14 سنه حكايات روماني مكرم الاخير

سيد تجمد في مكانه، والتليفون كاد ينزلق من يده المبللة بالعرق. طار عقله وأصبح يبحث في زوايا دماغه عن مخرج، عن كذبة سريعة تلم الشتات وتنقذه من هذا المأزق.

ابتلع ريقه بصعوبة، وحاول رسم ابتسامة باهتة على وجهه وهو يلتفت إليها قائلًا بصوت متحشرج:

* “دي.. دي رسمية يا صباح، الست اللي بتنظف الشقة الجديدة وتشرف على العمال. كنت مأمنها على المفتاح والورق بتاع استلام العدادات عشان تخلص الإجراءات في الجهاز قبل ما توصلي بالسلامة. وبتقولي إنها قفلت الشقة ومحدش هيحط رجله فيها لحد ما أصحاب البيت يوصلوا بالسلامة.”

صباح ضيقت عينيها أكتر، وخطت خطوة واسعة لجوه البلكونة، ريحة صابون الاستحمام كانت طالعة منها، بس نظراتها كانت حامية زي النار:

* “والشغالة دي بتكلمها بطريقة ترفع الضغط دي ليه يا سيد؟ وبتقول لك (ورقتي في جيبي)؟ ورق إيه ده اللي في جيب شغالة؟ وبعدين أنت صوتك كان واطي ومرعوب كأنك بتسرق!”

سيد حس إن حبل المشنقة بيقرب من رقبته، فقرر يلعب على وتر العاطفة والتعب عشان يهرب من التحقيق:

* “يا صباح حرام عليكي، أنا واقف على رجلي من الفجر عشان أستقبلكم، ورايح جاي مع السواقين وجهازي العصبي باظ من القلق عليكي وعلى العيال طول السفر. الست أسلوبها جاف وطمعانة في قرشين زيادة عشان السهر والتنظيف، وأنا كنت بزعق لها عشان تخلص وتسيب المفاتيح للبواب. ارحمي تعبي بس وخليني أدخل آخد دوش وأرتاح، وبكره كل حاجة هتبان قدام عينك.”

صباح فضلت باصة له لثوانٍ طويلة، نظرة كانت أشبه بغربلة لكل كلمة قالها. هزت راسها ببطء وقالت بنبرة باردة خالية من العاطفة:

* “ماشي يا سيد.. ادخل ارتاح. الصباح رباح.”

دخل سيد الحمام وهو حاسس إنه هرب من فك الأسد بأعجوبة، وقف تحت المية السخنة يحاول يفكر. “أعمل إيه؟ أعمل إيه؟” كان السؤال بيلف في دماغه زي الإعصار. الفلوس في البنك تساوت بالصفر، والشقة القديمة اتباعت، والجديدة باسم رسمية قانوناً وبورق رسمي لا غبار عليه. لو صباح راحت بكره البنك تسحب فلوس أو تطلب كشف حساب، الكارثة هتبدأ. ولو راحت الشقة وشافت رسمية هناك، هتبقى نهايته.

خرج سيد من الحمام، لقى صباح نايمة على السرير وجنبها يوسف ومروان، والكل في غيبوبة من تعب السفر. رقد جنبهم وهو عينه مش طايقة الغمض، تليفونه اللي في جيبه كان بيرتعش على الصامت.. كانت رسائل من رسمية:

> “لو فكرت تيجي بكره وتعمل نمرة قدام مراتك، هطلب لك البوليس وأطلع لك عقد الشقة المسجل باسمي وأفضحك قدام عيالك. اتصرف يا سيد بعيد عن بيتي.”

>

طلع النهار، ونور الشمس بدأ يزحف على جدران الصالة. سيد صحي على صوت حركة في المطبخ. قام بسرعة وضربات قلبه سريعة، لقى صباح مجهزة فطار خفيف وبتشرب شاي وبتبص من الشباك.

أول ما شافته، سابت الكوباية وقالت بهدوء مخيف:

* “صباح الخير يا سيد. العيال لسه نايمين. البس يلا عشان نروح البنك الأول.. عايزة أسحب مبلغ عشان ننزل نشتري غسالة وتلاجة جداد للشقة، ونعدي على الشقة الجديدة بالمرة نسلم على الشغالة بتاعتك دي وآخد منها المفاتيح.”

سيد ركبته سابت، وحس إن الأرض بتميل بيه. تليفونه في جيبه كان كأنه قنبلة موقوتة، وحياته كلها كانت على شفا حفرة من الدمار التام..

سيد حس ببرودة الموت بتسري في أطرافه. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة: “البنك الأول”!

وقف مكانه مش قادر يتحرك، ووشه بقى أصفر زي الليمونة. حاول يرسم ابتسامة باهتة وصوته طلع مخنوق:

* “البنك؟ طب مش نشوف الشقة الأول يا صباح؟ وبعدين الأجهزة الكهربائية دي مقدور عليها، أنا كنت جايب غسالة وتلاجة ومجهز كل حاجة باللي كان معايا..”

صباح قطعت كلامه بحدة، وحطت كوباية الشاي على التربيزة بعنف خلى الشاي يتدلق منها:

* “سيد! في إيه؟ أنت من ساعة ما وصلنا وأنت مش على بعضك، وبتتهرب من سيرة البنك والشقة! أنا بقالي سنين مغتربة وبفرم نفسي عشان القرشين دول، ومن حقي أدخل البنك بتاعي وأشوف حسابي وصل لكام، وأشوف شقى عمري اتصرف فين بالظبط. البس يلا ومضيعش وقت!”

سيد لقى نفسه محاصر في خانة اليك. دخل الأوضة يلبس وهو بيترعش، وطلع تليفونه بسرعة وكتب لـ رسمية وهو بيموت من الرعب:

> “رسمية ابوس إيدك الحقينا بمصيبة، صباح مصممة تروح البنك وتسحب فلوس، ولو عرفت إن الحساب على الحديدة هتخرب الدنيا وتوديني في داهية وتجرك معايا.. شوفي أي حل!”

>

ثواني وجاءه الرد من رسمية ببرودها المعتاد وذكائها الشيطاني:

> “أنا ماليش دعوة ببنكك ولا بمرتك. بس عشان مصلحتي أنا، وعشان تفضل بعيد عن بيتي.. قول لها إن البنك عامل تحديث للبيانات والسيستم واقع النهاردة، أو اخترع أي مصيبة تلهيها، أنا مش ناقصة وجع دماغ.”

>

سيد قفل التليفون وحطه في جيبه وهو حاسس إن الساقية بتلف بيه. لبس ونزل مع صباح في تاكسي، وطول الطريق كان بيموت في الدقيقة مية مرة، وعقله شغال زي الماكينة بيبحث عن مخرج. صباح كانت ساكتة تماماً، باصة من الشباك بنظرات حادة، كأنها حاسة إن في مصيبة مستنياها بس مستنية اللحظة المناسبة.

وصلوا قدام فرع البنك في مصر الجديدة. سيد وقف قدام الباب ورجليه مش شايلاه، وبص لصباح وقال بصوت مرتعش:

* “صباح.. اسمعيني بس.. أنا بجد تعبان وحاسس بدوخة، ما تيجي نأجل البنك لبكره؟”

صباح لم تنظر إليه حتى، بل دفعت الباب الزجاجي للبنك ودخلت بكل ثقة وهي بتقول:

* “قدامي يا سيد.. الدوخة دي هتروح أول ما تطمن على فلوسك.”

سيد دخل وراها وركبته بتخبط في بعضها. صباح اتجهت لمكتب خدمة العملاء، وقعدت وقدمت بطاقتها للموظف بابتسامة وقالت:

* “لو سمحت، كنت عايزة كشف حساب تفصيلي للحساب ده من سنة لغاية النهاردة، وعايزة أعرف الرصيد الحالي كام.”

الموظف أخد البطاقة وبدأ يضرب الأرقام على الكمبيوتر. سيد كان واقف ورا ظهر صباح، وعرقه بينزل زي المطر، وصدره بيعلو ويهبط كأنه في سكرات الموت. عينه كانت مركزة على شاشة الكمبيوتر اللي الموظف بيبص لها باستغراب.

الموظف بص لصباح بشك، وبعدين بص لسيد، ورجع بص للبطاقة وقال بنبرة هادية بس كانت بمثابة رصاصة في قلب سيد:

* “يا فندم.. الحساب ده مفيش فيه غير 250 جنيه بس.. وآخر حركة سحب تمت عليه كانت من أسبوعين بمبلغ كبير جداً بموجب توكيل رسمي عام باسم الأستاذ سيد.”

الدنيا اسودت في عين صباح. لفت راسها ببطء شديد لسيد، وعيونها كانت واسعة ومليانة بصدمة وذهول يقطع النفس، وقالت بصوت همس مرعب هز أركان المكان:

* “سيد.. الفلوس فين؟!”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

سيد شعر وكأن جدران البنك تطبق على أنفاسه، الهوا انقطع تماماً من صدره، ولسانه اتعقد ومبقاش قادر ينطق بحرف واحد. كل السنين، وكل الكدب، وكل الغرور الأجوف اللي ساقه للطمع انهار في لحظة واحدة تحت نظرة صباح اللي كانت بتدب فيها روح تانية.. روح ست اتغدر بيها بعد شقى سنين.

صباح وقفت، طولها اتفرد كأنها مارد، وبصت له وعيونها بتلمع بدموع مجمّدة من الصدمة، وقالت بصوت قوي هز صالة البنك كلها:

* “الفلوس فين يا سيد؟ شقى الغربة.. عرق جبيني في بلاد بره وأنا سايبة عيالي بالشهور عشان نأمن مستقبلهم.. راح فين؟!”

سيد بدأ يتلعثم، وعرقه مغرّق وشه:

* “يا صباح.. اسمعيني بس.. الشقة الجديدة.. التشطيبات غليت.. والدنيا..”

لم تدعه يكمل، بل سحبت بطاقتها من موظف خدمة العملاء الذي كان ينظر إليهم بشفقة، وقالت له بلهجة حاسمة:

* “على الشقة الجديدة يا سيد.. دلوقتي حالا.. وريني شقى عمري راح فين!”

ركبوا التاكسي في صمت قاتل، صمت أشد من صوت الرعد. سيد كان حاسس إنه رايح للمقصلة برجليه. تليفونه كان بيرن في جيبه.. رسمية بتتصل، بس ما أجرأش يرد.

وصل التاكسي قدام العمارة الراقية في التجمع. صباح نزلت بخطوات سريعة، وسيد وراها يجر أذيال الخيبة. طلعوا الدور الثاني، وقفوا قدام الباب. صباح بصت له وقالت: “افتح”.

سيد طلع المفتاح وإيده بترتعش زي ورقة شجر في خريف، حط المفتاح في الكالون وفتح الباب. أول ما دخلوا، كانت الصدمة التانية مستنياهم.

رسمية كانت قاعدة في الصالة، لابسة عباية استقبال شيك، وبتشرب قهوة ببرود شديد. أول ما شافتهم، وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت بابتسامة صفرا:

* “أهلاً يا مرحب.. منورة يا أم يوسف.. حمد الله على السلامة.”

صباح بصت للعفش الفاخر، للستائر، للدهب اللي في إيد رسمية، وبعدين بصت لرسمية وقالت بنبرة حادة:

* “أنتِ مين؟ وقاعدة هنا بصفتك إيه؟”

رسمية ضحكت ببرود وقالت:

* “أنا رسمية، مراته على سنة الله ورسوله يا حبيبتي.. والشقة دي شقتي، مكتوبة باسمي بيع وشراء نهائي وبصمة جوزك المحترم منورانا عليها. شقى عمرك؟ خلاص بح.. بقا ملكي وملك مستقبلي.”

صباح لفت لسيد، نظرتها مكنتش دموع ولا ضعف، كانت نظرة احتقار خلت سيد يتمنى الأرض تنشق وتبلعه. تذكر سيد في اللحظة دي كل قرش سحبه، كل كدبة كدبها، ونظرة الطمع اللي عمت عينه.

صباح ميعلتش صوتها، بل قربت من سيد وقالت له بمنتهى الهدوء والثبات:

* “كنت فاكرة إني سايبة ورايا راجل بيحمي ضهري ويصون مالي وعيالي.. طلعت سايبة حرامي وندل. الفلوس والشقة هيرجعوا بالقانون.. التوكيل اللي معاك أنا لاغياه من إسبانيا في القنصلية من شهرين أول ما قلبي حس بغدرك، وكل حركة سحب عملتها بعد التاريخ ده هي تزوير وتبديد للمال، والقانون هيجيب لي حقي منك ومنها.”

التفتت صباح وخرجت من الشقة مرفوعة الرأس، وسابت سيد واقف في وسط الصالة، وبص وراه لقى رسمية بتبص له برعب بعد ما عرفت إن الورق اللي في جيبها ملوش قيمة، وإن القانون هيجيب الكل. سيد قعد على الأرض، وحط راسه بين إيديه وهو بيعيط بحسرة.. خسر كل حاجة؛ مراته الأصيلة، عياله، فلوسه، وشرفه.

### الحكمــة:

> **”مَنِ ائْتُمِنَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ فَخَانَ، سَلَبَهُ اللهُ أَمَانَ نَفْسِهِ.”**

> إن الطمع أعمى، وبيوت الغدر لا تُبنى على أساس متين. شقى العمر والمال الحلال لا يضيع، وصاحب الحق يملك قوة لا تهزمها الحيل. أما الخائن، فيظل طول عمره ذليلاً، يخسر الأرض والسماء، ولا يجني من طمعه إلا الخراب والندم بعد فوات الأوان.

>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *