طلاق بنني الاخير
ندى اترمت وبكت بكا يقطع الحجر، وقالت كلام نزل على نفوخي زي مية النار:
“شريف غلبان يا أمي.. شريف مهندس لسه بيبدأ حياته، طالع عينه في الأقساط والديون عشان يسترنا ويوفر لنا لقمة العيش. شريف بيعشق حاجة اسمها أطفال، وكان دايماً حلمه يبقى عنده عزوة وأولاد كتير وبنات شبهي.. لما عرفت حقيقة مرضي، الدنيا اسودت في وشي. الدكتور قالي العلاج هيتكلف مئات الآلاف، وشريف لو عرف، كان هيبيع هدومه ويستلف ويتذلل لطوب الأرض ويقعد مديون طول عمره عشان يعالجني، وفي الآخر؟ ممكن أموت وأسيبه على الحديدة، مأكلش ولا شرب، وكمان محروق قلبه عليا ومحروم من حلمه في الخلفة والعزوة!”
كملت وهي بتشهق من كتر الوجع: “أنا قولت أموت لوحدي يا أمي.. أموت وأنا بعيدة عنه. لو قولتله إني عيانة، كرامته ورجولته وحبه مكنوش هيسمحوا له يتخلى عني، كان هيضيع نفسه عشاني. أنا فديته بكرامتي وبحبي.. فضلت إنه
يكرهني، ويشوفني ست مفترية وخايبة ومبتصونش العشرة، عشان يطلقني وهو راسه مرفوعة، ويكرهني فينساها بسرعة، ويروح يتجوز واحدة تانية سليمة تديه الأطفال اللي بيحلم بيهم وتبني معاه حياته من غير ديون ولا مستشفيات.. أنا كسرته قدام أهله عشان يقسى قلبه عليا وميفكرش يرجعلي تاني أبدًا!”
في اللحظة دي، حسيت إن جبل ندم هبط على صدري. افتكرت كل كلمة سميتها بيها.. افتكرت لما كنت بقولها “يا خايبة يا اللي قعدتي في قرابيزي”، وافتكرت لما كنت بسيبها تمسح وتطبخ وتغسل وهي ضهرها مكسور من المرض والتعب، ومبتشتكيش.. كانت بتعمل كل ده عشان تراضيني وعشان حاسة إنها بقت عبء عليا.. وهي في الأصل ملاك، بتضحي بسعادتها وعمرها عشان الراجل اللي بتحبه يعيش مرتاح!
صوتي راح.. مكنتش قادرة أنطق ولا كلمة. أخدتها في حضني وفضلت أصرخ بصوت مكتوم، وأبوس راسها وإيدها ورجلها، وأقولها: “سامحيني يا بنتي.. أنا أم جاهلة، أنا أم قاسية.. الشيطان عَمى عيني وخلاني أظلمك وأنا اللي كان المفروض أكون حمايتك وسندك.. يارتني كنت أنا يا ندى، يارتني كنت أنا اللي عيانة وإنتي لاء!”
ندى طبطبت عليا بإيدها الضعيفة وقالتلي: “أنا مسمحاكي يا أمي.. إنتي مكنتيش تعرفي، وأنا اللي قسيت عليكي وعلى الكل عشان السر ده ميتفضحش.. بس أمانة عليكي يا أمي، شريف ميعرفش حاجة، سيبيه يعيش حياته ويشوف مستقبله.”
يومها منمتش.. ليلتها فضلت قاعدة على سجادة الصلاة لحد الفجر، بعيط وبستغفر ربنا، وبدعيه يسامحني على قسوتي ويشفيلي بنتي وحتة من قلبي.
تاني يوم الصبح، مكدبتش خبر. قولت لنفسي الكرامة والحسابات البشرية دي تترمي تحت الرجلين لما الموضوع يوصل لحياة بنتي وسعادتها. ندى مش هتموت بالمرض وبالقهر في نفس الوقت. أخدت التقرير الطبي في إيدي، ومن ورا ندى، نزلت ورحت لبيت شريف.
خبطت على الباب، فتحلي وهو وشة شاحب وحزين، باين عليه الهم من يوم الطلاق. أول ما شافني، اتمسح من على وشه أي تعبير ورحب بيا بأدب ممزوج بمرارة: “أهلاً يا أمي.. اتفضلي، عاش من شافك.”
دخلت الصالون، وقعدت، وهو قعد قصادي ساكت. طلعت التقرير الطبي وحطيته على الترابيزة اللي بيننا، وقولتله وصوتي بيرعش: “أنا جاية أديك سبب الطلاق يا شريف.. جاية أوريك ندى اللي إنت افتكرتها باعتك وكسرت كرامتك، عملت فيك وفنفسها إيه.”
شريف مسك الورقة، وبدأ يقرا.. شوفت عينيه وهي بتتحول من الدهشة للصدمة، ومن الصدمة للرعب. إيديه بدأت تترعش والورقة تتهز في إيده، وبصلي وعينيه مليانة دموع وقالي: “ندى؟! ندى عندها الكانسر؟! ومن إمتى يا أمي؟!”
حكيتله كل حاجة.. حكيتله عن ليلة جيتها في عز البرد، وعن التسجيل الصوتي، وعن تضحيتها عشان ميتدمرش مادياً وعشان يتجوز ويخلف، وحكيتله عن قسوتي عليها وهي شايلة شيل يهد جبال ومبتنطقش عشان السر ميتكشفش وتخرب خطتها في حمايته.
لمحة نيوز
شريف قام وقف زي المجنون، دموعه نازلة على وشه زي المطر، وزعق بصوت كله وجع: “تضحي بمين؟! وتخاف على مين؟! هي تفتكرني إيه؟ ندل للدرجة دي؟ أبيعها في تعبها؟! ده أنا شارب المر عشانها، وكنت مستعد أبيع عمري كله وفوقيه صحتي عشان أشوف ضحكتها! دي مراتي، حبيبتي، أم ابني!”
وفي ثواني، شريف ساب البيت ونزل جري على السلم، وأنا وراه. ركبنا العربية وطار بيها على بيتي. دخل البيت زي الإعصار، فتح باب الأوضة على ندى اللي كانت قاعدة بتأكل ابنها يوسف.
أول ما شافته، وقفت مصدومة والتليفون وقع من إيدها. شريف مجراش عليها يلومها، هو جري عليها وأخدها في حضنه.. حضن قوي كأنه بيقفل عليها جوه ضلوعه عشان يحميها من الدنيا ومن المرض. وفضل يبكي ويقولها: “بقى بتبيعيني يا ندى؟ بتهيني كرامتي عشان تمشي وتسيبيني؟ فاكراني هعيش إزاي من غيرك؟ لو الدكاترة قالوا مفيش أمل، أنا أملي في ربنا كبير، ولو العلاج بملايين، هشتغل ليل نهار، وهبيع روحي عشان تبقي معايا.. إحنا دخلنا البيت ده سوا، وهنحارب المرض ده سوا، يا نعيش سوا يا نموت سوا!”
ندى في الأول حاولت تقاوم وتزقه وهي بتبكي وتقول: “امشي يا شريف.. متضيعش نفسك معايا.. سيبني في حالي.” لكن شريف مسبهاش، فضل متبت فيها لحد ما قواها انهارت واستسلمت لحضنه، وبكت البكا اللي كان مكبوت جوه قلبها من شهور، بس المرة دي مكنش بكا قهر.. كان بكا راحة، لقت السند اللي كانت فاكرة إنها لازم تبعد عنه عشان تحميه.
من اليوم ده، حياتنا اتغيرت تماماً.. شريف رجع ندى لعصمته فوراً، وأصر إنها تقعد معايا في بيتي عشان نكون إحنا الاتنين بنخدمها وواخدين بالنا منها ومن ابنها يوسف خلال رحلة العلاج. شريف باع عربيته اللي بيمشي بيها، وأخد قرض كبير، وبدأنا رحلة الكيماوي.
كنت بشوف بنتي وشعرها بيقع، وجسمها بيضعف، لكن روحها كانت قوية بوجود جوزها اللي مكنش بيفارقها لحظة، كان بيقعد تحت رجليها يغسلها، ويشيلها لما تتعب، ويضحك في وشها ويقولها: “إنتي قمر في كل حالاتك يا ندى.. وبكره تخفي وترجعي تنوري بيتنا.”
وأنا؟ أنا اتعلمت درس عمري.. اتعلمت إن البيوت أسرار، وإن الظاهر دايماً خداع، وإن الست اللي بتطلب الطلاق أو بتتصرف تصرف غريب، وراها وجع وحكاية ميعلمش بيها إلا ربنا. اتعلمت إن الكلمة الطيبة صدقة، وإن القسوة مبيجيش منها غير الندم اللي بياكل في الصدر زي النار. بقيت خدامة تحت رجلين بنتي، بدعي لها في كل سجدة، وبستغفر ربنا على كل لحظة ظلمت فيها الملاك ده.
وبعد سنة كاملة من العذاب، والمستشفيات، والعمليات، والدعاء اللي مكنش بيقطع من لساني ولسان جوزها.. جه اليوم اللي دخلنا فيه على الدكتور عشان نستلم نتيجة آخر مسح ذري.
الدكتور بص في الورق، وابتسم ابتسامة وسعت الدنيا كلها، وقالنا: “مبروك.. المريضة ندى رأفت تغلبت على المرض تماماً، والتحاليل سلبية، ومفيش أي أثر للخلايا الخبيثة.. دي معجزة من عند ربنا!”
شريف سجد في الأرض في مكتب الدكتور وهو بيبكي ويشكر ربنا، وأنا أخدت بنتي في حضني وفضلنا نعيط، بس المرة دي دموع فرحة.. دموع نصر.
ورجعت ندى لبيتها، مع جوزها اللي صانها وباع الدنيا عشانها، وابنها اللي كبر وبقى مالي عليهم الدنيا. وأنا قعدت في بيتي، وحيدة بس مرتاحة البال، ببص لصورة أبوها الله يرحمه وبقوله: “أمانتك صنتها يا رأفت.. بعد ما كنت هكسرها بجهلي، ربنا نجدني ونجدها، وبنتك طلعت بطلة، وجوزها طلع ابن أصول مفيش منه اتنين.”
وعرفت إن الحب الحقيقي والتضحية هما اللي بيشفوا المريض، وإن العيلة الحنينة هي السند اللي بجد في الدنيا دي.
