عيله العريس الكبار

عيلة العريس الكبار بعتوا دعوة فرح لمراته القديمة الغلبانة عشان تيجي وتتفرج عليه وهو بيتجوز ست تانية.. كانوا مستنيين تدخل القاعة لوحدها ومكسورة الجناح، لحد ما دخل وراها تلات اطفال تؤام قلبوا الفرح كله وخلوا الصالة تسكت من الصدمة والرعب!
هما بعتوا دعوة الفرح دي بالذات عشان كانوا مستنيينها تدخل لوحدها ومكسورة، دي الحقيقة اللي مفيش مخلوق في عيلة الراوي كان عايز ينطقها علنًا، عيلة الراوي من أعيان وكبار البلد، وكانوا دايماً أسياد في لعبة القسوة المستخبية ورا قناع الذوق والأدب، ظرف الدعوة كان فخم ولونه سكري شيك، والكلام مكتوب بماء الذهب، بس أول ما فريدة فتحت الظرف اللي محطوط على مكتبها، فهمت كل كلمة وكل إهانة مستخبية بين السطور، طليقها حسن الراوي كان بيجهز عشان يتجوز شيرين الشهاوي.. الست اللي أمه كانت بتتحايل عليه يتجوزها من سنين؛ جميلة، بنت عيلة واصلة، ومن مستواهم، ولايقة جداً على صور العيلة الرسمية وحفلات المجتمع الراقية، كان المفروض فريدة تيجي تقعد في آخر صف، وتتفرج بسكوت على كل حاجة خسرتها، كان دايماً مطلوب منها تحس بالكسوف، تحس إنها منسية، وتتفرج على الراجل اللي وقف ساكت زمان وأهله ب يطردوها ويبهدلوها برة حياتهم، وهو بيبدأ دنيته الجديدة قدام عيون الناس كلها، بس كان فيه سر واحد وخطير عيلة الراوي عمرهم ما عرفوه؛ فريدة مش هتيجي لوحدها! من أربع سنين فاتوا، فريدة مشيت من قصر عيلة الراوي وهي شايلة شنطة هدوم واحدة، وقلب مرعوب، وتلات أجنة في بطنها اختارت تحميهم من عيلة بتشوف البني آدمين مجرد ممتلكات مش بشر، ودلوقتي الأطفال دول بقى عندهم أربع سنين.. تلات

صبيان تؤام، ب نفس عيون حسن الرمادية، وشعرهم الأسود الكيرلي، ونفس الملامح الجادة اللي بتورثها أجيال عيلة الراوي؛ يوسف، وياسين، ومروان، هما عمرهم ما استخبوا بسبب كسوف أو عار.. هما استخبوا لأن فريدة كانت بتأمن حياتهم وتحميهم، وفيه فرق كبير بين الحالتين، لما يوسف لمح الدعوة الذهبية على المكتب، سحب الكرسي براحة وطلع عليه ومال براسه الصغير وقال ماما.. هي دي دعوة لحفلة؟، فريدة بصت للكلام الدهبي اللي على الظرف، وبعدين بصت لولادها التلاتة وهم بيلعبوا مع بعض على السجادة جنب المكتب، وقالت بصوت هادي وفيه ابتسامة غامضة أيوة يا قلب ماما.. وأظن جه الوقت عشان نروح ونحضر الحفلة دي.
الفرح كان معمول في فيلا فخمة على البحر مباشرة في الساحل الشمالي، حتة أرض النجيل فيها أخضر ومقصوص بالمسطرة، والورد الأبيض مرصوص للمظاهر والمنظرة أكتر من البهجة، المعازيم واصلين ب فساتين سواريه غالية وبدل سودا متفصلة مخصوص، رجال أعمال، ومستثمرين، وصحفيين، دايرين في الجنينة بكاسات الشربات والمزيكا الهادية بتلعب في الهوا، وفي نص الليلة دي كلها، كانت واقفة الحاجة كاميليا.. أم حسن، الست اللي وقفت في يوم من الأيام وبصت في عين فريدة بكل برود وقالت لها أنتِ عمرك ما كنتِ تليقي بمقام عيلتنا ولا هتشرفينا، وقتها فريدة كانت أصغر، ومخضوضة، وحامل وماتعرفش إزاي تقف في وش ناس معاهم ملايين ومحاميين مابيرحموش، وحسن كان واقف جنب أمه وسامع ومفتحش بوقه بكلمة، والسكوت ده وجعها أكتر من أي خناقة في الدنيا، عشان كدة فريدة اختفت في صمت، غيرت الدكاترة، وغيرت شقتها، ورجعت لاسم عيلتها البسيط، ومن مكتب صغير مأجرآه، بدأت تبني شركة تسويق ودعاية خطوة بخطوة، والتلات أطفال نايمين جنبها في السراير الصغيرة، سنة ورا سنة، فريدة بقت أقوى وأصلب، ولما دعوة الفرح دي وصلت لها أخيرًا، فريدة مكنتش الست الضعيفة المرعوبة اللي عيلة الراوي افتكروا إنهم مسحوا وجودها من الدنيا، دي بقت صاحبة أكبر شركة دعاية بتكبر في البلد، معاها فلوسها، ومعاها ثقتها في نفسها، والأهم من كل ده.. معاها سلامها النفسي، ومعاها ولادها، تلات رجالة صغيرين شايلين دم وعيون الراجل اللي واقف في الكوشة!
يا ترى حسن وأمه هيعملوا إيه أول ما يلمحوا فريدة داخلة القاعة ووراها التلات أطفال اللي هما نسخة طبق الأصل من حسن؟ وإيه اللي هيحصل لما شيرين العروسة الجديدة تكتشف إن العريس مخبي عليها سر بالإعصار ده وله ولاد من طليقته؟ وإزاي فريدة هتقلب الفرح لمواجهة العمر وتأخد حقها وحق ولادها قدام أكابر البلد؟
الفرح كان ماشي زي ما عيلة الراوي خططت بالظبط؛ مزيكا هادية، ضحك متصنع، وكاميرات بتلف بين المعازيم تصور الحدث الاجتماعي الكبير بتاع الموسم.
الحاجة كاميليا كانت واقفة في نص الجنينة بفستانها النبيتي التقيل، بتسلم على الناس وكأنها ملكة متوجة، وكل شوية تبص على باب الفيلا الرئيسي باستمتاع خبيث
مستنية اللحظة اللي تدخل فيها فريدة.
لوحدها.
مكسورة.
يمكن بعين حمرا من العياط.
يمكن تلبس فستان قديم وتحاول تداري وجعها بالكبرياء.
كانوا عاوزين يشوفوا هزيمتها بعينيهم.
وفجأة
بواب الفيلا فتح البابين الكبار.
وكل الأصوات خفت بالتدريج.
لأن الست اللي دخلت مكنتش شبه الست اللي طردوها من أربع سنين.
فريدة دخلت بفستان أسود ناعم وراقي، من النوع اللي مش محتاج يزعق عشان يبان غالي، شعرها مرفوع بثقة، وخطوتها ثابتة كأنها صاحبة المكان مش ضيفة فيه.
لكن الصدمة الحقيقية
مكانتش فريدة.
الصدمة كانت التلات أطفال اللي داخلين وراها ماسكين إيد بعض.
ثلاثة أولاد.
نسخ مصغرة من حسن الراوي.
نفس العيون الرمادية.
نفس الوقفة.
ونفس ملامح عيلة الراوي اللي محدش يقدر يغلط فيها.
الصالة كلها سكتت.
واحدة من المعازيم شهقت بصوت مسموع يا نهار أبيض دول شبه حسن أوي!
حسن كان واقف جنب الكوشة، ولما شافهم
الكاس وقع من إيده واتكسر على الرخام.
شيرين العروسة بصت له باستغراب في إيه؟
لكنه مكنش سامعها.
كان باصص على الأطفال كأنه شاف أشباح.
يوسف، أكبرهم بدقايق، كان ماشي بثبات غريب لطفل عنده أربع سنين، ومكلبش في إيد أمه.
أما ياسين ومروان فكانوا باصين حواليهم بانبهار بريء، مش فاهمين ليه كل الناس ساكتة وباصالهم كأن الدنيا وقفت.
الحاجة كاميليا وشها سحب الدم منه.
همست مستحيل
فريدة قربت منهم بهدوء.
ولأول مرة من سنين، عينيها جات في عين حسن من غير خوف.
قالت بابتسامة بسيطة ألف مبروك يا حسن.
حسن حاول يتكلم، بس صوته طلع مبحوح الأطفال دول
فريدة ردت بثبات ولادك.
الكلمة نزلت كأنها قنبلة.
شيرين لفت لحسن بصدمة يعني إيه ولاده؟!
الحاجة كاميليا دخلت بسرعة وهي بتحاول تسيطر على الموقف أكيد بتكدب! دي جاية تبوظ الفرح!
فريدة طلعت بهدوء ٣ شهادات ميلاد من شنطتها الجلد.
وحطتهم على الترابيزة قدام الكل.
تقدروا تبصوا بنفسكم.
حسن خطف أول شهادة بإيد بتترعش.
اسم الأب حسن عبدالرحمن الراوي.
التلاتة.
نفس الاسم.
نفس التاريخ.
نفس الحقيقة اللي هرب منها سنين.
شيرين رجعت لورا كأن حد ضربها أنت كنت متجوز وعندك أولاد ومخبي عليا؟!
لمحة نيوز

حسن بص لها بذهول والله والله ما كنت أعرف!
وفريدة ضحكت ضحكة صغيرة كلها تعب لأنك مختارتش تعرف.
الحقيقة إن فريدة يوم ما اكتشفت حملها بتلات توأم، كانت مرعوبة.
مش من الحمل
من عيلة الراوي.
الحاجة كاميليا وقتها كانت بتقولها طول الوقت إحنا محتاجين حفيد يشيل الاسم، مش عيال كتير من واحدة جوازها غلطة.
ولما الحمل تعبها وبقت محتاجة راحة، حسن كان دايمًا ساكت.
ساكت لما أمه تهينها.
ساكت لما المحامي يهددها بورق التنازل.
ساكت لما اتقال لها لو خلفتي العيال دي، حياتك هتبقى جحيم.
وفي ليلة
سمعت كاميليا بتقول لحسن طلقها قبل ما تربطك بعيال.
وهو
مسكتش بس.
قال اعملي اللي تشوفيه صح.
الكلمة دي كانت كفاية.
فريدة هربت.
اختفت.
وبنت نفسها من الصفر.
وكان عندها سبب واحد تعيش عشانه
ولادها.
في نص الفرح، شيرين قلعت الدبلة بعصبية أنا مش هتجوز راجل كداب!
وحذفتها في وش حسن.
الكاميرات اشتغلت.

الناس بدأت تهمس.
الصحافة اللي كانت جاية تغطي فرح المجتمع الراقي بقت بتصور فضيحة الموسم.
أما الحاجة كاميليا فكانت شبه المجنونة.
قربت من فريدة وقالت من بين سنانها أنتِ جاية تنتقمي.
فريدة بصت لها بثبات لأ أنا جاية أعرف ولادي مين أبوهم.
يوسف شد فستان أمه بخفة ماما هو ده بابا؟
الصمت وقع على المكان كله.
حسن حس إن قلبه اتخلع.
بص للولد الصغير اللي عنده نفس عينيه.
ولأول مرة
شاف ابنه.
مش مجرد طفل.
ابنه فعلًا.
نزل على ركبته قدامه ببطء.
وقال بصوت مكسور أيوه يا حبيبي.
لكن يوسف استخبى ورا رجل أمه فورًا.
لأن الأطفال بيحسوا بالحقيقة.
وبيفرقوا بين الأب الحقيقي
والراجل اللي جه متأخر.
بعد الفضيحة، الفرح اتلغى.
المعازيم مشيوا.
والسوشيال ميديا انفجرت.
عيلة الراوي تخفي أحفادها الشرعيين!
فضيحة الساحل!
العريس يكتشف أولاده يوم فرحه!
لكن الكارثة الأكبر كانت جوة البيت نفسه.
مجلس إدارة شركات الراوي عرف إن حسن عنده ٣ ورثة شرعيين مخفيين.
وده غيّر تقسيم الورث كله.
الحاجة كاميليا دخلت في انهيار عصبي لما المحامين أكدوا إن الأولاد لهم حقوق كاملة في العيلة والشركات.
أما حسن
فكان كل يوم يقف قدام باب شركة فريدة مستني يشوف الأولاد.
في الأول فريدة كانت بترفض.
مش انتقام.
لكن خوف.
خوف عليهم من نفس الوجع.
لكن الأيام عملت اللي هي بتعرف تعمله.
مرة ورا مرة
الأطفال بدأوا يتعودوا عليه.
يوسف كان بيحكيله عن المدرسة.
ياسين يطلب منه يزق المرجيحة.
ومروان ينام على كتفه في العربية.
أما حسن
فكان بيتقطع من الندم.
في ليلة، بعد ما وصلهم البيت، وقف مع فريدة عند الباب وقال أنا ضيعتكم.
فريدة بصت لأولادها من الشباك وهم نايمين جنب بعض على الكنبة.
وقالت بهدوء أيوه ضيعتنا.
سكت شوية، وبعدين كملت بس أنا مبقتش الست اللي كانت مستنية منك تنقذها.
عينيه اتمَلوا دموع لأول مرة في فرصة أصلح اللي عملته؟
فريدة ابتسمت ابتسامة هادية فيها تعب سنين معايا أنا؟ يمكن لأ.
وبعدين بصت ناحية الأوضة اللي فيها التلات أطفال.
وقالت بس مع ولادك لسه عندك عمر كامل تحاول.
وقف ساكت.
لأن دي أول مرة حد يقوله الحقيقة من غير خوف.
بعد سنة
كان فيه حفلة صغيرة في جنينة بيت فريدة.
مش حفلة فخمة.
ولا فيها صحافة.
ولا ورد أبيض كتير.
بس كان فيها ٣ أطفال بيجروا ويضحكوا.
وحسن واقف بيشوي لهم مارشميلو وهو بيتخانق معاهم مين ياخد أول قطعة.
وفريدة قاعدة بعيد شوية، ماسكة كوباية قهوة، والهواء بيحرك شعرها بهدوء.
الحاجة كاميليا؟
ماكنتش موجودة.
لأن الأولاد رفضوا يروحوها بعد ما سمعوا منها كلمة وحشة عن أمهم.
وحسن لأول مرة وقف قدام أمه وقال اللي يهين أم عيالي ملوش مكان وسطنا.
وفي اللحظة دي بالذات
فريدة فهمت إن أقوى انتقام خدته في حياتها
مكانش إنها بوظت الفرح.
أقوى انتقام
إنها نجت بنفسها وبولادها، وعاشت لحد ما بقى نجاحها ووجودها هو الصفعة اللي محدش قدر يرد عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *