دى حتى متعرفش تقرا

دي حتى ما تعرفش تقرأ المنيو!… لكن النادلة ردّت بفرنسية بطلاقة وأسكتت زعيم أخطر عائلة في مصر
دخل ياسين عبدالعزيز، الرجل الذي يخشاه الجميع في القاهرة، إلى مطعم لو شاتوه، فتجمّد المكان كله.
كل الأنظار اتجهت نحوه. لكن الفتاة التي كانت ترافقه ارتكبت أغبى غلطة في حياتها.
ضحكت وهي تشير إلى قائمة النبيذ وقالت بسخرية دي حتى ما تعرفش تقرأ المنيو يا ياسين… حاجة تكسف.
لم تكن تعرف أن هذه النادلة تخفي سرًا قادرًا على إسقاط إمبراطورية كاملة.
وحين تكلمت سلمى أخيرًا… لم تكتفِ بقراءة المنيو.
بل أسكتت الرجل الذي لم يجرؤ أحد على معارضته.
المطر في القاهرة لم يكن يغسل شيئًا… بل كان يجعل الشوارع أكثر كآبة.
أما داخل مطعم لو شاتوه، فلم يكن للطقس أي معنى.
كانت رائحة الأطعمة الفاخرة والكمأة تمتزج برائحة المال… والخوف.
وقفت سلمى ترتب أدوات المائدة على الطاولة رقم 4، بينما كانت أصابعها ترتجف قليلًا.
لم يكن السبب البرد.
بل الجوع.
لم تتناول وجبة حقيقية منذ يومين، وكانت تعيش على بقايا الخبز التي يتركها الشيف الفرنسي في آخر الليل.
بالنسبة لزبائن المطعم، لم تكن سلمى أكثر من نادلة ترتدي زيًا أسود ومريلة بيضاء… مجرد ظل يتحرك بين الطاولات.
همس مدير الصالة وهو يمر بجوارها
بصّي في المراية يا سلمى… الطاولة رقم 4 محجوزة لعائلة عبدالعزيز.
ما إن نطق الاسم حتى خيّم الصمت على المكان.
كل شخص في القاهرة يعرف عائلة عبدالعزيز.
لم يعودوا يسيطرون على الميناء أو شركات النقل فقط…
بل أصبح نفوذهم يمتد إلى كل مكان.
أما ياسين عبدالعزيز، أصغر أفراد العائلة وأكثرهم هيبة، فكان رجلًا يكفي أن يهمس حتى يرتجف الجميع.
اشتهر بشيئين…
صمته المخيف…
وعشقه للكمال.
قالت سلمى بهدوء
أنا جاهزة يا فندم.
وأخفضت رأسها.
فهذه كانت القاعدة الوحيدة التي تعلمتها.
لا تنظر في عيون الكبار…
حتى تظل حيًا.
في تمام الثامنة مساءً، فُتحت

أبواب المطعم الثقيلة.
واختفى صوت الأحاديث تمامًا.
دخل ياسين أولًا.
كان أطول مما يبدو في الصور، يرتدي بدلة رمادية فاخرة، وساعة ثمنها يكفي لإطعام حيّ كامل.
وجهه جامد بلا أي تعبير.
وعيناه سوداوان… باردتان… لا تعرفان الرحمة.
خلفه سار حارسان ضخمان، ثم امرأة فائقة الجمال.
كانت ترتدي فستانًا أحمر يلفت كل الأنظار.
اسمها داليا، فتاة مجتمع تحلم بأن تصبح زوجة ياسين مهما كان الثمن.
قادهم مدير الصالة إلى الطاولة رقم 4…
وهي طاولة سلمى.
انتظرت نصف دقيقة، ثم اقتربت.
كان قلبها يخبط بقوة.
هي تحتاج هذه الوظيفة.
وتحتاج الإكرامية.
فإيجار شقتها متأخر ثلاثة أسابيع، وصاحب البيت هدّد بطردها قبل نهاية الأسبوع.
قالت بهدوء
مساء الخير… تحبوا مياه عادية ولا غازية؟
لم يرفع ياسين عينيه.
كان ينظر إلى ساعته فقط.
وأشار بيده بلا اهتمام.
أما داليا، فنظرت إلى سلمى باحتقار واضح.
من حذائها البسيط…
إلى ملابسها الباهتة.
بالنسبة لها، لم تكن سلمى إنسانة.
بل مجرد خادمة.
قالت بحدة
مياه غازية… وهاتي قائمة النبيذ الفاخر، مش القائمة العادية.
عادت سلمى بعد لحظات وهي تحمل القائمة الجلدية الثقيلة.
وضعتها أمام ياسين.
لكنه دفعها نحو داليا وقال
اقريها إنتِ… دماغي واجعاني.
ابتسمت داليا بثقة.
لكن ما إن فتحت القائمة حتى اختفت ابتسامتها.
فالقائمة كانت مكتوبة بالفرنسية القديمة، بخط يد معقد لا يستطيع قراءته إلا خبير.
قلبت الصفحات بتوتر.
ثم ضحكت لتخفي ارتباكها.
وقالت
كله فرنسي… خلاص نطلب أي نوع وخلاص.
رفع ياسين رأسه لأول مرة وقال ببرود
أنا عايز زجاجة بوردو 1982.
طلعيها.
ارتبكت داليا أكثر.
وأشارت إلى اسم عشوائي.
وفي أثناء صب المياه، وقعت عين سلمى على السطر الذي اختارته.
لم يكن بوردو أصلًا…
بل نوعًا رخيصًا من النبيذ.
همست سلمى دون قصد
في الحقيقة…
لكن داليا قاطعتها بسرعة، بعدما شعرت بالإحراج.
ثم انفجرت ضاحكة وقالت بصوت سمعه كل من في المطعم
اسألوها هي!
بصي عليها…
واقفة تبص في المنيو كأنها بتحل امتحان رياضيات.
دي أصلًا ما تعرفش تقرأ المنيو يا ياسين…
بقت المطاعم تشغّل أي حد وخلاص!
ساد الصمت.
وتوقفت الملاعق في الهواء.
ورفع ياسين رأسه للمرة الأولى…
ونظر إلى سلمى بتركيز.
تأمل ملابسها البسيطة…
وحذاءها القديم…
وعينيها المرهقتين.
ثم سألها بصوت هادئ لكنه مرعب
الكلام ده صحيح؟
إنتِ فعلًا ما تعرفيش تقري المنيو؟
كان سؤالًا لا مفر منه.
لو قالت نعم…
ستخسر وظيفتها.
ولو قالت لا…
فستكون كأنها تعترض على الزبون.
ابتسمت داليا بانتصار وقالت
طبعًا ما تعرفش… روحي هاتي حد فاهم بدلِك.
وقفت سلمى في مكانها.
لم يكن ما آلمها هو الإهانة…
بل أنهم افترضوا أنها جاهلة.
هم لم يروا إلا نادلة فقيرة.
ولم يعرفوا أن سلمى كانت يومًا من ألمع الطالبات، وتجيد الفرنسية بطلاقة، وأنها ابنة دبلوماسي مصري سابق، قبل أن تدمر الديون حياة أسرتها وتجبرها على بدء حياة جديدة من الصفر…
حكايات_ميراا
ثبتت سلمى يدها على حافة الصينية حتى لا يلاحظ أحد ارتجاف أصابعها.
ثم رفعت رأسها للمرة الأولى.
ليس بتحدٍ…
بل بهدوء غريب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، والتفتت إلى ياسين مباشرة، وقالت بالفرنسية بطلاقة
Monsieur pardonnezmoi… mais la bouteille que Madame a choisie nest pas un Bordeaux 1982. Cest un vin de table produit dans une région différente et il ne convient pas du tout au plat que le chef vous a préparé.
ساد صمت ثقيل.
لم يفهم معظم الموجودين كلمة واحدة.
لكن وجه ياسين…
تغير.
رفع عينيه إليها ببطء، وكأنه يسمع صوتًا يعرفه منذ زمن بعيد.
أما داليا، فظلّت تبتسم لثوانٍ وهي تظن أن سلمى تتمتم بكلام عشوائي…
إلى أن قال ياسين، بنفس اللغة الفرنسية
ومن علّمكِ كل هذا؟
ردت سلمى فورًا، من غير أي تردد
والدي… قبل أن يخسر كل شيء.
اختفت ابتسامة داليا تمامًا.
ونظرت حولها، ثم قالت بعصبية
هي… هي بتقول إيه؟
لم يجبها أحد.
حتى مدير الصالة كان ينظر إلى سلمى وكأنه يراها لأول مرة.
اقترب الشيف الفرنسي بنفسه من باب المطبخ بعدما سمع الحوار.
كان اسمه جان بيير، ولم يسبق أن سمع سلمى تتحدث الفرنسية أمام أحد.
همس بدهشة
مستحيل…
كل هذه الشهور وهي تخفي مستواها؟
أشار ياسين إلى القائمة.
وقال بهدوء
كمّلي.
أخذت سلمى القائمة بين يديها.
ولم تكتفِ بقراءة أسماء الزجاجات…
بل بدأت تشرح سنة الإنتاج، واختلاف مزارع العنب، وأسباب ارتفاع سعر بعض الأنواع، وأي طبق يناسب كل زجاجة.
كانت تتحدث بثقة أذهلت الجميع.
حتى الشيف كان يهز رأسه موافقًا على كل كلمة.
أما داليا…
فبدأ العرق يتجمع على جبينها.
لأول مرة تشعر أن الكرسي الذي تجلس عليه أصبح ضيقًا جدًا.
وفجأة…
قاطعها ياسين بسؤال واحد.
إذا كنتِ تعرفين كل هذا…
فلماذا تعملين نادلة؟
سكتت سلمى ثواني.
ثم قالت بصوت منخفض
لأن الشهادة لا تطعم الجائع…
ولأن البنوك لا ترحم.
ساد الصمت مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
لم يكن صمت خوف.
بل صمت احترام.
وفي تلك اللحظة، خرج رجل مسن من آخر الصالة.
كان يحمل بيده عصا خشبية، ويرتدي بدلة قديمة أنيقة.
ما إن وقعت عيناه على سلمى حتى تجمد مكانه.
ثم همس بصوت مرتعش
مستحيل…
سلمى… بنت السفير محمود النجار؟
التفتت سلمى فجأة.
واتسعت عيناها.
عرفت الرجل فورًا…
لكنه كان آخر شخص توقعت أن تراه في هذا المكان.
أما ياسين…
فما إن سمع اسم محمود النجار حتى اختفى هدوؤه لأول مرة.
وأطبق أصابعه بقوة على حافة الطاولة…
كأنه تذكر شيئًا دفنه منذ سنوات طويلة…شهقت داليا وهي تنظر بين الرجل العجوز وسلمى.
أما مدير الصالة، فابتلع ريقه وهو يهمس
حضرتك… تعرفها؟
اقترب الرجل بخطوات بطيئة، وعيناه لا تفارقان وجه سلمى.
وقال بصوت اختلط فيه الذهول بالحزن
عرفتها وهي طفلة… كانت تيجي مع والدها السفير كل أسبوع تقريبًا… وكانت بتتكلم فرنسي أحسن من الدبلوماسيين نفسهم.
انخفضت عينا سلمى إلى الأرض.
لم تكن تريد أن يسمع أحد هذا الكلام.
فالماضي بالنسبة لها…
كان بابًا أغلقته بيديها.
لكن ياسين
لمحة نيوز

لم يبعد نظره عنها.
وسأل الرجل
إنت مين؟
رد بهدوء
اسمي نبيل فوزي… كنت المستشار القانوني للسفير محمود النجار قبل وفاته.
اتسعت عينا سلمى.
أستاذ نبيل…
إنت لسه عايش؟
ابتسم بحزن.
ووعدي لوالدك لسه عايش معايا كمان.
ساد الصمت من جديد.
أما داليا، فشعرت أن الحديث كله خرج من بين يديها.
فقالت وهي تضحك باستهزاء
يعني إيه؟ كل ده عشان كانت بنت سفير؟ وفي الآخر واقفة بتقدم أكل!
نظر إليها الرجل العجوز نظرة حادة.
وقال
لو تعرفي مين والدها بجد… ما كنتيش نطقتي الكلمة دي.
أمسك ياسين بكوب الماء، لكنه لم يشرب.
قال بهدوء
كمل.
تنهد نبيل.
قبل خمسة عشر سنة… والدها رفض يوقّع على صفقة كانت هتبيع جزء من ممتلكات الدولة بثمن بخس. ناس كتير خسرت ملايين بسبب رفضه… ومن يومها بدأت الحرب عليه.
ارتجف وجه سلمى.
كانت تعرف أجزاء من الحكاية…
لكنها لم تعرفها كاملة.
وأضاف الرجل
اتلفقت له قضايا… واتجمدت حساباته… واتباعت ممتلكاته… وفي أقل من سنة، الأسرة كلها كانت مفلسة.
ساد الصمت.
حتى الشيف خرج من المطبخ ووقف يستمع.
لكن الشيء الغريب…
أن ياسين لم يبدُ متفاجئًا.
بل بدا وكأنه يعرف القصة.
لاحظت سلمى ذلك.
فسألته لأول مرة
حضرتك… كنت تعرف والدي؟
رفع ياسين عينيه إليها.
ولم يجب مباشرة.
بل قال جملة أربكت كل من في المطعم
مش بس أعرفه…
أنا مدين له بحياتي.
وفجأة…
رن هاتف ياسين.
نظر إلى الشاشة.
واختفت ملامح وجهه تمامًا.
كان اسم المتصل
العم فؤاد.
ضغط على زر الرد، وما إن سمع أول جملة، حتى وقف من مكانه بعنف.
ثم نظر إلى سلمى نظرة مختلفة تمامًا، وقال بصوت منخفض
محدش يخرج من المطعم…
لأن اللي كنت بدور عليه بقاله عشر سنين…
واضح إنه وصل لحد هنا بنفسه تبادل الحارسان النظرات بسرعة.
وأغلق أحدهما باب المطعم الرئيسي بهدوء، بينما اتجه الآخر نحو الباب الخلفي.
في أقل من عشر ثوانٍ…
تحول المطعم الفاخر إلى مكان لا يستطيع أحد مغادرته.
ارتبك الزبائن.
وبدأ الهمس ينتشر بين الطاولات.
أما داليا، فاقتربت من ياسين وهمست بعصبية
إيه اللي بيحصل؟!
رفع يده دون أن ينظر إليها.
إشارة واحدة…
كانت كافية لتسكت.
ثم أعاد الهاتف إلى أذنه وقال
متأكد؟
ساد صمت قصير.
ثم قال بصوت أخفض
خليه تحت المراقبة… ومحدش يقرب منه لحد ما أتأكد بنفسي.
أنهى المكالمة.
والتفت إلى سلمى.
من ساعة ما دخلت المطعم… حد سأل عليكي؟
هزت رأسها بالنفي.
لا.
حد بعتلك جواب؟ رسالة؟ قابلِك بره؟
أبدًا.
قبل أن يرد…
اندفع عامل التوصيل الصغير من باب المطبخ وهو يلهث.
كان يحمل ظرفًا بنيًا صغيرًا.
وقال لمدير الصالة
واحد بره أصرّ إن الظرف ده يتسلم للنادلة سلمى… وقال إنه لازم يتفتح قدام الأستاذ ياسين.
تجمد الجميع.
أخذ ياسين الظرف بنفسه.
قلبه بين يديه.
لم يكن مكتوبًا عليه سوى كلمة واحدة…
سلمى.
ولا يوجد اسم مرسل.
ولا عنوان.
ولا حتى طابع بريد.
فتح الظرف ببطء.
خرجت منه صورة قديمة.
اصفرّ لونها من الزمن.
نظر إليها ياسين…
فتغير وجهه بالكامل.
مد يده إلى الطاولة ليستند عليها.
حتى نبيل اقترب وهو يردد
مستحيل…
التفتت سلمى لترى الصورة.
وما إن وقعت عيناها عليها…
شهقت.
كانت صورة التقطت منذ أكثر من عشرين عامًا.
تجمع رجلين وشخصًا صغيرًا.
الرجل الأول…
والدها.
أما الرجل الثاني…
فكان والد ياسين عبدالعزيز.
أما الطفلان الواقفان أمامهما…
فكان أحدهما ياسين وهو في العاشرة.
والطفلة الأخرى…
كانت سلمى.
تراجعت خطوة للخلف.
أنا… أنا عمري ما شفت الصورة دي.
قلب ياسين الصورة.
وكان على ظهرها سطر واحد بخط يد قديم
إذا وصلت هذه الصورة إلى ياسين وسلمى… فاعرفا أن الحقيقة لم تُدفن، وأن الخائن لم يمت.
وفي اللحظة نفسها…
دوّى صوت ارتطام قوي من خارج المطعم.
ثم انطفأت الأنوار فجأة.
وغرق المكان كله في ظلام دامس…
ولم يُسمع سوى صرخة امرأة من آخر الصالة لثوانٍ…
لم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يضرب زجاج المطعم…
ثم الصرخة.
أخرج أحد الحراس كشافًا صغيرًا وأضاءه.
تحرك الضوء بين الطاولات بسرعة.
الزبائن كانوا في أماكنهم…
لكن كرسيًا واحدًا فقط كان فارغًا.
شهقت داليا.
فين نبيل؟!
التفت الجميع.
الرجل العجوز…
اختفى.
وكأنه تبخر.
قال ياسين بحدة
اقفلوا كل المداخل… حالًا!
انطلقت الحراسة في كل اتجاه.
بعد أقل من دقيقة، عادت الكهرباء.
عاد الضوء إلى المطعم…
لكن المفاجأة لم تكن اختفاء نبيل.
بل ما كان موضوعًا فوق كرسيه.
ملف أسود قديم.
لم يكن موجودًا قبل انقطاع الكهرباء.
تقدم ياسين ببطء، وارتدى قفازًا جلديًا كان يحمله أحد الحراس.
فتح الملف بحذر.
أول صفحة جعلته يضيق عينيه.
كانت تحمل عنوانًا واحدًا بخط أحمر كبير
مشروع العنقاء سري للغاية.
وتحت العنوان…
قائمة أسماء.
أسماء رجال أعمال، ومسؤولين، وشركات كبرى.
وفي منتصف القائمة…
كان اسم عائلة عبدالعزيز.
نظر ياسين بسرعة إلى الصفحة التالية.
ثم أغلق الملف بعنف.
تغير لون وجهه.
لاحظت سلمى ذلك.
وقالت
إيه اللي فيه؟
رفع رأسه إليها.
ولأول مرة…
ظهر على وجهه شيء يشبه القلق.
لو اللي في الملف ده حقيقي…
يبقى فيه حد قضى عشرين سنة بيجمع أدلة ضد ناس أقوى من أي حد يتخيله.
في تلك اللحظة…
دخل أحد الحراس مسرعًا وهو يلهث.
باشا… راجعنا الكاميرات.
و؟
وقت انقطاع الكهرباء… الكاميرات كلها فصلت.
إلا كاميرا واحدة.
رفع ياسين حاجبه.
فين؟
رد الحارس وهو يناوله جهازًا لوحيًا
الكاميرا اللي فوق باب المطبخ… اشتغلت خمس ثواني بس.
شغّل ياسين المقطع.
تجمع الجميع حول الشاشة.
ظهر نبيل وهو يقف بجوار كرسيه.
ثم اقترب منه رجل يرتدي معطفًا أسود وقبعة تخفي وجهه.
سلّمه الملف.
وهمس في أذنه بجملة لم يسمعها أحد.
بعدها…
اختفى الرجل من زاوية الكاميرا.
لكن نبيل لم يتحرك خلفه.
بل التفت فجأة…
ونظر مباشرة إلى الكاميرا.
وكأنه يعرف أنها تسجله.
ثم قال بوضوح، دون صوت يمكن سماعه.
لكن حركة شفتيه كانت واضحة جدًا.
اقتربت سلمى من الشاشة.
وقرأت الكلمات بصعوبة…
فتجمد الدم في عروقها.
همست
قال…
الخائن… يعمل هنا.
وساد الصمت.
لأن كل الموجودين في المطعم…
موظفين…
وشيف…
ومدير…
وحراس…
بل وحتى الزبائن…
أصبحوا فجأة محل شك تبادل الجميع النظرات في توتر.
مدير الصالة بدأ يتصبب عرقًا.
الشيف الفرنسي خلع قبعته ووضعها على الطاولة وهو يردد
هذا جنون… لا يمكن أن يكون أحد من فريقي.
لكن ياسين لم يعلق.
أعاد تشغيل المقطع مرة ثانية…
وثالثة…
ثم أوقفه عند آخر إطار.
ضيق عينيه.
كبّر الصورة.
ضغط الحارس على الشاشة.
ظهر انعكاس خافت في الزجاج خلف نبيل.
لم يكن واضحًا في البداية.
لكن بعد تكبيره…
بانت يد شخص يقف خلف الستارة المؤدية إلى المطبخ.
وفي معصمه…
ساعة فضية مميزة.
تجمدت ملامح ياسين.
كان يعرف تلك الساعة.
نظر فجأة إلى جميع العاملين.
واحدًا تلو الآخر.
كلهم كانوا ينظرون إليه في خوف…
إلا شخصًا واحدًا.
كان يقف في آخر الصالة، ويحاول إخفاء يده داخل جيب سترته.
قال ياسين بصوت حاد
طلّع إيدك.
ارتبك الرجل.
كان مساعد مدير الصالة، اسمه حسام.
ابتلع ريقه.
باشا… حضرتك فاهم غلط.
قلت… طلّع إيدك.
أخرجها ببطء.
لكن معصمه كان خاليًا.
لا توجد ساعة.
ابتسم حسام ابتسامة مرتبكة.
شايف؟ مفيش حاجة.
وقبل أن يتنفس أحد الصعداء…
قالت سلمى فجأة
لأنه خلعها.
التفت الجميع إليها.
أشارت إلى سلة القمامة المعدنية بجوار مكتب الاستقبال.
من خمس دقايق… شوفته واقف هناك، وحط حاجة بسرعة قبل ما الكهرباء ترجع.
أشار ياسين لأحد الحراس.
ذهب مباشرة إلى السلة.
بدأ يفتش فيها.
وبعد لحظات…
رفع يده.
كانت بداخلها ساعة فضية.
نفس الساعة التي ظهرت في انعكاس الكاميرا.
اصفر وجه حسام.
وتراجع خطوة للخلف.
لكن ياسين لم يتحرك.
قال بهدوء مخيف
ليه رميتها؟
ارتبك حسام.
اتكسرت… كنت هرميها بس.
ردت سلمى فورًا
لا.
نظر إليها ياسين.
قالت بثقة
الساعة دي كانت شغالة لما شفتها على إيده قبل انقطاع الكهرباء بدقائق.
ساد الصمت.
اقترب الحارس من حسام.
لكنه فجأة دفعه بكل قوته، واندفع ناحية باب الطوارئ.
فتح الباب…
وجرى تحت المطر.
صرخت داليا
بيهرب!
وفي اللحظة نفسها، انطلق الحارسان خلفه، بينما وقف ياسين مكانه دون أن يتحرك.
نظر إلى سلمى وقال بهدوء
الهروب مش معناه إنه الخائن…
أحيانًا بيكون معناه إنه خايف من الخائن الحقيقي.
وفي الخارج…
دوّى صوت اصطدام سيارة أعقبه صرير فرامل حاد.
ثم…
إطلاق

نار واحد فقط.
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى الباب المفتوح…
في انتظار أن يعرفوا
هل سقط حسام…
أم الشخص الذي كان يطارده؟اندفع الحارسان إلى الخارج وسط المطر الغزير.
أما ياسين…
فلم يتحرك خطوة واحدة.
كان ينظر إلى الباب المفتوح وكأنه يعرف ما سيجده قبل أن يراه.
بعد أقل من دقيقة…
عاد أحد الحراس وهو يلهث.
وجهه شاحب.
وثيابه مبللة بالكامل.
قال بصوت متقطع
باشا…
حسام… مات.
شهقت داليا، بينما وضعت سلمى يدها على فمها من شدة الصدمة.
سأل ياسين بهدوء غريب
رصاصة؟
هز الحارس رأسه.
لا… عربية سوداء خبطته وهو بيجري… وبعدها اختفت في ثواني. محدش لحق يشوف النمرة.
ساد الصمت.
ثم أضاف الحارس جملة أربكت الجميع
لكن قبل ما يموت…
كان ماسك حاجة في إيده.
فتح كفه ببطء.
كانت قطعة معدنية صغيرة… تشبه مفتاحًا قديمًا، منقوشًا عليه رقم واحد فقط
17
أخذها ياسين وتأملها طويلًا.
وفجأة…
تقدمت سلمى خطوة.
اتسعت عيناها.
المفتاح ده…
نظر إليها الجميع.
قالت بصوت مرتجف
شفته قبل كده.
اقترب منها ياسين بسرعة.
فين؟
ابتلعت ريقها.
في مكتب بابا…
كان عنده صندوق حديدي صغير… ومكتوب عليه الرقم 17.
لكن بعد وفاته…
الصندوق اختفى.
نظر نبيل… ثم تذكرت سلمى فجأة.
توقفت عن الكلام.
وجهها شحب.
همست
لا…
مستحيل.
سألها ياسين
إيه؟
قالت وهي تحاول استرجاع الذكريات
قبل ما بابا يموت بأيام… سمعته بيقول لماما جملة واحدة…
لو حصل لي حاجة… المفتاح 17 أمانة عند الشخص الوحيد اللي عمره ما هيخون.
رفع ياسين المفتاح أمام عينيه.
ثم قال ببطء
السؤال دلوقتي…
مين هو الشخص ده؟
وفي تلك اللحظة…
رن هاتف سلمى.
رقم مجهول.
ترددت.
لكن ياسين أشار إليها أن ترد.
فتحت المكالمة، وضغطت على مكبر الصوت.
جاء صوت رجل عجوز، هادئ لكنه متعب
يا سلمى…
لو سمعتي الرسالة دي…
يبقى هم سبقوني.
تجمدت في مكانها.
كان الصوت…
صوت والدها.
تسجيل قديم لم تسمعه من قبل.
ثم أكمل التسجيل
أوعي تثقي في أي حد… حتى لو كان اسمه عبدالعزيز…
وانقطع التسجيل فجأة.
رفع الجميع أنظارهم إلى ياسين…
بينما ظل هو واقفًا بلا حركة، وعيناه معلقتان بالمفتاح رقم 17، وكأن الرسالة أصابته في أعمق نقطة لا يعرفها أحد ظل الصمت يسيطر على المطعم لعدة ثوانٍ.
كل الأنظار اتجهت نحو ياسين.
أما هو…
فلم يغضب.
ولم ينفِ ما سمعه.
أغلق عينيه للحظة، ثم قال بهدوء
كمّلوا التسجيل.
هزّت سلمى رأسها.
التسجيل خلص.
مدّ ياسين يده.
اديني الموبايل.
أعطته الهاتف بتردد.
ضغط عدة أزرار، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة.
الرسالة دي متسجلة على جزئين… اللي بعتها كان قاصد يوصل الجزء الأول بس.
نظر إليه الجميع بدهشة.
ظهر على الشاشة ملف ثانٍ مخفي.
ضغط عليه.
وانطلق صوت السفير محمود النجار من جديد
لو سمعت الجزء ده… يبقى ياسين اختار يسمع الحقيقة بنفسه.
اتسعت عينا ياسين.
أما سلمى، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
واصل التسجيل
يا ياسين… لو أنت قدامي دلوقتي، فأنا آسف. كنت عارف إنك هتكبر شايل ذنب مالكش علاقة بيه.
ارتجفت يد ياسين.
وأكمل الصوت
الناس كلها هتقول إن عائلة عبدالعزيز دمرت حياتي… لكن الحقيقة أصعب من كده.
توقف التسجيل لثانية بسبب تشويش.
ثم عاد.
في العائلة دي… كان فيه واحد بس حاول ينقذني.
نظر ياسين إلى الأرض.
وكأنه يعرف من يقصده.
ثم جاء الاسم…
لكن التشويش عاد في نفس اللحظة.
واختفت الكلمة بالكامل.
ضرب ياسين الطاولة بقبضته لأول مرة.
لا…
نظر الحارس إلى الهاتف.
الملف تالف يا باشا.
قالت سلمى بصوت منخفض
يعني الاسم ضاع؟
أجاب ياسين وهو يحدق في الشاشة
لا…
حد لعب في التسجيل قبل ما يوصلك.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا يحمل ظرفًا شفافًا.
باشا… لقيناه في جيب حسام.
فتح ياسين الظرف.
كان بداخله إيصال قديم من خزينة أحد البنوك.
وفي أسفله مكتوب بخط اليد
الخزنة رقم 17.
تبادل ياسين وسلمى النظرات.
المفتاح الذي وُجد مع حسام…
والرقم المكتوب على الإيصال…
كانا يتطابقان تمامًا.
رفع ياسين رأسه وقال بحسم
واضح إن حد كان مستعد يقتل عشان يمنعنا نوصل للخزنة دي.
ثم طوى الإيصال ووضعه في جيبه.
وأضاف
بكرة الصبح… هنفتح الخزنة.
ولم يكن أحد في المطعم يعلم…
أن الشخص الذي كان يجلس في آخر القاعة، مرتديًا قبعة سوداء ويقرأ جريدة منذ بداية الليلة…
كان قد سمع كل كلمة.
ابتسم بهدوء.
ثم أخرج هاتفًا صغيرًا، وأرسل رسالة من ثلاث كلمات فقط
اتجهوا إلى البنك.
وبعد ثوانٍ…
جاءه الرد
تم… وسيصلون قبلهم في صباح اليوم التالي…
توقفت ثلاث سيارات سوداء أمام البنك القديم في وسط القاهرة.
نزل ياسين أولًا.
وخلفه سلمى…
ثم أربعة من رجال الأمن.
لكنهم لم يكونوا وحدهم.
على الجانب الآخر من الشارع…
كانت سيارة مظللة النوافذ تراقبهم منذ الفجر.
ابتسم الرجل الجالس بداخلها وقال
خلاص… وصلوا للخزنة.
دخل ياسين وسلمى إلى غرفة الخزائن.
تقدم الموظف المسن وهو يحمل سجلًا قديمًا.
نظر إلى المفتاح رقم 17، ثم تغيرت ملامحه.
وقال
آخر مرة الخزنة دي اتفتحت… كانت من عشرين سنة.
أدخل المفتاح.
ثم أدار المقبض.
صدر صوت معدني ثقيل…
وانفتح الباب.
داخل الخزنة…
لم تكن هناك سبائك ذهب.
ولا أموال.
بل صندوق خشبي صغير، ومغلف أصفر، وشريط فيديو قديم.
فتح ياسين المغلف أولًا.
كانت بداخله رسالة بخط السفير محمود النجار.
بدأ يقرأ بصوت مرتفع
إذا وصلتم إلى هنا… فاعلموا أن الحقيقة نجت أخيرًا.
ثم أكمل
لم تكن عائلة عبدالعزيز هي عدوي… بل شخص واحد تسلل إليها واستغل اسمها ونفوذها لسرقة الموانئ، وتهريب الأموال، وتلفيق القضايا لكل من يعترض طريقه.
فتح الصندوق الخشبي.
وجد بداخله عشرات المستندات الأصلية…
وتسجيلات صوتية…
وعقودًا موقعة.
كلها تثبت أن العقل المدبر لم يكن ياسين…
ولا والده…
بل فؤاد عبدالعزيز، عم ياسين، الذي كان يدير كل شيء من خلف الستار، ويستخدم اسم العائلة ليحمي نفسه.
ساد الصمت.
أغلق ياسين عينيه.
ثم قال بصوت مكسور
طول عمري فاكر إن عمي هو اللي رباني…
طلع هو اللي دمر حياة أبويا… ودمر حياة والدك.
وفي اللحظة نفسها…
دخلت قوات الشرطة والنيابة إلى البنك.
لم تكن صدفة.
فنبيل…
لم يمت ولم يُختطف.
كان مختبئًا طوال الوقت بالتنسيق مع النيابة، حتى يجمع آخر دليل ويدفع الخائن إلى ارتكاب أخطائه.
وبفضل المستندات الموجودة في الخزنة…
تم القبض على فؤاد عبدالعزيز وعدد من شركائه.
وسقطت الإمبراطورية التي بُنيت على الكذب والفساد.
أما ياسين…
فوقف أمام قبر السفير محمود النجار بعد أيام.
ووضع الرسالة فوق شاهد القبر.
وقال بصوت هادئ
سامحني… اتأخرت عشرين سنة أعرف الحقيقة.
ثم التفت إلى سلمى.
وقال
والدك حافظ على شرفه لحد آخر نفس… وأنا هحافظ على اسمه طول عمري.
ابتسمت سلمى لأول مرة منذ سنوات.
لم تعد مجرد نادلة فقيرة…
بل استعادت اسم والدها، وكرامته، ومستقبلها.
وبعد عدة أشهر…
افتتحت مطعمًا صغيرًا يحمل اسم النجار، تكريمًا لوالدها.
وكان أول زبون يدخل المطعم…
هو ياسين.
جلس على الطاولة رقم 4.
نفس الرقم الذي بدأت عنده الحكاية.
ابتسمت سلمى وهي تضع أمامه قائمة الطعام، وقالت مازحة
تحب أقراهالك… ولا المرة دي هتقراها بنفسك؟
ضحك ياسين لأول مرة دون خوف أو حواجز.
وانتهت القصة…
بعد أن انتصرت الحقيقة، ولو تأخرت سنوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *