذكر جيدًا انه قتله ورأى طلقات الأعيرة النارية التي كانت تخترق صدره.، ام انه كان يهذي ، ياالله ما اشد هذه الحيرة، رفع راسه فجأة لسالم الذي نهض من مقعده يربت على ذراعه مهونًا:
– هدي اعصابك دلوقت ، وسيب الامور لله وبكرة بإذن الله يحلها الحلال ونعرف ايه اللي جرى.
اردف بكلماته وهم ليخرج من أمامه وترك صالح الذي انتابته الحيرة تنهش برأسه ، وقبل ان يمسك بمقبض الباب التف اليه يسأله بانتباه ويخرجه من شردوه:
– طب انت مالقتش حد نهائي يشهد معاك ضد شعبان ده؟
تنهد صالح قليلًا ثم أجابه:
– في الشركة لا ملقتش نهائي ، عشان كل حاجة كانت في ايد شعبان، يعني قدر يزور في الورق على كيفه، اما في البيت فكان في واحد بس، جالي القسم وحلفلي انه مؤمن ببرائتي عشان شافوا بعينه وهو بيتحرش بأختي كذا مرة، دا غير انه كان موجود ساعة ما شعبان لفقلي تهمة التعدي على مراته وهي كانت راجعة البيت من قبلها بدقايق قليلة، بس انا رفضت عشان رغبة اختي وسمعتها، دا غير اني اشفقت على الراجل ، لأنه بصراحة هو مش قد شغبان ولا ايده الطايلة، على فكرة ياعم سالم انا مازلت فاكر عنوان الراجل ده ، يعني لو عايز تتأكد من صدق كلامي روحلوا بنفسك واسأله.
سأله سالم :
– يبقى مين بقى هو الراجل ده ؟
……
الفصل الثالث عشر
جهزت نجية صنية الفطار وذهبت للغرفة الموجود بها طرقت بخفة وفور سماعها لصوته، دلفت بالصنية بابتسامتها المعهودة دائمًا تلقي التحية :
– صباح الخير ياولدي .
اومأ برأسه وخرج صوته كالهمس :
– صباح النور ياخالة.
وضعت الصنية تلتفت له بانتباه على نبرته الحزينة، فوجدته مطرق الرأس، وعيناه لم يرفعها اليها :
– مش بعادة يعني تكلمني وانت حايش عينك عني .
سألته نجية مضيقة عيناها بتفكير فاضطر لرفع رأسه ليجيبها وعيناه تتهرب من عيناها :
– معلش ياخالة لو هازعلك ، بس انا مش عايزك تدخلي عليا تاني بالوكل ولا اي حاجة، ولا حتى الست يمنى برضوا، انا خلاص عرفت وحفظت مواعيد العلاج ، وانا كلها يوم ولا يومين بالكتير وان شاء الله هامشي واريح الدنيا.
اندهشت اكثر فاقتربت لتجلس امامه على المقعد الوحيد بالغرفة، وقالت :
– وه دا باين الموضوع كبير قوي ، ايه ياعم صالح؟ ماتقول ياولدي على اللي مزعلك خلينا نفهم ايه اللي حاصل .
ضيق عيناه هو الاَخر متعجبًا من تباسط المرأة معه في الحديث، ودلوفها اصلًا لداخل الغرفة بعد الذي حدث مع زوجها أمس، ايعقل انها لا تعرف بما فعله زوجها وغضبه العاصف من الشك الذي انتابه من صالح على اثر المعلومات التي جمعها يونس شقيقه واخبره بها، ام انه قد صدق….. هنا توقف صالح يهز برأسه ليجلي عن راسه احلام عقله حتى لا يستقيظ مرة أخرى على واقع مرير يعيده للخلف بعد أن تجدد الأمل بداخله وقد افضى اخيرًا بالسر الذي اطبق على صدره سنوات .
– سرحان في ايه ؟ هو لدرجادي السؤال صعب ؟
سالته نجية بعفويتها تخرجه من شرده ، فسألها :
– هو عمي سالم مقالكيش حاجة امبارح من اللي حصلت مابيتي ومابينه.
ارتخت اجفانها قليلًا كي تتذكر قبل ان تجيبه:
– لأ ، عمك سالم مقاليش اي حاجة امبارح ، انا اصلًا ماشوفتوش امبارح غير ساعة العشا، قبل ما يطلع مع يونس السطح، يمكن بس عشان اكون صادقة معاك لمحته وهو طالع من أؤضتك يجي الساعة ١٢ كدة وبعدها بقى كمل سهره عالسطح وبيت هناك كمان ، نزل الصبح بدري خلاني فطرته وهو لابس العباية الجديدة بتاعة المشاوير والمناسبات ، لحد اما انا سالته عن المناسبة فرد وقالي، انت مالك ، زي كل مرة اسأله فيها .
– يعني أنتِ عايزة تقوليلي ان عمي سالم طلع الصبح بدري راح مشوار انت مش عارفاه؟
– هو كدة فعلًا صح .
– وماقاليش اي حاجة عن حوار امبارح .
– ياولدي بقولك لا، عمال تقرر فيا ، طب ماتقولي ياوالدي انت الحوار اللي عمال تحكي وتقول عليه ده .
عاد بجذعه يستند جيدًا على الوسادة بشبه ابتسامة مترددة مع بزوغ امل جديد داخل قلبه ، فقال لها ينهي الجدال:
– معلش ياخالة ، انا مش هاقدر اتكلم ، انتظري انتِ لما يجي عمي سالم واسأليه بنفسك، وهو أكيد هايقولك .
التوى ثغرها بعدم رضا تغمغم :
– يعني انت وتحمسني وبعد كدة تقولي استني عمي سالم ، ماشي ياعم صالح انت حر، هاتقدر تاكل بقى ولا هاتمنع زي امبارح كمان؟ .
اشار لكفه نحو الطعام قائلًا بحماس :
– لا ان شاء الله هاقدر، انا اصلًا جعان.
وضعت له الصنية يتناول منها بنهم تعجبت له نجية التي تركته بعد ذلك لتخرج من غرفته وترد على المكالمة الهاتفية التي أتتها :
– الوو…….. ايوة يامرة اخوي ……….. اه يعني هو راحلها النهاردة ……….. خلاص تمام انتي اسمعي من ولدك لما ياجي وبعد كدة اتصلي واحكيلي بعد مايخلص المشوار ………. انا هاقعد جمب التلفون عشان اطمن.
………………………….
خارج اسوار مدرستها خرجت في وسط اليوم الدراسي، متحججة لمدرستها بشراء بعض الأدوات الدراسية من المكتبة المتوفرة قريبًا من المدرسة، تتحرك اقدامها باضطراب وعيناها تدور في جميع الانحاء خوفًا لتلمحها احدى الفتيات من زميلاتها في الدراسة وهي تقطع طريقها بالعكس، حتى وصلت لخلف المدرسة، فوجدته مكانه كما كتب لها في الرسالة التي بعثها لها اثناء الحصة الدراسية لها، كان مستندًا على الشجرة الكبيرة بميل اعتدل عنه فور ان لمح طيفها امامه، يبتسم بانتشاء بعد ان نفذت وخرجت له بمجرد ان راسلها، توقفت هي بتردد تود لو استطاعت الرجوع للخلف، فتعود لمحلها على مقعد الدراسة راكضة، قطع هو المسافة الفاصلة بينهم فاقترب منها سحبها من كف يدها الى مكانه خلف المدرسة بعيدًا عن الاعين :
– واقفة مكانك ليه ؟ انت عايزة البنات اصحابك يشوفوكي ولا ايه.
تلعثمت بخوف قائلة:
– بصراحة خايفة وعايزة ارجع، انا متعودتش ابدًا اخرج واقابل حد غريب اثناء اليوم الدراسي.
مال بوجهه اليها قائلًا بنعومة واصابع يده تتلاعب على ظهر كفها :
– هو انا اي حد برضوا ياندى؟ ولا انت لسة معتبراني غريب ؟
تلجم لسانها عن النطق بكلمة اليه، فبماذا ترد وهي لم تتحدث معه سوى من يومان ، وكأنه قرأ افكارها فقال مبددًا مقاومتها :
– انا مش غريب عنك ياندى وانتِ عارفة كويس ، من ساعة مالمحتك وانتِ ماشية مع اصحابك تحت بلكونتي وبقيت اراقبك من شباك الفصل بتاعك وانتِ خدتي بالك من نظراتي وحبي ليكي وبقيتي تحكي لصحابك عني وتضحكوا على العاشق الولهان، واحنا ربط مابينا خيط شديد قوي ، لا يمكن هاينفك ولا حد يقدر يقطعه .
ردت على كم المعلومات التي ذكرها امامها بازبهلال :
– خيط ايه ده؟ انا مش فاهمة .
قرب وجهه منها متنهدًا بصوت خفيض :
– خيط الحب ياندى، انا بحبك وانتي كمان بتحبيني، بس سنك الصغير وخبرتك القليلة مخلياكي مش فاهمة المشاعر اللي جواكي ولا انتِ قادرة تفسريها.
سهمت بشرود وعدم استيعاب وهو يقرب وجهه منها اكثر حتى ازدادت وتيرت انفاسه واصبح يبتلع في ريقه امامها ، شعرت هي بالخوف فارتدت برأسها للخلف لتبتعد عنه، ولكنها جذبها بكفه المطبقة على كفها :
– انتِ خوفتي ولا ايه؟ دا مجرد بس كلام .
– اوعى سيب ايدى لو سمحت .
حاولت لنزع كفه القابضة بقوة على كفها قائلة بجزع شعر هو به فترك كف يدها قائلًا بأسف:
– اهي ايدك اهي، عشان تعرفى اني ماليش غرض وحش .
بمجرد ان ترك يدها، لم تنتظر ندى منه تبرير اَخر، فركضت عائدة لمدرستها على الفور .
…………………….
في وقت لاحق من اليوم
كانت يمنى عائده من معهدها بعد ان انهت دوامها ومعها صديقتها صفاء، في طريقهم المؤدي للمشفى الذي يتدربن ويعملن به، الذي يأتينه سيرًا على الأقدام ، نظرًت لقرب المسافة بين المستشفى والمعهد، أجفلن على صوتٍ رجولي بهتف باسمها من الخلف كي يستوقفها، هذا الصوت الرجولي المعروف لأذنيها جيدًا كان يهتف باسمها، غير عابئ بأنه في وسط طريق عام
– يمنى ، يا يمنى.
استدرات اليه مع صديقتها صفاء رافعة طرف شفتها المطبقة وملامح وجهها المتغضنة خير دليل على امتعاضها وغضبها منه، ردت باقتضاب:
– نعم؟ عايز من يمنى ايه ؟
خطا بأقدامه اليها كي يقترب منهن، مقربً المسافة، فقال بابتسامة لم تعجب يمنى من سماجتها وهو يمد بكف يده كي يصافحها، هي وصديقتها..
– ازيك يا يمنى؟ عامله ايه؟
ترددت في البداية ان تستجيب لتحيته وتمد اليه كفها وتصافحه، ولكنها لم تشأ احراجه امام صديقتها، فبادلته المصافحة على مضض، اما هو فاتسعت ابتسامته وصافح صديقتها ايضا، قبل
ان يبدأ بكلماته واسئلته المحفوظه لديها
–
– ِعاملة ايه الست الوالدة ؟ و اخبار عمى سالم ايه؟
اجابته بابتسامة صفراء :
– الحمد لله ياسعد، الف شكر على كل حال، المهم انت بقى موقفني في وسط الطريق كدة وقدام الناس اللي رايحة واللي راجعة ليه بقى؟
إجفلته بجفاف ردها هكذا وقبل إن يبدأ حديثه، أجابها بتوتر :
– ايه يايمنى؟ دا انا ابن خالك، مش حد غريب يعني عشان تخافي .
– انا مش خايفة ، انا بس محرجة من الوقفة في نص الشارع كدة.
قالت بحدة اربكته اكثر حتى نظر لصفاء التي كانت تتابع بصمت، وهو يردف لها:
– طيب لو محرجة، تعالي معايا انتي وصاحبتك اعزمكم على حاجة ساقعة .
سألته رافعة حاجبها بشر:
– وانت تعزمنا بقى على حاجة ساقعة وكماان بداخل كافتيريا ! طب ليه بقى ايه المناسبة مثلًا:
ردد بتعلثم :
– مممن غير مناسبة، انا كنت عايز اسألك عن صحة الوالد واطمن عليكم.
اعتلت ابتسامة غير مفهوم على ملامح وجهها، تردف قائلة:
. – يعني انت عايز تعزمني انا وصاحبتي في كافتيريا وتشربنا على حاجة ساقعة ، عشان تسألني عن حالي وعن صحة ابويا، طب ياسيدي انا كويسه، وابويا كويس، وامى واخواتى كويسين كمان ، ها بقى عايز تسال على ايه تانى يا سعد ؟
شعر بانسحاب الدماء من وجهه وقد انتابه الحرج الشديد من الكلمات التي القتها بوجهه امام صديقتها؛ التى كانت مطرقة راسها؛ حتى لا يرى ابتسامتها التى تحاول جاهده اخفائها!
سألها بعتب
– فيه ايه يايمنى ؟ هو انتى ليه كلامك ناشف معايا وكأنك مش طايقة تتكلمي معايا ولا تشوفيني؟
اردفت هى غاضبه؛
– مش موضوع اني مش طايقاك او مش عايزة اشوفك، المشكلة ان ماينفعش الوقفه في الشارع كده يا سعد، انت عارفني ازاي انا مقفلة وماحبش اي بني أدم يبصلي ولا يجيب سيرتي بحاجة وحشة ، مش كل الناس تعرف ان انت ابن خالي.
وكأنها اعطته الضوء الأخضر، اردف بسماجة:
– طب خلاص يبقى اَجى بيتكم، واجيب امى ونتكلم مع ابوكى؟
– لا اا ، ماتجيببش حد .
هتفت بها بحدة، مما زادت بآحراجه اكثر امام صديقتها التى مازلت مطرقة راسها بخبث، مستمتعة بما يحدث ولكنها لا تجرؤ على اظهار رد فعلها ، رفعت راسها تتصنع المرؤة فقالت بلطف :
– طب انا ممكن امشى واسبقك يا يمنى، وانتِ بقى ابقي تحصليني!
هتفت يمنى ناظرة اليها بغضب :
– لا ياستي واياكي تتحركي من مكانك ياصفاء ، ولا تعتبي مكان من غيري، ولو مستعجلة قوي اطمني يااختي انا خلاص ماشية.
ِ
نظر سعد اليها بحزن قوئلًا بمسكنة :
– تانى يا يمنى بتقفلي البيبان في وشى ومش عايزه تدينى فرصه
وو…….!
– بسسسس، لحد هنا ووقف بقى عشان تسمعني .
ِ قالتها بمقاطعه! وهى توقفه بكف يدها، وتابعت :
– انا كنت عارف من الاول سبب مجيتك عشان كدة بقولك ننهي من الاول، من غير جدال، كلام مافيش منه فايدة ، عشان النتيجة واحدة ، واظن انها باينة من رد فعلي قدامك ، واخد بالك ياسعد ، ياللا عن اذنك عشان امشي وابقى اشوف وشك بخير.،
ثم من غير كلمة أخرى سحبت صديقتها من ذراعها والتفت لتذهب من امامه متهربة دون ان تلتف ولا ترى رد فعله، ووجه الذي شحب من تقريعها الغير مباشر، ، ناظرًا في اثرها بصدمة.
وهي تعدو بخطوات مسرعة وبيدها صديقها التي تركض لمجارة خطواتها الواسعة، بعد ان سحبتها دون سابق انذار ، خاطبتها صفاء وهي تلهث من فرط جهدها في العدو :
– خلاص كفاية بقى قطعتي نفسي ، خفي خطوتك السريعة ، احنا بعدنا عنه بمسافة كافية، سيبى أيدى بقى يامحنونة اديني فرصة اَخد نفس طبيعي في صدري .
بطئت قليلًا خطواتها يمنى ، قبل عن تنظر للخف بحرص ، فوجدتها مازال متسمرًا محله، وعيناه تتبع خطواتها رغم ابتعاد المسافة عنه
– دا لسة واقف مكانه وبيبص علينا ، يخرب بيت تناحتك يااخي، اقسم بالله انا على كدة اهو وماضمن انه يلم كسوفه وينشي على بيتهم، والنعمة انا خايفة على كدة لا يجي ويحلني عشان يصدعنى بكلامه التافه مرة تانية !
ضحكت صفاء قائلة بمرح؛
– يا عينى يايمنى ، لدرجادى هو تنح وانتِ ياحبيبتي مش طايقاه ، طب، والنعمة صعبان عليا بعد ما اضايقت منك واستعجبت ردك معاه والدبش اللي رمتيه في وشه.
تنهدت يمنى وهي تبطئ بخطواتها؛ بعد ان اطمأنت لبعد المسافة بينها وبين سعد ابن خالها الذي مازال واقفًا محله دون تزحزح .
– اسكتى ياصفاء والنبي ماتفكريني، دا انا كنت هاتشل منه ومن بروده، مايغركيش الوش الغلبان اللي انتِ شايفاه منه دلوقت، دا بلوة ومية من تحت تبن ، امال انا وافقت عليه على خطوبتي منه في الاول ليه، عشان كنت فاكراه طيب وغلبان ، لكن طلع مصيبة ، اي كلمة تتقال بينه ومابينه تاتي يوم الاقي امي بتبلغني بيها ، بعد ماامه مابلغتها بيها ، ينقل الكلام ولا اكنه حتى عيل صغير فتان ومش فاهم، المهم انه يبان قدام امه الواد المطيع دايمًا ، دا انا خدت ايام خطوبتي معاه، وانا دمي كان محروق دايمًا منه ومن افعاله، والله ماخدت نفسي كويس ولا حسيت بالراحة غير بعد مافسخت خطوبتي معاه.
صفاء بغمزه، وهى تنكزها بذراعها.
قالت صفاء بمكر :
– طب كويس انك فلتي منه ومن تناحته، عشان نوسع السكة لغيره من الناس اللي تستاهلك وتحبيها.
– قصدك ايه يابت بالناس اللي تستاهلني واحبها .
تسائلت يمنى بعدم فهم، ردت صفاء بابتسامة متلاعبة:
– يعني انا بقول لو انتِ مشغولة بحد، والحد دا من غير مناسبة ، حاسة انه قريب منك ، او يكون مثلًا شاغل بالك .
ضيقت يمنى عيناها وقد وصل اليها ماترمي اليه صفاء، فقامت بلكزها بكوعها حتى تألمت صديقتها متأوهة وقالت بابتسامة مستترة فضحها تورد وجهها :
– بطلي كلامك وتلميحك البارد ده يازفتة، تاكي ضربة دم .
…………………………
توقف سالم على اطراف الحقل الغريب ينظر الى الرجل المنكفئ داخل حوض الخضرة خاصته يعمل بجدٍ واجتهاد، لقد استغرق سالم في رحلة الوصول اليه ساعات ، بداية من دخوله القرية المشهورة باسم العائلة الكريمة والعريقة كما ذكر له صالح سابقًا ، والذي كان صادقًا بالفعل في ذكر الثراء الفاحش للعائلة، من رؤية القصر الذي يتوسط البلدة ثم حدائق الفواكه الضخمة التي مر عليها اثناء رحلته للوصول الى هذا الرجل بعد ان سأل عنه اهل البلدة فدلوه على الحقل ليجده ، وها هو الاَن لايفرق عنه سوى بعض الامتار القليلة، ليعلم صدق ام كذب الرواية التي ذكرها هذا الغريب.
– السلام عليكم .
تفوه بها سالم بصوت مسموع ليصل الى الرجل، والذي انتبه اليه هو الاَخر برفع رأسه ورد:
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، عايز حاجة يابلدينا؟
خطا سالم لداخل الحقل متجنبًا الدهس على الخصار، حتى اذا وصل اليه مد كفهِ يردف بلطف:
– انا واحد غريب عن بلدكم وليا طلب عندك .
نهض الرحل يستقبل كف سالم مرددا بترحاب :
– يااهلًا وسهلًا بيك ، نورت وشرفت بلدنا، قول اللي انت عايزه مني وانا رقبتي سدادة، انت تؤمر.
تنهد سالم ببعض الارتياح مع هذه البداية المشجعة فقال على الفور:
– الأمر لله وحده ياراجل ياطيب، انا مش هزعجك ولا اطلب منك حاجة واعرة، انا كل اللي عايزة منك هو اجابة سؤال.
رفع الرجل كف يده المفتوحة يضعها على صدره وقال بحماس:؟
– انا تحت امرك في اي سؤال تسأله وانا ان شاء الله هجاوبك عليه لو اعرف ، المهم دلوك تيجي تتفضل معايا نشرب الشاي على رواقة في العشة اللي هناك دي.
نظر سالم نحو ما يشير اليه الرجل بيده حيث عشة من الخوص خارج الحقل ولكنها قريبة منه، أومأ موافقًا:
– تمام حتى عشان اريح رجلي شوية من الف طول اليوم، وتاخد نفسك شوية من شغل الزرعة .
……
الفصل الرابع عشر
شاردة وكأنها تغيبت عن أرض الواقع ، عيناها على السبورة التي تشرح عليها معلمتها درس المادة التي تدرس حصتها الاَن ، وهي لا تعي بكلمة واحدة او معلومة تسفيد بها من الدرس، فعلقها كان مايزال هناك خلف المدرسة حيث لقاءها مع هذا الشاب، الذي اجفلها بكلمات غريبة على عقلها الصغير، انه يؤكد لها بأنه يعشقها وهي أيضًا تعشقه، كيف ؟ هي تعلم الإعجاب الذي شعرت به تجاهه وقت ان رأته ينظر لها من شرفته، وقد كان مصدر زهوها بين الفتيات، والمادة الدسمة في الحديث بينها وبينهم عن الشاب المتيم بها، الذي يظل مرابطًا لها في شرفته كي ينظر اليها ويهيم بها، ولكنه ذكر لها انها أيضًا تحبه؟ مرة اخرى كيف؟ وما هو التفسير الجيد لهذه الكلمة حتى تفهم وتحدد بنفسها ان كانت تحبه ام لا ؟
– مالك مسهمة ليه كدة؟ مش بعادة يعني؟
سألتها الفتاة التي كانت بجوارها على التخت، بعد انتهاء الحصة وانصراف المعلمة، التفتت اليها ترد بعدم تركيز:
– ايه يا رضوى؟ هو انتِ بتكلميني؟
– ارتفع حاجبي الفتاة بتعجب وسالتها :
– لدرجادي انتِ سرحانة ياندى ؟ حتى عن جملة بسيطة زي دي قايلاهالك؟ ايه اللي شاغل عقلك يابنتي ؟
حدقت بها ندى قليلًا صامتة قبل ان تقول بتردد :
– رضوى هو انتِ حبيتي قبل كدة ؟ أو تعرفي يعني ايه حب؟
قطبت الفتاة جبهتها متعجة من السؤال فقالت:
– ليه بتسأليني السؤال ده ؟ ايه اللي جابه في مخك اساسًا؟
اردفت ندى تحاول مع الفتاة :
– مش عارفة يارضوى، بس انا بصراحة بيعجبني قوي قصص الحب اللي بنسمع عنها من البنات هنا، اصل انا كنت فاكرة ان الحاجات دي بتيجي في الافلام اللي بنشوفها او الرويات اللي بنقراها وبس، لكن لما جيت البندر هنا وشوفت، لقيت الحقيقة أحلى بكتير.
حدقت بها الفتاة جيدًا وكأنها تغوص بداخل عقلها ثم قالت:
– على فكرة ياندى انا فهماكي قوي وعارفة ان نفسك تجربي وتعيشي القصص دي كمان زيهم هنا، بس ياحبيبتي انا عايزة افكرك كويس ، ان انتِ جاية من قرية، زي انا كمان ماجاية من قرية ، احنا معندناش الكلام ده ولا الدنيا مفتوحة عندينا زيهم هنا، واوعي تفتكري ان كل القصص دي حقيقية ، لا ياحبيبتي، دي معظمها بيبقى وقت حلو وحد فيهم بيضحك عالتاني، انما القصص الحقيقية صح بتبقى عددها قليل جدًا ودول يبقوا محظوظين صح لو اكتملت بالجواز ومافرقتش مابينهم الظروف زي مابنشوف كدة في الافلام .
سألتها ندى :
– طب هو احنا ممكن نبقى من المحظوظين دول يارضوى ؟
مطت بشفتيها الفتاة واهتزت كتفاها تقول:
– اممم ماهو الحظ ده بالذات ياندى، محدش بيعرف بيجي من انه سكة، يعني مثلا ؛ احنا في بلدنا عندينا البنتة بتتجوز فيها على ١٤ سنة عادي وبيبقى جوزها يدوبك فارق عنها بكام سنة بسيطة، ومعظم الاحيان بيبقى واد عمها او قريبها او حتى جواز صالونات ، يعني لا بتلحق تطلع ولا تروح معاه، وحتى كلام الحب ده ممكن مايعرفهوش ، ومع ذلك بتلاقي الجوزاة كملت عادي ويعيشوا مع بعض في سعادة ويخلفوا دستة عيال كمان، وبيبقى الحب مابينهم كدة باين في عيونهم من غير مايتكلموا ، مش بقولك ده بيبقى حظ.
سالتها ندى بإصرار:
– يعني هي الواحدة بتحس بنفسها لما تحب جوزها او الشخص اللي بتحبه؟.
– يابنتي ايوة زي مابقولك كدة، دا انا بشوف اختي بس لما تيجي سيرة جوزها عينها دي بتلمع ووشها بينور بالضحكة، بس عالسيرة، امال انا بشرحلك واقولك ايه بس ؟ مش عشان شوفت بعيني، يارب بقى يكرمك انتِ ويكرمني انا كمان بالحب الحلال.
رددت خلفها ندي بتمني لانتهاء الحيرة التي تشعر بها :
– يارب يارضوى يارب.
……………………….
في وقت لاحق من اليوم
حينما عادت يمنى الى منزلهم بعد انتهاء عملها ، وجدت امامها والدتها تقف لها بوسط الصالة وكأنها كانت في انتظارها، واقفة بتحفز وعيناها تقدح شررًا ، القت يمنى اليها السلام بتردد وريبة من هيئتها الغريبة.
– مساء الخير .
اومأت نجية برأسها بحركة ساخرة ترد:
– اهلًا أهلًا بالست الدكتورة اللي شايفة نفسها ومحدش مالي عينها ، شرفتي ونورتي.
اضطربت يمنى من طريقة والدتها في الرد والتهكم عليها بدون سبب، ولكن مع رؤية الهاتف الذي ببدها بدأت تفهم وحدها، وسالتها :
– هو في ايه؟ مالك ياما كدة واخداني عالحامي؟ ايه اللي حصل يعني:
– وخداكي عالحامي !
هدرت بها نجية باستنكار، وأكملت :
– ليه يادكتورة؟ هو انت في حد قادر يكلمك؟ دا انتِ بترفضي وترمي على كيفك، ولا اكن ليكي اب،ولا أم مسؤلين عنك ، وحقهم عليكي انك تاخدي رأيهم على الأقل.
– قصدك ايه ياست الحبايب؟
قالتها يمنى ببعض الدعابة علها تؤثر في والدتها التي صرخت وكأن الدعابة استفزتها:
– كان عملك ايه يابت ابن خالك عشان تكسفيه قدام صاحبتك وتخلي رقبته قد السمسمة ؟ كان عملك ايه وهو رايحلك بأدب يسألك بأدب لعل وعسى تخلي عندك دم وتحسي بيه؟.
صاحت يمنى هي الأخرى وقد نفذ صبرها:
– قولي كدة بقى، سبب الزعلة والخناقة الكبيرة دي هو المحروس اللي راح اشتكى لامه وكالعادة هي اشتكلتك انتِ، يعني بيعيد نفس السبب اللي خلاني كرهته وفسخت خطوبتي بيه، لما كنت ازعل ولا اتخانق معاه؛ بذمتك دي اخلاق رجالة؟
قالت الاَخيرة بازدراء اثار حنق والدتها، فصاحت بصوت عالي
– جرا ايه يابت؟؟. انت شايفه نفسك على الواد الغلبان ده ليه ها؟ هتلاقى فين في بلدك الفقريه دى واحد موظف وفي ايده شهاده؟ هتلاقى فين واحد يسكنك في البندر؟ عايزه ايه تانى اكتر من كدة يابت سالم قولي ؟
هتفت بحدة وهي تنسحب من أمام والدتها نحو مكانها الاَمن في غرفتها :
– مش عايزة حاجة ياما استريحتي، لا عايزاه ولا عايزة غيرة، هو بالعافية ، مش طايقاه ولا طايقة نفسى ياناس، استغفر الله العظيم يارب، ده كفاية تناحته وغباء و دمه اللي يلطش .
– غبي وتنح ودمه يلطش، فاضل ايه تاني يابت عشان تطلعي القطط الفاطسة فيه، ما انتِ مالكليش في الزين ، ينفع معاكي بس الواعر اللي بيدي بالمركوب.
وصل صوت يمنى من داخل الغرفة:
– ماشي ياما انا ينفعني اللي بيدي بالمركوب، لكن برضوا مش قابلة واد امه ده.
صرخت نجية بعدم سيطرة وهي تتحرك لتلحقها نحو غرفتها .
– برضوا البت بتقولي واد امه، طب والنعمة يايمنى ما انا سيباكي النهاردة واما اشوف اَخرك ايه النهاردة
……………………..
وبداخل الغرفة التي اصبحت موطنه ومأمنه ، يشعر وكأنها الاَن أصبحت سجنه الجديد، فقد كان واقفًا بجوار الباب، مستندًا بظهره على الحائط، وكأن حجرًا ثقيلًا جثم على صدره، منع عنه التنفس وسحب من روحه الحياة، بعد أن استمع جيدًا لشجار يمنى مع والدتها وعرف بوجود رجلِ اَخر يريد الزواج منها، يليق بها وتليق به ، رجل له مستقبل وحياة كريمة؛ ليس خريج سجون مجرمًا كما او قاتل ليس له مستقبل ولا حتى عائلة تقف معه وتسنده ضاق صدره مع هذا الشعور بالعجز وقلة الحيلة، روحه معلقة بها، هو لا يعقشها بل هو يتنفس الحياة بوجودها، هو الميت الذي تنبعث فيه الروح بمجرد ان تطل عليه وتتكحل عيناه برؤيتها، مع هذا الألم الحارق والمميت لم يعلم كم مر عليه من الوقت وهو على وضعه هذا، متناسي اَلام جسده، وما يفتك برأسه من وجعٍ مميت، حتى فتح باب الغرفة عنوة، ودلف هذا الصغير المشاكس كعادته دون استئذان
– صباح االخير يا…..
لم يكمل جملته حينما لم يجد صالح امامه عالعادة على الفراش، تجولت عيناه نحو اركان الغرف بحثًا عنه، وكانت المفاجأة حينما وجده خلفه تمامًا، شهق مفزوعاً يرتد بأقدامه للخلف متمتمًا بغيظ:
– بسم الله الرحمن الرحيم، يخربيتك باشيخ
دون ارادته خرجت ضحكات صالح التي لم يستطع السيطرة عليها من كلمات هذا الصغير وتعبيرات وجهه اللطيفة بحق، اقترب ليدنو حتى جثى على ركبتيه ، ليقبله بوجنتيه وهو يخاطبه بابتسامة حانية :
– ايه ياحبيبي انت اتخضيت؟ انا اسف ياسيدي.
نهره محمد بنفي سريع مصاحبًا لغضبه الطفولي :
– ايه اللي اتخضيت دي كمان ؟ انا راجل يعني ماحدش يخضني ولا يخوفني، فاهم :
اومأ له صالح يسايره وهو يقبله مرة ثانية:
– طبعًا ياباشا دا انت راجل وسيد الرجالة كمان .
– ايوة كدة صلح كلامك .
اردف بها الصغير ، فرك صالح بأطراف اصابعه على جبهته بتوتر ، قبل ان يسأله بتردد :
– ااا هي الحاجة الكبيرة ، صوتها كان عالي ليه يامحمد ؟ وبتتخانق مع مين ؟
اجاب محمد وهو يتركه ليعتلي بأقدامه حتى استطاع الوصول الى التخت والجلوس على طرف الفراش، تتدلى اقدامه الصغيرة منه :.
– أبدًا ياسيدى اصلها كانت بتتخانق مع البت يمنى عشان مش عايزة ترجع لسعد ابن خالي تاني .
نهض صالح من جلسته على ركبتيه بصعوبة، يستندًا بكفيه على الحائط، غمغم محمد بصوته المحبب:
– تحب اجي اساعدك مدام مش قادر توقف.
تبسم له صالح وهو يستقيم واقفًا:
تمتم بها صالح مبتسمًا وهو يستقيم واقفًا ، ثم اقترب حتى جلس بجوار محمد على طرف الفراش، وساله بحرج:
– هي يمنى كانت مخطوبة قبل،كدة يامحمد ؟
لوح له محمد بكفه الصغيرة مجيبًا:
– ايوة ياسيدي، امال انا بقولك ايه من الصبح ، كانت مخطوبة لسعد واد خالي ، موظف بشركة المية وعايش مع امه وابوه في شقة واسعة في عمارتهم هناك في البندر.
سأله صالح بغصة في قلبه :
– طب هما سابوا بعض ليه؟ ماتعرفش ايه سبب فسخ الخطوبة مابينهم ؟
– يمنى كرهته.
هتف بها محمد واردف يتابع :
– انا بسمعها تقول كدة على طول لامي ، اصله واد طري كدة في نفسه وكل كلمة يوصلها لامه ، بس انا أمي مش هاتسيبها ، هاتفضل تزن عليها لحد ماتخليها تتجوزا بالعافية، دي امي وانا عارفها.
اطرق صالح برأسه ينظر نحو الارض قليلًا بحزن قبل ان يرفع انظاره نحو محمد يسأله :
– يعني انت متأكد انها هتوافق في الاَخر عليه يامحمد ؟
هتف محمد :
ياعم وانا هاتأكد منين انت كمان؟ انا بس بقولك امي زنانة. ياللا انا قايم افتح المية على حوض الجرجير اللي في الجنينة.
اومأ صالح برأسه يستنكر غباءه في الالحاح على الطفل الصغير في أمرِ كهذا مفروغ منه، فإن لم تتزوج يمنى من ابن خالها ، سوف تجد غيره كثير ممن يصلح للزواج بها ، والأكيد انه ليس هو واحد منهم بمستقبله المظلم، فالأولى به ان يفكر في مايتنظره من هموم ومصائب ، وترك احلام اليقظة لغيره، مممن مازلت لديهم الفرصة والأمل في الحياة.
نهض محمد من فوق التخت ليخرج ، اوقفه صالح قبل ان يفتح الباب ويغادر :
– محمد ، هو ابوك لسة مارجعش من مشواره .
هز رأسه بنفي محمد قائلًا :
– ابويا اتصل من شوية وقال انه راجع العشية
اخد صالح شهيق طويل واخرجه ثانية يردف له لمحمد :
– طب ماتنساش تبلغه لما يوصل اني عايزه ضروري ، حتى عشان اللحق اسلم عليه قبل ما امشي .
تمتم الاخيرة بصوت خفيض يذكر نفسه .
……………………
وفؤ الناحية الأخرى من البيت ، وشجار نجية مع ابنتها بداخل غرفة الثانية مازال على حاله، نجية بإصرار وغضب لرفض ابن اخيها ، ويمنى بتصميم على رأيها متحملة مايصدر من والدتها من ذم وكلمات في حقها موجعة ، تتلقاها بثبات وتحلي بالصبر في انتظار انتهاء والدتها ، وعلى اطار باب الغرفة تقف الفتاتين للمشاهدة صامتتين فلا تجرؤ واحدة منهم على التفوه ولا التدخل بكلمة، فتنال ما تستحقه من توبيخ والدتها، سمر و ندى التي كان يصدح هاتفها بطنين واهتزاز لوورد المكالمات الهاتفية التي ظلت تتجاهلها حتى ملت واذعنت مضطرة للإجابة وترك المشاهدة، دلفت لدخل غرفتها تغلق الباب ، فجاءها الصوت المتلهف سريعًا فورًا :
– اَخيرًا رديتي ياندى، دا انا كنت هاتجنن واسمع صوتك، هونت عليكي ؟
صمتت قليلًا تستوعب كلماته قبل أن تجيبه:
– هونت عليا في ايه بالظبط؟ هو انا عملت حاجة؟
– عملتي ياندى ، لما تسيبني وتجري بخوف مني وانتِ عارفة ان نيتي سليمة معاكي ، لما اقعد اتصل بيكي فوق المية مرة والخوف ينهش في قلبي عشان اطمن عليكي، وانتِ برضوا ماتعبرنيش حتى برسالة .
وصلها صوت انفاسه الحادة وهو يردف بكلماته عبر الاثير،مما جعل توترها يزداد اكثر وقالت :
– انت كنت بترن وانا في الحصة يعني ماينفعش ارد عليك، ولما جيت هنا مكنتش فاضية عشان اكلمك في مكاني لوحدي .
– كدة ياندى طب انا مسامحك بس والنبي ماتعمليها تاني ، عشان مايجراليش حاجة وتبقي،انتِ السبب ،
سالته بتشتت
– ليه يعني دا كله؟ عشان بس مارديتش عليك ؟
– ايوة ياندى واكتر كمان، دا انا بقيت مابنمش ولا بصحى غير وصورتك بس هي اللي في خيالي ، دا انا كنت بقعد بالساعات عشان بس اشوفك معدية في الشارع او المح طيفك في شباك الفصل بتاعكم وانت بتتضحكي وتهزري مع البنات زميلاتك ، دا كله قبل ما اكلمك ، شوفي بقى بعد ما كلمتك وعرفت انك كمان ميلالي لما خدت موافقتك على الجواز، دا انا هاتجنن ياندى ، هاتجنن وانا كل يوم بحلم باليوم اللي هايجمعني بيكي في بيت واحد وفي أؤضة واحدة….
صمتت وصوت انفاسه ازدادت حده أجفلها سائلًا :
– هو انت لسة مكلمتيش اهلك على موضوعنا ؟
تلعثمت تجيبه بارتباك :
– لااا لسة .
– لسة ازاي ياندى ؟ مش تكلميهم وتقنيعهم عشان يبقى ارتباطنا رسمي
انتفضت مفزوعة من صيحته وابتعلت ريقها قبل ان تجيبه بدهشة من افعاله :
– محدش فاضيلي عشان اقعد معاه ولا اتكلم ، ابويا من الصبح ماشتوفتوش وامي بتتخانق مع اختي اللي رافضة ابن خالي يرجعلها ، ثم انت بتزعقلي ليه ؟
صمتت قليلًا وصوت انفاسه خفت حدتها بالتدريح حتى قال ببعض اللين :
– معلش ياندى لو كنت بتعصب عليكي ، بس انتِ عارفة انا مستعجل على ارتباطي بيكي ازاي ؟
ضغطت على اسنانها تكبح غضبها على هذا الرجل فقالت بعجالة لتنهي المكاملة :
– انا هقفل دلوقتي عشان امي جاية عليا .
– طب استني دقيقة ياندى قبل ماتقفل……..
ضغطت بأصبعها على سطح الهاتف بقوة حتى تنهي استماعها اليه، تتنفس براحة وعمق ليدخل الهواء جيدًا لداخل صدرها؛ بعد القلق الذي انتابها اثناء المكالمة منه وهي لا تعلم ماذا تفعل الاَن ؟
…
الفصل الخامس عشر
وبداخل غرفته كان صالح يقطع الغرفة ذهابًا وايابًا رغم دوار رأسه والألم الشديد الذي يجعله الرؤية تتشوش أمامه احيانًا، ولكنه مصر على السير بإرادة وعزم شديد، مستندًا على حوائط الغرفة ، انتبه على طرقة خفيفة قبل ان يدفع سالم الباب ملقيًا السلام نحوه :
– مساء الخير، وه دا انت ماشاء الله عليك بقيت تمشي على رجليك كمان
تبسم صالح له بشحوب يرد:
– مساء الخيرات ياعم سالم ، حمد لله على السلامة.
– الله يسلمك ، بس على ايه ؟
سأل سالم فجابه صالح :
– حمد لله على السلامة من مشوارك ، انا بلغني انك طلعت الصبح بدري النهاردة من غير ما تقول لحد على وجهتك.
– اه دا صح، طب انت لو عايز تتمشى تقعد تعالي معايا تتمشى برة في البراح بدى الأؤضة الضيقة دي ، حتى عشان تاخد نفسك.
قطب صالح مندهشًا من عرضه الغريب ، فقال :
– لا تشكر الف شكر ، زينة الأوضة والحمد لله ، اهي نفعاني في المشي ورضا كمان.
تقدم سالم اليه يخلع عن رقبته العباءة السوداء ليضعهة على طرفي الكرسي، ثم ليتناول ذراع صالح يمسكها بحرص قائلًا :
– تعالى تعالى انا هاساعدك تستند عليا .
تسمر صالح مكانه ومال برأسه ينظر الى الرجل وحماسه الغريب فخرجت كلماته بتوجس:
– هو في ايه بالظبط ياعم سالم ؟ انت مش واخد بالك ان بطلوعي من الأوضة هابقى كشفت بيتك ، دا غير ان في حرمة حريم ، ولا نسبت ياعم سالم ؟
تبسم سالم بعرض وجهه حتى ظهرت اسنانه يرد :
– لا ياسيدي مانسيتش، بس ان كان على حرمة الحريم فمتعولش همها انا عامل حسابها وان كان على كشف بيتي ، فانا بيتي انكشفلك من زمان ولا انت نسيت الشباك اللي بيطل على الجنينة والزريبة الكبيرة اللي ورا ، تعالى ياراجل وعلى مسؤليتي، مش انا كبير البيت حد شريكي.
استسلم صالح لجذبه من سالم رغم تعجبه الشديد من حال الرجل وكلماته الغريبة ، حينما خرج كان مطرقًا برأسه مخفضًا عيناه نحو الأرض بحياء، سالم الذي كان يخطوا ببطء ليُساير خطوات صالح الضعيفة وهو منتبه على فعل صالح وحياءه، هتف فجأة عليه حينما قطعوا الاثنان الطرقة المؤدية الى غرفة الجلوس:
– خلاص بقى ارفع راسك احنا داخلين الأؤضة وفي عتبة لازم تتخطاها.
– عتبة ايه ياعم سالم ؟ هو انت واخدني لفين بالظبط ، احنا هانتمشى وخلاص، هاتدخلني اؤضة الجلوس ليه بس؟
سأله بعدم فهم وقد اطاحت الحيرة بعقله ليجد، تبسم سالم اليه يومئ له برأسه نحو داخل الغرفة التي وجد نفسه صالح واقف امام مدخلها، وحينما وقعت عيناه بداخلها، صعق مذهولًا لدقائق قبل ان يتمالك نفسه قائلًا بعدم تصديق لرؤية الرجل الذي نهض يتقدم نحوه بفرحة غامرة :
– عمي فضل
………………….
– هو مين اللي عندنا جوا في اؤصة الضيوف؟
تفوهت بها يمنى التي عادت من عملها في الوحدة لحالة طارئة اضطرتها للتأخر في العودة للمنزل ومصاحبة الطبيب حتى انتهى من الحالة، جاوبتها سمر وكتابها الذي تستذكر منه في يدها :
– معرفش والله ، اصل ابوكي كان جايبوا معاه من مشواره ، دا حتى دخل عليه الراجل اللي اسمه صالح .
قطبت يمنى قائلة بدهشة:
– دخل عليه صالح ؟ ازاي يعني ؟
جاوبتها سمر وهي تهز كتفيها بعدم معرفة :
– زي مابقولك كدة ، اصله اول ماجاه بالراجل دخل بيه على اؤضة الضيوف وامر امي بتحضير عشا و انا واختك ندى قالنا نوسع سكة وندخل على اؤضنا ، وبعدها من غير سكات ، لقيناه ساحب صالح وداخل بيه على الاؤضة اللي فيها الضيف .
– يبقى اكيد الراجل يعرف صالح .
تمتمت بها يمنى رغم تعجبها ثم اللتفتت تسأل سمر :
– طب هي ندى فين ؟ يعني ماشيفهاش معاكي يعني ؟
اجابت سمر :
– ابدًا ياستي ، اصلها حاولت تذاكر ولا تعمل اي حاجة من التطبيقات اللي بتاخدها في المدرسة ، بس معرفتش تركز ، فقامت فجأة كدة وربنا هداها تساعد امك في المطبخ .
– ندى دخلت المطبخ .
تفوهت بها يمنى بعدم استيعاب ، لا تصدق ماسمعته من سمر.
…………………
وكأن برؤيته قد استعاد حقه المهدور ، وكأن برؤيته قد عاد مرة اخرى صالح القديم الذي لا يحمل للدنيا همًا ولا يعي بمشاكل او مصائب قد يعاني منها اَخرون ، من وقت أن عانقه بقوة وهو مازال على حالته من التشت وعدم التركيز ينظر الى الرجل العجوز والى سالم بقلب يرتجف من فرط مايشعر به، انه وجد اخيرًا من بحث عن حقيقته ووجدها عند من يصدقه القول :
– ماببتكلمش ليه ياصالح معانا وترد علينا؟
سال سالم فاجاب صالح :
– ووانتوا كنتوا بتقولوا ايه معلش مكنتش واخد بالي ؟
ربت الرجل العجوز على ركبته :
– خير ياولدي ، كل خير، هو انت سيرتك فيها غير كل خير .
اومأ له صالح بابتسامة فقال سالم :
– الراجل من ساعة ماقابلته وشوفته الصبح وهو مش مبطل شكر فيك، وفي ادبك واخلاقك
رد صالح بامتنان وعيناه نحو الرجل:.
– انت هاتقولي عليه وعلى جدعنته وأصله الطيب، دا الوحيد اللي وقف معايا وقت الكل مااتخلوا عني وصدقوا عليا الباطل، الوحيد اللي عمري ماهنسى وقفته معايا جمب القفص في المحكمة بعد امي ماقلبها وقف مع اول جلسة ، ومهموش انه يتطرد من وظيفته في القصر.
– وكان نفسي اشهد بالحق والله ، بس انت اللي مانعتني.
هتف بها الرجل بكل حماس ، اوما له صالح قائلًا ؛
– عارف ياعم فضل ومتأكد من كلامك ، بس اعمل ايه بقى مكنش ينفع ، اختي كانت تتفضح وسيرتها تبقى على كل لسان والأكيد انها كانت هاتكدبني قدام الناس من الخوف، دي كانت غلطتي ودفعت تمنه غالي ، لما سيبتها لشعبان يستفرض بيها ويستغل ضعفها و شخصيتها المهزوزة دايمًا .
– الله يفكرها بالخير ياولدي ، انا سمعت انها طلعت من المستشفى
و رجعت للقصر من تاني
هتف صالح بعدم تصديق :
– اختي انا رجعت للقصر من تاني؟ طب ليه ؟ هي خفت ياعم فضل.
رد الرجل بأسف:
– حسب ماسمعت ياولدي، هي لساها على حالتها .
ردد خلفه سائلًا :
– ولما لساها على حالتها طلعوها من المصحة ليه ؟
هز برأسه بعدم فهم قائلاً باقتضاب:
– معرفش .
– متعرفش !
رددها خلفه بدهشة واستنكار ، خاطبه سالم قائلًا :
– يمكن عايزين يعالجوها في بيتهم ياولدي .
صالح وقد عاد اليه القلق مرة اخرى لينهش بقلبه ويكدر عيشه :
– وانا إيش ضمني انهم بيعالجوها صح ، مش يمكن عثمان بينتقم في اللي حصل لابوه في اختي .
– هدي اعصابك شوية ياولدي ماتخليش مخك ياوديك في حتت بعيدة
قال سالم بتهوين وأكمل العم فضل،على كلماته :
– عمك سالم عنده حق، وعلى العموم انا ممكن اروح واطقسلك من الجماعة اللي كنت شغال معاهم هناك واعرف ايه اللي حاصل مع البنية وان شاء الله اطمنك .
– ان شاء الله خير
رددها خلفه سالم ليطمئنه ثم تابع نحو الرجل :
– نورت البيت والبلد كلها ياعم فضل .
– دا نورك ياراجل طيب يابن الأصول ، ربنا يخليك ويباركلك في عيالك .
قال فضل ردًا على كلمات سالم ، اكمل صالح على قوله :
– والله ياعم فضل انا لو قعدت العمر كله اسدد في جميل العم سالم ، عمري ما هاوفي نص دينه حتى .
ردد سالم :
– اعوذ بالله ماتقولش كدة ياولدي، الفضل كله لربنا .
رد فضل مشددًا على كلماته :
– طبعاُا لربنا ، بس من بعد ربنا يبقى ليك ، عشان راعيته وعالجته في بيتك ، وانت قلبك مش مطمن له ولا عارف اللي وراه ايه؟ دي حاجة مايعملهاش غير واحد شجاع .
– مش هو وحده الشجاع ، اهل بيته كلهم شجعان وجدعان زيه .
قالها صالح بصدق .
…………………
وبداخل المطبخ
كانت نجية تعمل على الموقد في تسوبة الطعام بكل نشاط وسرعة لانجاز الأكل في مدة قصير ، بعد أن اجفلها زوجها بهذه الزيارة الغريبة للرجل الغريب وفي هذا الوقت من الليل ، هتفت على ابنتها دون ان تنظر اليها :
– خلصتي تخريط في البصل بابت ؟
ردت ندى والدموع الحارقة بفضل البصل اغرقت وجهها :
– لسة والله ياما ، البصل بتاعكم حامي قوي
استدارت اليها نجية قائلة بحنق حينما رأت القدر القليل الذي انجزته ابنتها :
– هما دول بس اللي ربنا قدرك عليهم ، قومي ياخايبة قومي، خليني اكملهم انا بلاخيابة .
اردفت نجية وهي تجلس مكان ابنتها بعد ان دفعتها لتقف وتقوم هي بالمهمة الصعبة، دنت ندى بوجهها تحت الصنبور لتغسل بالمياه وترطب عيناها ، رددت والدتها بسخرية:
– كل ده عشان بصلة واحدة قطعتيها امال لو كانوا اتنين بس ولا خرطتي الصنية كلها كنا وادناكي الاسعاف على كدة بقى .
– انتي بتقولي فيها ياما ، دا انا عيني لساها حرقاني والنعمة ، حكم انا عيني حساسة وانتوا بصلكم حامي .
ردت نجية مبتسمة :
– مش موضع حساسة ولا بصلنا هو اللي حامي ، الموضوع هو ان عينك لساها ماتكوتش .
سالتها ندى باستفسار :
– يعني ايه ماتكوتش ياما؟
قالت نجية بملل:
– يخرب عقلك ياشيخة، هو انت جاية من البندر يابت عشان متعرفيش؟ متكوتش يعني مرة في مرة عينك هتاخد على ريحة البصل ، لما تستمري في التقطيع وعنيكي تاخد عالريحة الحامية .
شهقت ندى:
– ايه ؟عايزاني اقطع تاني كمان؟ لا ياخيا انا هجيبلي كبة تخرط بالكهربا ، بلا وجع قلب.
مصممصت نجية بفمها مسنتكرة :
– وجع قلب! والنبي لو عملتي ايه؟ وبرضوا وراكي وراكي التخريط بالسكين، جلع بنتة ماسخ .
ضحكت ندى قائلة
– برضك انا جلعي ماسخ يا نجية ؟ الله يسامحك .
دلفت اليهم يمنى قائلة بمزاح تشاكس والدتها :
– مساء الخير عليكم ياجماعة ، ها ، عايزني اساعد معاكم ولا انتوا خلصتوا ؟
مصمصت نجية دون رد وندى ردت بمزاح هي الأخرى:
– والله مش عايزين نتعبك يادكتورة يمنى ، بس لو انتِ عايزة خلاص بقى هاتتبرعي من نفسك وتدخلي تساعدي دا يبقى كرم منك .
– كرم منها !
شهقت بها نجية رافعة شفتها بغيظ وتابعت :
– تصدقي يابت انا الغلطانة اللي دخلتك معايا المطبخ ، ياخايبة انتِ، ياللي معرفاش تقطعي بصلة صغيرة
فغرت فاهها ندى قائلة بتصنع الحرج:
– اخص عليكي يانجية ، كدة برضوا تكسفيني قدامها .
– يعني على اساس اني مش عارفة لوحدي ، اتقلبي يابت بعدي خليني اشرف واشوفكم عاملين ايه
قالت يمنى وهي تدفع شقيقتها لترفع الغطاء من الاَوني التي على الموقد وترى مابداخلها، هتفت باستمتاع :
– الله ياندى ، ريحة الأكل وطعمه حلو قوي، انتِ اللي عملاه صح ؟
غمغمت نجية بلفظٍ نابي اضحك الفتيات بصوتٍ عالي قبل ان تجذب يمنى من ذراعها:
– طب اترزعي بقى ساعدي يابت الفرطوس ، مدام جايا وليكي نفس تهزري
……………………..
– انت متأكد من كلام ده .
هتف بها عثمان نحو الرجل الذي يعمل معه ورد الرجل :
– زي ما بقولك كدة ياباشا، قعد مع الراجل الغريب اليوم كله ، روح بيه على بيته وبعدها مشيوا من بلدنا خالص .
سأله عثمان :
– طب ماتعرفش راح بيه على فين ؟
اجاب الرحل :
– راحوا على نفس البلد اللي احنا بقالنا كام يوم بنلف فيها كعب داير ندور عليه !
– طب وعلى كدة بقى عرفتوا البيت .
قال الرجل بنظرة منخفضة تحمل الأعتذار :
– للأسف ياباشا الوقت كان ليل والراجل اللي كان بيراقب ، تاه منهم في الموقف العمومي للعربيات .
ردد رافعًا حاحبه بشر .
– بقى فضل مراقب اليوم كله وعلى اخر لحظة يتوهوا منه في الموقف ؟
– بيقول ان العربيات كانت شبه بعض واتلخبط بينهم في اللون .
جز عثمان على فكه من الغيظ نحو الرجل الواقف امامه مطرق رأسه ينظر نحو الأرض، ثم قال بنبرة امرة :
– طب اسمع اما اقولك ، عايز الراجل بتاعك يفضل متابع فضل عطول بعد مايوصل على بيته هنا ، وتوقف رجلين على اول البلد اللي بتقول عليها ، عشان لو في حاجة من اللي في بالنا يبقى اكيد هاتظهر الايام اللي جاية .
………………………….
بعد ان تناولوهم لوجبة العشاء مع الضيف الجديد ، اصر سالم على عدم ذهاب الرجل دون ان يرتشف معهم الشاي و يتناول من الفاكهة التي اقتفها محمد من شجرة الجميز التي تطرح حديثًا، تزوق فضل لقطعة منها يتلذذ بصوت عالي نحو محمد :
– الله على الطعم الحلو ، جميزتك بتطرح حلو قوي يامحمد .
ردد محمد بفخر :
– ايوة امال ايه ؟ عشان انا مراعيها زين وبسقيها دايمًا عشان تفضل حلوة ومورورة وتطرح فاكهة طازة .
ربت فضل على رأس الصغير متمتًا بآعجاب :
– ماشاء الله عليك، ربنا يحفظك ويبارك فيك .
امم سالم خلفه بالدعاء ثم قال :
– عارف ياعم فضل ، اهو محمد ده كنت بحلم بخلفته من وانا لسة شاب صغير ، اتجوزت واول ماالمرة ما حبلت قولت اهو جايني الواد اللي هايساعدني ويرفع راسي ، وطلعت اسم النبي حارسها يمنى ، حمدت ربنا وحطيت عشمي في الخلفة التانية ، وطلعت ندى وبرضوا حمدت ربنا رغم ان كان نفسي تطلع واد ، وحبلت المرة في العيل التالت وبرضوا اتعشمت وربنا اراد تطلع بنية وسميتها سمر ، بس بعدها بقى استكفيت وقولت للمرة وقفي على كدة وربنا يقدرني على تعليمهم ، رغم ان كنت هاموت برضوا عالواد ، بس انا اعتبرته امتحان من ربنا ومارديتش اسلم نفسي للفكر واتعب الولية في الخلفة ، لما يحصلش وادخل في الدوامة العفشة دي، حكم انا شوفت ناس كتير كدة ، الواحد يهلك مرته في الخلفة او يتجوز واحدة واتنين وتلاته ومافيش حاجة بتم غير اللي ربنا بيه رايد ، طب وعلى ايه؟ انا خليتها على ربنا ، وحمد لله ماخذلنيش ، وكرمني بمحمد بعد خلفة اخر بت ب٧ سنين ، من غير تخطيط ولا وجع قلب.
قال فضل :
– عشان صبرت واحتسبت من غير ماتعترض على حكمه رضاك وريح قلبك .
رد على كلماته سالم :
– الحمد لله فضل ونعمة ، ربنا يحفظلي التلاتة دول ضي عيني والله.
انتبه الثلاثة فجاة على صمت صالح بجواره فسأله سالم :
– صح انت ساكت ليه ياصالح ياولدي واكنك مش قاعد معانا في القعدة اساسًا .
التفت صالح نحوهم ثم انتبه نحو فضل يسأله :
– مين في القصر يقدر يساعدني يرضى يساعدنا في دخوله من جوا ؟
ساله فضل بانتباه :
– وانت عايز تدخل القصر ليه ؟
اجابه صالح وعيناه تنظر في الفراغ امامه :
– عايز ادخل جواه عشان اشوف اختي ياعم سالم .
….
الفصل السادس عشر
“”- مش هاشهد ياشعبان ولا اطلع من اؤضتي ولو فيها موتي .
هتفت بها بتحدي غير مبالية بغضب زوجها والعواقب ، اقترب منها يتحدث بنبرة هادئة عكس النيران المشتعلة بداخله .
– لا هاتشهدي ومش غصب عنك يا ياغالية، لا دا هايبقى بخطرك كمان .
صاحت بغير سيطرة على غضبها :
– وايه اللي هايخليه بخطري ، لما اشهد زور واقول ان بني ادم مظلوم ، دخل عليا اؤضتي عشان يتعدى عليا ، وهو مشفنيش في الاوضة اصلًا .
هتف بقوة :.
مصلخة جوزك هي اللي تجبرك يا ثريا ، ماهو لو ماشهدتيش قدام العيلة بكل الكلام ده، يبقى مستقلبي انا ومستقبل عيالك قولي عليه قولي عليه يارحمن يارحيم ، دا اذا فضل فيا روح اصلًا .
اقتربت منه تسأله بريبة :
– ليه دا كاه بقى انا عايزة افهم؟ خناقة عادية بينك وبين ابن بت عمتك ، اللي اكتشفت اخيرًا انه بيسرقك بعد العمر دا كله على حسب كلامك، يبقى يضيع مستقبلك ليه؟ مش هو اللي غلطان .
رد بتشدق :
– ايوة طبعًا هو اللي غلطان وحرامي كمان ، انا معرفتش بمصايبه غير لما فتشت وراه من اسبوعين ، وفضلت ساكت مستنيه يرجع مو التجنيد ، قوم لما يرجع الواطي يمسك في رقبتي ، دا بدل مايصون الجميل ان انا ربناه هو واخته في بيتنا .
زفرت ثريا متكتفة تشيح بوجهها عنه :
– برضوا انا مش مسؤلة عن دا كله ، انت عايز تلبسه تهمة السرقة، ايه لزوم تتبلى عليه وتجيبني انا في تهمة باطلة زي دي ؟
– لزوموا اني عايز احمي نفسي،واحمي عيالي منه ، دا واد مجنون وهدنني انه هايخلص مني عشان لو فضحت سرقته ، انا بقى هخلي فضيحته كبيرة عشان يتعلم .
– منطق غريب ومش داخل دماغي ، وبرضوا مش هاشهد زور ياشعبان.
قالت ثريا بقوة قابلها هو بغيظ بالبداية قبل ان يتماسك ويقف قبالها قائلًا بفحيح :
– براحتك خالص ياثريا ، ماتشهديش ، بس بقى ياغالية ماتزعليش لما اقول قدام العيلة كلها اني اكتشفت ان صالح مكانش بيتعدى على مرتي ، لا دا كان باتفاق مابينهم وانا معرفتش غير دلوقت .
انتفضت مذعورة تردد :
– انت بتقول ايه ياشعبان ؟ عايز تلبس مرتك ام عيالك تهمة الخيانه زور ، طب اعمل حساب عيالك حتى ولا صورتك قدام الناس .
ابتسم بزاوية فمه قائلًا لها :
– لا ملتقلقيش على عيالي ، انا هعرف اربيهم كويس واخد بالي منهم من غيرك ، ولو حكمت اسفرهم برا وارجعهم خواجات هاعملها ، وان كنتِ شايلة هم صورتي قدام الناس ، فاحب اطمنك ان صورتي دي هاتبقى زينه قوي لما اخلص منكم انتوا الاتتنين قدام العيلة كلها ، عشان الكل هايسترجلني ساعتها عشان بنتفم لشرفي ومش هاخد فيكم يوم واحد حتى .
قالت بدفاعية :
– محدش هايصدقك ياشعبان ، الناس كلها عارفة بأدبي واصلي الزين انا مش جاهلة عشان تضحك عليا ياشعبان .
أردف بابتسامته الكريهة لها :
– لا هايصدقوني ياقلب شعبان خصوصًا لما اجيبلهم بفلوسي بدل الشهود اربعة ودي هاتبقى حاجة ساهلة خالص عندي لو تعرفي يعني واهو بدل المناهضة ووجع القلب معاكي .
قالت بقهر :
– طول عمرى عارفة ان ليك وش تاني ياشعبان ، غير الوش التاني اللي انت مصدره دايمًا ، لكن في حياتي ماتصورت انه يبقى بالبشاعة دي .
قال بتبجح :
– اديكي عرفتي وشوفتيه اخيرًا ، رأيك ايه بقى
– رأيي ان صالح برئ من كل التهم وانت بتلفقله التهمة دي عشان تحمي نفسك من مصيبة كبيرة مابينكم ، اكيد هايجي يوم وهاعرفها فيه .
اومأ لها بتأكيد :
– تمام ياحلوة مدام عرفتي بقى كل ده لوحديكي ، يبقى قرري ياثريا دلوقت حالًا ، هاتشهدي معايا وتنجي جوزك ونفسك ، لا تشهدي ضدي وساعتها هاقلب الطرابيزة فوق راسك ، وهاتلبسي تهمة الخيانة وساعتها هاخلص منك يا تطردي شر طردة من البلد كلها مع عيلتك وساعتها مش هاتشمي ريحة عيالك العمر كله لحد اما تنقلبي في قبرك، دا غير سمعتك اللي هاتبقى في الطين .
– قادر وتعملها ياشعبان ، اللي يتكلم بالبجاحة دي ويلبس برئ تهمة كبيرة زي دي ، مش بعيد عليه يعمل اي حاجة.
انشق صغره بابتسامة لم تصل لعيناه قائلًا بتأكيد :
– انا قولتلك من الاول ياثريا وانت ماصدقتيش ،في الموضوع ده ياقاتل يامقتول ، وانت يابت الناس يا تشهدي تبقى معايا في صفي ، ياتبقى∆عدوتي واتحملي بقى ساعتها العواقب “”.
عادت ثريا من شرودها وهي تمسح بابهامها هذه الدموع التي علقت على وجنتيها بتذكرها لأسوء ذكرياتها، حينما خالفت ضميرها وصمتت خرساء عن قول الحق مستسلمة لتهديد زوجها الشيطان، واشتراكها في جري..مة دمرت ثلاث افراد كانوا من أعز الناس الى قلبها.
– امي انتِ صاحية .
اتت من خلف الباب الموصد قبل ان يطرق ابنها عليه بخفة :
– امي .
– ادخل ياعثمان انا صاحية لسة .
فور ان تفوهت بها دفع عثمان باب الغرفة بيده ليدلف داخلها مرددًا التحية نحوها :
– مساء الخير يا أمي .
– مساء الفل ياحبيبي ، تعالى ها اقعد هنا جمبي ، انا اساسًا مش قادرة انام .
قالت وهي تشير له على طرف التخت الجالسة عليه هي بجذعها .
سالها وهو يجلس بجوارها :
– انتِ كنتِ بتقري ولا ايه؟
التفت على الكتاب الذي بيدها بانتباه لتضعه على الكمود بجوارها ترد عليه :
– والنبي يابني مافهمت منه كلمة ، اصل بصراحة بقى سرحت كدة في الماضي وانت عارف بقى، انه تركيز دا اللي هايفضل ما ذكريات الماضي.
تأثر عثمان بالمرار الذي يصدر من كلمات والدته فربت على كفها يدها بحنان قائلًا :
– معلش ياامي، انا عارف ان الحمل تقيل عليكي، بس انت ماكنش ليكي ذنب.
ردت بحرقة :
– ماتضحكش عليا ولا على نفسك ياعثمان ، انا ذنبي كبير ولو عشت عمري كله اكفر عنه، برضوا مش هاعرف، الظلم صعب قوي يابني، وانا شاركت فيه بضعفي وقلة حيلتي.
اومأ برأسه اليه قبل ان يغير مجرى حديثه :
– صحيح ياامي انا الرجالة النهاردة قاولي على حاجة كدة يعني حاسس ان ممكن يجي من وراها خبر يهمنا .
– هي ايه الحاجة دي؟
سالته باستفسار ، أجايها عثمان :
– بيقولوا ياستي ان النهاردة دخل البلد واحد غريب عنها، وكان بيلف في البلد ويسأل عن فضل .
– فضل !
قالت بتساؤل فأكد لها هو بقوله:
– ايوه فضل ياامي اللي انتِ قولتي عليه بنفسك ، مؤكد هاتيجي معلومة من ناحيته.
سألته بلهفة :.
– طب وايه ؟ عرفت تجيب المعلومة ؟
اومأ لها بكفه:
– استني بس ياماما وانا جايلك في الكلام ،الراجل الغريب دا لما وصل لفضل قعد معاه في الغيط بتاعه يجي ساعتين كدة وبعدها اخده فضل على بيته مقعدوش اكتر من نص ساعة ومشي يروح معاه على بلد الراجل نفسها .
– بلد الراجل وبنفس اليوم .
قالتها ثريا بانتباه ادهش ولده الذي قال لها :
– برافوا عليكي ياست الكل يعجبني ذكائك ، طب لو عرفتي ان البلد دي هي نفس البلد اللي الرجالة طاردوا صالح فيها ، قبل ما يتوه منهم وبعدها يختفي خالص جواها .
هتفت ثريا:
– بجد ، يعني رجالتك عرفوا مكانه ياعثمان ؟
اطرق رأسه قائلًا بإحباط :
– اا للأسف لأ.
– لأ ليه يابني ؟
تسائلت ثريا بنفاذ صبر ، اجابها عثمان :
– اصلهم اتلخبطوا ياستي في العربيات اللي شبه بعض في موقف البلد دي ، وتاهوا منهم .
صمتت ثريا وقد ارتسم الحزن على ملامحها ، خاطبها ابنها بحنان :
– ماتزعليش ياست الكل ، اكيد هانعرف نجيبوا، مدام قدرنا نوصل لخيط ، يبقى أكيد هانوصل، بس انت شاطرة قوي ، عرفتي منين ان فضل ممكن يجي من وراه فايدة؟
ابتسمت والدته قائلة بمرارة :
– عشان فضل الوحيد اللي قالي كلمة الحق في وشي من غير كسوف ولاخوف.
تذكرت ثريا كلماته القوية لها حينما خرجت من الإجتماع الذي ضم جميع الافراد المهمين في العائلة وقت أن أجبرها شعبان زوجها بالشهادة على صالح بأنه حاول الاعتداء عليها ، فتعقد لسانها عن النطق بالنفي او التأكيد، فاأستغلها شعبان كالعادة فرصة لصالحه بتأكيد التهمة على صالح، فاختنقت من القهر ودلفت للحديقة الخلفية كي تستنشق بعض الهواء النقي ، لتفاجأ بمن يهتف خلفها بقوة :
“”- هاتروحي من ربنا فين ؟
التفت اليه مزعورة تسأله :
– انت اللي بتقول كدة يافضل ؟
تقدم نحوها قائلًا بحدة :
– ايوة انا بقول ياعالم ياظلمة، بتشهدي على الولد المسكين وتلبسيه التهمة ليه ؟ كان قرب منك ولا شافك اساسًا .
تسمرت غير قادرة على الرد فتابع هو :
– انا كنت قاعد وشوفت بعيني لما دخل جوزك يجري على اؤضتك زي الفار هربان من صالح، كنت قاعد وشوفت بعيني لما جري وراه صالح ونصبتولوا الشبكة انتِ وجوزك، تقولوا بالكدب انه حاول يتعدى عليكي، بتساعديه ليه وانت عارفة ان جوزك يستاهل الحرق، بتساعديه ليه؟ وانت عارفة ان صالح معاه الحق انه يدافع عن اخته من عمايل جوزك معاها …
– اخته مين ؟
صاحت بها مقاطعة تسأله، وتابعت :
– انا معرفش اي حاجة ياعم انت من الكلام اللي بتقولوا ، انا عايزة اعرف دلوقتي ايه دخل وردة في الخناقة بين صالح و شعبان ،
مال اليها برأسه قائلًا من تحت اسنانه :
– يعني انت متعرفيش ان جوزك بيتحرش بوردة من ساعة ما اخوها دخل الجيش لحد اماعملها عقدة نفسية؟ ماتعرفيش ان سبب الخناقة هي ان صالح دخل بالصدفة على اؤضة اخته لقى جوزك النجس كان بيحاول يعتدي عليها ، لكن حتى لو ماتعرفيش ، برضك انتِ ظالمة وشايلة في الذنب زيه””
اغمضت ثريا عيناها بألم وكلمات الرجل مازالت تعود لأسمعاها من جديد وكأن ماحدث كان بالأمس .
………………………
– ايه اللي انت بتقوله دا ياصالح ؟ عاوز تودي نفسك في داهية؟
هتف بها فضل ردًا على كلمات صالح الذي تابع قائلًا :
– عايز اشوف اختي ياعم فضل ، قلبي مش هايطمن غير لما اشوفها ، دي الوحيدة اللي فاضلالي في الدنيا .
رد سالم من الناحية الأخرى :
عندك حق بصراحة انا لو مكانك مقدرش اتحمل .
– عندوا حق بس العمر مش بعزقة يا سيدي ، واحنا مش عايزينه يضيع كمان الباقي من عمره ، لو اتكشف ولا حد شافه .
قال فضل مخاطبًا سالم الذي اومأ موافقًا على رأيه ، اما صالح فهتف بحرقة :
– طب واختي اطمن عليها واشوفها ازاي بس وهي محبوسة بين اربع حيطان هناك ، انام ازاي وانا مش عارفها زينة ولا تعبانة ، احط راسي ازاي وانا الشوق هايموتني عشان اشوفها ، نفسي احضنها واعوضها عن كل اللي فات ، اختي طول عمرها ضعيفة اقل نسمة هوا بتجرحها ، اختي لو طلت في عيني وشافتني انا متأكد انها هاتفوق من اللي هي فيه، انا قلبي حاسسس بكدة والله ياجماعة .
ربت سالم على ذراعه بتهوين :
– سيب حمولك على الله وان شاء الله تتدبر ، واللي فرقكم قادر انه يردكم لبعض .
ردد فضل هو الاَخر :
– فعلًا سيب حمولك على الله ، واصبر ياصالح، انا هحاول اشوفلك طريقة تشوف بيها اختك .
– مساء الخير عليكم ياجماعة .
انتبه ثلاثتهم على صاحب الصوت الذي كان ينظر بدهشة نحو صالح والعم فضل ، تكلم سالم :
– تعالى يا يونس ، تعالى رحب بعمك فضل .
……………………
وبداخل غرفة الفتيات كانت سمر تتذكر على مكتبها حينما دلفت شقيقتها يمنى وخلفها ندى التي كانت تتتأوه بمزاح :
– ااه ياسمر ، امك طلعت عيني .
قالت وارتمت على التخت مستلقية ، جلست خلفها يمنى تضحك عليها قائلة:
– عشان مش متعودة، لو متعودة مش هاتشتكي .
قالت سمر هي الأخرى :
– دي فالحة غير في المياصة بس يابنتي ، هاتتعود امتى بقى ؟
قالت ندى :
– مش هارد عليكي ياسمر ، عشان انا واحدة مؤدبة .
ردت يمنى ضاحكة :
– كمااان ، لا دا انتِ تتحسدي بقى؟ دي اول مرة تحصل في التاريخ.
سمر هي الأخرى :
– اه والنبي ، انا هاقول لامي تبخرك ياندى .
استجابت ندى لمزاح شقيقاتها وشاركتهم بالرد حتى دوى صوت هاتفها يصدح بورود مكالمة هاتفية ، اعتدلت ندى تتناوله من فوق الكمود لترى الاسم ، فقالت سمر من الناحية الأخرى :
– شوفيلك حل في تليفونك ولا صاحبتك المجنونة دي ، دي اتصلت فوق السبعين مرة .
ابتلعت ندى ريقها بتوتر ، فهذا الرقم الذي سجلته باسم فتاة يخص الشاب الذي لم تحدد بعد ماذا تفعل معه ، تدخلت يمنى تجفلها :
– يابنتي ماتردي على البنت هاتسيبيها كدة معلقة .
رددت سمر :
– ماتروديش يا ندى وكنسلي عليها ، دي بت غتيتة صدعتني برناتها الغلسة .
ردت ندى بتردد :
– لا انا هاشوفها عايزة ايه عشان اخلص من زنها ، واقوم من جمبكم خالص كمان عشان تذاكري براحتك ياسمر .
نهضت من تختها وخرجت ذاهبة للحديقة في الخلف ، ثم فتحت على خوف :
– الوو …
وصلها الصوت المتلهف برجاء :
– اخيرًا رديتي ياندى ، لدرجادي انا خوفتك مني ؟
ردت بحرج :
– لا يعني هو مش موضوع خوفت منك ، بس انا اساسًا مكنتش فاضية عشان ارد عليك .
– ليه يا ندى كان ايه اللي شاغلك ؟
رغم تململها من سؤاله ولكنها اضطرت تجاوبه على مضض :
– يعني كان عندينا ضيوف وابويا اصر اننا نحضرلهم عشا كويس كدة وطبعًا انا اضطريت اساعد امي .
– انتِ بتعرفي تطبخي ياندى ؟
قطبت مندهشة فجاوبت رغم غرابة اسئلته :
– لا مابعرفش اطبخ انا بس بساعد امي ، عادي يعني .
وصلها صوته :
– عارفة ياندى انا مايهمنيش تعرفي تطبخي ولا ، عشان بعد جوزانا ، انا مش هاخليكي تحتاجي لحاجة ، كل اللي تؤمري بيه هايجيلك، ولو عايزاني انا اللي اطبخلك كمان ، هاطبخلك ومش هايهمني كلام حد ، ان عايزك بس تبقي زي الأميرة ، لان انت اميرة ياندى .
صمتت تستمع لكلماته وكأنه لا تجد من الكلمات كي ترد عليه ، تابع هو :
– على فكرة ياندى انا بعتلك صورة على الوتس ونفسي اَخد رأيك فيها ، شوفتيها ولا لسة .
نفت قائلة:
– لا مافتحتش لسة .
رد من الناخية الأخرى :
– طب انا هاقفل دقيقة عشان تشوفي الصورة وبعادها هارن اسمع رأيك ، اوعي ماترديش .
بعد غلق المكالمة فتحت ندى على رسائل الوتس، لتجد صورتها بالرسم شهقت من روعتها ، وحينما فتحت على مكالمته قالت بفرح:
– الله ياكرم ، الصورة حلوة قوي ، عرفت ازاي ترسمني .
رد من مكانه بغبطة :
– انا مبسوط قوي انها عجبتك ياندى ، مبسوط ان عجبك حاجة رسمها بإيدي .
سألته بلهفة :
– معقولة ياكرم ، انت اللي راسمها بنفسك دي حلوة خالص ،
– ايوة ياندي رسمتها من مخي كمان عشان تعرفي ان صورتك دايمًا في خيالي مابتروحش، عارفة انا نفسي في ايه كمان .
– نفسك في ايه؟
– نفسي ارسم صورتك وانتِ بشعرك ..
……
الفصل السابع عشر
– بشعري كيف يعني ؟ هو انت عايز مني ايه بالظبط؟
سألته ندى بتوجس وقد انتابها الشك منه ومن مطلبه ، رد هو على تخوفها بتبرير :
– ماتفهمنيش غلط ياندى ، انا بس بقولك على اللي نفسي فيه، فيها حاجة يعني لما اتخيل اني برسم وشك وشعرك الحرير نازل على جنابه ، فيها حاجة يعني لما احلم اني بلمس شعرك اللي انا متأكد انه هايكون جميل زي وشك القمر وطويل كمان ، مش هو شعرك يبقى طويل برضوا ياندى ؟
– ايوة طويل .
اجابت ببلاهة ودون تفكير اكمل هو :
– لونه في سواد الليل ولا هو في لمعة سلاسل الدهب .
– لا انا شعري مش اصفر ، انا شعري لونه اسود .
تبسم من مكانه مردفًا له :
– انا برضوا اتخيلت كدة ، بيبقى شلال اسود بيتفرد على ظهرك وقت مابتسرحيه، مش بقولك انك اميرة ياندى ، امتى بقى قلبك يحن وتخليني اشوفك بيه .
استفاقت لنفسها قائلة بلهجة جعلتها حازمة :
– لو سمحت ياكرم ماتجيش السيرة دي تاني لاحسن ازعل منك .
وصلها صوته سريعًا :
– لا ياندى بلاش تزعلي مني وترجعيني لعذابي في بعدك وجفاكي من تاني ، دا انا مصدقت انك حنيتي ترودي عليا، وسمعت اَخيرًا صوتك؛ صوتك اللي نبرته احلى من كل الاغاني .
صمتت وقد اعجبها الغزل، فشعر هو بذلك فااكمل :
– ووشك اللي زي البدر في جماله بيغريني ارسم صورتك تاني وتالت ورابع ، واغرق بيها حيطان البيت وحتى سقف الاوضة بتاعتي .
ردت بخجل وانتشاء من غزله لها :
– طب خلاص طيب، كل دا فيا انا ، هو انا حلوة قوي لدرجادي يعني ؟.
– حلوة قوي قوي ياندى ، ياما نفسي تحسي بالحب اللي انا شايلهولك في قلبي، ياما نفسي اسمعها منك الكلمة اللي هاتحييني وتحسسني اني عايش بحق .
سألته بعدم فهم :
– كلمة ايه اللي انت عايز تسمعها مني ؟
– كلمة بحبك ، قولي بحبك ياندى ، خليني اعرف انام النهاردة وارتاح .
صمتت بعدم معرفة ، لا تعلم كيف تنطقها فتابع هو بإصرار :
– قولي ياندى ريحي قلبي ، قولي .
ردت بتوتر وارتباك :
– اقول ازاي يعني ؟ ممعرفش انا وبصراحة اتكسف اقول حاجة زي دي .
زاد بإلحاحه الغريب :
– لا يا ندى ماتقوليش كدة ، انا وانتِ مافيش مابينا كسوف ، رددي ورايا وانتِ تعرفي تقوليها ، بحبك ياكرم .
صمتت مرة ثانية والح اكثر :
– حرام عليكي ياندى ، قولي بقى وريحيني ابوس ايدك ، بحبك ياكرم .
اذعنت تحت الحاحه اخيرًا فقالت دون ان تشعر بمعناها :
– بحبك ياكرم .
انطلق تهليله عبر الاثير بغير تصديق وكأنه ربح الجائزة الكبرى :
– الله عليكِ الله عليكِ ، ياحبيبتي انتِ، ايوة كدة انعشي قلبي واحييه بعد ما كان بيموت مني الايام اللي فاتت ، عارفة ياندى انا عشان المناسبة الحلوة دي ، مجهزلك هدية.
التمعت عيناها ببريق الفرح ولكنها حاولت الا تظهر ذلك في صوتها وهي تسأله بجدية :
– هدية ايه ؟ انا ماينفعش اخد منك هدايا .
– دي هدية بسيطة يا ندى مش مستاهلة يعني.
– ايوة بس انت مش خطيبي عشان اقبل منك .
قالت بدلال استغله هو :
– قريب قوي هاتبقي مراتي ياندى بس انتِ اقنعي ابوكي وامك ، وانا مستعد اخليكي تكملي سنتك في بيتي هنا ، واساعدك كمان في الدراسة . بس انتِ ساعديني الاول عشان يقبلوا .
تبسمت بانتشاء على تعلقه بها فقالت بلطف :
– حاضر ، ححاول اقنع امي وهي تقنع ابويا .
…………………….
انهى العم فضل سهرته واصر على العودة الى بلدته رغم الحاح سالم عليه بالمبيت ولكن قبل ذهابه طلب من سالم رؤية ابنته التي قامت بمساعدة ابيها في رعاية صالح ووالدتها التي اصرت بحنان الأم على علاجه، تقدمت نجية نحوه مرحبة :
– يامرحب يامرحب ، نورت بلدنا ياحج .
صافحها الرجل قائلًا بسرور :
– يامرحب بيكِ ياشيخة العرب ، والله الواحد معارف هايودي جميلك دا فين يابنت الأصول ،
– جميل ايه بس ياحج ؟ احنا مجرد اسباب وربنا هو الشافي المعافي.
– ونعم بالله بس برضك ! انا راجل اقول الحق ولو على رقبتي ، ناس غيركم مكانوش هايرضوا ابدًا انهم يعالجوا صالح ، وانتم ظانين انه مجرم وماتعرفوش اصله الكريم ، لكن ارجع واقول ايه ، هو راجل طيب عشان كدة وقفلوا ناس زيكم ولاد حلال،.
– مساء الخير .
دوت من قريب بصوتها الرقيق جعلته يعتدل في وقفته وهو ينظر لها بهيام، اثارت انتباه الرجل العجوز الذي رحب بها بأبوية قائلًا :
– يااهلا يااهلًا ياست ابوكي ، انتِ بقى يمنى ؟
اومأت برأسها اليه وهي تقترب لتصافحه بخجل وابتسامة جميلة .
– ايوة انا يمنى ، ااهلا بيك ياعمي .
رحب فضل معجبًا بها وعيناه تتنقل نحو صالح كل ثانية :
– دا انت صغيرة قوي يابتِ ، دا انا افتكرتك كبيرة عن كدة .
اومأت مبتسمة بصمت فتابع هو مخاطبًا اباها :
– ملكش حق ياسالم ، ياراجل لما حكتيلي عنيها ، مقولتش ليه انها زي البسكويتة الحلوة كدة ، صغيرة ومنمنمة .
اعتدل يونس في جلسته يتحمم بغضب قائلًا :.
– بسكويت ايه والكلام الفاضي دا ياعم الحج ، ماتخلي بالك من كلامك .
ضحك فضل بصوت مجلل يردف ليونس :
– وماقول بسكويتة ولا عصفورة حتى ، هو انا شباب عشان تخاف مني، دا انا في عمر جدها ياراجل .
اخفض يونس عيناه وقد اسكتته الحجة ولكنها ارتفعت مرة ثانية على قول فضل المشاكس :
– بس اقولك انا لما شوفتها برضوا اتفتحت نفسي .
احتدت معه نظرات صالح وسالم ايضًا فتابع فضل بمكر :
– ياخوانا مش ليا ، دا انا بقولكم اتي قد جدها ، انا قصدي على واحد في معزة عيالي .
اردف بها وعيناه نحو صالح الذي تمتم حانقًا بداخله من الاعيب الرجل العجوز ، رد سالم من الناحية الأخرى :
– دا انت بحورك غريقة قوي ياعم فضل .
ضحك جميعهم على قول سالم، واستمرت الجلسة الودية الجميلة مع العم فضل لنصف الساعة تقريبًا قبل ان يتركهم الرجل ويغادر عائدًا الى بلدته، عاد ايضًا صالح الى غرفته ، وقد انتابه بعض الراحة من رؤية الرجل الطيب والمعاملة الكريمة من اهل المنزل ، ولكن كالعادة لا تكتمل معه الراحة والقلق عاد ينهش بقلبه خوفًا على شقيقته التي عادت للقصر الملعون مرة أخرى، وهو لا يعلم ماحالها الاَن ، ان كانت تتلقى معاملة جيدة ام سيئة في هذا البيت، هل رحموا ضعفها ام ينتقموا منه فيها، فرك بكفه على صفحة وجهه يتمنى ان يطمئن قلبه عليها، في خضم ذلك القلق والحيرة الشديدة، تذكر ابتسامتها الجميلة ورقتها في الرد على العم فضل الماكر ، والذي اوشك على فضحه امامهم بتلميحاته الخبيثة ، والتي لم يفهماها سواه وذلك لتاريخ عشرتهم الطويلة مع بعض ، ولكن المحير له الاَن ، كيف علم هذا العجوز مابقلبه ، ام يكون قد رأى وميض عشقها في عينيه، ام ماذا يكون؟ كيف عرف هذا الخبيث ليشاكسه هكذا بكل ثقة.
…………………..
حينما عاد سالم ليلًا بعد توصيله للضيف حتى الموقف العمومي لسيارات البلدة ، وجد شقيقه يونس في انتظاره جالسًا بتحفز على الكنبة الخشبية في مدخل المنزل، تبسم له سالم قائلًا :
– وقدرت تسهر تستناني وانت جاي من مشوار السوق ومهدود حيلك .
اجابه يونس بامتعاض :
– وانام كيف وانا بيتي بقى كيف الشارع والناس الغريبة داخلة طالعة فيه من غير احم ولا دستور .
رد سالم وهو يجلس بجواره على طرف الكنبة الخشبية :
– ناس مين اللي غريبة بس ياواد ابوي؟ هو في حد يقدر يدخل البيت من غير شورة صحابه يايونس ، وان كان على الراجل الضيف ، فاانا اللي جبته بنفسي وسحبته سحب من بلده كمان .
– كمااان ! انت اللي جبته بنفسك ياسالم ؟ وانت تعرفه منين دا اساسًا ؟ ولا يكونش بقيت مرسال كمان للباشا اللي جوا؟ اسمع ياسالم انا مسكت نفسي ومارديتش اكسفك قدام الراجل الغريب، رغم ان دمي كان بيغلى وانا شايف الواد ده قاعد معاكم واكنه من اهل البيت، في ايه ياسالم ؟ هو الواد ده بقى وارث معانا عشان يجيب ضيوفه كمان نضايفهم في بيتنا ،
اومأ له سالم بيداه :
– اهدى بس انت وانا هاحكيلك على كل حاجة .
– هاتحكيلي ايه بقى؟ لا يكون هاتقولي كمان انك اكتشفت انه برئ وان الطلقة اللي كانت في دراعه ، كانت هزار مع واحد صاحبه.
تبسم سالم من طريقة شقيقه ثم قال بجدية :
– لا ياسيدي مش هاقولك هزار ولا اي حاجة من الكلام ده ، انا بس هاحكيلك اللي قالهولي صالح ، واكدهولي الراجل الضيف النهاردة .
………………………..
بداخل غرفتها يمنى وعلى سريرها كانت تتقلب في فراشها و على وسادتها تناجي سلطان النوم كعادتها مؤخرًا ، ولكن هذه المرة لم يكن تفكيرها مرهقًا فيمن اقتحم حياتها قريبًا بدون استئذان، هذه المرة كانت تفكر بحالمية نبتت بداخلها بعد لقاءها بالرجل الضيف ، الذي اكد بحضوره ، اصل صالح الطيب كما ذكر لها أباها ، مؤجلًا سرد قصته عليها ، والتي قال عنها بالتفصيل ، وهو تعرض صالح لظلم لا يتحمله بشر ، ولكنه ذكر ايضًا انه اصبح بدون مستقبل ، بمعنى انه لايوجد امل في…..
عند هذه النقطة فاقت يمني لنفسها حتى لا تترك نفسها لهواها وتشطح بتفكيرها في شئ اقرب منه للمستحيل ، تقلبت بجمبها تغمض عيناها حتى تستطيع النوم وتنهي يومها هذه بكل مافيه، ولكن ماهي الا دقائق معدودة ودوى صوت هاتفها ، رفعت رأسها وتناولته من الكمود لترى من المتصل ولكنها لم تعلم وذلك لانه كان رقم مجهول ، ردت بتردد :
– الوو … مين اللي بيتصل .
– الوو ….. ايو يمنى ازيك عاملة ايه ؟
ضغطت على عيناها بغيظ وقد علمت هوية المتصل من صوته من قبل ان ترد عليه :
– عايز ايه ياسعد ؟
اتاها صوته مع اصوات همهمة قريبة مكتومة:
– يعني هاكون عايز ايه يعني ؟ ابن خالك وبيتصل عشان يطمن عليكِ .
ردت قائلة بحدة :
– لا اطمن يابن خالي وطمن امك اللي حاطة ودنها على التليفون معاك وبتمليك الكلام اللي بتقهولي، انا كويسة ، كويسة قوي ومش ناقصني حاجة خالص، ياساتر .
هتفت بالاخيرة بعد ان انهت المكالمة بوجههم دون استئذان ، لو كان الأمر بيدها لأسمعتهم من الكلمات بما يليق بيهم ،ويستحقونه ، ولكنها تخشى غضب والدتها ، فهي الأدري بغضب نجية فيما يخص اخيها وابنه، ابن امه، كما تسميه دائمًا يمنى .
…………..
– ها ياواد ابوي ايه رأيك في الكلام اللي قلته دلوقت؟
سأل سالم بعد أن سرد القصة من بدايتها لنهايتها لأخيه الذي ، اشاح يونس بعيناه قليلًا ثم قال :
– وانت ايش عرفك ان كلام الاتنين صادق ؟ مش يمكن يكونوا متفقين مع بعض عليه
رد سالم :.
– وه يايونس ، هو انا غبي عشان ماعرفش افرز اللي قدامي واكشف ان كان صادق ولا كداب ؟
تأفف يونس قائلًا بنفاذ صبر :
– لا ياسالم مش غبي، بس حاسك مايلوا ، يعني هاتصدق عشان انت عايز تصدق، مش هاتدور ولا هتدعبس على الحقيقة .
حدق سالم بشقيقه قليلًا ثم قال :
– اقولك حاجة يايونس، انا حاسس ان انت كمان مصدق من جواك ، بس بتنكر قدامي عشان مش عايز تبين .
التفت اخيه يرمقه بنظرة مضطربة ثم أشاحها مرة أخرى قائلًا :
– حتى لو مصدق ياسالم ، انا شايف اننا نبعد عن الشر ونغنيله، صاحبنا ده ، زين ولا عفش لنفسه بقى، احنا ناس بنجري على اكل عيشنا بالضالين ، انت بيتقطع فرطك النهار كله في شغل الزرع وتيجي الليل تقسمه نص حراسة من الحرامية وساعتين خطف نوم ، وانا واحد شغلتي في سمسرة البهايم يدوب بحوش منها بالعافية لتشطيب الشقة اللي مرضياش تخلص دي عشان اتجوز بقى واريحكم من همي، فاحنا مش ناقصين، حد من الناس الكبيرة دي يحط علينا، دول مرحموش اللي متربي معاهم في بيتهم هايرحمونا احنا الغلابة؟
تنهد سالم يستوعب كلمات اخيه ثم قال :
– كلامك كلو سليم يا يونس، بس احنا هانستعجل الأمور ليه؟.مدام قلبنا اطمن من ناحيته وعرفنا اصله الكريم ، يبقى نصبر عليه لما يخف وبعدها يحلها الحلال ، بس عالاقل دلوك انا هاحط راسي على المخدة وانا مطمن ، ان اللي قاعد جوا مش حرامي ولا قتال قتلة.
اومأ برأسه يونس ينهض عن الكنبة وهو يمط بجسده :
– روح انت نام وانا كمان هاروح احط راسي اللي تقلت دي من مشوار السوق وجري البهايم الكبيرة ، دا حتة بقرة النهاردة اطلقت في السوق ، عليا النعمة بهدلت رجالة بشنبات .
ضحك سالم من قلبه وهو يتبع اخيه هو الاَخر أيضًا وسأله مستندًا بكفه على كتف يونس وهم يتحركون للداخل :
– و على كدة بقى عرفتوا تمسكوها ولا لاه ؟
– مسكناه بس بعد ايه ؟ بعد مرضغتنا في التراب ، الله جاها بالطين دي ، مش عارف انا جابت الشدة دي منين ؟
حينما وصلوا الى غرفة يونس وهم ليضع المفتاح ليفتح بابها ، أجفله سالم سائلًا :
– بقولك ايه يايونس صح ؟ ااه ها ترضى لو طلبت منك تبيت حد معاك في الأوضة؟
قطب يونس قليلًا باستفسار ، قبل ان يرتخي حاجبيه هاتفًا :
– لاه يا سالم ، اياك يكون قصدك …..
قطع جملته مشيرًا بسبابته نحو احدى الغرف ، اأومأ له سالم يهز برأسه بابتسامة :
– ايوة يايونس ، هو اللي اقصده .
فغر يونس فاهه واضعًا كفيه على خصره، يسأله بغيظ:
– ليه بقى عايز افهم ، هو بيتنا يبقى المقر الرسمي بتاعه ، ماهو مرزوع في اؤضة ولدك الصغير على ما يقوم على رجليه ويروح لحاله بعدها.
رد سالم :
– انا معاك في كل كلامك ، بس بصراحة يعني انا صعب عليا النهاردة لما شفت فرحته لما طلع وقعد بينا واتعشى مع ناس تاكل معاه وتفتح نفسه ، بدل الحبسة ليل نهار في اؤضته .
– ياعم وانا مالي ؟ ترزعه معايا في اوضة واحدة ليه ؟
قال يونس بتأفف ، قال سالم بمحايلة :
– عشان انت شباب زيه وسنك مقارب لسنه ، يعني هاتعرفوا تحكوا بكلام الشباب اللي انتوا تعرفوه.
صمت يونس حانقًا ، كرر سالم بلهجة مترجية :
– ها واد ابوي ايه رأيك .
…..
رواية المطارد.
بقلم أمل نصر.