رجعت ليلة راسها زهرة الثالوث1

روابة ليلة في حضن الجبل بقلميييي زهرة الثالوث
مرت الأيام ثقيلة ، وكل يوم بيمر كان بيزيد الخناق والجمر بين العيلتين، لحد ما جه يوم الفرح.. فرح ما كانش فيه زغاريد فرحة ولا حس بهجة، كان أقرب لجنازة متهندمة بالأنوار والضرب بالحي.
​دخلت “ليلة” أوضة النوم في سرايا العزايزي وهي لابسة فستانها الأبيض، بس قلبها كان متغلف بالأسود. كانت الأوضة واسعة وفخمة، أثاثها خشب أبنوس متقن، بس بالنسبة ليلة كانت قفص من حديد. وقفت في وسط الأوضة ورجليها مش شايلاها، طرحتها نازلة على وشها وإيديها بترتجف من كتر التوتر والخوف اللي مدارياه ورا كبرياء الصعيد.
​بعد دقائق، اتفتح الباب ودخل “جبل”. كان لسه بهيبته ووقاره، قلع شاله ورماه ببطء على الكرسي، وقفل الباب وراه بالراحة. مشى خطوات ناحيتها وعينيه الصقر مركزين في عينها، وصوت جزمته على الخشب كان بيرن في الأوضة زي دقات الخوف.
​أول ما قرب، ليلة أخدت خطوة لسورا ورفعت رأسها بشجاعة وهي بتمسح دموعها بسرعه، وقالت بصوت جاف ونبرة واضحة ومشتعلة: “مكانك عندك يا جبل بيه! ما تمدش إيدك ولا تقرب خطوة واحدة زيادة!”
​جبل وقف مكانه، حواجبيه اتعقدوا بنظرة ذهول مخروطة باستخفاف، وما نطقش.
​كملت ليلة وهي بتبص له بكل التحدي اللي جواها: “أنا هنا مش عشان عايزاك، ولا عشان وافقت بيك زلم. أنا هنا عشان الدم يقف وأحمى أبوي وإخواتي من سلاحك وسلاح عيلتك. إنت بالنسبة لي غريب، ورجلك ما تتعداش حدود الباب ده.. مش هتشوف مني ولا نظرة ولا لمسة، وهنعيش في الأوضة دي زي الغربا، لحد ما ربك يفرجها وكل واحد يروح لحاله.”
​ساد السكوت في الأوضة، وجبل فضّل باصص لها بنظرة ثقيلة يضيع فيها أي حد، ابتسم ابتسامة هادية بس تخوف، وقرب منها خطوة بثبات من غير ما يتردد.. يا ترى جبل هيرد عليها بإيه وهيعمل إيه في كبريائها ده؟

رواية ليلة في حضن الجبل بقلميييي زهرة الثالوث
ابتسم جبل ابتسامة باردة وزي الصخر، قرب منها خطوة كمان وعينيه الصقر معلقة في عينيها من غير ما يرمش. هيبته ووقاره مالين الأوضة، ونبرة صوته كانت واطية بس تقيلة تشيل الجبال: “خلصتي كلامك يا بت مهران؟ ظانة إنك بدخلتك دي هتهزّي شعرة من جبل العزايزي؟ أنا ما بستجديش حريم، ولا باخد حاجة بالغصب.. بس إنتِ ناسية إحنا فين ونظام البلد دي إيه.”
​ليلة كانت واقفة جسمها كله بيرتجف من الغضب والخوف، بس عينيها شايطة نار.
​جبل كمل كلامه وهو بيشاور ناحية الشباك المقفول اللي طالعة منه أصوات الضرب بالحي وزغاريد مكتومة من حريم العيلة تحت: “الناس تحت في الساحة، رجالة العيلتين مستنيين الشرف.. مستنيين البشارة اللي بتقول إن السلسال انقطع وإن البت شريفة وصانت دخلتها. لو طلعت من الأوضة دي فاضي، النار اللي طفيناها تحت هتولع تاني فوق دماغ أبوي وأبوكِ، والتار هيرجع أشد من الأول.”
​أول ما سمعت كلمة “البشارة”، ليلة حسّت بالدم بيغلي في عروقها. الكبرياء الصعيدي اللي جوة قلبها اتنفض، وما حستش بنفسها إلا وهي بتلمح خنجر صغير كان محطوط على الترابيزة جنب السرير بيستخدموه في تقطيع الفاكهة.
​في لحظة سريعة زي البرق، سحبت الخنجر، مسكت حتة قماشة بيضا كانت محطوطة، وجرحت كف إيدها بقلب جامد من غير ما ترمش أو تطلع منها صرخة واحدة!
​الدم الأحمر صبغ القماشة في ثواني. ليلة مسكت القماشة وهي بتنزف، وبكل غضب وكبرياء رمتها في وش جبل، القماشة خبطت في صدره ونزلت في إيده.
​بصت له بعينين مليانة تحدي وقالت بصوت يرن في الأوضة زي السيف: “خد! رميت لك شرفك وشرف عيلتك اللي خايف عليه! اطلع قولهم إنك راجل وأديك جيبت البشارة!.. واقف ليه؟ يلا روح وري أهلك شطارتك!”
​جبل مسك القماشة المغرقة بدمها، وبص لإيدها اللي بتنزف، وبعدها رفّع عينيه وبص في عينيها. ملامحه اتصلبت، وعينيه لمعت بتركيب غريب بين الغيظ والانبهار من شجاعتها وقسوتها على نفسها..

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *