دخلت في علاقة مع زميل لى

دخلت في علاقه مع زميلي في الشركة وبعد 6 شهور، كنت واقفة في حمام شقتي في مصر الجديدة، وعملت 5 اختبارات حمل.. الـ 5 طلعوا إيجابي. قعدت على بلاط الحمام الساقع وجسمي كله بيتنفض، وبعت له رسالة:

> “مدحت، لازم أشوفك حالاً.. الموضوع حياة أو موت.”

>

جالي بالليل، وأول ما شاف التحليل، الضحكة الجذابة اللي على وشه اختفت تماماً.

قال وهو باصص في الأرض ومن غير ما يلمسني: “أنا محتاج وقت يا منى عشان أستوعب الصدمة دي.”

“الوقت” ده معناه إنه فص ملح وداب..

تليفونه دايماً غير متاح، رسايلي تتقري ومفيش رد، وبطني بدأت تكبر وهو اتحول لشبح.

في الأسبوع العشرين، دكتور النسا مسك إيدي قبل ما يتكلم.. الحركة دي رعبتني.

“يا منى، الجنين عنده متلازمة داون.”

في الأول ما عيطتش.. فضلت باصة لشاشة السونار، للحركة الصغير اللي جوايا، وحسيت بذنب فظيع إني خايفة منه.

بعدها، انفجرت في العياط وأنا راجعة في عربية أوبر.. عيطت على السرير.. عيطت وأنا ماسكة لبس البيبي الأصفر اللي كنت لسه شرياه من وسط البلد.

بعت لمدحت تاني:

> “ابنك من حقه يعرف إن ليه أب في الدنيا.”

> وبرضه مفيش رد.

>

## الحقيقة المُرّة

بعد أسبوع، صاحبتي “نهى” جت لي البيت ووشها زي اللي راجعة من عزا.

“منى.. اقعدي.”

“أبوس إيدك متقوليش حاجة تخوف.”

“مدحت متجوز.”

حسيت كأن مية بتغلي ادلقت على دماغي. نهى فتحت موبايلها ورجتني بروفايل مراته “سارة” على الفيسبوك.

كان منور بصوره معاها.. ومعاهم ولدين.. وكلب لابرادور صغير.. صورهم في مصيف في الجونة، وتورت أعياد ميلاد، وبوست كاتبة فيه:

> “كل سنة وأنت حبيبي وسندي.. ربنا يخليك ليا ولأولادنا.. عشر سنين حب.”

>

عشر سنين! متجوز بقاله عشر سنين!

وأنا هنا، حامل في ابنه زي المغفلة، محبوسة في حكاية طلعت مسروقة من حياة ناس تانية.

## “مروان” ونقطة التحول

لما “مروان” شرف الدنيا، كل حاجة اتغيرت. كان صغنن أوي، دافي، بعينين لوزية جميلة، ومسك صباعي بقوة كأنه بيقولي: *”امسكي فيا جامد يا ماما، السكة هتبقى صعبة”.*

وفعلاً كانت صعبة.. بامبرز، لبن صناعي، دكاترة، تحاليل، جلسات تخاطب وتنمية مهارات، ليالي من غير نوم، وفواتير ورا فواتير.

كنت بشتغل “فري لانس” من البيت، إيد على الكيبورد وإيد بتهز السرير.. وفي نفس الوقت، مدحت مستخبي زي الفار.

في ليلة، ومروان نايم على صدري وروشتة الدكتور قدامي على التربيزة، عملت اللي حلفت عمري ما هعمله.. دخلت على بروفايل “سارة”.

صورتها الشخصية كانت في كافيه في الكورنيش، بتضحك وفي إيدها فنجان قهوة.. وش واحدة متعرفش إن حياتها هتتهد بعد ثواني.

بعت لها مسدج على الخاص:

> “أهلاً يا مدام سارة. أنا اسمي منى. عندي طفل عنده 3 شهور، الطفل ده يبقى ابن جوزك مدحت. هو ضحك عليا وفهمني إنه مطلق، ولما عرف إني حامل اختفى. ابني اتولد بمتلازمة داون وأنا بطولي في الدنيا. أنا مش عاوزة أخرب بيتك، بس أنا محتاجة حقي وحق ابني ومصاريفه.. أنا آسفة إني الصدمة دي جاية مني.”

>

أرفقت مع الرسالة صورة “مروان”، وبعتها.. وقَفَلت الموبايل فوراً وأنا دقات قلبي مسموعة من الرعب.

## المواجهة

تاني يوم الصبح، الساعة 9 بالدقيقة، الباب خبط.

فتحت بالبيجامة، شعري منكوش، وهدومي متبهدلة من اللبن.

كانت هي.. “سارة”.

لابسة نظارة شمس سوداء، جينز، وتيشرت أبيض، وفي إيدها شنط كتير من السوبر ماركت والصيدلية.

عينيها كانت حمرا دم، بس مكنتش بتصرخ.. والهدوء ده رعبني أكتر.

“منى؟” سألتني.

هزيت راسي بمعنى أيوة.

“أنا سارة.. ممكن أدخل؟”

وسعت لها وأنا مش مصدقة. دخلت، حطت الحاجه على التربيزة، وبصت في الشقة الضيقة، وبعدين قلعت النظارة.. ملامحها كانت بتقول إنها منامتش دقيقة وبتعيط طول الليل.

قالت لي: “أولاً.. أنا عاوزة أشوف البيبي اللي فضح جوزي.”

مبقتش عارفة أنطق، دخلت الأوضة وجبت مروان. أول ما سارة شافته، عينيها دمعت، وأخدته في حضنها براحة لدرجة إني اتصدمت.

همست وهي بتبوسه: “يا حبيبي.. يا روحي.. أبوك جبان، بس ذنبك أنت إيه.. أنت ملاك مفيش فيك غلطة.”

في اللحظة دي أنا اللي انهرت.. قعدت أعيط وكأن الست دي مش ضرتي أو مراته، كأنها الست الوحيدة في الدنيا اللي حاسة بوجعي.

سارة قعدت ومروان في حضنها وقالت: “امبارح بالليل فتشت في تليفون مدحت.. لقيت كل حاجة.”

رسايله.. المكالمات الممسوحة.. الصور.. الأكاذيب.. حتى فولدر مخفي عليه اسمي!

قلت لها وصوتي بيترعش: “والله العظيم ما كنت أعرف إنه متجوز.. والله ما كنت هقبل.”

قاطعتني وهي بتبص لمروان: “عارفة.. هو كذب عليكي وزي ما كذب عليا بالظبط.. أنا صحيته الساعة 6 الصبح، ورميت في وشه الرسالة وصورة ابنكم.”

“وقال إيه؟”

ضحكت سارة ضحكة وجع وسخرية: “عيط.. وباس رجلي.. وقال ‘غلطة وشيطان’ وإنه مكنش عارف يخرج من الموضوع ازاي.. وقال إنه بيحبني، وإنه اتلخبط معاكي زي ما لغبط حياته.”

أنا جزيت على سناني من الغل.

كملت سارة: “أنا طردته برا البيت بشنطة هدومه.”

برقت عيني: “إيه؟!”

“هو دلوقتي في فندق أو عند أمه في طنطا، مش فارق معايا ولا يخصني.. أنا كلمت ابن عمي محامي أحوال شخصية، ومدحت هيدفع نفقة ومصاريف مروان مليم بينطح مليم، ولو فكر يتهرب هفضحه بالصور دي في شركته وفي وسط عيلته كلها.”

الدموع نزلت من عيني تاني وقلت لها: “أنتِ بتساعديني ليه؟ أنتِ المفروض تكرهيني وتدعي عليا!”

سارة بصت لمروان وعدلت غطاه، وقالت بصوت واطي ومكسور: “عشان من 3 سنين، أنا سقطت.. الجنين نزل.. ومدحت وقتها كل اللي قاله لي ببرود: ‘عادي.. نعوضها في غيره’.”

ساد السكوت في الشقة، كملت وهي بتبكي: “وعمرنا ما عوضناها يا منى.. ومخلفناش تاني.. ودلوقتي بكتشف إن كان فيه طفل تاني في الدنيا.. ابن جوزي.. وهو هرب منه وسابه هو كمان.”

مقدرتش أرد من الصدمة. سارة قامت بالراحة وبدأت تطلع الحاجة من الشنط: علب لبن، بامبرز، لبس أطفال، لعبة صغيرة.. وفولدر ورق.

وقالت لي: “ده ليكوا.. ودي صور مستندات.”

“مستندات إيه؟”

مدت إيدها بالفولدر وإيدها بتترعش: “حاجات لقيتها في درج مكتبه المقفول.”

فتحت الفولدر.. لقيت إيصالات تحويل فلوس باسمي (منى..)، بس أنا عمري ما استلمت الفلوس دي!

والورقة اللي بعدها: فواتير من عيادة نسا وتوليد خاصة.. بتاريخ المتابعة بتاعي.. وعنوان شقتي.. وصور ليا وأنا داخلة المستشفى بعمل السونار!

ريقي جف تماماً وبصيت لها: “سارة.. إيه ده؟ هو كان بيراقبني؟”

سارة بصت لي وعينيها طالع منها شرار وغضب:

“منى.. مدحت مكنش هربان وميعرفش عنك حاجة زي ما كنتِ فاكرة لما عرف بمرض البيبي.. هو كان عارف بكل حاجة وعارف إن ابنك عنده داون من قبل ما أنتِ تعرفي وتقولي له أصلاً.. وفي مصيبة تانية أكبر أنا لسه مقلتلكيش عليها…”

سارة بلعت ريقها بصعوبة، وقامت وقفت وبدأت تتحرك في الصالة الضيقة وهي بتفرك إيدها بتوتر، ملامح الهدوء اللي كانت عليها اختفت تماماً وحل مكانها رعب حقيقي.

“المصيبة يا منى.. إن مدحت هو اللي رتب لكل ده من الأول.. هو مكنش متفاجئ بالمرض، هو كان مستنيه.”

أنا مسكت طرف الكنبة بإيدي الاتنين عشان حاسة إن ركبي مش شايلاني، وبصيت للورق اللي في إيدي وأنا مش قادرة أستوعب: “يعني إيه مستنيه؟ سارة اتكلمي علطول وبلاش ألغاز.. يعني إيه الورق ده وإيه فواتير المستشفى دي؟ أنا كنت بروح للدكتور بتاعي لوحدي!”

سارة قربت مني وقعدت على ركبها قدامي، مسكت إيدي اللي كانت بتترعش وقالت: “الدكتور اللي كنتِ بتابعي معاه.. الدكتور ‘شريف’.. يبقى ابن خالة مدحت الروح بالروح.”

الصدمة نزلت عليا زي الصاعقة، شريط الست شهور والمتابعة والسونار مر قدام عيني في ثانية. افتكرت لما مدحت هو اللي رشحلي الدكتور ده بالذات أول ما عرف بالتحليل الإيجابي، وافتكرت لما قال لي: “ده دكتور شاطر جداً وعيادته قريبة منك في مصر الجديدة، روحي له وأنا هبقى أطمن عليكي منه عشان مش هعرف أجي معاكي العيادة عشان الشبهات في الشركة”.

سارة كملت وصوتها فيه بحة غضب: “مدحت كان بيجيله تقرير أسبوعي عن حالتك وعن حالة الجنين.. التحليل اللي بيتعمل في الأسبوع العاشر عشان يحدد لو فيه تشوهات كروموسومية، الدكتور عملهولك مع تحاليل الدم العادية من غير ما يقول لك إنه تحليل خاص.. والنتيجة طلعت لمدحت قبل ما أنتِ توصلي للأسبوع العشرين بكتير.. مدحت كان عارف إن مروان عنده متلازمة داون وأنتِ لسه في الشهر الثالث!”

دموعي نزلت مغرقة وشي، وسألتها بصوت مخنوق: “طب ليه؟ ليه سابني أعيش الوهم ده كله؟ وليه عمل فيا كده؟ وإيه إيصالات تحويل الفلوس اللي باسمي دي وأنا مخدتش منه مليم؟”

سارة سحبت ورقة تانية من الفولدر، كانت عبارة عن عقد شراكة وصور من حساب بنكي مقفول.

“مدحت مكنش بيهرب منك عشان خايف من المسؤولية بس يا منى.. مدحت كان بيستخدم حملك عشان يسرق فلوس من حسابات الشركة اللي بتشتغلوا فيها.. الفلوس دي كلها اتحولت من حسابات الشغل باسمك أنتِ، تحت بند ‘مساعدات طبية وحالات حرجة لموظفة بالشركة’.. هو مضى مكانك، وزور إمضاءك، واستغل إنك كنتِ بتشتغلي فري لانس ومنعزلة عن الأخبار.. مدحت كان بيقبض تمن تعب ابنه وتعبك، وحاطط الفلوس في حساب سري باسمه عشان يهرب بيه برا البلد!”

وقفت من مكاني وأنا حاسة إن جدران الشقة بتلف بيا، مروان بدأ يعيط في السرير كأنه حاسس بنار الوجع اللي قادت في صدري. جريت عليه أخدته في حضني وأنا بضمّه بقوة وببص لسارة وبقول: “يعني أنا كنت مجرد غطاء لسرقته؟ وكمان مستغل مرض ابنه؟ ده مش بني آدم.. ده شيطان!”

سارة وقفت وبصت لي بثبات وقالت: “هو افتكر إننا لما نتخانق أنا وأنتِ، الحكاية هتتقفل، وكل واحدة فينا هتدور على جرحها وتنسى تدور وراه.. هو دلوقتي فاكر إنه هربان عندي والدته في طنطا، وميعرفش إن المحامي بتاعي بيجيب قرار الحساب البنكي ده.. بس فيه حاجة تانية ظهرت في الورق ده قلبت كياني أنا شخصياً.. ومظنش إننا ينفع نسكت عليها.”

نزلت بمروان وأنا ببص لها وناشف دمي: “حاجة إيه تاني يا سارة؟”

سارة شاورت على فواتير عيادة الدكتور شريف، وقالت بصوت همس مرعب: “التقرير الطبي الأخير اللي الدكتور شريف كاتبه لمدحت قبل ما مروان يتولد بأسبوع.. مكتوب فيه ‘تمت الخطة بنجاح، والطفل جاهز للنقل فور الولادة لإتمام الاتفاق مع الجهة الأجنبية’!”

الشقة ضلمت في عيني، ومسكت مروان أكتر وأنا مش قادرة أتنفس: “نقل؟ اتفاق؟ هما كانوا عايزين ياخدوا ابني مني؟”

سارة هزت رأسها وعينيها مليانة دموع وشرار في نفس الوقت: “مدحت مكنش بيهرب من مروان يا منى.. مدحت كان مستني مروان يتولد عشان يبيعه..!”
الكلمة نزلت عليا زي السكين.. “يبيعه”؟

بصيت لمروان اللي كان لسه نايم في حضني بملامحه الهادية البريئة، وحسيت بنفضة في ضلوعي أقوى من نفضة بلاط الحمام الساقع. الدموية هربت من وشي تماماً، وسارة مسكتني من كتفي قبل ما أقع على الأرض.

“يعني إيه يبيعه يا سارة؟ إنتِ بتقولي إيه؟ ده ابنه! لحمه ودمه!” صرخت بصوت مكتوم وأنا بنهج.

سارة قعدتني على الكنبة وأخدت الفولدر، طلعت منه ورقة مطبوعة من إيميل رسمي. “مدحت والدكتور شريف كانوا متفقين مع شبكة بتسفر أطفال لبرة.. تحديداً لدول معينة تحت غطاء ‘تبني دولي’ أو ‘رعاية طبية خاصة لل حالات الحرجة’. متلازمة داون برة ليها مراكز رعاية متطورة، وفيه عائلات بتدفع مبالغ ضخمة بالدولار عشان تتبنى الحالات دي وتصرف عليها.. مدحت كان شايف مروان مش ابن.. كان شايفه صفقة بـ 50 ألف دولار هتأمن له حياته الجديدة برة مصر بعد ما يهرب بفلوس الشركة.”

مسحت دموعي فجأة، والضعف اللي كان فيا اتحول لطاقة غضب رهيبة. “عشان كده مكنش بيرد على رسايلي! كان مستني اللحظة اللي أولد فيها عشان يظهر وياخد الولد بحجة إنه أبوه وهيصلح غلطته.. ويسافر بيه!”

سارة هزت راسها: “بالظبط.. كان مستني الولادة، ولما أنتِ ولدتي ومروان دخل الحضّانة أول يومين، شريف بلغ مدحت.. بس اللي بوظ خطتهم إن المحامي ابن عمي بدأ يتحرك في نفس اليوم بناءً على شكوكي القديمة في حسابات مدحت، فمدحت ارتبك وخاف يظهر في المستشفى عشان المحامي ميربطش بينه وبين اختفاء الفلوس.. فقرر يستنى لما الأمور تهدى.”

قمت وقفت في وسط الصالة وأنا حاسة إن روحي بترجعلي، بس بشكل تاني.. شكل أم مستعدة تنهش أي حد يقرب من ابنها. “سارة.. إحنا مش هنقعد نعيط.. مدحت لازم يدفع التمن، هو وابن خالته الدكتور.”

سارة ابتسمت ابتسامة مرار، وطلعت موبايلها. “أنا كلمت ابن عمي ‘خالد’ المحامي، وهو زمانه على وصول هنا.. إحنا لازم نتحرك بسرعة وقبل ما مدحت يحس إننا كشفنا ورق الخطف والبيع.. هو كل اللي يعرفه لغاية دلوقتي إني طردته عشان الخيانة وبس.”

بعد نص ساعة، الباب خبط. دخل خالد، محامي تلاتيني ملامحه جادة وحاسمة. أول ما دخل وبص للورق اللي على التربيزة، وعاين إيصالات تحويل الفلوس اللي باسمي المزورة، وبص لمروان، قال بصوت جهوري:

“منى.. سارة.. إحنا قدام قضيتين.. قضية أموال عامة وتزوير واختلاس من الشركة، ودي لوحدها تشيل مدحت كذا سنة.. وقضية ‘اتجار بالبشر’ وتآمر، ودي جناية تودي مدحت والدكتور شريف ورا الشمس.”

أنا سألته وإيدي على قلبي: “طب ومروان؟ مدحت ممكن يستغل إنه الأب الشرعي ويحاول ياخده بأي طريقة قانونية؟”

خالد بص لي بثقة: “مستحيل.. أولاً هو مسجلش الولد لسه ومفيش شهادة ميلاد باسمه لغاية دلوقتي حسب كلامك، ثانياً والأهم.. إحنا اللي هنسحبه لرجلينا.. مدحت فاكر إنه أذكى مننا، وإحنا هنخليه ييجي بنفسه للمصيدة.”

“إزاي؟” سألته أنا وسارة في نفس الوقت.

خالد بصلنا وقال: “منى.. إنتِ هتبعتي لمدحت مسدج حالا.. هتقولي له إنك تعبانة جداً في المستشفى، وإنك مش قادرة تصرفي على الولد، وموافقة تتنازلي له عنه مقابل مبلغ مالي يخليكي تبدأي حياتك من جديد برة مصر.. هتقولي له الجملة اللي هو مستنيها عشان يسيل لعابه.”

قلبي انقبض: “ولو وافق وجاء؟”

خالد ابتسم: “لو وافق وجاء يستلم الولد بالورق اللي هنجهزه، هيبقى متلبس بجريمة الاتجار بالبشر بالصوت والصورة.. والشرطة هتبقى مستنياه جوة الأوضة.”

مسكت الموبايل وإيدي بتترعش.. فتحت الشات بتاع مدحت، الشات اللي بقالي شهور بترجاه فيه يرد عليا.. وكتبت:

> “مدحت.. أنا تعبت ومروان حمل تقيل عليا وأنا لوحدي.. أنا عرفت إنك متجوز ومستعدة أختفي من حياتك تماماً وأسيب لك الولد تاخده تعيشه مع عيلتك.. بس أنا محتاجة 200 ألف جنيه عشان أسافر وأبدأ حياتي برة.. لو موافق، تعال بكرا في العنوان اللي هبعته لك.. وخد ابنك.”

>

دُست “إرسال”.. وفضلنا التلاتة باصيين للشاشة..

دقيقة.. دقيقتين.. تلاتة..

وفجأة.. العلامتين بقوا أزرق.. والـ “Typing” ظهرت لأول مرة من 6 شهور!

رد مدحت بكلمتين اتنين بس:

> “أنا جاي.. جهزي الورق والولد.”

>

بصيت لسارة، لقيت عينيها بتلمع بانتقام، وبصيت لخالد اللي بدأ يرفع سماعة التليفون عشان يكلم جهات التحقيق..

المواجهة الكبيرة هتبدأ بكرا.. بس مدحت ميعرفش إن اللي مستنياه مش منى الضعيفة اللي سابها على البلاط الساقع.. اللي مستنياه هما الستات الاتنين اللي كسر قلوبهم، وقرروا يكسروا حياته.ليصلكم القصص الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم

الليل ممرش علينا.. فضلنا صاحيين، أنا وسارة وخالد المحامي، بنرتب لكل خطوة كأننا بنرسم خريطة لعملية عسكرية. خالد اتصل بجهات التحقيق وبضباط من مباحث الأموال العامة والاتجار بالبشر، وقدم لهم صور المستندات والإيميلات اللي سارة لقتها في مكتب مدحت. الترتيب كان حاسم: الكمين هيتعمل في شقتي هنا في مصر الجديدة، الشقة اللي شهدت على كل دموعي وكسرتي.

الساعة بقت 11 الصبح.. مروان كان نايم في الأوضة الجواانية بعد ما سارة أصرت تأكله بنفسها وتهديه.

الباب خبط.. خبطات قوية، فيها نفس الرعونة والغرور بتوع مدحت.

خالد وضابط المباحث اللي كان لابس هدوم مدنية استخبوا في المطبخ، وسارة دخلت مع مروان الأوضة وقفلت الباب موارب عشان تسمع وتراقب.

فتحت الباب.. كان واقف ولابس نضارته الشمس، وبدلة شيك كأنه رايح اجتماع مجلس إدارة، مش جاي يبيع ابنه. أول ما شافني، ابتسم ابتسامته الصفرا ودخل من غير ما يستأذن.

“أهلاً يا منى.. عاش من شافك.” قالها وهو بيبص في الشقة بقرف ويقعد على الكنبة.

وقفت قدامه وبكل ثبات قلت له: “جبت الفلوس يا مدحت؟”

طلع من جيب جاكتته كيس أسود حطه على التربيزة: “دول 200 ألف جنيه كاش.. زي ما طلبتر في الرسالة. فين بقى الولد وفين التنازل اللي هتمضي عليه؟”

“مستعجل أوي على ابنك؟” قلتها بمرارة حاولت أداريها.

مدحت ضحك بسخرية وهو بيقلع النضارة: “بقولك إيه يا منى، بلاش نعيش في دور الأمومة والدراما.. إنتِ مش قادرة على مصاريف طفل داون، وأنا هأمن له عيشة برة مصر في مركز متخصص.. إمضي على الورقة دي إنك متنازلة عن حضانته ورعايته ليا بصفتي الأب، وسيبيني آخده وأمشي من هنا ومن حياتك للأبد.”

في اللحظة دي، باب الأوضة الجوانية اتفتح.. وخرجت منه سارة.

مدحت أول ما شافها، وشه اتقلب ألوان، وقام وقف مكانه كأن حياية لقرته: “سارة؟! إنتِ.. إنتِ إيه اللي جابك هنا؟”

سارة قربت منه وخطواتها كانت بتهز الأرض، وبصت له بعينين كلها احتقار: “جيت أشوف جوزي المحترم.. السند.. اللي بقالي 10 سنين معيشني في وهم.. وهو بيبيع لحمه ودمه بـ 50 ألف دولار عشان يهرب بفلوس شركتنا!”

مدحت بدأ يعرق، وبص لي وبص لها وهو بيتلعثم: “سارة.. إنتِ فاهمة غلط.. منى دي هي اللي بتتبلى عليا.. أنا كنت جاي آخد الو…”

“كنت جاي تاخد الولد تبيعه يا مدحت!” صرخت أنا في وشه. “الدكتور شريف ابن خالتك اعترف بكل حاجة حالا في النيابة بعد ما اتنصب له كمين في عيادته من ساعتين!”

مدحت رجع لورا خطوتين، وعينيه بقت تترعش من الرعب وهو شايف كل خيوطه بتتقطع.. وفجأة، خرج خالد وضابط المباحث من المطبخ.

الضابط طلع الكارنيه بتاعه: “مدحت عبد الرحمن.. إنت مقبوض عليك بتهمة التزوير، واختلاس أموال الشركة، والاتجار بالبشر.”

مدحت بص حوليه كالمجنون، وحاول يزق الضابط عشان يهرب ناحية الباب، بس الضابط كان أسرع ولمحه والكلابشات حددت إيده في ثانية.

وهو بيتسحب لبرة والشقة مقلوبة بصوت زعيقه وتوسلاته لسارة: “سارة باسي إيدك ارحميني.. أنا عملت كل ده عشاننا.. عشان أأمن مستقبلنا!”

سارة بكت من الوجع، بس تفّت في الأرض وقالت له: “مستقبلنا المبني على دم طفل ملوش ذنب؟ طلقني يا مدحت.. طلقني حالا قبل ما تتدفن في السجن.”

الباب اتقفل.. والسكوت رجع للشقة تاني.. بس المرة دي مكنش سكوت خوف، كان سكوت انتصار.

سارة قعدت على الأرض وهي بتعيط بهستيريا من الصدمة، رحت قعدت جنبها وأخدتها في حضني.. الست اللي كانت من 24 ساعة المفروض تكون عدوتي، بقت هي الإنسانة الوحيدة اللي حمتني وحمت ابني.

قالت لي وهي بتشهق: “خلصنا منه يا منى.. خلصنا من الشيطان.”

هزيت راسي وأنا بضمها.. بس فجأة، تليفون مدحت اللي كان سابه على التربيزة في الزيطة رن..

شاشة التليفون كان مكتوب عليها “الجهة الألمانية – مستر هانز”..

بصيت لسارة، وخالد المحامي قرب بسرعة وأخد التليفون وفتح الإسبيركر.. وجاء صوت من الطرف التاني بلغة عربية مكسرة:

“مدحت.. أين أنت؟ الطبيب شريف لا يرد.. السيارة المنتظرة عند المطار ستتحرك خلال ساعة.. هل الطفل معك؟”

خالد بصلي وعينيه برقت.. الحكاية لسه مخلصتش، والشبكة الدولية اللي ورا مدحت لسه برة.. وفي إيدنا الخيط الوحيد اللي هيوقعهم.
خالد شايل التليفون في إيده والإسبيركر شغال، وصوت “مستر هانز” المكسر طالع منه زي فحيح الأفاعي: “مدحت.. أين أنت؟ هل الطفل معك؟”

خالد كتم المايك بإيده وبص للضابط اللي كان لسه واقف بيقفل المحضر، الضابط شاور له بسرعة بمعنى: “خليه يجاري الكلام.. عاوزين نعرف مكانهم.”

خالد شال إيده من على المايك وغير نبرة صوته، وبكل هدوء وثبات اتكلم بالإنجليزية: “مدحت مش متاح حالياً.. أنا المساعد بتاعه. مدحت في الطريق للمطار مع الطفل، بس فيه مشكلة في الإجراءات والدكتور شريف اضطر يقفل تليفونه عشان الشبهات.”

الطرف التاني سكت لثواني، ثواني مرّت علينا كأنها دهر.. ضربات قلبي أنا وسارة كانت مسموعة في الصالة. بعدين “مستر هانز” اتكلم بنبرة حادة وفيها قلق: “أي إجراءات؟ الأوراق جاهزة من طرف شريف.. السيارة السوداء (مرسيدس) منتظرة أمام صالة 3، السائق معه الأوراق النهائية.. لا تتأخروا، الطائرة الخاصة ستقلع خلال ساعتين.”

الخط قطع..

خالد بص للضابط وقال له: “صالة 3.. طيارة خاصة.. وعربية مرسيدس سوداء مستنية.”

الضابط رفع جهازه اللاسلكي فوراً وبدأ يدي تعليمات مشددة لقوات الأمن في مطار القاهرة الدولي للتحفظ على العربية والسائق وتأخير إقلاع الطائرة الخاصة تحت أي بند.

سارة قامت وقفت، دموعها كانت نشفت وحل مكانها نظرة قوة غريبة: “أنا هاجي معاكم المطار.. لازم أشوف الشبكة دي وهي بتقع، ولازم أتأكد إن مفيش أي خطر تاني على مروان.”

أنا مسكت إيد سارة: “سارة.. خليكي هنا معايا.. أنا خايفة.”

سارة بصت لي بحنان وطبطبت على إيدي: “منى، مدحت اتقبض عليه، والدكتور شريف في النيابة، ودلوقتي بنقفل الباب الأخير اللي كان ممكن يهدد حياة ابنك.. أنا معاكي ومش هسيبك، بس لازم ننهي الكابوس ده تماماً.”

خالد والضابط نزلوا بسرعة البرق على المطار، وسارة فضلت معايا في الشقة.. قعدنا جنب سرير مروان، اللي كان نايم وصوابعه الصغننة متبتة في اللعبة الجديدة اللي سارة جابتها له. كنا باصين له وإحنا مش مصدقين إن الملاك الصغير ده كان محور مؤامرة دولية قذرة بالشكل ده.. وبسبب إيه؟ بسبب جشع وطمع بني آدم مجرد من الإنسانية.

مرت ساعتين كاملين من القلق والتوتر، لغاية ما تليفون سارة رن.. كان خالد.

سارة فتحت الخط بسرعة: “إيه يا خالد؟ طمّني!”

صوت خالد جاء من الطرف التاني وفيه نبرة انتصار قوية: “قبضنا عليهم يا سارة.. السائق اعترف، و’مستر هانز’ اتقبض عليه جوة صالة كبار الزوار قبل ما يطلع الطائرة.. طلعوا شبكة منظمة لتجارة الأعضاء وتهريب الأطفال تحت غطاء رعاية ذوي الهمم، ومدحت كان العميل المحلي بتاعهم في مصر بقاله فترة.. القضية كبرت وبقت قضية رأي عام دولي.”

سارة اتنفست الصعداء وبصت لي وهي بتبتسم ودموعها نازلة: “الحمد لله يا رب.. الحمد لله.”

خالد كمل كلامه: “بس فيه حاجة تانية يا سارة.. النيابة وهي بتفتش مكتب الدكتور شريف بعد اعترافه، لقوا لابتوب مخفي.. عليه ملفات وتقارير طبية تانية خالص.. ملفات بتخصك أنتِ يا سارة!”

سارة تليفونها كاد يقع من إيدها، ووشها رجع يفر من الدم تاني: “ملفات بتخصني أنا؟ إزاي؟”

خالد قال بصوت واطي ومكسور: “التقرير بيقول إن الإجهاض اللي حصلك من 3 سنين مكنش طبيعي يا سارة.. مدحت وشريف هما اللي رتبوا له.. مدحت كان بيديكي أدوية معينة في العصير من غير ما تعرفي عشان يسقطك.. عشان مكنش عاوز يخلف منك أطفال شرعيين يشاركونه في ثروته اللي بيجمعها من الحرام!”

سارة صرخت صرخة مكتومة وهوت على الأرض وهي ماسكة دماغها مش قادرة تستوعب حجم الخسة والندالة.. الوجع اللي عاشت فيه 3 سنين، والذنب اللي كانت حاسة بيه إنها مش عارفة تعوض جوزها، طلع هو اللي عامله بإيده!

رحت عليها وأنا بضمها وببكي معاها.. الكابوس مكنش مجرد كابوس لمنى، ده كان فخ منصوب لينا احنا الاتنين من سنين.

وفي وسط دموعنا وصدمتنا.. الباب الخبط تاني.. بس الخبط المرة دي مكنش خبط شرطة ولا خبط مدحت.. كان خبط هادي ومنتظم..

قمت فتحت الباب وأنا بمسح دموعي.. لقيت واقف قدامي راجل عجوز، ملامحه طيبة جداً وفي إيده شنطة سفر قديمة.. بص لي وقال بصوت مرتعش:

“أنتِ منى؟ أنا وائل.. والد مدحت.. وجاي عشان أنقذ ابن ابني.” تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلكم القصص الكامله

الراجل العجوز كان واقف قدام الباب وجسمه كله بيترعش، ملامحه كانت شايلة طيبة وانكسار في نفس الوقت، وعينيه مليانة دموع محبوسة. أنا وسارة بصينا لبعض بصدمة.. والد مدحت؟ اللي مدحت قال إنه عايش في طنطا ومقاطع عيلته من سنين؟

وسعت له الباب وأنا مش مستوعبة: “حاج وائل؟ اتفضل.. ادخل.”

دخل بخطوات تقيلة، ساند على عصايته وباصص في الأرض بكسرة تكسر القلب. حط الشنطة القديمة على التربيزة وقعد على أول كرسي قابله كأنه مش قادر يشيل طوله. بص لسارة وعرفها علطول: “أهلاً يا بنتي يا سارة.. أنا عارفك من صورك اللي مدحت كان بيوريها لوالدته الله يرحمها من بعيد لبعيد.. أنا آسف.. آسف على كل اللي ابني عمله فيكم.”

سارة مسحت دموعها وقربت منه وصوتها مخنوق: “حاج وائل.. مدحت قال لنا إنك مريض ومبتخرجش من طنطا، وإن علاقتكم مقطوعة.. إنت عرفت طريقنا منين؟ وجاي تنقذ مروان من إيه؟ مدحت خلاص اتقبض عليه والشبكة كلها وقعت!”

الراجل العجوز هز راسه بأسى وطلع من جيبه نوتة صغيرة قديمة: “مدحت مكنش مقاطعني يا سارة.. مدحت كان حابسني.. كان مفهم الناس إني عيان في طنطا، لكن هو كان حاططني في دار رعاية خاصة برة القاهرة، وتحت حراسة كمان، عشان مظهرش في حياته وأكشف حقيقته قدامك وقدام عيلتك الغنية.. وأنا منه لله، لولا إن الممرض اللي بيراعيني ابن حلال وشاف الأخبار اللي نزلت من ساعة عن قبض مدحت في التليفزيون، وهربني وجابني لغاية هنا.. مكنتش هعرف أوصلكم.”

بصيت له بذهول: “حقيقته إيه يا حاج؟”

الراجل بص للشنطة القديمة وفتحها، وطلع منها ألبوم صور قديم وشوية ورق أصفر مأكل عليه الزمن: “مدحت مش مهندس يا بنتي.. ولا خريج الجامعة اللي قال لكم عليها.. مدحت من 12 سنة كان شغال ممرض في مستشفى استثماري كبير، وهناك اتعرف على الدكتور شريف ابن خالته، وبدأوا يتعلموا تجارة السمسرة في الأعضاء والأطفال.. مدحت زور شهادته وعمل لنفسه تاريخ مزيف بمساعدة ناس كبار، ودخل شركتكم عشان يغطّي على مصايبه.”

دموع الحاج وائل نزلت وهو بيبص لي: “يا منى يا بنتي.. مدحت مكنش مستني مروان عشان يبيعه وبس.. المصيبة الكبيرة إن مدحت ملوش أي حق شرعي في الولد ده.. ولا حتى يقدر يسجله باسمه لو عاش عمره كله!”

جف ريقي تماماً، وبصيت لمروان اللي كان نايم جوة، وسألته برعب: “يعني إيه ملوش حق شرعي؟ ده ابنه! التحاليل والدم..”

الحاج وائل قاطعني وهو بيطلع شهادة طبية رسمية ومختومة من مستشفى حكومي بتاريخ قديم: “مدحت عقيم يا بنتي.. مدحت مبيخلفش من يوم ما اتولد، وعنده عقم كامل ومستحيل الشفاء منه.. وده السبب الحقيقي اللي خلاه يسقط سارة من 3 سنين لما عرف إنها حامل!”

سارة برقت عينيها وقامت وقفت كأن كهربا لمستها: “عقيم؟! طب وأنا؟ أنا سقطت إزاي؟ والجنين اللي نزل مني ده كان إيه؟”

الحاج وائل بص لسارة بكسرة وقال: “الجنين اللي نزل منك مكنش ابن مدحت يا سارة.. إنتِ لما حملتي من 3 سنين، مدحت اتجنن وعرف إنك خونتيه.. بس بدل ما يواجهك ويطلقك، خاف إنك تطلبي حقوقك وتكشفي حساباته، فقرر يسقطك بالسم في العصير ويقضي على الجنين، وفهمك إنه زعلان عشان يفضل مسيطر عليكي وعلى فلوسك!”

سارة حطت إيدها على بوقها وهي مش قادرة تتنفس، وبدأت تصرخ بهستيريا: “أنا مخنتوش! أنا عمري ما لمست راجل غيره! أنا كنت حامل منه هو!! ده كداب.. الورق ده مزور!”

وسط صراخ سارة وهستيريتها، أنا وقفت مكاني كأن تلج اتصب في دمي.. وبصيت للحاج وائل وسألته بصوت زي الهمس: “إذا كان مدحت عقيم ومبيخلفش.. ومبيجيبش أطفال.. يبقى مروان اللي جوة ده.. ابن مين؟!”

الحاج وائل بص لي وعينيه مليانة رعب حقيقي، وشاور على الورقة الأخيرة في الشنطة: “الدكتور شريف ومدحت عملوا لك عملية حقن مجهري في العيادة تحت غطاء ‘علاج التهابات’ وأنتِ مش دريانة في أول الجواز.. مروان ده.. بويضة منك إنتِ يا منى.. بس الحيوانات المنوية مش بتاعة مدحت.. دي بتاعة راجل تاني خالص.. راجل ألماني من الشبكة الدولية، هما اللي هندسوا الحمل ده جوة جسمك عشان ينتجوا طفل بمواصفات معينة مطلوبة برة!”

في اللحظة دي.. مروان بدأ يصرخ جوة الأوضة بعياط عالي ومرعب كأنه سامعنا.. وباب الشقة الخارجي خبط تاني.. بس المرة دي، كانت خبطة عنيفة جداً وكأن الباب بيتكسر!
الخبط على الباب كان مرعب، كأن فيه حد بيحاول يهد الشقة علينا. سارة كانت لسه مذهولة من صدمة كلام الحاج وائل، وأنا رجلي مكنتش شيلاني.. “مروان مش ابن مدحت؟ أنا اتلعب بيا بالمنظر ده؟ جسمي كان مجرد مصنع ليهم؟!”

عياط مروان في الأوضة الجواانية كان بيزيد وبيتحول لصرخات فزع كأنه حاسس باللي بيحصل برة. الحاج وائل وقف بصعوبة وسند على عصايته وهو بيوشوشنا برعب: “م تفتحوش.. هما جم.. هما جم ياخدوا الولد!”

“هما مين يا حاج؟” سألته وأنا سحبت سارة البعيدة عن الوعي من إيدها ودخلنا بيها المطبخ وقفلنا الباب ورا الفولدرات والورق.

“باقي الشبكة.. مدحت وشريف مجرد عرائس خشب بيحركوهم.. الراس الكبيرة لسه برة!” قالها الراجل وهو بينهج ووشه أصفر زي الليمونة.

وفجأة.. الخبط وقف.. وساد سكون قاتل لثواني، ثواني حسينا فيها إن دقات قلوبنا هتقف. وفجأة، سمعنا صوت تكسير خشب الباب الخارجي.. الباب اتفتح بالقوة.

سمعنا خطوات تقيلة لخطوات رجلين جوة الصالة.. خطوات سريعة ومنتظمة، مش بتاعة ناس جاية تسرق، دي خطوات ناس عارفة هي داخلة تاخد إيه بالظبط.

صوت راجل بيتكلم بنبرة حادة ولهجة مصرية بس باردة جداً قال: “فتشوا الأوض.. الولد والورق لازم يكونوا هنا.. مدحت غبي وضيع نفسه بس البضاعة دي مدفوع تمنها برة وسعرها ملايين.”

أنا كتمت نفسي، وسارة بدأت تفوق من صدمتها وعينيها تبرق برعب، بصتلي وهمست: “منى.. مروان.. مروان جوة الأوضة لوحده!”

كلام سارة صحاني من ذهولي.. مروان! الملاك الصغير اللي ملوش ذنب في القذارة دي كلها، مروان اللي مسك صباعي أول ما اتولد وكأنه بيقولي احميني. ولعت في قلبي نار مش نار خوف، دي نار أم مستعدة تموت عشان ابنها.. حتى لو مكنتش عارفة هو ابن مين، هو حتة مني، أنا اللي شيلته 9 شهور، وأنا اللي بكيت عليه، وأنا أمه!

سحبت سكين من المطبخ وإيدي بتترعش بس بقوة، وبصيت لسارة وهزيت راسي.. سارة فتحت درج المطبخ وسحبت منه مقص كبير. الحاج وائل كان واقف ورانا وبيصلي ويدعي بصوت همس مش مسموع.

فتحنا باب المطبخ بالراحة جداً.. الصالة كانت مقلوبة، الشنطة القديمة حقت الحاج وائل مفتوحة والورق متطور على الأرض. كان فيه اتنين رجالة ضخام، لابسيبن قمصان سوداء، واحد منهم واقف عند باب أوضتي الجواانية وبيمد إيده يفتحها.. الأوضة اللي فيها مروان!

من غير ما أفكر، صرخت بأعلى صوتي وجريت عليه بالسكينة: “ابعد عن ابنييييي!”

الراجل اتفاجئ بالهجوم، لف وشه بسرعة وزق إيدي فالسكينة وقعت على الأرض، مسكني من كتافي وبدأ يزقني لورا وهو بيحاول يكتم بوقي، بس سارة مسبتهوش.. جريت عليه وبكل غل السنين اللي عاشتها في كدب مع مدحت، غرزت المقص في كتفه.

الراجل صرخ ونزل على ركبه وهو ماسك كتفه اللي بينزف، في نفس الوقت الراجل التاني اللي كان بيفتش الصالة جرى علينا وضغط على سارة وقعها على الأرض وبدأ يضربها.. الشقة تحولت لساحة حرب، وصوت عياط مروان كان بيزلزل الحيطان.

أنا حاولت أقوم وأجري على الأوضة، بس الراجل المصاب مسك رجلي من على الأرض وهو بيتحامل على نفسه: “مش هتخرجي من هنا حية.. الولد ده بتاعنا!”

وفجأة.. وإحنا في قمة الانهيار والضرب.. سمعنا صوت سرينة شرطة قوية جداً بتسمع في الشارع كله تحت البيت.. وصوت ضرب نار في مدخل العمارة!

الراجل اللي كان بيضرب سارة وقف فجأة وبص للشبابيك برعب: “الحكومة! شريف الكلب اعترف علينا!”

الراجلين سابونا وبدأوا يجروا ناحية الباب عشان يهربوا من سلم السطح، وفي نفس اللحظة باب الشقة اتكسر بالكامل ودخلت قوات مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر ومعاهم خالد المحامي وهو بيصرخ: “منى! سارة! إنتوا كويسين؟”

الشرطة جرت ورا الرجالة على السلم، وخالد جرى علينا يطمن عليا أنا وسارة اللي كنا غرقانين في دمنا وجروحنا.. أنا مقمتش في إيد خالد، أنا زقيته وجريت زحف على الأرض لغاية أوضة مروان.

دخلت الأوضة.. السرير كان بتهز ومروان وشه أحمر دم من كتر العياط ونقص الأكسجين، شيلته في حضني وفضلت أعيط وأضمه وأبوسه: “أنا جنبك.. أنا جنبك يا روحي محدش هيلمسك..”

سارة دخلت ورايا وهي بتعرج، ووشها مليان كدمات، قعدت على الأرض جنبي وحطت راسها على كتفي وإيدها على مروان.. وبكينا احنا التلاتة.. بكاء نهاية الكابوس.. أو ده اللي كنا فاكرينه.

خالد دخل الأوضة ووشه كان شاحب جداً، ماسك تليفونه في إيده وبص لنا بنظرة رعب قتلت الفرحة في قلوبنا.

“خالد.. في إيه تاني؟” سألته وصوتي طالع بالعافية.

خالد بلع ريقه وبص لمروان وقال: “الشرطة قبضت على الرجالة على السطح.. ومعاهم جهاز لاسلكي كان شغال.. المستر هانز اللي اتقبض عليه في المطار طلع مش هو الراس الكبيرة.. ده كان مجرد وسيط.. الراجل الألماني صاحب الحيوانات المنوية، والمليونير اللي دافع تمن العملية دي كلها.. لسه واصل مصر حالاً من ساعة.. ومعاه أمر قضائي دولي وتسليم ديبلوماسي باستلام ابنه فوراً بناءً على تقارير طبية مزورة بعتها له مدحت بتقول إن الأم (منى) متوفية!”

الكلمات نزلت عليا زي جبل تلج بتهد كل القوة اللي كنت مفكرة إني جمعتها. “أمر قضائي دولي؟ والأم متوفية؟!” بصيت لمروان اللي كان نايم على صدري وبياخد أنفاسه بصعوبة من الخوف، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا.

سارة وقفت على رجلها رغم الألم والكدمات اللي في وشها، وقربت من خالد وبصت له بعينين طالع منها شرار: “أمر قضائي إيه وتسليم ديبلوماسي إيه يا خالد؟! إحنا في مصر! والولد ده اتولد من رحم أم مصرية، وفي شقة مصرية، والكلاب اللي رتبوا لده كله في السجن! إزاي راجل غريب يدخل ياخد البيبي بالبساطة دي؟”

خالد قعد على طرف السرير وحط إيده بين راسه بقلة حيلة: “يا سارة، مدحت والدكتور شريف مكانوش شغالين عشوائي.. مدحت من 6 شهور، لما عرف بنتيجة التحليل الكروموسومي لمروان، سافر ألمانيا بحجة شغل من الشركة. هناك، قابل المليونير ده اللي اسمه ‘فريدريك’، وباع له القضية كاملة.. مدحت مضى على أوراق ‘تنازل بالبيع والتبني الدولي’ برة مصر، وشريف طلع شهادة وفاة مزورة لمنى بتاريخ متوقع بعد الولادة بيومين على أساس إنها اتوفت بسبب مضاعفات تسمم الحمل! فريدريك دخل مصر بصفته أب قانوني جاي يستلم ابنه بعد وفاة الأم، ومعاه حماية ديبلوماسية من سفارته بناءً على الأوراق الرسمية دي!”

الحاج وائل دخل الأوضة وهو بيسند على الحيطة وصوته بيرتعش: “مدحت ضيعنا.. مدحت وسخ اسمنا وبيعامل ابنه كأنه حتة أرض بيبيعها ويقبض تمنها.. يا منى يا بنتي، الراجل ده مش هيسكت، الفلوس اللي دفعها لمدحت وشريف تشتري ناس كتير برة وجوة.”

مسكت مروان بقوة لدرجة إنه بدأ يئن، بصيت لخالد وقلت له بصوت حاسم وعينين منشفتش دموعها: “خالد.. أنا مش هسيب ابني.. لو هقتله وأقتل نفسي معاه مش هيدخل الراجل ده ياخده مني.. قولي العمل إيه؟ القانون بتاعنا بيقول إيه؟”

خالد وقف وبص لي بثبات: “القانون المصري مبيعتمدش التبني الدولي، والأهم من كده.. شهادة الوفاة المزورة دي هي مفتاحنا.. إنتِ عايشة وبترزقي قدامي اهو، وده معناه إن كل الأوراق اللي في إيد ‘فريدريك’ باطلة قانونياً لأنها بنيت على تزوير وخداع للدولة.. بس المشكلة في الوقت يا منى.. فريدريك معاه قوة من التنفيذ الدولي ومستشار قانوني من السفارة، وهما دلوقتي في طريقهم لمديرية الأمن عشان يفعلوا الأمر القضائي قبل ما النيابة تثبت التزوير في المحضر الأساسي.. يعني قدامنا بالظبط ساعتين والشرطة هتيجي هنا بنفسها تاخد مروان بقوة القانون!”

سارة حطت إيدها في وسطها وبصت لخالد: “يبقى مروان مش هيقعد هنا.. ولا منى هتقعد هنا.”

لفينا كلنا وبصينا لسارة.. ملامحها كانت غريبة، فيها هدوء مرعب، هدوء حد أخد قرار ومش هيرجع فيه.

“قصدك إيه يا سارة؟” سألتها وأنا بمسح دموعي.

سارة قربت مني وأخدت الشنطة الصغيرة اللي كنت شرياها من وسط البلد، وبدأت تحط فيها لبن مروان، البامبرز، وهدومه الصفرا الصغيره بسرعة: “قصدي إن فريدريك وقوته الديبلوماسية لما يجوا هنا كمان ساعتين، مش هيلاقوا حد.. الشقة دي هتبقى فاضية.. منى ومروان هيختفوا تماماً من مصر الجديدة.”

خالد برّق عينه: “سارة! إنتِ بتقولي إيه؟ ده يعتبر تهريب ل طفل عليه نزاع قضائي.. كده منى هتبقى مطلوبة أمنياً!”

“تتحرق القضية ويتحرق الأمن لو هياخدوا طفل من حضن أمه عشان يبيعوه لمليونير أجنبي!” صرخت سارة في وش خالد بقوة هزت الأوضة. “مدحت دمر حياتي وحرماني من الإمومة، والطفل ده أنا اللي حوضته وأنا اللي أكلته وهو ملوش ذنب.. أنا مش هسمح لنسخة تانية من مدحت تنجح برة.. منى هتاخد مروان وتطلع على شاليه أهلي القديم في ‘العجمي’ في إسكندرية، الشاليه مقفول بقاله سنين ومحدش يعرف عنه حاجة ولا حتى مدحت.. وإنت يا خالد، هتقعد هنا تستقبلهم، ومعاك منى بشحمها ولحمها تثبت تزوير شهادة الوفاة، وتماطل في الإجراءات لغاية ما النيابة تطلع قرار بوقف التنفيذ الدولي والتحفظ على فريدريك بتهمة استخدام أوراق مزورة.”

خالد سكت وفكر لثواني، وبعدين هز راسه بالموافقة: “الخطة خطيرة.. بس ده الحل الوحيد لكسب الوقت.. أنا هفضل هنا وأبلغ النيابة فوراً باللي بيحصل.. بس لازم تتحركوا حالا.”

الحاج وائل طلع من جيبه رزمة فلوس وحطها في جيب الشنطة: “دول اللي حيلتي يا بنتي.. خدوهم عشان الطريق والمصاريف.. ربنا معاكم.”

نزلت على ركب سارة وبست إيدها وأنا ببكي: “أنا مش عارفة أقولك إيه يا سارة.. أنا لولاكي كنت ضعت.”

سارة رفعتني وضمتني وضمت مروان معانا: “إحنا ملناش غير بعض يا منى.. مدحت جمعنا في الوجع، وإحنا هنجمع نفسنا في الانتصار.. يلا بسرعة قبل ما الوقت يسرقنا.”

لبست عباية سوداء، وأخدت مروان في حضني وغطيته ببطانية صغيرة عشان ملامحه متبانش، وسارة نزلت معايا لغاية الشارع.. وقفت لي عربية ميكروباص متجهة لإسكندرية من موقف الميرغني القريب، وركبت وأنا ببص لسارة من الشباك وهي واقفة بتشاورلي ودموعها نازلة، بس عينيها فيها نظرة تحدي للإنسانية كلها.

الميكروباص تحرك.. الطريق كان ضلمة وطويل، ومروان كان نايم على صدري وبيهمس بأنفاسه الهادية، وأنا ببص من الشباك على أضواء الطريق الصحراوي وقلبي بيدق مع كل لفة عجلة.. أنا رايحة للمجهول، بهرب بابن ملوش أب شرعي، وبأوراق مزورة، وورايا مليونير دولي معاه سلطة وفلوس تهد جبال.

بعد 3 ساعات.. وصلنا العجمي.. الشوارع كانت فاضية وضلمة، وصوت موج البحر كان عالي ومرعب كأنه بيحذرني من اللي جاي. وصلت للشاليه القديم، وفتحت الباب المقفول من سنين، ودخلت وسط التراب والضلمة.. قعدت على السرير وضميت مروان وأنا بنهج من التعب والخوف.

وفجأة.. تليفوني الصغير اللي سارة ادتهولي عشان نتواصل بيه رن..

فتحت الخط وأنا بترعش: “سارة؟ طمنيني.. خالد عمل إيه؟”

جاء صوت من الطرف التاني.. بس مكنش صوت سارة.. ولا صوت خالد..

كان صوت راجل بيتكلم بهدوء قاتل، وبلغة عربية فصحى ممزوجة بلكنة ألمانية:

“منى.. لا داعي للاختباء في العجمي.. الشاليه الخاص بعائلة سارة جميل، ولكنه ليس آمناً كافياً.. أنا واقف الآن أمام الباب.. وافتحي بالتي هي أحسن، وإلا سأدخل ب طريقتي وأخذ ابني.”

الخيط الرفيع بين الموت والحياة انقطع في اللحظة دي.. صوت “فريدريك” ورا الباب كان زي حكم إعدام طالع بهدوء وثقة. بصيت لمروان اللي فتح عينيه الكحليين الصغيرين وبص لي، ومستغربتش المرة دي إنه ميعيطش.. كأنه كان عارف إن دي معركة وجوده الأخيرة.

الرعب شل حركتي لثواني، بس فجأة اتحول لشرارة غضب أعمى. قمت من على السرير، حطيت مروان في الدولاب القديم بين الهدوم وغطيته، وقفلت الباب موارب. سحبت من المطبخ المتهالك بتاع الشاليه سيخ حديد صدى كان ملقى جنب الأنبوبة. وقفت ورا الباب الخارجي مباشرة، ونفَسي مسموع.

“منى.. أنا لست رجلاً عنيفاً، أنا أب أريد ابني الذي دفعت من أجله الملايين.. افتحي.” قالها فريدريك وهو بيخبط خبطتين هاديين.

من غير ما أرد، وبكل قوتي، رفعت السيخ الحديد وزقيت باب الشاليه اللي مكنش متقفل كويس وجريت لبرة وأنا بصرخ صرخة وحش جريح.

فريدريك اتفاجأ.. كان واقف لوحده في ضلمة الممر، لابس بالطو أسود طويل وملامحه أوروبية حادة. زقيت السيخ في اتجاهه، بس الراجل كان سريع، تفادى الضربة ومسك السيخ بإيده وقام زاققني بقوة وقعتني على أرض الممر الأسمنتية الساقعة. رأسي خبطت في الحيطة وحسيت بزغللة في عيني، والدم بدأ يسيل على قورتي.

قرب مني وبص لي باحتقار وهو بيعدل البالطو بتاعه: “أيتها المرأة الغبية.. جسمك كان مجرد وعاء.. مروان يحمل جيناتي، وسينشأ في قصر في ميونخ، وليس في جحر حقير كهذا.. أين هو؟”

حاولت أقوم وأمسك رجله وأنا بنزف: “مش هتاخده.. على جثتي..”

“كما تشائين..” قالها بكل برود، وطلع من جيبه طبنجة صغيرة كاتمة للصوت، ووجهها لراسي.. في اللحظة دي قفلت عيني واستسلمت، وقلت في سري: “يا رب احمي مروان.”

*بببببااااام!*

صوت ضربة عنيفة هز الممر.. بس مكنش صوت ضرب نار. فتحت عيني برعب، لقيت فريدريك طار لورا ووقع على الأرض، والطبنجة اتطوحت بعيد في الضلمة!

وقفت وراه.. سارة!

سارة كانت واقفة وبإيدها قالب طوب أسمنتي كبير من مخلفات البناء اللي في الممر، ووشها غرقان عرق ودموع، وبتنهج كأنها جريت من القاهرة لإسكندرية.

“منى! قومي!” صرخت سارة وهي بتمسك إيدي وتشدني.

فريدريك بدأ يفوق ويتحرك على الأرض وهو بيأن من الوجع في ضهره.. جرينا أنا وسارة جوة الشاليه، قفلنا الباب الخشبي وحطينا وراه الكنبة القديمة والتربيزة وكل حاجة تقيلة قدرنا نشيلها. جريت على الدولاب، طلعت مروان اللي كان بدأ يصرخ، وضميته لصدري وأنا بترعش.

“سارة.. جيتي إزاي؟ وعرف مكاننا منين؟” سألتها وأنا بنهج والدم مغطي وشي.

سارة طلعت تليفونها وهي بتبص على الباب اللي فريدريك بدأ يرزع عليه بكل غله: “الكلب مدحت مكنش سايبني عشان الخيانة بس يا منى.. كان حاطط جهاز تتبع (GPS) صغير في عربيتي وفي شنطتي من شهور عشان يراقب تحركاتي مع المحامي.. فريدريك لما راح الفيلا عندي وملقانيش، لقى الشنطة التانية اللي فيها الجهاز، وخدها وتتبع الخط لغاية هنا.. وأنا لما خالد كلمني وقالي إن قوات التنفيذ الدولي معاهم عنوان الشاليه لأن مدحت اعترف بيه تحت الضغط، أخدت عربية تانية وجريت وراهم.. بس فريدريك كان أسرع وسبقني.”

الباب الخشبي بدأ يتشقق تحت ضربات فريدريك العنيفة، وصوته برة كان بيصرخ بالإنجليزية: “سأقتلكما معاً! افتحا الباب!”

“خالد فين يا سارة؟ الشرطة فين؟” صرخت برعب وأنا شايفه الباب خلاص بيتكسر.

“خالد جاي مع قوة من مديرية أمن إسكندرية والنيابة.. بس الطريق زحمة.. قدامهم ربع ساعة!”

الربع ساعة دي كانت هتبقى دهر.. الباب اتكسر منه جزء، وظهرت إيد فريدريك وهي بتحاول تفتح القفل من جوة. سارة جريت على الإيد وبقت تضربها بخشبة مكسورة، والراجل بيصرخ برة. وفجأة، فريدريك زق الباب بكل ثقله، الكنبة والتربيزة اتقلبوا، والباب اتفتح بالكامل.

دخل وهو زي المجنون، وشه مليان غضب أعمى، وفي إيده سكين حاد جابه من برا. بص لسارة وقال: “أنتِ أولاً..” وقرب منها عشان يغرز السكينة في صدرها.

أنا مأخدتش ثانية تفكير.. سبت مروان على السرير، وجريت بكل ثقلي ورميت نفسي في ضهر فريدريك، كلبشت إيديه برقبتي، وسارة مسكت إيده اللي فيها السكينة وبقت تضغط عليها بكل قوتها. الراجل كان ضخم وبيتحرك زي الثور الهائج، لف بيا وخبط ضهري في الحيطة عشان يوقعني، بس كنت متبتة فيه بأوافر وإيدي وسناني.. دي معركة ابني.. يا هنعيش سوا يا هنموت سوا.

السكينة وقعت من إيده، وسارة وطت أخدتها، ورفعتها وهي بتبص لفريدريك بعينين ملهاش رحمة.. وفي اللحظة اللي كانت سارة هتنزل بالسكينة على صدره..

*إييييييييييييييييييه!*

أصوات سارينات الشرطة زلزلت المكان برة، وأضواء الكشافات الزرقا والحمرا نورت شباك الشاليه الضلمة. وصوت ميكروفون جهوري صرخ: “سلم نفسك يا فريدريك.. المكان كله محاصر!”

فريدريك جمد مكانه.. الرعب لأول مرة يظهر في عينيه الأجنبية الباردة. زقني وقعت على الأرض، وبص لسارة وبص للشباك.. وعرف إن اللعبة انتهت. رفع إيديه لفوق وهو بيتراجع لورا ببطء، لغاية ما قوات الأمن المركز والنيابة دخلوا الأوضة وسحبوه على الأرض والكلابشات في إيده، ومعه المستشار القانوني الألماني اللي كان وشه في الأرض من الفضيحة بعد ما النيابة العامة المصرية طلعت قرار رسمي دولي بوقف التنفيذ وإلغاء أمر التسليم بناءً على ثبوت تزوير أوراق الوفاة وثبوت جناية الاتجار بالبشر.

خالد المحامي دخل وهو بينهج، وبص لنا واحنا قاعدين في الأرض غرقانين في الدم والعرق.. جرى عليا وشال مروان اللي كان بيعيط، وحطه في حضني: “مبروك يا منى.. مروان مصري.. وقعد في حضنك بحكم القانون المصري.. وفريدريك ومدحت وشريف هيتحاكموا هنا بجناية دولية عقوبتها الأشغال الشاقة المؤبدة.”

سارة قعدت على السرير، وحطت راسها بين إيديها وبكت.. بس المرة دي مكنش بكاء وجع.. كان بكاء حرية. رحت قعدت جنبها، وحطيت مروان بيني وبينها.. الملاك الصغير اللي جمعنا.

**بعد سنة كاملة..**

النهار كان طالع مشرق وجميل على بحر إسكندرية.

كنا قاعدين في كافيه هادي على الكورنيش.. أنا، وسارة، ومروان.

مروان كان كبر شوية، وبقى بيمشي خطوات بطيئة وهو ماسك إيد سارة وبيضحك ضحكته الملائكية اللي بتنور الدنيا. سارة أسست مؤسسة خيرية كبيرة لرعاية أطفال متلازمة داون وذوي الهمم، وسمتها “مؤسسة مروان لحماية الطفولة”، وقررت تعيش حياتها كلها ليهم.. كأن ربنا عوضها عن حرمانه بالإمومة لكل الأطفال دول.

وأنا؟ أنا غيرت اسم مروان في الأوراق الرسمية بعد ما القضية خلصت، وبقى اسمه “مروان منى”.. القانون أداني الحق ده بعد ما ثبت تزوير كل حاجة وبقت القضية قضية نسب معقدة انتهت لصالح الأمومة. مروان ملوش أب.. بس عنده أمتين.. أنا وسارة.

بصيت لسارة وهي بتبوس مروان وتديله حتة كيكة، وبصيت للبحر الواسع اللي مكنش مرعب المرة دي.. كان هادي وصافي.

التفت لمروان وقلت له بصوت واطي: “يا حتة من قلبي.. الطريق كان ضلمة وساقع.. بس احنا وصلنا الشط.. والمرة دي.. دي النهاية.. والأخيرة فعلاً.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *