حماتي عندها 52 سنه الاخير
الراجل كان واقف بطوله في مدخل الشقة، ريحة برفانه الغالي ملأت الطرقة الضيقة، وبصته ليا كانت كلها ثقة وجبروت، وكأنه صاحب البيت مش ضيف غريب.. أو بالأصح، كأنه ضامن إني مش هقدر أنطق بحرف.
لساني اتعقد، وريقي نشف تماماً وأنا ببحلق في ملامحه.. الملامح الشبه نسخة من جوزي رامي، نفس رسمة العينين، ونفس العصبية اللي في الحواجب.. السر اتمزع قدام عينيا وبقى حقيقة بتتنفس قدامي!
* “أنتَ؟!”.. الكلمة طلعت من بوقي مخنوقة وزي ما تكون طالعة من البير.
ابتسم ابتسامة باردة وهز راسه:
* “أيوة أنا يا نيرمين.. إيه، شُفتي عفريت؟ أومال فين الحاجة؟”
وقبل ما أرد أو أستوعب، باب الأوضة الجواني اتفتح، وحماتي خرجت تجري وهي بتعدل طرحتها بـإيد ترعش، أول ما شافته واقف على الباب، وشها اتقلب لألوان الطيف، وجريت عليه زقته لجوه الشقة وقفلت الباب بسرعة وهي بتلتفت حواليها وكأنها خايفة حد من الجيران يكون شافه.
* “أنت إيه اللي جابك هنا؟!”.. حماتي قالتها بصوت همس مرعوب وهي بتخبط على صدرها.. “مش قولتلك متبانش هنا خالص؟ رامي لو جه وفجأنا هتحصل مجزرة!”
بص لها ببرود ونزل النظارة الشمس في جيب قميصه:
* “وجيت عشان نخلص يا حاجة.. نيرمين عرفت، والواد الصغير عك الدنيا امبارح زي ما قولتيلى في التليفون.. يبأى مفيش وقت، اللعبة لازم تنتهي، والسر ده لازم يدفن قبل ما رامي يشم خبر، وإلا الكل هيخسر.”
أنا كنت واقفة ساندة على حيطة الصالة، حاسة إن الحيطان بتلف بيا.. الرؤية وضحت تماماً، والشكوك اللي كانت بتطحن في دماغي اترتبت زي بازل ملعون.. افتكرت نظراته القديمة، وافتكرت سفرياته الكتير اللي كان بيقول إنها شغل، وافتكرت إزاي حماتي كانت بتدافع عنه دايماً وتفضله على رامي.. الأب طلع حد من صلب العيلة، حد لو رامي عرف حقيقته مش بس هيهد البيت.. ده هيسيل دم!
حماتي بصتلي وعينيها مليانة رجاء ودموع:
* “بوس إيدك يا نيرمين.. استري علينا، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة.. والنعمة الشريفة ما زي ما إنتي فاهمة!”
وقبل ما أنطق بكلمة واحدة، قاطعنا صوت مفتاح بيدور في كالون الباب الخارجي!
كلنا اتسمرنا في مكاننا.. الصوت ده إحنا حافظينه كويس.. ده معاد رجوع رامي؟ لأ، رامي لسه بدري على معاده، بس المفتاح مبيكدبش.. الباب كان بيتفتح ببطء، وحماتي لفت حوالين نفسها زي الفراخ المذبوحة، والراجل اللي واقف وشه اتمسح منه البرود وبقى بيبص لباب الشقة برعب حقيقي.
الباب اتفتح.. ودخل رامي!
كان شايل في إيده كيس فاكهة، وشكله راجع بدري عشان تعبان.. أول ما خطى عتبة البيت، عينيه وقعت على الراجل اللي واقف في وسط الصالة..
الملامح اتقابلت.. والنظرات اشتبكت..
رامي وقف مكانه، كيس الفاكهة وقع من إيده، والبرتقال اتدحرج على البلاط القديم.. بصلنا واحد واحد، نظرة طويلة بدأت بالذهول، ومرت بحماتي اللي كانت بتترعش، وانتهت بالراجل اللي واقف قدامه.
رامي بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع غريب.. صوت حاد ومليان غضب مكتوم وهو بيقرب خطوة:
* “أنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه اللي جابك من ورايا؟ وأمي مالها واقفة كدة ليه؟!”
الصالة بقت أضيق من خرم الإبرة، والنفس اتكتم، والسر خلاص بقى على شفا حفرة إنه ينفجر في وش الكل..
الراجل رجع خطوة لورا، وحاول يرسم على وشه ابتسامة ثقة ممسوحة، وبلع ريقه وهو بيعدل ياقة قميصه وقال بصوت متحشرج:
* “جرى إيه يا رامي يا خويا؟ هي دي المقابلة؟ أنا قولت أعدي على الحاجة وأطمن عليها بالمرة وأنا قاطع مشواري.. ولا أنا غريب عن البيت؟”
رامي ماردش عليه.. عينيه كانت بتتحرك بينه وبين أمه بنظرات ذكية وحادة زي الموس. رامي مش غبي، الشك اللي زرعه كلام ابننا زياد امبارح عن “العمو والعربية الكبيرة والشوكولاتة المستوردة” بدأ يتربط بوجود أخوه الكبير “عادل” قدامه دلوقتي.. عادل اللي عايش في الكومباوندات ومبيجيش روض الفرج إلا في السنة مرة، عادل اللي راكب العربية الكبيرة!
رامي قرب من أمه، مسكها من دراعها بالراحة بس بقوة، وعينيه في عينيها:
* “عادل كان معاكي امبارح يا أمي؟ هو ده العمو اللي زياد شافه؟ وإيه الحكاية اللي عايزين تخلصوها من ورايا ونيرمين عارفاها؟”
حماتي لفت وشها الناحية التانية، كانت بتعيط بكسرة وشهقاتها بدأت تطلع، ومن بين دموعها قالت بصوت يدوب مسموع:
* “يا بني ابوس إيدك كفاية.. متخربش بيتك بإيدك.. عادل ملوش ذنب، أنا اللي…”
* “أنتي اللي إيه؟!”.. رامي زعق بصوت زلزل الشقة، عروق رقبته وشلت، وبص لعادل وصرخ فيه: “انطق يا عادل! فيه إيه بينك وبين أمي؟ ومن إمتى وأنت بتدبروا لحاجة من ورايا؟ أمي تعبانة بقالها أسبوع، ومبتطقش الأكل، ونيرمين وشها جايب ألوان.. أنتوا مخبيين عليا إيه؟!”
عادل وشه جاب ألوان، وبدأ يتلعثم في الكلام، الجبروت والبرود اللي كان واقف بيهم طاروا في الهوا لما شاف رامي واصل لمرحلة الغليان دي.. عادل قرب من رامي وحط إيده على كتفه يحاول يهديه:
* “وحد الله يا رامي، الموضوع مش كدة.. تعالى ننزل نقعد في أي حتة وأنا هفهمك كل حاجة.. بس بلاش هنا قدام نيرمين والواد.”
رامي زق إيده بعنف لدرجة إن عادل خبط في نيش الصالة:
* “مفيش نزول ومفيش زفت! الكلام هنا وحالاً.. يا إما وقسمًا بالله ما هيردني عنكم حد!”
أنا كنت واقفة مكاني، دموعي نازلة من الرعب، وعينيا على حماتي اللي فجأة حطت إيدها على بطنها وقعدت في الأرض وهي بتصرخ من الوجع:
* “آآآه.. بطني.. إلحقوني يا عيال.. بطني بتتقطع!”
الكل اترمى عليها، رامي شالها وهو مخضوض وعينيه مليانة دموع وخوف على أمه، وعادل جِري يفتح الباب وهو بيزعق: “لازم ننزلها المستشفى حالااً.. الست بتضيع!”
في وسط الهيصة والركض على السلم، رامي شال أمه وعادل وراه، وأنا جريت وراهم بعد ما قفلت الشقة على زياد وهو نايم. ركبنا عربية عادل الكبيرة، ورامي قاعد ورا وحاضن أمه اللي كانت بتئن وتتألم، وعينيه مابتفارقش مراية العربية.. كان بيبص لأخوه عادل بنظرة موت.. نظرة بتقول إن الحساب اتأجل لحد ما نطمن على الأم، بس الحساب جاي.. جاي ومفيش منه مفر.
وصلنا المستشفى الاستثماري القريبة، ودخلوا بحماتي بسرعة على العمليات والطوارئ، والدكاترة جِريوا في كل حتة..
وقفنا إحنا الثلاثة في الطرقة.. رامي، وعادل، وأنا.. الصمت كان قاتل، ومفيش غير صوت أنفاس رامي العالية وصوت دقات قلوبنا. رامي لف وظهره ساند على الحيطة وبص لعادل وقال ببرود مرعب:
* “أمي تطلع بالسلامة.. وبعدها، قسمًا بآيات الله يا عادل، لو مكنش عندك تفسير لكل اللي بيحصل ده.. لكون غاسل شرفي وشرف أبويا بدمك!”
في اللحظة دي، باب الطوارئ اتفتح، وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة، وشه كان مليان تعجب وذهول.. بص لينا وقال:
* “مين فيكم المسؤول عن الحاجة كريمة؟”
رامي وعادل جريوا عليه في نفس الوقت: “إحنا ولادها يا دكتور.. خير؟ أمي مالها؟”
الدكتور بص لهم، وبعدين بص في التقرير اللي في إيده وقال بنبرة مش مصدقة:
* “والدتكم حالتها حرجة.. بس الأغرب من حالتها، إن التحاليل والسونار بياكدوا إنها حامل! في الشهر التاني.. والنزيف ده بسبب…”
الدكتور لسه مكملش جملته، ورامي لَفّ زي الديب الهايج، وقبضة إيده نزلت في وش أخوه عادل بكل غله.. وطرحه في الأرض!
عادل وقع في الأرض، وبوقه نزل دم.. المستشفى كلها اتقلبت، الممرضين والدكاترة جريوا يمسكوا رامي اللي كان زي الوحش الثاير، عيونه كانت حمرا زي الدم، وبيصرخ بأعلى صوته في وسط الطرقة:
* “هق*تلك يا عادل! يا خسيس يا ندل.. أمي؟! أمي يا فاجر؟! ده أنا هطير رقبتك ورقبتها!”
عادل كان في الأرض، بيمسح الدم من على وشه، ودموعه نازلة، بس الصدمة إن ملامحه مكنش فيها ذنب.. كان فيها وجع وكسرة تانية خالص.. زعق وهو بيحاول يقوم ويمسك إيد رامي:
* “إنت مجنون؟! إنت فاكر إيه يا متخلف؟! دي أمي! أمي وأمك.. اسمعني يا رامي.. اسمع الحكاية بدل ما تضيعنا وتضيع نفسك!”
في اللحظة دي، حماتي الحاجة كريمة خرجت على ترولي من الأوضة، وشها كان أبيض كفن، والنزيف كان لسه معلم على هدومها، بس كانت فايقة.. شافت المنظر، شافت رامي وهو رافع إيده هيموت أخوه.. بكل ما بقى فيها من عزم وصوت مبحوح، صرخت:
* “بسسس! بس يا رامي.. ارفع إيدك عن أخوك.. أخوك مظلوم.. مظلوم وعمل كدة عشاني!”
رامي لف ليها، والدموع نزلت من عينيه زي المطر، قعد في الأرض جنب الترولي وبص لها بكسرة تهد الجبال:
* “عشانه إيه يا أمي؟ الدكتور بيقول حامل! حامل وإنتي أرملة من عشر سنين! مين الأب؟ أنطقي ومتموتنيش ناقص عمر.. مين اللي عمل كدة؟”
حماتي غمضت عينيها، ونزلت دمعة سخنة على خدها، وبصت لعادل وكأنها بتستأذنه، عادل هز راسه بقلة حيلة وهو دافن وشه بين إيديه..
الحاجة كريمة بصت لرامي وقالت بصوت متقطع:
* “الأب.. الأب يبقى.. أبوك! محمود فريد يا رامي.. حماكي يا نيرمين!”
الكلمة نزلت علينا كلنا زي الصاعقة.. أنا ورامي متنحين.. محمود فريد؟ الحاج محمود اللي مات وشبع موت من سنين؟ إزاي؟! رامي ضحك ضحكة هستيرية مليانة وجع:
* “أبويا؟ أبويا مات من سنين يا أمي! إنتي بتقولي إيه؟ إنتي جرالك إيه في مخك؟”
هنا عادل اتكلم، وقرب وهو سانَد على الحيطة وصوته مخنوق:
* “أبوك مماتش من سنين يا رامي.. أبويا كان عايش لحد من شهرين فاتوا!”
الدنيا فجأة اسودت في عيني.. رامي قام وقف وبلع ريقه وصوته اتهز:
* “أنت بتقول إيه؟ القبر اللي بنزوره كل عيد.. العزا اللي أقمناه.. الشهادة اللي في الدرج؟”
عادل قعد على كرسي الطوارئ وبدأ يتكلم والسر كله بيتكشف:
* “أبوك زمان دخل في تجارة مشبوهة مع ناس تقال، واتنصب عليه وبقى مديون بملايين، والناس دول هددوا بيك وبعيالك.. يا الدفع يا الدم. أبوك مكنش معاه مليم، وبمساعدة واحد صاحبه قديم في الصحة، زور شهادة وفاته، واختفى تماماً.. سافر برا مصر باسم تاني وشخصية تانية عشان يحمينا.. وإحنا هنا عملنا العزا ودفنا صندوق فاضي! مكنش فيه حد يعرف السر ده غير أمك.. وأنا.. عرفت بالصدفة من خمس سنين لما شوفت ورقة تحويل فلوس باسمه.”
رامي كان بيسمع وهو مش مصدق، وجسده كله بيترعش.. وعادل كمل:
* “أبوك رجع مصر من سنة.. رجع تعبان، بيموت بالسرطان، ومكنش ليه مكان يروح فيه.. أجر حتة شقة في السيدة عائشة، وأمك كانت بتروح له هناك تخدمه وتراعيه في أيامه الأخيرة.. والظاهر إن اللي حصل.. حصل في أيام مرضه الأخيرة قبل ما يموت بجد من شهرين وندفنه في مدافن صدقة برا القاهرة من غير ما حد يحس.. أمك مكنتش تعرف إنها حامل، ومكنتش متخيلة إن ده ممكن يحصل في سنها.. ولما لقت نفسها حامل، خافت.. خافت تحكيلك تفهمها غلط، وخافت تفتح سيرة أبوك القديمة والناس اللي لسه بتدور على فلوسها تيجى تهد البيت فوق دماغنا!”
حماتي مسكت إيد رامي وهي بتبكي بحرقة:
* “والله العظيم يا ابني ده اللي حصل.. عادل كان بيوديني ليه بالعربية، ولما تعبت ومبقتش قادرة، كان بياخد الواد زياد في إيده يوديه الحضانة ويجيبلي الدوا.. ولما نيرمين شافت الشريط، عادل جه عشان يلحقني ونروح لدكتور في مداراة وننزل السقط ده قبل ما بطني تكبر والناس تاكل وشنا.. أنا شريفة يا رامي.. شريفة وعشت عمري كله مخلصة لأبوك حياً وميتاً.”
الدكتور خرج في اللحظة دي ومسك التقرير تاني وقال بأسف:
* “النزيف الشديد اللي حصل للحاجة كريمة تسبب في إجهاض الجنين.. وبسبب سنها والنزيف، إحنا اضطرينا نعمل عملية استئصال للرحم عشان ننقذ حياتها.. هي دلوقتي تعدت مرحلة الخطر، بس محتاجة راحة تامة ونفسية هادية.”
الطرقة رجعت هادية تاني.. صمت طويل مفيش فيه غير صوت دموع رامي وهو بيرتمي في حضن أمه ويبوس إيدها ورجليها ويطلب منها السماح.. وعادل واقف بعيد يمسح وشه بحزن وارتياح إن السر المرعب اللي عاشوا بيه سنين.. أخيراً اتقال، والبيت اتهد فعلاً، بس اتهد من الوجع والصدمة، مش من الفضيحة.
أنا وقفت بعيد، بصيت لحماتي اللي نايمة على السرير وهي مكسورة بس ملامحها مرتاحة.. السر اللي كان أقرب لينا من حبل الوريد، مات مع الجنين اللي نزل، ومات مع الحاج محمود اللي اندفن مرتين.. وروض الفرج هتفضل حيطانها سامعة كل حاجة، بس السر ده بالذات.. هيموت جوة قلوبنا وإحنا قافلين عليه بمية قفل.
