حماتي اتصلت بيا 2

بعد ما شريف خرج من بيتنا والباب اتقفل وراه، الصالون رجع له هدوءه، بس كان هدوء ما قبل العاصفة. أحمد أخويا بصلّي وربت على كتفي وقال: “جدعة يا رانيا، اللي أوله شرط آخره رضا، واللي ملوش خير في كرامة مراته من أولها، ملوش أمان بعدين.” أمي كانت قاعدة بتهز رأسها وتدعيلي، بس جوايا كان فيه ترقب.. أنا عارفة طنط هدى ومتاكدة إنها مش من الستات اللي بتسكت أو تقبل الهزيمة بسهولة، خصوصاً إن ابنها رجع لها والشبكة في جيبه.

وفعلاً، ممرتش ساعتين اتنين، وتليفون أمي رن. بصينا للشاشة لقانا رقم طنط هدى. أمي بصتلي، شاورت لها تفتح الإسبير عشان نسمع سوا.

جاء صوتها مش عياط ولا انهيار زي ما كانت بتعمل مع شريف، صوتها كان حاد، ناشف، وفيه نبرة انتصار غريبة: “مساء الخير يا أم رانيا.. أنا بكلمك عشان أقولك إن الحاجة اللي عند بنتك وصلت، والشبكة شريف جابها. وكنت حابة أبلغك كلمتين تحطيهم حلقة في ودنك وود بنتك المصونة.”

أمي ردت بكل برود وثبات: “قولي يا أم شريف، سامعاكي.”

“بنتك فاكرة إنها لما ترجع الشبكة وتعمل شو شوية قدام أخوها إنها كدة بتلوي دراعي؟ لا يا حبيبتي، أنا شريف ابني ألف مين تتمناه، والفلوس اللي هي كانت مستخسرة فيها سندوتش الفول، النهاردة قفلت بيها الشقة خلاص والوصولات باسمي. يعني شريف عنده شقته وعنده قرشين الجواز، وبنتك هي اللي قعدت في بيت أبوها من غير جوازة ولا شقة. والرسالة اللي بعتتها على جروب عيلتكم عشان تشهري بيا؟ أنا طبعتها وبعتها لكل معارفنا عشان يعرفوا مين اللي لسانها طويل ومبتصونش سر بيتها قبل ما تدخله!”

أمي لسه هتتنحنح وترد، سحبت التليفون من إيدها وقولت بنبرة هادية جداً بس قاطعة زي الموس: “مبروك عليكي الشقة يا طنط هدى، ومبروك عليكي شريف.. يتربى في عزك وفي جيبك. بس حابة أصلحلك معلومة صغيرة؛ أنا مش قعدت في بيت أبويا عشان ماليش مكان، أنا قعدت في بيت أبويا عشان كرامتي غالية عليا، والقرش اللي أنتِ فرحانة بيه وكاتبة الوصولات باسمك، ده شقا ابنك اللي هيفضل طول عمره مديون ليكي وميقدرش يرفع عينه فيكي. اتهني بالوصولات وبقفل الشقة، وبكرة تشوفي شريف وهو قاعد معاكي في الشقة الفاضية لوحده بيفرّجك على العفش اللي اخترتيه على ذوقك!”

وقبل ما تنطق بكلمة، قفلت السكة في وشها.. المرة دي أنا اللي قفلت، والزن الرخم اتقلب لسكوت مريح في ودني.

الأيام بدأت تمر، وحاولت أرجع لحياتي وشغلي. مكنتش هسمح للتجربة دي إنها تكسرني. قفلت صفحتي مع شريف تماماً، عملت له بلوك من كل حتة، وبدأت أركز في نفسي. بس الحكايات اللي من النوع ده مبتموتش بالساهل في المنطقة عندنا، كلام الناس والقال والقيل بدأ يوصلني.. طنط هدى مسبتش قعدة ولا مناسبة إلا وقالت إن رانيا وعيلتها طماعين وعينهم فارغة ومستخسرين في ابنها يوفر قرشين.

كنت بسمع وأطنش، لحد ما جه يوم بعد حوالي شهر ونص. كنت نازلة من الشغل العصر، ولقيت حد واقف جنب بيتنا، مش شريف.. دي كانت “منة”، أخت شريف الصغيرة.

منة كانت دايماً بعيدة عن المشاكل وبتحبني. أول ما شافتني جريت عليا وعينيها مليانة دموع: “رانيا.. أرجوكي اسمعيني، أنا جاية من ورا أمي وشريف.”

وقفت وبصيت لها بحنان: “في إيه يا منة؟ إيه اللي جابك يا حبيبتي؟”

قالت وهي بتنهج: “شريف ضايع يا رانيا.. من يوم ما سيبتيه وهو زي الالة، بيروح الشغل ويرجع يقعد في الشقة الجديدة الفاضية فوق أمي مبيتكلمش. وأمي راحت خطبت له بنت أختها، وجابت العفش على ذوقها زي ما كانت عايزة، وشريف وافق لمجرد إنه يعاندك ويغيظك.. بس هو مش طايق البنت ولا طايق البيت. والنهاردة الصبح حصلت مصيبة في البيت قلبت الدنيا!”

بلعت ريقي وسألتها: “مصيبة إيه؟”

منة بصت حوالي خايفة حد يشوفها وقالت بصوت واطي: “صاحب العمارة اللي أمي عطتله مقدم الجمعية طلع نصاب! الشقة أصلاً متباعة لاتنين غيرنا، والراجل لم الفلوس من كذا حد وهرب، والشرطة جت النهاردة الشارع.. الفلوس راحت، والشقة راحت، وأمي جايلها جلطة في المستشفى، وشريف قاعد في الشارع مش مستوعب إن شقا عمره كله تاه في ثانية عشان سمع كلامها!”

حسيت برعشة خفيفة في إيدي.. الدنيا دارت دورتها بسرعة مكنتش أتخيلها. بصيت لـ منة ولسه هرد عليها وأقولها هنعمل إيه، لقيت عربية تاكسي وقفت فجأة قدامنا، والباب اتفتح.. ونزل منها شريف!

شكل شريف كان يصعب على الكافر؛ هدومه مبهدلة، وشه دبلان، وعينيه حمرا من قلة النوم والصدمة. أول ما شافني، ساب أخته وبصلي بنظرة انكسار عمري ما شوفتها في حياتي، وقالي بصوت مبحوح: “ضعت يا رانيا.. ضيعت نفسي وضيعت شقايا وضيعتك من إيدي.. أمي في المستشفى وفلوسي راحت، ومفاضلش معايا غير الهدوم اللي عليا.”

وقف قدامي، والدموع نزلت من عينيه، ومد إيده يمسك طرف كم جأكيتي وهو بيقول: “أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أكتبلك شيكات، أبدأ من الصفر، أقطع علاقتي بكل حاجة تعطلني عنك.. بس ارجعيلي، متسبنيش في وسط الخراب ده لوحدي!”

في اللحظة دي، العاطفة والذكريات القديمة خبطت في قلبي خبطة جامدة، وبصيت للراجل اللي كنت بتمناه يكون سندي.. بس في نفس الوقت، افتكرت كلمته “فوتي الليلة عشان المركب تمشي على حساب كرامتك”، وافتكرت طنط هدى وهي بتهددني وتعايرني بسندوتش الفول.

وقفت في وسط الشارع، بين شريف المنهار اللي بيترجاني، وبين كرامتي اللي لسه بحاول ألملمها.. ومكنتش عارفة، هل الضربة اللي شريف أخدها دي ه تفوقه بجد و تخليه راجل يقدر يبني بيت؟ ولا الراجع في وقت الضعف هيرجع يِحن للسيطرة أول ما يقف على رجليه تاني؟

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

شريف كان مستني مني كلمة، وعينيه متعلقة بيا زي الغريق اللي بيتشعبط في قشاية. منة أخته كانت واقفة على جنب بتعيط وبتبص لي بنظرة رجاء إن أقله أطبطب عليه أو أقوله كلمة تطمنه.

في اللحظة دي، شريط الكام شهر اللي فاتوا عدى قدام عيني في ثانية؛ افتكرت كسرة خاطري وأنا واقفة في محل الفول، وافتكرت نبرة صوته المهزوزة وهو بيقولي “فوتي عشان المركب تمشي”، وافتكرت طنط هدى وهي بتقفل السكة في وشي وبتعايرني بأكلي وبتطبع رسايلي وتشهر بيا وسط الناس.

سحبت كم جاكيتي من إيده بالراحة، وأخدت نفس طويل وقولتله بنبرة هادية بس ناشفة: “شريف.. أنا مش شمتانة فيك، ولا في والدتك، يعلم ربنا إن الخراب ده ميرضيش حد، وألف سلامة على طنط هدى.. بس أنت مش جايلي عشان عرفت قيمتي يا شريف.”

بص لي بذهول وقال والدموع في عينيه: “والله العظيم عرفت قيمتك يا رانيا! أنا من يوم ما سيبتيني وأنا ميت، أنا وافقت على كل حاجة أمي قالتها عشان كنت مغمى عينيا وفاقد الأمل، بس الصدمة دي فوقتني.. عرفت إنك كنتِ صح وإنها ضيعتني!”

هزيت رأسي وقولتله: “لا يا شريف، أنت جايلي دلوقتي عشان القفص اللي أمك بنتهولك اتهد فوق دماغكم، وعشان الفلوس اللي كنت بتتحامى فيها راحت، وعشان البنت اللي خطبتها عشان تعاندني أكيد سابتك أول ما عرفت إن الفلوس طارت! أنت جايلي عشان بقيت لوحدك وعايز حد يشيل معاك الحمل، مش عشان أنت قوى وتقدر تحميني.”

منة قربت وقالت بصوت مخنوق: “عشان خاطري يا رانيا.. شريف بيحبك، وهو اتعلم الدرس خلاص، والفلوس تروح وتيجي بس متخربوش بيوتكم.”

بصيت لـ منة وقولتلها: “يا منة، بيتنا متخربش النهاردة.. بيتنا اتخرب من يوم ما شريف سمح لوالدته تدير حياته بالريموت كنترول. أنا لسه بحترم الأيام اللي كانت بيننا يا شريف، وعشان كده مش هقسى عليك في محنتك، بس الرجوع ملوش مكان هنا.”

شريف وشه جاب ألوان، وحسيت إن كلامي نزِل عليه زي السعق، سألني بصوت مرعوش: “يعني إيه يا رانيا؟ يعني مفيش فرصة تانية؟ أنا قولتلك هبدأ من الصفر وأقطع مع أي حد يعطلني!”

قولتله: “الراجل مبيقطعش مع أمه يا شريف، دي أمك وهتفضل أمك، وأنت دلوقتي مكانك في المستشفى جنبها وجنب أختك.. روح اقف جنب والدتك في مرضها، ودور على حقك وفلوسك اللي النصاب أخدها، واثبت لنفسك وللدنيا إنك تقدر تقف على رجليك من غير ما تسلّم مفتاح حياتك لحد.. ولما تعمل كل ده، وتصنع نفسك بنفسك وتكون صاحب قرارك بجد، ساعتها بس تقدر تفتح بيت.. بس مش معايا.”

سبتهم ولفيت ضهري ومشيت، خطواتي كانت سريعة وقوية، مكنتش عايزة ألتفت ورايا عشان مضعفش، لأن الحُب القديم كان لسه بيمصمص في قلبي، بس كرامتي كانت واقفة زي الحارس بتمنعني من الخطوة الغلط.

عدى أسبوعين، والموضوع بقى حديث الساعة في المنطقة؛ صاحب العمارة اتمسك في المحافظة تانية، والشرطة رجعت جزء من الفلوس بس مش كلها، والناس عرفت إن طنط هدى هي اللي جابت المصيبة لنفسها ولابنها بسبب طمعها وتحكمها، وكلام الناس اللي كان ضدي اتقلب كله وبقوا يقولوا: “يا بختها رانيا.. ربنا نجاها وفكها من الحبل قبل ما يلف حوالين رقبتها.”

طنط هدى خرجت من المستشفى، بس رجعت مكسورة، السيطرة اللي كانت عايشة بيها اتهدت، وشريف م بقاش شريف القديم.. منة كلمتني في التليفون وقالتلي إنه بقا قاطع الصوت، بيروح شغله ويرجع يقعد في الصالة مع أمه ومبيفتحش بقُه، ورفض يكمل مع بنت خالتها وفض الخطوبة تماماً.

وفي يوم جمعة، كنت قاعدة مع أمي وأحمد أخويا في البلكونة بنشرب شاي، لقيت أحمد تليفونه بيرن. رد واستمع للي بيتكلم لحوالي دقيقتين ووشه بيتغير، قفل التليفون وبصلي وقال: “رانيا.. ده كان الحاج عبد العزيز، كبِير المنطقة ورئيس لجنة المصالحات.”

أمي انتبهت وقالت: “وعايز إيه الحاج عبد العزيز؟”

أحمد بصلّي وتابع: “بيقول إن شريف وطنت هدى باعتينه وسيط.. وطنت هدى طالبة إنها تيجي بيتنا هنا بنفسها، وتعتذر ليكي وقدام أمي، ورجعت باقي فلوس الجمعية اللي الشرطة جابتها، وعايزة تكتب الشقة الجديدة اللي هيشتروها باسمك أنتِ وشريف مناصفة كـ رد اعتبار.. وطالبين كلمة شرف عشان ييجوا.”

أمي بصتلي وقالت: “الست دي كبريائها اتكسر يا رانيا، وجايلك لحد بيتك.. والقرار قرارك أنتِ لوحدك.”

وقفت في البلكونة، وبصيت للشارع.. العرض مغري، وفيه انتصار كبير لكرامتي، وحماتي اللي كانت بتتحكم هتيجي لحد عندي تعتذر، والشقة هتبقى باسمي.. بس السؤال اللي كان بيلف في دماغي: هل الاعتذار ده حقيقي ومن القلب؟ ولا مجرد انحناءة للعاصفة من طنط هدى لحد ما المية ترجع لمجاريها وتدور اللعبة من جديد؟ وما زال القرار في إيدي..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *