رجعت البيت بهدية
التليفون اتهزّ في جيبي بعد الساعة تلاتة العصر بشويّة.
على الناحية التانية من الخط، كان صوت ياسمين طالع بالعافية، مش قادر يغلب التعب والكسرة اللي فيه. بقلم منال علي
عشان خاطري… ارجع البيت.
حسيت بقبضة غريبة في قلبي.
بعدت عن دوشة المخزن اللي كنت واقف فيه بتابع شحن طلبيّة مستعجلة لشركة النقل في المنصورة، وحاولت أركز في صوتها أكتر
في إيه يا ياسمين؟ إيه اللي حصل؟
فاتت ثواني من السكوت المريب، وبعدين سمعت صوت خروشة، كأن التليفون بيتاخد منها غصب عنها بقلم منال علي
الصوت اللي ظهر بعد كدا كان معروف ليا كويس.. صوت هادي.. واثق.. وفيه حنيّة مصطنعة
ما تقلقش يا مصطفى يا حبيبي، هي بس تلاقيها مأريفة شوية وتعبانة من قلة النوم.
دي كانت أمي بقلم منال علي
أول عيل ده دايماً بيبقى كدا وبيخض.. ريح إنت وخلص شغلك، كل حاجة هنا تحت السيطرة ومتأمنة.
بصيت في الساعة.. كان فاضل ساعات قليلة وأخلص مراجعة كشوفات الشحن اللي سفرتني المنصورة من الصبح.
رغم كدا، كان فيه صوت جوايا بيصرخ ويقول إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل.
وقبل ما ألحق أصرّ على الكلام أو أسأل أكتر، الخط قطع بقلم منال علي
قضيت بقية العصر بحاول أقنع نفسي إن أمي عندها حق وإنها أدرى.
من يوم ما ابننا اتولد،
وهي مابتفوتش فرصة إلا وتقول إن ياسمين لسه خايبة ولازم تتعلم إزاي تبقى أم
بنات اليومين دول بيشتكوا من الهوا!
إحنا على أيامنا كنا بنولد من هنا ونقوم نخبز ونظف البيت من هنا ولا كنا بنعمل الدراما دي كلها!بقلم منال علي
ما تسيبش كفاحك وأكل عيشك وتجري عليها كل ما تتدلع وتقولك خايفة!
طول عمري كنت فاكر إن أمي طبعها حامي شوية بس قلبها طيب وبتخاف علينا.. لكن ياسمين عمرها ما شافت الموضوع بالشكل ده.
قبل الولادة بكام أسبوع، ياسمين حاولت تفتح معايا قلبها وتتكلمبقلم منال علي
مامتك مش طيقاني يا مصطفى.. ومش قبلاني في حياتك.
رديت عليها وقتها بشكل تلقائي ومن غير تفكير
يا حبيبتي دي ست كبيرة وطبعها شديد شوية بس والله غلبانة.
ياسمين نزلت عيونها في الأرض بحزن وقالت
لا يا مصطفى.. هي مش قادرة تتقبل إنك كبرت وبقى عندك بيت وزوجة ومسؤول عننا بقلم منال علي
يومها قولت لنفسي إنها بتبالغ عشان الهرمونات وتعب الحمل.. والنهارده، مستعد أدفع عمري كله تمن عشان أرجع لليوم ده وأسمعها بجد.
أول ما خلصت الشغل، ركبت عربيتي وطيرت على الطريق السريع من غير ما أقول لأي حد.. كنت عايز أفاجئ ياسمين وأفرحها بقلم منال علي
عديت على المحل اللي بتحب تجيب منه بسبوسة بالقشطة، واشتريت علبة كبيرة.. وبعدين دخلت محل لبس أطفال ونقيت سالوبيت كحلي صغنن وجميل لابننا.
طول الطريق كنت برسم ضحكتهم في خيالي وأنا داخل عليهم، وكنت ببتسم لوحدي زي العيل الصغير.
لكن أول ما دخلت شارعنا، فيه حاجة غريبة خطفت نظري فوراً..بقلم منال علي
بوابة البيت الحديد كانت مواربة.. والباب الخشب بتاع الشقة مش مقفول بالترباس، يدوب مسنود.
دخلت وأنا بنده بصوت عالي
يا ياسمين! يا أم حمزة!بقلم منال علي
ماحدش رد عليا.. الصمت كان مرعب.
الريحة كانت أول حاجة ضربت في مناخيري.. ريحة لبن رايب وحمضان.. أكل بايت ومعفن.. حفاضات مستعملة مرمية.. وصوت التليفزيون كان عالي جداً ببرنامج تافه.
في الصالة، لقيت أمي وأختي شيماء نايمين في سابع نومة على الكنبة.. وعلى السفرة علب كشري فاضية وقزايز حاجة ساقعة متبهدلة وأطباق متوسخة فوق بعضها.
وفجأة.. سمعت الصوت ده بقلم منال علي
ماكانش بكا عالي.. كان أنين ضعيف.. شهقات مكتومة وصوت مهدود.. كأنه استغاثة أخيرة من حد بيموت.
رميت الحاجة اللي في إيدي على الأرض وجريت على السلم لفوق زي المجنون.
وقبل ما أوصل لباب الأوضة، سمعت صوت أمي اللي كانت صحيت وجت ورايا وهي بتقول ببرود
لو تربية العيال تقيلة عليكي يا حبيبتي، ما كنش له لزوم تتجوزي وتخلفي من الأول وتتعبيلنا قلبنا!
زقيت الباب بكل قوتي بقلم منال علي
الزمن وقف بيا في اللحظة دي..
ياسمين كانت مرمية على الأرض جنب السرير.. وشها كان شاحن زي الأموات.. شفايفها متشققة ومقشرة.. كانت بتحاول ترفع إيدها ناحيتي بس ماعندهاش أي طاقة.. جسمها مهدود تماماً.بقلم منال علي
وابننا الصغير كان في سريره الفايبر، بيبكي بكا ضعيف أوي.. بكا يقطع القلب، كأن نفسه بيروح.
جريت عليهم وأنا بصرخ، شيلت ياسمين في حضني.. كانت بتغلي، حرارتها نار!
وأول ما مسكت إيدها عشان أعدلها، شوفت علامات زرقا غامقة حوالين معصم إيدها.. كأنها كانت متكتفة!
بصيت لأمي وأنا عيني بتطق شرار وصوتي بيرتعشبقلم منال علي
إيه ده؟ إيه اللي عملتوه فيها ده؟!
أمي ربعت إيدها بكل برود وقالت
ما تعملش زيطة.. تلاقيها وقعت ولا حاجة، دي بتعمل حركات عشان تلوي دراعك وتخليك تسيب شغلك وتيجي.
ياسمين فتحت عيونها بالعافية.. وخدت ثواني عشان تجمع ملامحي وتعرف إن أنا اللي واقف قدامها..
وبعدين مسكت في ياقة قميصي باللي فاضل من روحها.. وصوتها طلع همس مخنوق
خبوا تليفوني يا مصطفى… ورموا كل أدوية النفاس والحرارة بتاعتي في الزبالة…بقلم منال علي
خدت نفس عميق بالعافية ودموعها نازلة
و… والواد…
قلبي اتجمد في مكاني..
لكن عيني لقطت حاجة تانية خالص في الأوضة ما كنتش واخد بالي
لمحة نيوز
منها..
على الكومودينو جنب سرير ابني.. كان فيه قزايز قطرة ودوا شرب صغار فاضيين ومرميين على الأرض.. قزايز مخصصة للمهدئات القوية اللي بتنيم الكبار!
وفي اللحظة دي بس.. عرفت إن الموضوع ما كانش مجرد خناقة حمات وسلايف.. دي كانت جريمة كاملة بتتحاك جوه بيتي!
الأوضة غرقت في سكوت تقيل ومخيف..
لثواني مابقتش سامع فيها غير ضربات قلبي، كنت واقف ببص لياسمين وأنا مش مصدق اللي عيني شايفاه واللي قلبي رافض يستوعبه تماماً.بقلم منال علي
شيلت ابننا حمزة بين إيديا.. جسمه الصغير كان دافي وأخف بكثير من المفروض.. شفايفه وبقه ناشفين تماماً، وماكانش عنده حتى القوة إنه يصرخ أو يبكي.
عمري ما هنسى الصوت اللي كان بيطلعه.. كأن كل أنين خافت طالع منه كان رجاء أخير وصعب للمساعدة.
بصيت تاني لياسمين.. كانت شفايفها بتتحرك وبتحاول تنطق بكلمات مكسورة. نزلت على ركبي جنبها وسندت راسها
ما تتكلميش دلوقتي يا حبيبتي.. ارتاحي بقلم منال علي
مسكت إيدي بضعف شديد وقالت بصوت مهدود
كانوا… بيقولوا لي… لازم أتعلم…
الحروف تاهت منها وراحت في غيبوبة تانية قبل ما تكمل جملتها. في اللحظة دي حسيت برعشة برد غريبة ومرعبة جرت في جسمي كله.
جريت على الحمام.. بليت فوطة نضيفة مية سعة وحطيتها بالراحة على راسها عشان تهدي السخونية اللي بتاكل في جسمها.. وبعدين طلعت تليفوني بسرعة.
أمي ظهرت عند باب الأوضة وقالت بنبرة باردة ومستفزةبقلم منال علي
إنت بتهول الأمور وتعمل دراما على فاضي.. البنت مافيهاش حاجة!
ما بصتلهاش أصلاً ولا كلفت نفسي أرد عليها.
طلبت نمرة الإسعاف فوراً.. وبسرعة وصوت مرعوش شرحت للموظفة إن مراتي لسه والدة والحرارة واكلة جسمها ومستنزفة على الآخر، وإن ابني الرضيع مهدود ومابينطقش تقريباً. الموظفة طلبت مني أفضل معاها على الخط ومقفلش السكة بقلم منال علي
وأنا بجاوب على أسئلتها، سمعت صوت أمي ورايا بتبرطم
جرى إيه يا مصطفى! هتطلب إسعاف وتلم علينا الجيران والناس في المنطقة عشان شوية دلع بنات؟!
فضلت مكمل مكالمتي ومركز مع الموظفة. في اللحظة دي، أختي شيماء دخلت الأوضة وحاولت تمد إيدها عشان تاخد الواد من حضني.. بعدت عنها فوراً وبصيتلها بحدة وقلت بصوت حاسم ومخيف
لأ!بقلم منال علي
دي كانت الكلمة الوحيدة اللي قدرت أنطقها، بس كانت كافية تخليها ترجع لورا بخوف.
بعد دقايق معدودة، صوت سرينة الإسعاف رن في الشارع وكسر السكون المريب.. المسعفين طلعوا السلم جري ودخلوا الأوضة بشنطهم.
الممرضة بدأت تكشف على ياسمين وتقيس الضغط والنبض، والمسعف التاني بيبص على حمزة.. ملامح وشهم هما الاتنين اتغيرت واتقبضت في نفس اللحظة
لازم نقل فوراً على المستشفى.. الحالة حرجة!بقلم منال علي
نزلوا بياسمين على النقالة بسرعة وبحذر، وأنا ماشي وراهم وشايل ابني اللي نايم زي الملاك المنهك..
أمي كانت لسه ماشية ورايا في الشارع وبتحاول تبرر موقفها وتدافع عن نفسها وتوشوش الجيران اللي اتلموا
هي اللي كانت رافضة لقمة تدخل بقها! كانت بتنام طول الوقت وسايبة الواد.. إحنا عملنا اللي علينا وزيادة!
ماحدش من طاقم الإسعاف عبرها ولا رد عليها بكلمة واحدة.
جوة عربية الإسعاف، الدكتورة بدأت تكشف بتركيز شديد على ياسمين وتركبلها المحاليل.. وبصتلي وسألتني بنبرة مهنية عن الأدوية اللي الدكتور كاتبها ليها بعد الولادة بقلم منال علي
بصيت حواليا بحزن وقلت وصوتي بيتخنق
قالتلي إنهم رموها في الزبالة وما خلوهاش تاخد حاجة..
الدكتورة سكتت لثواني مريبة.. وبعدين سألت
ومين اللي اتجرأ وعمل كدا؟
وقبل ما أفتح بقي وأرد، سمعت صوت أمي طالع من عند باب العربية المفتوح وهي بتقول بكل ثقةبقلم منال علي
الأدوية دي كانت بتخليها مأريفة وتنام طول اليوم وتسيب ابنها.. أنا قولت نوقفها أحسن عشان تفوق لبيتها!
الدكتورة رفعت عيونها ببطء شديد.. ملامح وشها خلت من أي تعبير وبقت زي الجليد.. وسألتها بسؤال بارد ومرعب
وهي وافقت يا فندم أو فوضت حضرتك تعملي كدا وتوقفي علاج حيوي ل مريضة في فترة نفاس؟
ماحدش رد.. السكوت كان سيد الموقف.
الدكتورة رجعت تكشف على ياسمين بتركيز، وبعدين بصت لحمزة الصغير اللي كان هادي وساكت زيادة عن اللزوم.. وطلبت من المسعف يعيد قياس علاماته الحيوية ونبضه تاني.. الثواني كانت بتمر علينا جوة العربية كأنها سنين وسنين.
أول ما خلصت الكشف، خدت نفس عميق وبصتلي بنبرة قوية وثابتة عمري ما هنسى هيبتها في حياتي
بلغوا استقبال المستشفى يستعد لحالة تسمم نفاس وجفاف شديد للرضيع فوراً..بقلم منال علي
عملت وقفة بسيطة، وبصت للمسعف التاني وقالت
واطلبوا قوة من الشرطة تكون في انتظارنا أول ما نوصل عشان محتاجين نعمل محضر إثبات حالة بالواقعة دي.
ضربات قلبي بقت سريعة جداً ومرعوبة
الشرطة؟! يا دكتورة إيه الموضوع؟
بصتلي الدكتورة، وكان فيه مهنية شديدة في عيونها بس معاها شفقة وقلق حقيقي
يا أستاذ مصطفى.. فيه حالات بنكون ملزمين فيها قانوناً وإنسانياً إننا نحمي المرضى المستضعفين لما نلاقي شواهد ودلائل واضحة تتطلب التحقيق والمساءلة بقلم منال علي
ما وجهتش اتهام مباشر لأمي ولا شاورت بصابعها لحد.. رجعت تكمل شغلها بمهنية وتراعي ياسمين وحمزة بقلم منال علي
بصيت من شباك عربية الإسعاف وهي بتتحرك.. شوفت أمي واقفة على الرصيف مابتتحركش.. ولأول مرة من يوم ما وعيت على الدنيا، أشوفها واقفة عاجزة تماماً وماعندهاش أي رد جاهز تدافع بيه عن نفسها أو تهاجم
بيه غيرها.
ومع حركة الإسعاف السريعة وصوت السرينة اللي بيشق شوارع المدينة وهي بتاخد عيلتي للمستشفى، فهمت إن الرحلة دي مش مجرد مشوار للمستشفى.. دي رحلة هتغير حياتنا كلنا.. وللأبد.
لما أبواب الإسعاف اتقفلت، حسيت كأن دنيتي كلها وكل اللي عشته فضلت واقفة بره في الشارع..
كنت ماسك إيد ابني حمزة الصغيرة والطاقم الطبي شغال حواليه من غير ما يهدى ثانية واحدة. ياسمين كانت نايمة على النقالة جنبه، بتتنفس بصعوبة شديدة.. ورغم الحالة الصعبة اللي كانت فيها، أول حاجة عملتها لما فتحت عينها إنها حاولت تدور على ابننا بنظراتها المكسورة. بقلم منال علي
الدكتورة قربت مني وقالت بصوت هادي
ابنك هيتلقى الرعاية فوراً، ومراتك كمان.. دلوقتي أنا محتاجة منك تجاوبني على كام سؤال عشان نقدر نساعدهم صح.
حكيتلها كل حاجة.. السفرية اللي سافرتها، المكالمات اللي دارت بيننا، رجا ياسمين وعياطها عشان أرجع البيت، ردود أمي الباردة والمطمنة كدب، الأدوية اللي اختفت فجأة، وتليفونها اللي استخبى.. ما حاولتش أجمل صورة حد، ولأول مرة في حياتي، وقفت أقول الحقيقة كاملة ومن غير ما أداري على غلط أي مخلوق بقلم منال علي
بعد فترة قصيرة من وصولنا، دخل ضابط شرطة بالراحة للغرفة المخصصة لينا في المستشفى.. اتكلم الأول مع الدكتورة، وبعدين جه اتكلم معايا.. شرحتله كل اللي حصل، وقال إنه هيسجل أقوالي وهيبدأوا تحقيق رسمي من جهات الاختصاص.. اتكلم معايا باحترام كبير ومن غير اتهامات متسرعة أو أحكام مسبقة.. وفي اللحظة دي، ما كنش في عقلي وقلبي غير ياسمين وحمزة وبس.
الساعات اللي بعد كدا مرت كأنها سنين طويلة ومابتخلصش.. ولما خرجت دكتورة الأطفال أخيراً من غرفة الملاحظة، قلبي كان هيقف من الخوف.. بس هي ابتسمت بهدوء مطمن وقالت
ابنك استجاب للعلاج وبقى أحسن بكتير.. لسه هيفضل تحت الملاحظة شوية بس رد فعله ممتاز ومطمن جداً.
غمضت عيني.. ولأول مرة من ساعة ما دخلت شقتي وشوفت المنظر داك، قدرت أخد نفس طويل وعميق من جوه قلبي.. بعدها سمحوا لي أدخل أشوف ياسمين.. كانت لسه ضعيفة وتعبانة جداً والمحاليل في إيدها، بس بقت قادرة تتكلم.. قعدت جنب السرير، ومسكت إيدها بحنين وخوف كبير
سامحيني يا ياسمين..بقلم منال علي
الدموع نزلت وغرقت وشي وأنا بكمل كلامي
إنتي حاولتي تحذريني كتير.. أنا شوفت الخوف في عينيكي قبل ما أسافر، وسمعت رجاكي ليا وأنا على الطريق.. ورغم كدا.. صدقت كلام غيرك وجيت عليكي.
ياسمين ضغطت على صوابعي بضعف ظاهر وقالت
بس إنت رجعت يا مصطفى..
هزيت راسي بحزن وكسرة
رجعت متأخر أوي يا حبيبتي..
خدت نفس طويل وقالت
المهم إنك رجعت في الآخر.
الكلمات دي ما كانتش بتمحي العذاب اللي عاشته ولا اللي حصل، بس كانت بتفتح الباب لإننا نرجع نلم شتات حياتنا ونبنيها من جديد على نضافه.
في الأيام اللي بعد كدا، ما فارقتش سريرهم لحظة واحدة.. اتعلمت إزاي أغير الحفاضات للواد، أحضر الببرونات لما نحتاجها، وأصحى في نص الليل على همسته من غير ما حد يندهلي.. كل تفصيلة صغيرة كنت بعملها كانت بتفكرني بمسؤوليتي الحقيقية اللي اخترتها بإرادتي يوم ما قررت أفتح بيت وأبني أسرة بقلم منال علي
أمي حاولت تكلمني كتير جداً.. بعتت رسايل على الواتساب وكلمتني مكالمات ياما.. ما ردتش عليها علطول.. كان لازم الأول أهتم باللي محتاجيني بجد وبيعتمدوا عليا في كل نفس.. بعد كام أسبوع، وافقت أقابلها في مكان هادي بره البيت.
كانت باينة مكسورة، وتعبانة، وشكلها اتغير كتير.. مختلفة تماماً عن الست القوية الجبارة اللي دايماً شايفة نفسها صح في كل حاجة والكل غلط.. قعدت قدامي ومش قادرة تحط عينها في عيني، وقالت بصوت واطي
أنا كان قصدي أساعدكم..
خدت نفسي بالراحة وقولت بكل هدوء بس بحسمبقلم منال علي
المساعدة عمرها ما تكون بإنك تحرمي حد من حقه في إنه يقرر مصير صحته وعلاجه وعياله يا أمي..
فضلت ساكتة وباصة في الأرض.. كملت كلامي
إنتي يمكن ما كنتيش واخدة بالك من مصيبة وجرم اللي عملتيه.. بس تصرفاتك دي كان ليها عواقب سودة.. وعواقب كانت ممكن تدفعنا تمنها غالي أوي وتخسرنا حياتهم.. لولا ستر ربنا ولطفه.
بدأت تعيط بدموع حقيقية.. ولأول مرة في حياتي كلها، ما لقتش جوايا أي كلمة أو حركة أواسيها بيها.. فيه أوقات في الدنيا لازم الندم يمشي فيه جنب المسؤولية.. والإنسان يدوق تمن غلطته عشان يتعلم بقلم منال علي
الوقت عدى.. وياسمين رجعتلها صحتها وعافيتها وضحكتها واحدة واحدة.. وابننا حمزة كان بيكبر وصحته بقت ممتازة، ونور الشقة من جديد.. غيرنا حاجات كتير في نظام حياتنا ويومياتنا.. اتعلمت إن حماية عيلتي بتبدأ من إني أسمعهم هما الأول بقلبي وعقلي قبل ما أسمع أي حد تاني بره.. اتعلمت إن الحب مش إنك تنحاز لطرف على حساب طرف.. الحب هو إنك تشيل المسؤولية بجد وتحمي بيتك.
في صباح يوم حد مشمس، لقيت ياسمين قاعدة في البلكونة وبتهز حمزة في حضنها وبتغنيله بصوت واطي.. شمس الصبح كانت معدية من بين الشجر ومنورة وشهم.. قعدت جنبها وسألتها
بتفكري في إيه يا حبيبتي؟
ابتسمت وقالتبقلم منال علي
بفكر في إننا عدينا أصعب أيام حياتنا.. ونجينا بفضل الله.
بصيت لحمزة وهو نايم في أمان تام، وبعدين بصلتها وقلت
وأنا بوعدك..
عمري ما هسيبك تواجهي أي لحظة صعبة في حياتك تانية لوحدك.. طالما فيا نفس.
مسكت إيدي بحرارة، وما كنش فيه داعي لأي كلام تاني يتقال.. السكوت وقتها كان مليان أمان بقلم منال علي
أحياناً، الغفران مش بيجي بخطبة طويلة وكلام منمق.. الغفران بيولد ويكبر من الأفعال الصغيرة البسيطة والوعود الصادقة اللي بنكررها وبنثبتها كل يوم.. وأنا ببص لابني وهو نايم في سلام، فهمت إن الأسرة مش بتقوى بالسيطرة والتحكم وفرض الرأي في حياة بعض.. الأسرة بتقوى بالاحترام، بالثقة المتبادلة، وبالشجاعة لإننا نحمي أكتر ناس ضعاف ومحتاجين لينا في الدنيا.
وإنتوا؟ لو كنتوا مكان مصطفى، هل كنتوا هتاخدوا بالكم من الإشارات دي وتتحركوا بدري؟ تفتكروا بعد تجربة صعبة زي دي، الثقة ممكن ترجع تتبني وتتصلح مع الأهل، ولا فيه قرارات وتصرفات بتغير شكل العيلة ومكانة الناس للأبد؟