كنت رايحة ادى ابنى 2

كنت رايحة أدي ابني ال مليون جنيه تمن بيع بيتي الوحيد، عشان يعمل العملية اللي قال إنها آخر أمل ليه… لكن قبل ما أدخل أوضته في المستشفى، سمعت مكالمة على الاسبيكر خلتني أخبي الشيك في شنطتي وأمشي… وبعدها وصلتلي رسالة من ست معرفهاش قلبت حياتي كلها.
الجزء الأول
طول ما أمي فاكرة إني هموت من غير العملية… هتديني آخر جنيه معاها.
الحاجة أم محمد وقفت مكانها قدام أوضة رقم 12 في مستشفى خاص بالقاهرة.
إيدها كانت بتترعش وهي ماسكة شنطتها، وجواها شيك ب مليون جنيه… تمن بيع بيتها الوحيد.
البيت اللي عاشت فيه أكتر من تلاتين سنة، واللي شهد على عمرها كله، باعته من غير ما يهون عليها، عشان تنقذ حياة ابنها الوحيد.
كانت داخلة وهي ناوية تقوله
ولا يهمك يا ابني… الفلوس كلها تحت رجلك، المهم تقوم بالسلامة.
لكن قبل ما تخبط على الباب…
سمعت صوته.
الباب كان موارب.
ومحمد كان بيتكلم في التليفون، وفاتح الاسبيكر.
البنت اللي معاه قالتله
بجد يا محمد… مش حاسس

إن اللي بتعمله حرام؟
ضحك ضحكة خفيفة وقال
أوقات… بس أمي بتحب تحس إنها بتنقذني. أنا مش بطلب منها حاجة بشكل مباشر… كل اللي بعمله إني أخوفها، وهي لوحدها تبيع اللي وراها واللي قدامها عشان تجيبلي فلوس.
قلب أم محمد وقع.
فضلت ماسكة الشنطة بقوة.
من شهور وهي بتلف على أكبر الدكاترة، وبتدفع آلاف الجنيهات في تحاليل وأشعات وعلاج.
ولما قالولها إن العملية هتكلف مبلغ ضخم ومينفعش تستنى…
خدت أصعب قرار في حياتها.
باعت بيتها.
وقالت لنفسها
البيت يتباع ويتعوض… إنما ابني لأ.
كانت فاكرة إن تضحيتها هترجعه للحياة.
لكن وهي واقفة برا الأوضة…
اكتشفت إنها كانت مجرد خزنة مفتوحة بالنسبة له.
محمد كمل كلامه وهو بيضحك
أول ما آخد فلوس العملية، هقولها إن المستشفى طلبت مصاريف زيادة. وبعدها أحكيلها إن المشروع بتاعي هيقع ولازم ألحقه. هتدفع ديوني، وتجيبلي معدات جديدة… أصلها عمرها ما بتقول لأ.
البنت سألته
ولو عرفت الحقيقة؟
رد بمنتهى الثقة
أمي؟ مستحيل تشك فيا. دي بتصدق أي كلمة بقولها.
الحاجة أم محمد حست إن رجليها مبقوش شايلينها.
أسندت ضهرها على الحيطة.
بعد ستين سنة من التعب…
اكتشفت إن ابنها الوحيد عمره ما كان شايف حبها.
كان شايفها مجرد وسيلة يجيب منها فلوس.
في اللحظة دي عدت ممرضة وقالت
يا حاجة… حضرتك مش هتدخلي؟ أستاذ محمد مستنيكي.
ابتسمت بالعافية وقالت
نسيت شوية أوراق في العربية يا بنتي… هرجع حالًا.
ومشت.
ولا مرة بصت وراها.
أول ما ركبت عربيتها القديمة وقفلت الباب…
طلعت الشيك من الشنطة.
بصت عليه طويل.
10000000 جنيه.
تمن بيتها…
وتعب عمرها كله.
كانت تقدر تطلع دلوقتي وتسلمه الشيك…
وتكمل تمثيلية إنها مسمعتش أي حاجة.
أم محمد زمان…
كانت هتعمل كده.
لكن الست اللي خرجت من قدام أوضة المستشفى…
ما بقتش هي نفسها.
رجعت للشقة الصغيرة اللي استأجرتها بعد ما باعت بيتها.
قعدت على الترابيزة، وفتحت كشكول قديم، وكتبت قدامها تلات أسئلة
يا ترى خدعني كام مرة؟
خد مني كام فلوس طول السنين؟
ولو عرف إن معايا تمن بيع البيت… ممكن يعمل إيه عشان ياخده؟
ولسه ما خلصتش كتابة السؤال التالت…
رن موبايلها.
رسالة من رقم غريب.
يا مدام… أوعي تدي محمد فلوس بيع البيت دلوقتي. في حاجة أخطر بكتير لازم تعرفيها.
وفي آخر الرسالة…
اسم واحد بس.
نعمة.
في اللحظة دي…
الحاجة أم محمد فهمت إن اللي سمعته قدام أوضة المستشفى…
ما كانش إلا أول خيط في سر كبير جدًا…
ولسه الأسوأ جاي.

فتحت أم محمد الرسالة، وعينيها متثبتة على اسم نعمة كأنه حفر نفسه في الشاشة. قلبها دق بنبض غريب؛ مش وجع زي الأول، لكنه نوع من الفضول المرير الممزوج برغبة قاطعة في معرفة الحقيقة للآخر.
مسكت الموبايل وإصبعها بيتردد ثواني، قبل ما تكتب رسالة رد قصيرة وجريئة
مين نعمة؟ وإيه اللي أخطر من اللي سمعته؟
معدتش دقايق، والرنّة رجعت تاني برسالة جديدة
أنا مرات محمد السرية… واللي خباكي فيه أكبر من مجرد تمثيلية مرض. تعالي العنوان ده دلوقتي لوحدك… وهوريكي بعينكِ المستندات اللي تثبت إنكِ مش بس خسرتي بيتك، ده لسه فيه كارثة تانية باسمك.
الصدمة الكبرى
أم محمد مفرمتش
لمحة نيوز

ثانية واحدة تفكير. ركبت عربيتها، وبنفس الإصرار اللي خلتها تبيع بيتها بكل صلابة، ساقتها الكرامة المهدورة والوجع لحد العنوان المبعوث في منطقة هادئة بعيدة عن زحمة المستشفيات.
طلعت الدور التالت، وخبطت على الباب خبطات خفيفة.
فتحتلها ست في أواخر الثلاثينات، ملامحها باين عليها التعب والوجع، وعيونها مليانة دموع متحجرة. دخلت أم محمد وسألت بصوت ناشف
أنا أم محمد… فين نعمة؟ وإيه اللي ابني عمله تاني؟
عيطت الست وقالت بصوت مكسور
أنا نعمة… البنت اللي كنتِ سمعتيها بتسأله في التليفون وتقوله مش حاسس إن اللي بتعمله حرام؟.
قعدت أم محمد على أول كرسي بصمت تام، ونعمة فتحت درج مكتب وطلعت أوراق رسمية وتوكيل عام شامل.
محمد مش مريض يا حاجة… ولا فيه عملية من أساسه. الفلوس اللي كان بيطلبها منك السنين اللي فاتت، واللي جمعها عشان مشروعه الوهمي، كان بيدفعها هنا… لشقة تانية، ولعربيات باسمه، ولحياة تانية خالص.
بلعت أم محمد ريقها بمرارة، وسألت بصوت يكاد يكون مشهود
والبيت؟ شيك المليون جنيه.. قصدي العشرة مليون.. هل كان ناويا يسرقه بس؟
نعمة هزت راسها برعب وقالت
الأسوأ من كده يا أمي… محمد ماكتفاش ببيعك لبيتك، ده كان عامل توكيل مزور من سنة، ومستغل بصمتك على أوراق قديمة على أساس إنها ورق علاج، وباع البيت من وراكي لشركة مقاولات… والفلوس اللي في الشيك دي، حتى لو ما أدتهالهوش، هو يقدر ينفذ البيعة بالقانون لأن التوكيل لسه ساري في الشهر العقاري!
الهواء اختفى من أوضة الاستقبال. أم محمد حست بصاعقة نزلت على دماغها. ابتهاجها المزيف بسذاجتها تحول لغضب ناري هادئ، غضب الستات اللواتي كسرن المستحيل وعمرهم ما انكسروا.
المواجهة
في اليوم التاني، وفي نفس المستشفى، وقف محمد قدام باب الأوضة، باصص لساعته بقلق. أمه اتأخرت عن ميعاد تسليم الشيك بنص ساعة كاملة، وده مش متعود عليه.
فجأة، لقى أمه جاية من بعيد.
كانت ماشية بظهر مستقيم، وبخطوات ثابتة وواثقة، لابسة عبايتها النظيف وتعب السنين متحول في عيونها لنظرة حادة حارقة.
جري عليها بابتسامة صفراء مزيفة وقال بقلق مصطنع
ياااه يا أمي! خوفتيني عليكي.. الدكتور كان لسه بيسأل عنك وعن الشيك عشان ندخل العمليات فوراً!
وقفت أم محمد قصاده بالضبط.
رفعت راسها وبصت في عيونه مباشرة.. عيون مكنش فيها أي دمعة واحدة.
قالت بصوت هادئ وبنبرة جمّدت الدم في عروقه
عمليات إيه يا محمد؟ وأنت أصلاً صحتك حديد، ولا عمرك كنت مريض، ولا في مستشفى تستاهل تمن طوبة من بيتي.
اتلون وش محمد، وابتسامته اختفت في ثانية وبان عليه الرعب
أ.. أمي.. أنتِ بتقولي إيه؟ كلام مين ده؟!
فتحت أم محمد شنطتها، وطلعت الشيك ببطء شديد، وقطعته نصين قدام عيونه.. وبعدين نصين تانيين، ورمتهم على الارض قدام جزمته.
وقالت بصوت عالي خلى الممرضات والناس اللي في الممر يلتفوا حواليهم
البيت اللي اتباعت طوبته، والشيك اللي كنت مستنيه.. بقوا برا ديرتك يا ابن بطني. وبلغ العروسة اللي مستنياكِ في الشقة التانية، إن الست اللي كانت خزنة مفتوحة، قفلت البنك للأبد.. وفتحت قضية تزوير تطير التوكيلات وتوديك ورا الشمس.
اتبلع ريقه، وحاول يمد إيده يمسك دراعها وهو بيترعش
يا أمي اسمعيني، الشيطان وسوسلي، أنا ابنك الوحيد!
بعدت إيده عنها باشمئزاز، وعدلت طرحتها، وقالت بابتسامة حاسمة
ابني مات قدام أوضة 12.. والست اللي واقفة قدامك دي، مابتورثش عايشين.
سابته واقف قدام الناس ملسوع في صدمته، ولا عارف ينطق حرف ولا يبرر جريمة، ومشيت بخطوات واسعة وواثقة.. خارجة من المستشفى، ولأول مرة من سنين طويلة.. حاسة إن الهوا اللي بتتنفسه.. بقى ملكها وحدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *