بابا 3

ارتخيت يد مدحت فجأة وسقطت على الأرض، وانقطعت أنفاسه تماماً قبل أن تصل عربة الإسعاف إلى مقر القسم. وقف ضابط المباحث مذهولاً وهو ينظر إلى جثة المقاول، والكلمات الأخيرة لا تزال ترن في أذنيه كالقنبلة موقوتة: *”المستشار فريد المحامي العام.. الورق في المقبرة!”*

العقل المدبر لكل هذه الجرائم ليس مجرد مزور أو مجرم عادي، بل هو رجل قانون من الوزن الثقيل، شخص يمتلك النفوذ والسلطة التي تجعله يحرك أجهزة، ويقطع الكهرباء عن قسم شرطة كامل لتصفية عميل انتهت صلاحيته.

في تلك اللحظة، رن هاتف الضابط. كانت طبيبة خط نجدة الطفل تنقل له كلمات الطفلة شهد المرعبة: *”بابا كان بيخاف من الثعبان.. والراجل الكبير هو اللي كان بيعذبنا”*.

أغلق الضابط الهاتف وعيناه تشتعلان غضباً، والتفت إلى أمين الشرطة حسام وقال بصوت منخفض وحازم: “حسام.. الاسم اللي قاله مدحت قبل ما يموت ميتكتبش في أي تقرير رسمي دلوقتي. لو الاسم ده طلع بره الأوضة دي، إحنا والبلد كلها هنبقى في خطر. اجمع لي قوة من رجالتنا الثقاة.. الحريقة اللي في شقة فيصل كانت تمويه، السر الحقيقي مدفون في المقابر”.

تحركت سيارة ميكروباص مدنية لا تحمل أي شعار للشرطة في تمام الساعة الثالثة فجراً، متجهة نحو مقابر العائلة الخاصة بمدحت في أطراف الجيزة. الأجواء كانت شديدة البرودة، والضباب يلف الشواهد الرخامية الصامتة.

ترجل الضابط ومعه حسام واثنين من العساكر الأشداء، يحملون كشافات يدوية وأدوات حفر. وصلوا إلى المقبرة المستهدفة، وكانت الأبواب الحديدية مقفلة بقفل ضخم يبدو عليه الأثر الحديث، كأن أحداً زار المكان قبل ساعات قليلة.

حسام كسر القفل بآلة حديدية، ودلفوا إلى الداخل. الرائحة كانت مزيجاً من التراب العتيق والغموض. بدأوا يتفقدون الجدران والزوايا، حتى لمح حسام شيئاً غريباً في جدار القبر الداخلي؛ كانت هناك طوبة خرسانية حديثة البناء وتختلف عن باقي الحجارة القديمة.

“هنا يا فندم!” قالها حسام وهو يشير بالكشاف.

بدأ العساكر في هدم الطوب بحذر، لتظهر خلفه فجوة صغيرة تحتوي على حقيبة قماشية مضادة للمياه. سحبها الضابط وفتح سحابها بسرعة.. وهنا كانت الصدمة اللغز.

الحقيبة لم تكن تحتوي على عقود مزورة فقط، بل كانت تضم ملفات سرية للغاية تخص قضايا جنائية كبرى تم حفظها أو تبرئة المتهمين فيها بشكل غامض على مدار الخمس سنوات الماضية. وبجانب الملفات، وجدوا جهاز تسجيل صغير “مسجل صوتي” ومعه عشرات الأشرطة القديمة، ومدون على كل شريط اسم قاضٍ، أو ضابط، أو مسؤول رفيع المستوى في الدولة!

ضغط الضابط على زر التشغيل في المسجل، فخرج صوت المستشار “فريد” وهو يتحدث بنبرة حادة وآمرة مع شخص آخر: *”مدحت مش لازم يعرف أكتر من كده.. الجهاز ده هيخليه يخلص على أي حد يعترض طريقنا من غير ما الطب الشرعي يثبت حاجة.. ولو بنته شافت حاجة، علمها الأدب بالثعبان.. إحنا بنبني إمبراطورية ومفيش غلطة مسموح بيها”*.

وفجأة، وأثناء استماعهم للتسجيل، انقطع الصوت تماماً.. ليس لأن الشريط انتهى، بل لأن صوت حفيف خطوات سريعة ومثيرة للريبة بدأ يقترب من بوابة المقبرة الخارجية!

أطفأ الضابط الكشاف فوراً، وساد الظلام الدامس وسط المقابر، ليلمع من بعيد ليزر أحمر ينعكس على جدار القبر.. ليزر قناصة متطورة كان يبحث عن رؤوسهم في عتمة الليل!

## الجزء السادس

حبس الضابط أنفاسه وجذب أمين الشرطة حسام بقوة خلف عمود رخامي سميك داخل المقبرة، بينما انبطح العسكريان على الأرض خلف الشواهد. نقطة الليزر الحمراء كانت تتحرك ببطء ونعومة على الجدار، تقترب سنتيمترًا تلو الآخر من الحقيبة القماشية المفتوحة.

الأجواء تحولت إلى قطعة من الجحيم الصامت؛ أي حركة أو نفس مرتفع يعني رصاصة من قناص محترف لا يخطئ هدفه، مرسل من جهة تعرف جيداً قيمة ما تحتويه هذه الحقيبة.

همس حسام بصوت يدوب يخرج من بين شفتيه: “يا فندم.. إحنا محاصرين، المدخل الوحيد للمقبرة مكشوف تماماً للقناص اللي بره”.

الضابط لم يجب، كانت عيناه تتأملان الحقيبة والمسجل الصوتي الذي بين يديه. أدرك أن المستشار فريد ليس مجرد فاسد، بل هو رأس حربة لمنظمة كاملة تصفي وتخترق كل من يقف في طريقها، وأن خروجهم من هذه المقبرة أحياء هو الأمل الوحيد لهدم هذه الإمبراطورية السوداء.

فجأة، قطع الصمت الرهيب صوت محرك سيارة دفع رباعي ضخمة يقترب بسرعة، ثم توقفت بعنف خارج أسوار المدافن. ضوء كشافاتها العالية اخترق الظلام وصنع ظلالاً مشوهة على الجدران.

صوت جهوري وصارم جاء من مكبر صوت خارجي: “معاك العقيد شريف من الأمن العام.. المكان كله محاصر، ارمي سلاحك واطلع بره يا قناص!”

خلال ثوانٍ، دوت صرخة مكتومة من فوق شجرة ضخمة مواجهة للمقبرة، وتبعتها سقطة ثقيلة على الأرض؛ لقد تم تحييد القناص بنجاح بواسطة القوة القادمة.

تنفس الضابط الصعداء وخرج ومعه رجاله والحقيبة في حوزتهم. كان العقيد شريف واقفاً بجوار سيارات الشرطة التي سدت المكان، ووجهه يحمل علامات الجدية الصارمة. اقترب من الضابط وقال بنبرة خفيضة: “طبيبة خط النجدة بلغتني فوراً بكلام البنت شهد.. وعرفت إن فيه تلاعب حصل في القسم لقتل مدحت، فكان لازم أتحرك بنفسي قبل ما تضيع الأدلة.. لقيتوا إيه جوه؟”

الضابط رفع الحقيبة وقال: “لقينا الصندوق الأسود للمستشار فريد.. عقود، وتسجيلات، وملفات قضايا تودي المشنقة”.

العقيد شريف نظر للحقيبة، وومضت في عينيه نظرة غريبة لم يدرك الضابط معناها في تلك اللحظة، ثم قال: “ممتاز.. الورق ده لازم يتأمن في مكان سري فوراً، اطلبو لي المستشار فريد حالا عشان ننسق معاه التحقيقات باعتباره المحامي العام!”.

جسم الضابط اتشد، وشعر ببرودة تجتاح أطرافه. نظر للعقيد شريف وقال بنبرة حذرة: “بس يا فندم.. المستشار فريد هو المتهم الرئيسي بناءً على التسجيلات اللي جوه الشريط!”

العقيد شريف ابتسم ببرود مريب، ومد يده نحو الحقيبة وقال: “أنا عارف.. وعشان كده قتلت القناص بتاعه قبل ما يتكلم، وعشان كده برضه الورق ده مش هيطلع من المقابر دي يا سيادة الضابط!”

وفي لمح البصر، تراجعت قوة الأمن العام للخلف، وظهرت فوهات الأسلحة الآلية موجهة مباشرة نحو صدر الضابط وحسام، بينما كان العقيد شريف يخرج ولاعة من جيبه وينظر للحقيبة بنظرة تملؤها ال

شيطانية!شيطانية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *