انا وجوزي حكايات روماني مكرم التالت
**الجزء الرابع**
وقفت على باب الشقة في الدور الثالث، والعين بالعين. الست كانت واقفة مصدومة، إيدها الممسكة بالطفل كانت بتتنفض، وعينيها بتتنقل بين وشي وبين العمارة والهواء اللي حوالينا كأنها بتدور على مخرج أو حلم تصحى منه. الطفل الصغير اللي في حضنها، أبو سنة وكم شهر، كان عمال يعيط بصوت مكتوم، وشعره الناعم النازل على جبهته كان يفكرني بنفس ملامح النذل اللي كان نايم في سريره مكسر ومجبس!
— إنتي… إنتي جيهان؟! — نطقَت اسمها بالعافية، وصوتها كان طالع بصعوبة كأن حلقها جاف.
— أيوه، جيهان.. الزوجة الشرعية الأولى اللي جوزك المحترم كان بيبني سعادته على قفاها، وبيعرق في شغله —على أساس— عشان يكفي بيتها، وهو بياخد خيرها وشرها ويرميه هنا تحت رجليكي! — قلت الكلام ده وأنا بزيح الباب بإيدي ببطء وبخطوة واثقة فرضت نفسي جوة الصالة.
الشقة جوة كانت مفروشة بعناية، أثاث مودرن، وريحة بخور مالية المكان، وصور صغيرة محطوطة على البرنيطة في مدخل الشقة.. صور له وهو ضاحك وفرحان، ماسك الطفل ومقعده على ركبته، صور مكنتش شفت لها أثر في بيتي ولا عمره ضحكها معايا بالصفاء ده! النار اللي كانت خامدة جوة صدري رجعت تشيط وتولع من جديد، بس مسكت نفسي بكل ثبات وحطيت شنطتي على الترابيزة وقعدت، وحطيت رجل على رجل.
الست قفلت الباب ببطء شديد، وحطت الولد في المشاية بتاعته عشان يلهي نفسه، وقفت قدامي وهي ساندة على حيطة الصالة، وشها أبيض زي الملاية، ونبرة الخوف اختلطت بذهول غريب:
— إنتي عرفتي المكان ده إزاي؟ هو… هو اللي قالك؟ هو جراله حاجة؟! بقاله أسبوع ما بيجيش، وتليفونه مقفول، وكل ما أكلمه يديني غير متاح أو يترد عليا بصوت ناس غريبة وتقول الحادثة ومستشفى!
ضحكت.. ضحكة طويلة، عالية، رنت في الشقة كلها وخلت الطفل يبص لي ويسكت من العياط.
— حادثة؟! — قلتها بصوت منخفض ومحمل بالاستهزاء — هو قالك حادثة برضه؟ ما شاء الله، الراجل ده عنده سيناريو حادثة جاهز لكل الستات اللي في حياته! لأ يا حبيبتي، ما جرالوش حادثة ولا حاجة.. جوزك المحترم اتعجن ضرب! اتكسرت رجله ودراعه ووشه بقى أزرق زي النيل، وأنا اللي أكلته العلقة دي بأيدي ومن تحت لتحت، وقاعد دلوقتي في بيت أهله زي الفراخ المبلولة، مش قادر يتنفس ولا يرفع راسه!
الست حطت إيدها على بقها، وعينيها اتسعت لدرجة الرعب:
— ضرب؟! إنتي بتتكلمي عن إيه؟ مين اللي ضربه؟ وإنتي عملتي إيه؟!
قمت من مكاني، وقربت منها خطوات بطيئة لحد ما بقيت واقفة قصادها تماماً. بصيت في عينها بثبات وقلت:
— أنا اللي كشفته.. كشفت الشات بتاعه مع أخت فلان الفلاني، وبعت لأخوها، وأخوها وأولاد عمه نزلوا فيه ضرب في مكان شغله ومسحوا بيه بلاط الشارع! وكشفت ورقة جوازه منك اللي كان مخبيها تحت الرف المطبخ في دولابي! وقبليها، البنت اللي كان بيكلمها ويضحك عليها وعليكي وشارب من فلوسها هي كمان، هي اللي كشفت لي سر الشقة دي وسرك أنت بالذات!
الست قعدت على أقرب كرسي كأن كتافها اتخلعت، ودفنت وشها بين إيديها وبدأت تبكي بانهيار:
— والله العظيم أنا ما ظلمتكيش! والله العظيم هو اللي جالي وقال لي إنه مطلقك من زمان!
رفعت رأسي فوق وقلت لها بنبرة جافة:
— مطلقني؟! ما شاء الله.. وسنتين كاملين إنتي عايشة معاه في اللعبة دي ومصدقة إنه مطلقني؟ ومسألتيش نفسك مرة واحدة هو ليه بيجي لك في أوقات متقطعة؟ ليه ما بيباتش عندك كل يوم؟ ليه ما بتشوفيش أهله ولا حد من عيلته بيعزمك ولا بيعترف بيكي؟!
رفعت وشها والدموع نازلة مغرقة خدودها، وقالت بصوت مكسور:
— قال لي إن بينكم قضايا ونزاعات على الشقة والمنقولات، وإن أهله واقفين معاكي أنت عشان قرايب من بعيد، وقال لي إنه مش عاوز يعمل مشاكل لحد ما الطفل يكبر ويقدر يثبته في الأوراق الرسمية من غير ما تعملي له قض\ية تبديد! قال لي إنك ست مفترية وبتجري ورا الفلوس وإنك دمرتي حياته!
كلامها كان زي السكاكين بتتقطع في قلبي، مش عشان بحبه، لأ.. عشان اكتشفت قد إيه أنا كنت مغفلة وعايشة مع بني آدم بيحيك أفلام وسيناريوهات على كل الأطراف! بياخد من دي قرشين، وبيصرف على دي، وبيمثل دور الضحية قدام دي، وبيعمل فيها العفيف الشريف قدامي!
— مفترية؟ — قلتها ونبرة صوتي اتغيرت للصرامة — أنا اللي أخدت قرشين أمي وأبويا وعملت له بيهم مشروعه الأولاني! أنا اللي صنت اسمه وشرفه وكنت بغسل هدومه وأخدمه وأنا ما أعرفش إنه رايح يدفع إيجار شقة ثانية وبيتجوز ويخلف من ورايا! إنتي فاكرة نفسك ضحية؟ إنتي شاركته في الجري\مة لما وافقتي تتجوزيه في السر ومن غير ما تتأكدي من حياته!
قامت وقفت، ومسكت في دراعي بترجي:
— يا جيهان افهميني.. أنا أهلي ناس على قد حالهم من الأرياف، وهو جالي عن طريق صاحب أخويا، إداني شقة وعقد رسمي ومأذون شرعي، وقال لي كل حاجة تمام وادي الورق! أنا ما كنتش أعرف إنه بيكلم بنات ثانية، ولا أعرف إنه بياخد فلوس من حد! أنا عايشة هنا بالستر، وما بيجيليش غير مصاريف البيت والطفل، وكل أسبوعين يرمي لي قرشين ويمشي!
بصيت للطفل الصغير.. كان بيضحك في المشاية وبيلعب بلعبة بلاستيك، مش فاهم حاجة من الدنيا ولا عارف إن أبوه نايم في سرير متكسر ومستقبله كله بيتهد. الوجع جوايا اتخلط بالرحمة بالطفل، بس الكبرياء والانتقام كان أشد.
— الطفل ده ذنبه في رقبة أبوه — قلت لها ببرود — بس أنت وهو والبيت ده وكل اللي عمله هيدفعوا الثمن. أنا مش جاية أردح لك ولا أضربك زي ما انضرب.. أنا جاية أعرفك إن الورق اللي معاكي ده هيبص عليه المحامي بتاعي بكرة الصبح! لو العقد ده صحيح، يبقى أنت قضيّتك معاه في النفقة وحقه، ولو العقد ده فيه أي تزوير أو ملعوب، إنتي وهو هتتسحبوا في المحاكم سحب!
سحبت شنطتي وقفت عند الباب، ولفت ليها وقلت:
— هو دلوقتي قاعد في بيت أهله، نايم مش قادر يرفع إيده.. لو عاوزة تروحي تشوفيه، روحي.. بس افتكري إن أهله نفسهم ما يعرفوش عنك حاجة، ولما تروحي هناك بالطفل ده، هتشوفي الوش الثاني لعيلته اللي فاكرة ابنها المظلوم اللي خبطته عربية!
سيبتها تبكي في الشقة ونزلت.
الشارع كان حر والشمس طالعة تحرق الأسفلت، بس جوايا كان فيه برود تام، برود الانتقام اللي بيمشي بخطوات حاسبة. أول ما ركبت التاكسي، تليفوني رن.. كان المحامي.
— أهلاً يا مدام جيهان.. أنا جهزت العرائض وقضايا المنقولات والنفقة، بس فيه تطور جديد حصل.
— خير يا أستاذ؟ — قلت له بإصغاء.
— حماك وجوزك بعتوا لي محامي من طرفهم، وطالبين جلسة صلح عرفية بين الكبار في بيت أبوكي بكرة بالليل.. وقايلين إنهم مستعدين ينفذوا كل طلباتك بشرط إنك ما ترفعيش القضايا وما تنشريش حاجة على الفيس بوك!
ابتسمت ابتسامة خبيثة:
— قولي لهم جيهان موافقة على الجلسة.. بس بشرط!
— شرط إيه يا مدام؟
— الشرط إن جوزي ييجي بنفسه الجلسة دي.. ييجي وهو مجبس ومكسر، ويقعد قدام أبويا ورجالة العيلة وهو بالمنظر ده! مش أهله اللي ينوبوا عنه!
المحامي ضحك وقال:
— تم يا مدام.. هبلّغهم بالشرط ده، وهنشوف هيعملوا إيه.
رجعت بيت أهلي. أمي أول ما شافتني دخلت، جرت عليا وهي بتمسح دموعها:
— عملتي إيه يا جيهان؟ رحتي فين يا بنتي وحرقتي قلبنا عليكي؟
قعدت على الكنبة ورفعت رجلي، وقلت لها بهدوء غريب:
— رحتي شفت مراته الثانية يا أمي.. وشفت ابنه الصغير!
أمي لطمت على خدها وقعدت على الأرض قدامي:
— مراته الثانية؟! وابنه؟! يا مري! ده كان مخبي كل ده؟! يا ساتر يارب على الغدر والخيانات! وأبوكي فين من ده كله؟
— أبويا عند المحامي يا أمي.. وبكرة بالليل فيه قعدة عرب هنا في الصالة دي.. ييجي فيها النذل ده وهو مكسر، مع أهله ورجالتهم، ونشوف بقى مين اللي هيمشي كلامه ومين اللي هيطلع من الملاحة بالخسارة!
طوال اليوم والتالي، كانت الترتيبات شغال على قدم وساق. أبويا كلم أعمامي وخوالي، وجاب كبارات العيلة عشان يحضروا الجلسة. البيت بقى مشحون، والكل مستني لحظة وصول جوزي وأهله.
على الساعة ثمانية بالليل، الخبط جيه على الباب. أعمامي فتحوا الباب، ودخل الأول حمايا وهو مطأطأ رأسه، ووراه ثلاثة من كبارات عيلتهم، وبعديهم… دخل هو!
منظره كان يضحك ويسخر في نفس الوقت! كان شايلينه اثنين من قرايبه، رجله الشمال في الجبس الكامل لحد الفخذ، ودراعه اليمين معلق في رقبته بالجبس، ووشه فيه بقايا الزرقان والتورم، وشفايفه متخيطة ببرزات باينة! كان بيتحرك بصعوبة وأنين مكتوم بيطلع منه مع كل خطوة، وعينيه كانت في الأرض مش قادر يرفعها في حد من الحضور.
قعدوه على كرسى في نص الصالة بالعافية، وحطوا تحته مخدات عشان العظم المكسر.
أبويا قعد في صدر القعدة، وأعمامي حوليه، وأنا كنت قاعدة جنب أمي في حتة باينة بس بعيدة شوية، بتبص له بنفس النظرة الباردة اللي دمرت حياته.
بدأ حمايا الكلام وهو بينحنح وصوته مهزوم:
— يا حاج (أبو جيهان).. احنا جايين النهاردة في بيتكم الكريم، ومعانا رجالة عيلتنا وكباراتنا، عشان نصلح اللي اتكسر.. الولد غلط، وغلط غلطة كبيرة ومحدش يقدر يدافع عنه، وأنا أول واحد مكسور قدامكم بسبب أفعاله. بس احنا بيننا نسب، والبيوت أسرار، والستر حلو.
عمي الكبير رد بصوت جهوري هز الصالة:
— الستر حلو لما يكون الراجل صاين بيته وأمانته يا حاج! بس لما يكون الراجل بيلعب بذيله، ومتجوز في السر، وبيروح يكلم بنات الناس ويكسر قلب بنتنا، ويكون النتيجة إنه يتضرب في الشارع زي الحرامية ويترس في الجبس.. يبقى الستر ده ما يلزمناش! احنا عاوزين نعرف الأستاذ اللي قاعد مكسر ده كان بيعمل إيه وليه؟!
جوزي حاول يتكلم، بصوت مكتوم وطالع من بين سنانه المتخيطة:
— يا عمي… والله العظيم… أنا… أنا اتظلمت…
— انطم خالص! — زعق فيه أبويا وهو بيشاور بإيده — أنت ما تنطقش ولا كلمة! أنت تتخرس وتسمع بس! الورق اللي في إيدينا يوديك في داهية! عقد جواز ثاني، وابن، وشات فضايح، وتبديد منقولات بنتي اللي إنت أخدتها وصرفت منها على نزواتك!
حمايا اتنفس بضيق وقال:
— يا حاج.. قول طلباتكم وإحنا جاهزون لنفذها.. عاوزين المؤخر؟ هيتدفع. عاوزين المنقولات؟ تتكتب بذهبها وحاجتها. عاوزين الطلاق؟ هيتم بالمعروف.. بس ارحموا الراجل من الفضايح والقضايا، ده نايم مش قادر يروح حتى الحمام لوحده!
في اللحظة دي، أنا قمت وقفت من مكاني. الكل سكت وبص لي. مشيت لحد ما بقيت واقفة قدام جوزي المكسر تماماً، وبصيت في عينيه وقلت بصوت حاسم سمع القعدة كلها:
— الطلبات مش بس فلوس يا عمي.. الطلبات إن الحق يرجع لأصحابه، وكل الأقنعة تقع!
جوزي بص لي برعب، وقال بصوت يترعش:
— جيهان… ارجوكي… كفاية…
— كفاية؟ — قلتها وابتسمت — إنت لسه ما شفتش حاجة يا حبيبي!
ولفيت الباب الصالة وقلت بصوت عالي:
— اتفضلي ادخلي!
الباب اتفتح… ودخلت الست الثانية (مراته الثانية)، وهي شايلة الطفل في حضنها، ووراها أخيها الشاب الأسمر الطويل اللي كان باين عليه الغضب والشرار!
الصالة كلها اتنفضت! حمايا قام وقف ومظهول، ورجالة عيلته بيبصوا بذهول، وجوزي المكسر وشه أصفر زي الميتين، وشفايفها اترعشت وكان هيغمى عليه في كرسيه من كتر الصدمة!
الزوجة الثانية دخلت وقفت جنب الصالة، وأخوها قرب من حمايا وقال بصوت هز المكان:
— السلام عليكم يا جماعة.. إحنا جايين ناخد حق أختنا والطفل ده من الراجل النصاب اللي قاعد مكسر قدامكم ده! اللي استغل فقرنا وضحك علينا وجوزها في السر وقال إنه مطلق مراته الأولى!
حمايا بص لابنه بصدمة عمره، وسأله بصوت يترعش من القهر:
— ده… ده ابنك يا ندل؟! أنت متجوز دي كمان ومخلف منها من غير ما نعرف؟!
جوزي ما قدرش ينطق.. غمض عينيه ونزل رأسه في الأرض، والدموع بدأت تنزل من عينيه من كتر القهر والوجع والفضيلة اللي طالت كل حتة في حياته.
أنا وقفت في نص الصالة، وبصيت للجميع وقلت بصوت حاد كالمرآة:
— أهو.. أديه جوزكم المحترم! الراجل اللي كان عامل فيها الشريف العفيف، طلع متجوز ثنتين، وبيلعب على ثلاثة، وبياخد فلوس دي يديها لدي، ومغفل العيلتين كل الفترة دي!
وبصيت له وقلت:
— ورقتي توصلني بكرة الصبح، ومؤخري وحقي والذهب يجي لي لحد عندي، وإلا قسماً بالله الورق ده والطفل ده والشهود دول هيبقوا في النيابة العامة بكرة الصبح بتهمة التزوير والنصب والابتزاز!
حمايا قعد على الكرسي وهو بيحط إيده على قلبه من كتر الصدمة، ورجالة عيلته بقوا يتوشوشوا ويهزوا رؤوسهم بالخزي والعار.
أخو الزوجة الثانية قرب من جوزي المكسر، ومسكه من التيشيرت وهو بيزعق:
— وأنت يا روح أمك.. الحق اللي أخدته أختي منك هتدفعه جزاف، والطفل ده يتسجل باسمك غصباً عن عينك وعين أهلك، وإلا قسم بالله العلقة اللي أكلتها في شغلك هتكون نقطة في بحر اللي هيحصل لك مني ومن أهلي!
الصالة تحولت لساحة من الصراخ والمواجهات، وجوزي قاعد في النص، مجبس الرجل والإيد، مش قادر يهرب، ولا قادر يدافع، ولا قادر يخبى وشه من الفضيحة اللي طالت كل شبر في حياته.
أنا أخدت نفسي طويل، وبصيت لأمي وأبويا وابتسمت.. ابتسامة نصر حقيقية. البيت اللي حاول يهدمه على دماغي، اتهدم فوق رأسه هو، وخرجت أنا منه رفيعة الراس، والكل بيبص لي بهيبة واحترام للشجاعة والذكاء اللي أخدت بيه حقي.
بس يا ترى.. هل اللعبة خلصت عند الحد ده؟ ولا النذل ده لما يقوم من كسرته هيحاول ينتقم؟ وهل الزوجة الثانية هتاخد حقها هي كمان ولا هتبقى فيه مفاجأة ثانية مستنيانا في المحاكم؟