بابا 2
## الجزء الثالث
لم تكد كلمات مدحت الهستيرية تنتهي داخل غرفة التحقيق، حتى ساد صمت ثقيل قطعته أنفاسه المتلاحقة. ضابط المباحث تراجع خطوة إلى الخلف، وارتسمت على وجهه علامات الجدية الصارمة؛ القضية لم تعد مجرد أب يعذب طفلته أو مقاول يستولي على عقارات، بل انفتحت الطاقة على دهليز مظلم لشبكة منظمة ومخيفة.
في هذه الأثناء، كانت القوة الأمنية لا تزال تفرض طوقاً حول شقة فيصل. الخبراء الجنائيون كانوا يرفعون البصمات بدقة من فوق الباب الحديدي السري، بينما كانت العربات التابعة للشرطة تملأ الشارع. وسط الزحام والتجمهر، وقفت سيارة سوداء ذات زجاج داكن على بعد أمتار من العمارة، كان السائق يراقب المشهد وعيناه على شرفة الشقة المضاءة، أخرج هاتفه وضغط على زر الاتصال وقال بنبرة خفيضة: “الشرطة دخلت الغرفة السرية يا فندم، ومدحت اتقبض عليه والبنت اتكلمت.. الصندوق اللي فيه العقود القديمة والجديدة اتكشف”.
جاءه الصوت من الطرف الآخر بارداً وقاطعاً كشفرة الحلاق: “مدحت انتهى.. المهم الورق اللي في الصندوق ميوصلش ليد النيابة كامل، اتصرف فوراً قبل ما ينطق بكلمة زيادة”.
داخل مديرية الأمن، بدأ ضابط المباحث يضغط على مدحت بكل قوة: “مين اللي أكبر منك يا مدحت؟ ومين اللي صنع لك الجهاز ده؟ العقود اللي في الصندوق فيها أختام حية وتوقيعات من مكاتب شهر عقاري معينة، مين اللي بيمضي لك ومين اللي بيسرب لك بيانات أصحاب العقارات اللقطة؟”
مدحت كان يرتعش، لكن خوفه من الأشخاص الذين يذكرهم كان يبدو أكبر من خوفه من السجن. ابتلع ريقه بصعوبة وقال وهو ينظر للأرض: “أنا مجرد منفذ يا باشا.. أنا واجهة. هما اللي بيختاروا الضحايا؛ الناس المعزولة، اللي ملهمش ظهر، أو اللي مسافرين بره ومحدش بيسأل عنهم. أنا بدخل البيوت بحجة التشطيب والديكور، وبدرس المداخل والمخارج، والجهاز ده هما اللي جابوه لي من بره عشان الشغل ينتهي من غير أثر.. بس والله العظيم أنا مقتلتش مراتي! مراتي هي اللي شافتني وأنا بنقل أوراق الفيلا، ولما واجهتني.. هما اللي اتصرفوا معاها!”
الضابط وقف فجأة وقال: “مين هما؟ اخلص وانطق بالأسماء!”
قبل أن ينطق مدحت، رن هاتف مكتب الضابط بشكل مفاجئ. كان المتصل مأمور القسم، وصوته يحمل نبرة هلع غير معتادة: “يا فندم.. فيه حريق ضخم شب في شقة مدحت في فيصل دلوقتي حالا! المعاينة الجنائية لسه جوه، والنار ولعت فجأة من لوحة الكهرباء الرئيسية!”
انتفض الضابط من مكانه؛ الحريق لم يكن مصادفة، بل كان محاولة لطمس الأدلة وحرق الصندوق الحديدي ومحتوياته قبل أن يتم نقلها رسمياً إلى خزائن النيابة. التفت الضابط إلى مدحت وقال له بغضب عارم: “شركاك بيحرقوا شقتك ودلوقتي حالا.. تفتكر لو طالوك هنا هيسموا عليك؟ انطق بالاسم الكبير عشان تحمي نفسك!”
مدحت تراجع للخلف والرعب يملأ عينيه، فهم أن حياته أصبحت في خطر وأن من كان يحميهم قرروا التخلص من كل ما يربطهم به. نظر للضابط بقلب مرتجف وقال: “الاسم اللي فوق الكل.. اللي بيحرك مكاتب التزوير وبيختار الضحايا.. اسمه المستشار…”
وقبل أن يكمل مدحت الاسم، انقطعت الكهرباء فجأة عن بلوك التحقيق بأكمله، وساد الظلام الدامس، وتبعه صوت جلبة وحركة غير طبيعية في الممر الخارجي للزنزانات!
تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الرابع
في أقل من ثانيتين، تحول ممر الحجز إلى ساحة من الفوضى العارمة. صوت صرخات المساجين، خبط الأبواب الحديدية، وصوت أقدام تتراكض في الظلام. ضابط المباحث سحب مسدسه الميري فوراً وضغط على زر كشاف هاتفه المحمول وهو يوجه الضوء نحو مدحت ويصرخ: “الزم مكانك ومتحركش!”
مدحت كان متقوقعاً في ركن الزنزانة، واضعاً يديه فوق رأسه ويصرخ بهستيرية: “هيموتوني.. هما وصلوا لهنا! مش هيرحموني يا باشا!”
خارج الغرفة، كانت أضواء الطوارئ الحمراء الخافتة قد بدأت تعمل في الممرات. دخل أمين الشرطة حسام مسرعاً ووجهه مغطى بالرماد، فقد وصل للتو من موقع حريق الشقة في فيصل، وقال بنهيج حاد: “يا فندم، مجهولين قطعوا كابل الكهرباء المغذي للمجمع كله من بره، وفيه عربية ربع نقل خبطت المحول الرئيسي وهربت!”
الضابط فهم اللعبة؛ الحريق في شقة فيصل لم يكن فقط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أوراق، بل كان لإشغال القوة الأمنية، بينما قطع الكهرباء عن القسم هو البلاغ الفعلي لتصفية مدحت قبل أن ينطق بالاسم كاملاً.
الضابط زعق في حسام: “هات قوة فوراً.. مدحت يتنقل حالا لغرفة الأمن الوطني في الدور الثالث، ومحدش يقرب من الممر ده!”
لكن في تلك اللحظة بالذات، ومن وسط الظلام الخافت، تسلل صوت غريب عبر نافذة التهوية العالية للزنزانة.. صوت صفير حاد ومنتظم، يشبه تماماً الصوت الذي يصدره جهاز الصدمات “الثعبان” عندما يبدأ في شحن طاقته الكهربائية! مدحت تجمد مكانه، وعيناه جحظتا برعب غير طبيعي، ونظر نحو سقف الزنزانة وهو يهمس: “الصوت ده.. الصوت ده أنا عارفه.. هما هنا!”
على الجانب الآخر، وفي مكان آمن تماماً، كانت الطفلة شهد تجلس في غرفة الرعاية بمستشفى الأطفال تحت حراسة مشددة، وبرفقتها طبيبة خط النجدة. البنت كانت ممسكة بالدبدوب المقطع، وعيناها مثبتتان على شاشة التلفزيون الصغير المنطفئ.
فجأة، شهد التفتت للطبيبة وقالت ببرود أرعب الطبيبة نفسها: “عمو الظابط فاكر إن بابا هو اللي كان بيوجعني بالثعبان.. بس هو ميعرفش.”
الطبيبة قربت منها وقالت بحنان: “ميعرفش إيه يا شهد؟”
شهد همست: “بابا كان بيخاف من الثعبان أكتر مني.. ولما كان الراجل التاني الكبير بييجي البيت، بابا كان بيقعد في الركن ويعيط، والراجل ده هو اللي كان بيخليني ألمس السلك ويقول لي: لو صرختي.. الثعبان هياكل بابا!”
سقطت الكلمات كالصاعقة على مسامع الطبيبة، التي التقطت هاتفها فوراً لتتصل بضابط المباحث وتخبره بالمفاجأة التي تقلب موازين القضية رأس على عقب.
في نفس الدقيقة، داخل ممر الزنزانات المظلم، نجح حسام في إحضار كشافات يدوية ضخمة. وجهوا الضوء نحو الركن الذي يقبع فيه مدحت، لكنهم وجدوا شيئاً خلع قلوبهم؛ مدحت لم يكن لوحده في تلك الزاوية.. كان هناك ظل طويل يتحرك خلف القضبان الحديدية الخلفية لتهوية الحجز، وفي يد صاحب الظل.. حقيبة جلدية سوداء مفتوحة!
الضابط صرخ: “اثبت عندك!”
لكن الظل اختفى في ثانية وسط ممرات الخدمة الخلفية، وسقط مدحت على الأرض يتلوى، وهو يمسك برقبته التي كان ينزف منها جرح صغير جداً، كأنه أثر حقنة سريعة المفعول.. وقبل أن يغيب عن الوعي تماماً، نظر للضابط وأمسك بجلابيته ولفظ بصعوبة قطرات كلماته الأخيرة: “المستشار… فريد… المحامي العام… الورق… في المقبرة…”