اخويا رمالى بنته المصابة

الجزء الأول
خلي بنتى دى عندك يا أميرة.. أنا خلاص مبقتش قادر عليها.
دي كانت آخر كلمة صرخ بيها أخويا سامح في وش بنته، قبل ما يدور عربيته ويختفي وسط المطر والشوارع الغرقانة في شبرا. ساب بنته فرح قدام الصاج الحديد بتاع المخبز بتاعي، كأنها شوال دقيق مالوش عازة ولا حد عايزه.
البنت كان عندها 7 سنين، مصابة بشلل دماغي، وعلى رجليها بطانية قديمة ومتهالكة، وشنطة ضهر بينك متعلقة ورا كرسيها المتحرك. ما كانتش بتبكي.. وده أكتر حاجة قطعت في قلبي. كانت بتبص على عربية أبوها وهي بتبعد، وكأنها لسه عشمّانة إنه في أي لحظة هيندم، ويضرب فرامل، وينزل يجري عليها ويقولها إن كل ده كان كابوس وهيمشي.
بس سامح مارجعش.
أنا كنت لسه طافية طواحين الفرن بتاعي مخبز البركة، في منطقة شعبية بسيطة. كانت إيديا كلها دقيق، وصوابعي متلسعة من الصاجات، وضهري مهدود ومكسور من وقفة الفجر عشان أبيع عيش فينو وقرص وبقسماط من الساعة خمسة الصبح. لما سمعت الرزع على الصاج الحديد، افتكرت زبون من الجيران جاي ياخد عيش شُكك.
فتحت البندة ولقيت أخويا واقف تحت اللمبة الصفرا بتاعة المدخل. وراه عربية دايرة ومستنياه، وقدامه بنته.
مش قادر أكمل قالها ببرود ومن غير نقطة دم ولا خجل إنتي طول عمرك بتحبي تعملي فيها الشيخة والخيرة.. أهو جالك رزقك.
سامح.. دي بنتك!
ضحك ضحكة ناشفة وتريقة
دي مصيبة.. لا بتمشي، ولا بتتكلم زي الناس، وكل حاجة تكسرها وتكلكعها.. دي دمرت لي حياتي.
فرح وطت راسها في الأرض. كانت كبشة في إيديها على قلم رصاص مبري ومقرقض بأسنانها، كبشت عليه جامد لدرجة إن عقل صوابعها ابيضت. أنا حسيت بحاجة بتتكسر جوايا.. مش عشاني، عشانها هي. لأنها فهمت.. طبعا فهمت. العيال بيفهموا

القسوة كويس حتى لو الكبار حاولوا يداروها أو يجمّلوها.
ماينفعش ترميها كده يا سامح!
سامح فتح باب العربية وقال وهو بيمشي
خلاص.. ابقي إنتي أمها.
وساق وعربيتو اختفت.
الليلة دي، فرح فضلت تعيط لحد ما نامت على صدري، وكانت بتتنفض وتترعش كل ما عربية تعدي من الشارع. أنا ماكانش عندي أوضة زيادة ليها، ولا معايا فلوس، ولا عندي خبرة، ولا حتى عارفة إزاي أشيلها من غير ما أوجعها أو أئذيها. كان حيلتي مخبز صغير، وديون، وإيدين تعبانة، وخوف قد الدنيا.
بس كان عندي حاجة عمرها ما كانت عند سامح يقين كامل إن الضنا مابترميش في الشارع لما الدنيا تضيق والعيشة تبقي صعبة.
ومرت السنين، وفرح كبرت وسط ريحة العيش الطالع من الفرن والشاي بلبن. عملت لها طرابيزة صغيرة جمب الفاترينة عشان تفضل جمبي وأنا ببيع للزبائن. في الأول كانت بتشخبط شخبطة معوجة على أكياس العيش الورق. بعد كده الشخبطة دي بدأت تتبدل.. بدأت ترسم ورد، وأسواق شعبية، وكلاب نايمة تحت عربيات الطماطم، وستات لابسة مآزر المطبخ، وعيال شايلة بلالين، وبيوت فيها مشايات مائلة للكراسي، وعائلات ملمومة حولين الطبلية.
كانت بترسم الدنيا وكأنها لسه مصدقة إن كل حاجة مكسورة في العالم ده تستاهل حنية.
لما تمت 15 سنة، زبونة من الزباين صورت الرسومات دي ونزلتها على النت. في أسبوع واحد، آلاف الناس شاركوها. بعدها كلمتنا دار نشر من الإسكندرية.. وبعدها مؤسسة كبيرة.. وبعدين شركة إنترناشونال طلبت تستخدم رسوماتها في كتب مخصصة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
العقد كان ب 4 مليون دولار.
أنا قعدت أعيط وأنا بقرأ الأرقام ومش مصدقة. فرح ماعيطتش.. كل اللي عملته إنها فتحت كشكولها الأزرق وكتبتلي فيه
يا خالتو، دلوقتي هنقدر نشتري فرن جديد كبير عشان إيديكي ماتتحرقش تاني وأنتِ بتخبزي.
حسيت إن الدنيا أخيراً افتكرتنا وطبطبت علينا وبدأت تخلينا نتنفس.
وفي اللحظة دي.. سامح رجع.
رجع بعد 8 سنين كاملين.. لابس جزمة بتلمع، وقميص مكوي على الشعرة، ومعاه محامية واقفة جمبه.
ماسألش حتى بنته عاملة إيه ولا صحتها إزاي.
بص على البيت، والمشاية اللي عملتها للكرسي، واللوحات المتعلقة على الحيطة، وقال بكل بجاحة
أنا جاي آخد حاجتي.. جاي آخد بنتي.
الجزء الثاني
فرح كانت قاعدة جمب الشباك، بترسم بنت ليها أجنحة من ورق. أول ما سمعت صوت سامح، إيديها وقفت فجأة. ما صرختش.. ما استخبتش.. كل اللي عملته إنها رفعت عينيها وبصت للراجل اللي رماها في ليلة شتا قدام المخبز، كانت بتبص له كأنها بتبص لشخص غريب وِقِف ومصمم يدخل بيت مش بيته بالعافية.
سامح ابتسم ابتسامة صفرا كلها حنية مزيفة وقال
يا بنتي.. يا حبيبتي.. بابا رجعلك.
فرح مسكت القلم الرصاص بتاعها، وكتبت براحة وبتأني في كشكولها الأزرق، وبعدين لفت الكشكول عشان كلنا نقرأ اللي مكتوب
إنت اسمك سامح.
المحامية اللي معاه حمحمت ببرود. كانت ست أنيقة، لابطة بدلة رمادي وشايلة في إيديها شنطة جلد سودا. طلعت ورق من الشنطة وبدأت تتكلم بثقة وكأنها كسبت القضية خلاص
الأستاذ سامح لسه هو الأب البيولوجي والشرعي للقاصر فرح. وبناءً عليه، هو بيطالب باسترداد الولاية القانونية عليها، وحق تمثيلها أمام الجهات، وإدارة كل الدخول والأرباح اللي جاية من أعمالها الفنية ورسوماتها.
أرباح؟! حسيت إن الدم غلي في عروقي ووشي جاب ألوان هو ده كل اللي هامك؟ الفلوس؟! إنت رميتها واتخليت عنها!
سامح حط إيده على صدره ومثّل دور الضحية والوجع بكل بجاحة
أنا كنت عيان وتعبان يا أميرة. وإنتي استغليتي ظروفي الصعبة ووقتي الضيق عشان تظهري في الصورة وتاخدي بنتي مني. أنا دلوقتي رجعت عشان أصلح كل حاجة وأعوضها.
في جملة واحدة، قدر يقلب تمان سنين من الندالة والرمي في الشارع لقصة تانية خالص، طلع فيها هو المظلوم والضحية!
في نفس اليوم بعد الظهر، محامينا الأستاذ مدحت جه وراجع الورق كله. الأستاذ مدحت ده راجل محترم، وكان واقف جمبنا بقاله سنين وبيخلص لنا كل الأوراق الطبية والمدرسية بتاعة فرح. وهو بيقرأ الورق، ملامح وشه اتغيرت وبقت قلقانة وجادة جداً.
بصيت له وأنا كاتمة نفسي ومستنية رد فعل، فقال لي
أميرة.. إحنا في مشكلة.
مشكلة إيه يا أستاذ مدحت؟
الوصاية الودية اللي كنتِ ماشية بيها طول السنين اللي فاتت دي ما اتقفلتش قانونياً بشكل نهائي زي ما كان المفروض يحصل. كان في ورق ومحاضر فعلاً، بس ما طلعتش بيها رغبة قاطعة وحكم نهائي بسقوط ولايته. وسامح بيلعب على الثغرة دي دلوقتي، وداخل المحكمة في ثوب الأب النادم اللي عايز يرجع بنته لحضنه.
سامح ابتسم بنصر.. كأن البيت بقى بتاعه، وكأن الملايين خلاص دخلت حسابه في البنك، وكأن فرح لسه هي البنت الصغيرة الخايفة اللي سابها على الرصيف.
في اللحظة دي، فرح خبطت بالقلم خبطة واحدة قوية على الطرابيزة. فتحت كشكولها الأزرق على صفحة كانت معلّماها بشريط لزق أصفر، وشاورت بأصبعها على جملة معينة.
الأستاذ مدحت قرب وقرأ الكلام، وفجأة اتسمر في مكانه وما نطقش.
فرح بتقول.. إن قبل ما نتكلم في أي فلوس.. هي عايزة أبوها يمضي على نفس الورقة اللي مضاها الليلة اللي سابها فيها هنا.
سامح رجع خطوة لورا ووشه اتقلب.
من بين صفحات الكشكول، وقع وصل استلام قديم من بتوع المخبز.. ورقته مصفّرة ومتبهدلة بالدقيق. أنا عرفته أول ما عيني جت عليه. الليلة
لمحة نيوز

دي، قبل ما يمشي ويختفي، أنا صممت وزعقت معاه عشان يكتب أي إقرار يثبت إنه سابها بكامل إرادته. وهو كتب الكلمتين دول وهو بيضحك وبيتريق، لأنه كان متأكد إن الورقة دي مالهاش أي قيمة ومش هتنفع في حاجة.
الورقة كان عليها إمضته وبخط إيده المكتوب بكل قسوة
أنا بسلّم البنت دي لأختي لأنها مابقتش نافعة معايا في أي حاجة، ومش عايزها.
المحامية بتاعته وشها جاب مية لون واصفرت. وسامح حاول يداري كدبه بضحكة فاشلة
يا جماعة دي مبالغة.. كلنا بنقول كلام فارغ وبنغلط لما بنكون مضغوطين ومستعجلين!
فرح رجعت مسكت القلم وكتبت تاني
لما سبتني ومشيت ليلتها.. أنا فضلت فاكرة سنين إني السبب، وافتكرت إنك عملت كده عشان أنا كسرت الفنجان الأخضر بتاعك من غير قصد.
الأوضة كلها سكتت، والجو بقى تلاجة. أنا افتكرت الفنجان ده كويس.. قبل ما يرميها بيومين، فرح وقعت الفنجان الأخضر بتاعه على الأرض غصب عنها. سامح يومها فضل يصرخ في وشها لساعات.. قال لها إنتي بتبوظي كل حاجة، إنتي حمل تقيل، وإنتي طفلة ما كانش ينفع تتولدي أصلاً.
تمان سنين مرت، والبنت لسه شايلة جوا قلبها الصغير ذنب وهمي ومقنعة نفسها إنها اتمت في الشارع عشان فنجان مكسور!
المحامية بدأت تتكلم بسرعة وبصوت عالي عن التسويات، والاستقرار القانوني، وحق الأب الشرعي والبيولوجي. والأستاذ مدحت رد عليها بقوة وتكلم عن الإهمال الجسيم، والتخلي عن قاصر، والضرر النفسي والعاطفي اللي مالهوش علاج. ولما مدحت جاب سيرة إن القاضي ممكن يطلب يسمع ويشوف شهادة فرح بنفسه وبخط إيديها، سامح ضحكته اختفت تماماً.
قبل ما يخرج من الباب، حاول يقرب من فرح ويتمسكن
يا بنتي، أنا جاي عشان أصلح كل حاجة وندخل صفحة جديدة.
فرح كتبت له آخر جملة
الآباء مابيرجعوش بس لما الفلوس تظهر.
سامح جز على سنانه وضغط على فكه من الغيظ، والمحامية شدته من دراعه وخرجوا هما الاتنين.
الليلة دي، فرح مارسمتش خالص. قعدت تبص على المطر وهو بيخبط في قزاز الشباك، وأنا كنت قاعدة جمبها بعمل نفسي برتب المناديل وبنظف المطبخ عشان أداري دموعي.
بعد شوية، لفت الكشكول ليا وكتبت
يا خالتو.. تفتكري القاضي ممكن يصدقه هو؟
أنا قمت من مكاني، وعدلت البطانية على رجليها وبست راسها
مستحيل يحصل كده يا قلب خالتك، طول ما أنا عايشة.
وطت راسها في الأرض وكتبت جملة وجعتني
بس الناس دايماً بتصدق اللي صوته أعلى.
ومن تاني يوم الصبح، ضربات الحرب بدأت تشتغل علينا. في موقع صفحة محليّة نزلت خبر بيقول مخبز شهير يستغل مراهقة من ذوي الهمم بعد ما بقت مليونيرة. وموقع تاني كتب الخالة تمنع الأب من رؤية ابنته وتسيطر على عقودها الفنية بقيمة ملايين الدولارات.
بدأت تيجي رسايل شتيمة وتهديد وقرف للمخبز، وصحفيين بيحوموا حوالين المكان، وناس فضولية وجيران بيتكلموا ويحكموا وهم مش عارفين أي حاجة عن الحقيقة.
وبعد تلات أيام بالظبط.. الاستدعاء الرسمي من المحكمة وصل لحد عندنا
جلسة تمهيدية عاجلة لبحث الحضانة، والولاية التعليمية، والإدارة المالية.
سامح ماكنش ناوي يسيب حاجة.. كان عايز ياخد كل حاجة ويقضي علينا.
الجزء الثالث والأخير
الأسبوعين اللي قبل الجلسة كانوا أطول أسبوعين مروا في حياتي كلها.
البيت اللي كان دايماً ريحته عيش مخبوز طالع سخن ومليان أقلام ألوان، فجأة بقى ساكت وكئيب. فرح كانت لسه بتقعد جمب الشباك، بس رسوماتها اتغيرت تماماً؛ مابقتش ترسم عائلات في الأسواق ولا عيال بتلعب مع كلاب الشوارع، بقت ترسم أبواب مقفولة، عربيات بتبعد وبتختفي، كراسي فاضية، وإيدين بتسيب إيدين تانية وتتخلى عنها.
كنت ببص عليها وبحس بنار جواه.. مش نار وزعيق، لا، حزن تقيل كاتم على نفسي؛ لأن أصعب حاجة في الدنيا إن حد ييجي يفتح الجروح اللي يدوب بدأت تلم وتشفى، ويوجع نفس المكان تاني.
في ليلة من الأيام على الفجر، صحيت على الصوت الناعم بتاع عجل كرسيها المتحرك. طلعت الصالة ولقيتها واقفة جمب الشباك والدنيا بره بتمطر، نور الشارع كان عاكس على القزاز، وكشكولها الأزرق مفتوح على رجليها.
أول ما شافتني، كتبت
يا خالتو.. إنتي كمان زهقتي مني وتعبتي من حملي؟
حسيت إن قلبي بيتقطع ميت حتة. قعدت على كرسي قدامها، وما ردتش بسرعة؛ لأن في أسئلة محتاجة احترام وتفكير قبل الكلام.
أنا تعبت من الخوف يا فرح قلتلها وأنا باصة في عينيها تعبت وأنا مش عارفة هكفي فلوس دكاترتك وعلاجك الطبيعي منين. تعبت وأنا شايفاكي بتتوجعي ومش قادرة أشيل الوجع عنك. تعبت من الخناق مع المدارس والدكاترة والموظفين اللي كانوا بيتكلموا عنك كأنك مش موجودة واقفة قدامهم.
عينيها دمعت وبقت كلها مية، فكملت وقلت
بس عمري.. عمري في حياتي ما تعبت منك إنتي، ولا هتعَب.
فرح أخدت نفس طويل، وكتبت براحة جداً
خلاص.. يبقى أنا كده كسبت.
مافهمتش الجملة دي ساعتها، بس فهمتها بعدين.
يوم الجلسة، سامح جه لابس على السنجة؛ بدلة كحلي غامقة، ساعة غالية وبتلمع، دقن متظبطة، وعلى وشه هدوء وثقة مرسومة ومتمثلة بدقة تخوف. كان شبه الرجالة اللي بتتصور في المطاعم الفخمة وبتتكلم عن العيلة والقيم والأصول، وهم مخبيين بلاويهم وزبالتهم تحت السجادة.
فرح كانت لابسة فستان أزرق بسيط، ورابطة شعرها بشريط أبيض، وكشكولها في حضنها. وأنا كنت كابشة في الشنطة على السبحة بتاعة أمي الله يرحمها اللي باخدها في كل وقت خوف.
القاضي كان راجل وقور ووشه فيه علامات التعب والخبرة، بدأ يسمع المحامين الأول.
المحامية بتاعة سامح وقفت واتكلمت عن الحقوق الشرعية، والندم، ولم شمل العيلة بعد سنين الفراق. وقالت إن الأب دايماً يستحق فرصة تانية عشان يصلح غلطه. وقالت إن الخالة اللي هي أنا نيتها طيبة وكل حاجة، بس حَرَمَت البنت من بيئتها الطبيعية وأبوها. وفجرت المفاجأة لما قالت إن قاصر بالثروة دي والعقود الكبيرة دي محتاجة إدارة مالية بجد، محترفة ومسؤولة، والولاية المالية لازم تكون تحت إيد أبوها.
سامح وطى راسه في الأرض في اللحظة دي بالظبط عشان يمثّل الحزن والندم والدموع.
وبعدين طلب يتكلم وقال بصوت واطي ومتمسكن
أنا غلطت يا سيادة القاضي.. كنت بمر بظروف نفسية صعبة، وخسرت شغلي وفلوسي، وماكنتش عارف إزاي أراعي طفلة بظروف خاصة وصعبة زي دي. أختي عرضت تساعدني، بس بعد كده قفلت الباب في وشي ومنعتني أشوفها. أنا عمري ما بطلت أحب بنتي، والنهارده أنا جاي أصلح اللي فات وأحميها وأحمي حاجتها.
تمثيله كان مبهر لدرجة إني لثواني جالي رعب في قلبي؛ لأن الكدب لما بيتقال بهدوء ولبس غالي، ممكن يترأى للناس إنه حق.
في اللحظة دي، الأستاذ مدحت محامينا وقف. ما زعقش، وماكنش محتاج يزعق أصلاً.
طلع وقدم للمحكمة الدفاتر والملفات الطبية؛ فواتير العلاج الطبيعي وجلسات التخاطب اللي اندفعت من قرش وقوت المخبز. قدم شهادات المدرسة اللي ممضية بإمضائي أنا طول سنين الدراسة. قدم الروشتات، ومحاضر النقل، وتجهيز البيت للمشاية. تمان سنين كاملين من الغياب التام لسامح؛ لا مكالمة تليفون، ولا تحويل قرش صاغ، ولا زيارة في عيد، ولا حتى سؤال في يوم ميلادها. ماسألش مرة بنته سخنة؟ عملت العملية؟ بتتوجع؟
وبعدين، حط على مكتب القاضي وصل المخبز القديم المتبهدل بالدقيق. الوصل اللي سامح كاتب فيه بخط إيده وممضي

منه إنه بيسلم البنت لإنها مالهاش عازة ومابقتش نافعة في حاجة.
المحامية بتاعة سامح اعترضت وقالت ده ورق قديم، وموقف عاطفي، ومالوش علاقة بالقضية الحالية والتغيير اللي حصل للأب.
القاضي مسك الورقة وبص فيها كتير، وقال كلمة هزت القاعة
في ورق قديم بيشرح ويؤكد جروح لسه بتنزف لحد النهارده.
سامح ريقه نشف وبلع بالعافية.
بعدها، القاضي بص لفرح وقال إنه عايز يسمع رأيها وشهادتها.
السكوت ملى القاعة وبقى مرعب. موظف من المحكمة قرب عشان يقرأ اللي هتكتبه، بس فرح هزت راسها بالرفض. الأستاذ مدحت فهم القاضي إنها مجهزة صفحات معينة في كشكولها الأزرق وعايزة تعرضها بنفسها، والقاضي وافق.
فرح فتحت الصفحة الأولى، والموظف قرأ بصوت عالي
بابا بيقول إنه رجع عشان بيحبني.. بس هو ما يعرفش إيه أكتر أكلة بحبها.
قلبت الصفحة التانية
بابا بيقول إنه عايز يخدمني ويراعيني.. بس ما يعرفش إيه الدوا اللي بينيمني وإيه الدوا اللي بيتعبلي معدتي.
قلبت صفحة كمان
بابا بيقول إن خالتو حَرَمَتني منه.. بس هو كان عارف مكان المخبز كويس طول ال 8 سنين وماجاش.
صفحة تانية
لما جالي التهاب رئوي حاد ودخلت المستشفى، خالتو نامت 3 أيام واقفه وقاعدة على الكرسي عشان كانت خايفة نفسي يقف وأنا نايمة.
أنا حطيت إيدي على بوقي عشان ما أصرخش من العياط. وفرح كملت وقلبت الصفحة
لما الكرسي بتاعي اتكسر وماكنش معانا فلوس، خالتو كانت بتقعدني على كرسي المكتب بتاع المخبز وبتلف بيا جوه الفرن عشان ما أحسش إني محبوسة.
صفحة تانية
لما المدرسة قالت إني ماليش لزوم أتعلم ولا أحلم، خالتو باعت سلسلتها الذهب عشان تدفعلي ثمن دروس الرسم.
الأستاذ مدحت غمض عينيه بتأثر.. أنا نفسي ماكنتش أعرف إن فرح فاكرة ومسجلة كل التفاصيل دي جواها!
القاضي طلب يشوف الكشكول بنفسه، وفرح سلمتهوله. الكشكول ده ماكنش مجرد ورق؛ ده كان دفتر حياة وعمر كامل. كان مليان رسومات للمخبز في شبرا، ورسومات ليا وأنا نايمة من التعب على شوال دقيق، وصوابعي المتلفّة بالشاش من لسعات الصاجات، وزباين بتشتري عيش، وجيران بيجمعوا الفكة عشان يساعدونا. وفي وسط الورق، كان فيه رسمة بتخطيط مهزوز وهي عندها 8 سنين؛ رسمة لسامح وهو بيبعد بعربيته تحت المطر، وبنت صغيرة بتبص عليه من الكرسي.. ومكتوب فوقيها لو بقيت شاطرة ومؤدبة، يمكن يرجع ياخدني.
القاضي قفل الكشكول براحة وحنية شديدة، وعينيه كان فيها تأثر كبير. القاعة كلها سكتت لثواني. سامح كان باصص في الأرض، وضعه اتغير ومابقاش الأب النادم؛ بقى راجل كداب خطته اتكشفت وبوظت كل حساباته.
وفجأة، فرح طلبت تكتب صفحة أخيرة. القاضي شاور لها تكتبي.
مسكت القلم، وإيديها كانت بترتعش بس كانت قوية. كتبت براحة بخطها اللي اتعلمته وسط أكياس العيش. ولما خلصت، لفت الكشكول للمحكمة.
الموظف قرأ
أنا مش عايزة المحكمة تعاقبه عشان ما حبنيش.. الوجع ده خلاص مابقاش يوجع زي الأول. أنا كل اللي عايزاه إن مالهوش حق يتحكم في حياتي ولا يقرر مصيري.. بس عشان دلوقتي بقى معايا فلوس.
المحامية بتاعة سامح وطت راسها في الأرض من الكسوف. وفرح كتبت سطر أخير
أنا مش ورث ولا سبوبة.. أنا بني آدمة.
الكلمة دي هزت القاعة كلها. سامح وقف ووشه أحمر من الغيظ والغل وزعق
أنا أبوها! ليا حق عليها!
فرح بصت في عينيه لأول مرة من 8 سنين من غير نقطة خوف واحدة، وكتبت
أبويا.. هو اللي فضِل جمبي وما مشيش.
وشاورت عليا.
أنا مش قادرة أشرح الإحساس اللي حسيت بيه ليلتها؛ حسيت إن كل سنين الشقى، والتعب، والوقفة قدام النار وأنا عيانة، وشيلها وأنا خايفة أوجعها، وعياطي الفجر في الحمام عشان ما تشوفنيش ضعيفة.. كل ده انزاح وداب في ثانية، وحسيت براحة مالهاش مثيل.
الحكم ما طلعش في نفس اليوم، بس كلنا خرجنا من القاعة وإحنا عارفين إن الحق ظهر.
بعد تلات أيام، الأستاذ مدحت جه البيت ومعاه الأوراق الرسمية. أنا كنت واقفة بعجن العيش، وفرح قاعدة بترسم. مدحت دخل ووشه كله فرحة وقال
كسبنا يا أميرة.. كسبنا قضيتنا!
رجليا ما شالتنيش وقعدت على الأرض من الصدمة والفرحة.
القاضي أقر بإهمال سامح وتخليه الكامل عن بنته طول السنين دي، ورفض طلب الحضانة بتاعه تماماً، ومنعه من أي حق في إدارة رسومات وفلوس فرح. والمحكمة حكمت بإن الوصاية والحضانة القانونية الكاملة والنهائية ليا أنا، وأمرت بوضع كل أموال العقود في صندوق ائتماني مقفول باسم فرح، تحت إشراف قانوني مستقل لحد ما تتم السن القانوني، بالإضافة لإلزام سامح بدفع نفقة بأثر رجعي عن كل السنين اللي فاتت.
سامح ما ظهرش تاني خالص. عرفت من الجيران إنه حاول يروح لبرامج توك شو وقنوات عشان يبيع قصته ويقول إن أخته غسلت مخ بنته وسممت أفكارها ضده، بس محدش عبره ولا صدقه. بعدها ساب المنطقة، وناس قالوا إنه سافر الصعيد وناس قالوا إنه سافر بره البلد يدور على شغل. أنا مابقتش أسأل؛ لأن في ناس أول ما تكتشف إنهم عمرهم ما كانوا أمان وسند، بيبطلوا يوجعوك وبيتحولوا لصفحة واتقفت.
مع الوقت، المخبز بتاعنا اتغير خالص وبقى أكبر. اشترينا فرن جديد كبير، غالي وبيلمع، فرح هي اللي اختارت الموديل بتاعه وقالت صوته هادي ومش بيعمل دوشة. وعملنا مشاية واسعة ومريحة عند المدخل، وحطينا طرابيزة رسم كبيرة جمب الفترينة الأزاز الكبيرة عشان فرح ترسم براحتها تحت نور ربنا والشمس.
والأطفال بدأوا يجوا عندنا.
الأول كانت بنت زبونة، رجلها فيها أجهزة حديد وكانت بتبص للألوان بخوف. بعدها جه ولد مابتكلمش كتير، وبعدها بنت تعرضت لحادثة وحركتها بقت تقيلة. فرح كانت بتستقبلهم من غير نظرة شفقة ولا كلام صعب؛ كانت بتحط الورقة والألوان قدامهم وتكتب لهم
ارسم اللي محدش بيسألك عنه.
ومن هنا بدأ الورشة الفنية لبراعم البركة.
كل يوم سبت، المخبز كان بيبقى ريحته قرص سخنة وعجوة، وكاكاو دافي، وأقلام تلوين. الأمهات كانوا بيقعدوا يعيطوا من الفرحة وهم شايفين عيالهم مركزين ومبسوطين، والآباء يقفوا على الباب مش عارفين يودوا وشم فين من كتر الحنية والمشاعر اللي في المكان. في عيال كانت بترسم حاجات بتخوفهم، وعيال بترسم بيوت، وعيال بترسم طرق.. بس الأغلبية كانوا بيرسموا إيدين.
فرح رجعت ترسم عائلات تاني، بس مش زي زمان. زمان كانت بترسمهم كاملين ومبتسمين ومثاليين؛ دلوقتي بقت ترسمهم حقيقيين.
ست عجوزة بتزق كرسي متحرك.. خال شايل شنطة مدرسة لابن أخته.. جارة جايبة شوربة لجارتها العيانة.. خبازة إيديها ملفوفة بشاش.. وولد حاضن كلب بلدي عجوز. بقت ترسم ناس تعبانة، مش كاملة، متبهدلة.. بس قاعدين ومكملين ومش بيمشوا.
بعد سنة، دار النشر طلعت أول كتاب رسمي مرسوم بالكامل بإيد فرح. الغلاف كان عليه بنت ليها أجنحة ورق واقفة قدام مخبز منور، والعنوان كان كلمتين مش حمل تقيل.
يوم ما النسخ وصلت المخبز، عملنا حفلة وشاي بلبن ووزعنا عيش وسخنيات ببلاش على كل المنطقة. فرح فضلت تمضي على الكتب للناس ساعات؛ إيديها كانت بطيئة، بس محدش اشتكى، الطابور كان واقف بحب وصبر كأنها حفلة تكريم كبيرة ليها.
في آخر اليوم، بعد ما قفلنا المحل، لقيت الكشكول الأزرق مفتوح على الطرابيزة. كان فيه صفحة جديدة مكتوبة لسه حالا
يا خالتو.. أنا خلاص
مابقتش عايزة أشتريلك إيدين جديدة بدل اللي اتلسعت.
بصيت لها وأنا مش فاهمة، فابتسمت ومسكت القلم وكملت كتابة تحتها
لأن الإيدين التعبانة والمحروقة دي.. هي اللي علمتني وفهمتني إني عمري ما كنت حمل تقيل عليكي.
قعدت قدامها وفضلت أعيط بحرقة وعياط بقالي سنين كاتماه.. بس المرة دي ماكنش عياط حزن؛ كان عياط راحة وسكينة.
لأن طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إني أنا اللي أنقذت فرح وشيلت مسؤولية فوق طاقتي، وإني ست غلبانة لوحدي ببيع عيش وعليا ديون وإيديا محروقة. بس الليلة دي فهمت الحقيقة كاملة..
أنا ما أنقذتش فرح.. فرح هي اللي أنقذتني؛ حمتني من إني أكون بني آدمة بتشوف الظلم وبتغمض عينيها وتقفل بابها وتعيش لنفسها بس.
من ساعتها، كل ما حد يدخل المخبز ويشوف فرح قاعدة بترسم جمب الشباك والنور مغطيها، يقولولي نفس الكلمة
يا بخت البنت دي إنها لقتك.. دي محظوظة بيكي.
وأنا دايماً برد عليهم بنفس الجملة وبكل ثقة
لا.. أنا اللي يا بختي بيها.. الرزق والمحمل كان عندي أنا.
لأن في عائلات بتتولد في المستشفيات، بشهادات ميلاد وصور حلوة وأسامي مكررة؛ وفي عائلات تانية بتتولد في ليلة شتا ومطر، قدام باب مخبز بسيط، لما حد يقرر إن في طفلة في الدنيا دي.. مش هتتساب لوحدها تاني أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *