مرات أبويا حبستنى مع ابنها
مرات ابويا حبستني مع ابنها في الاوضة وقالتة اكسر الطبق وانا هخلي ابوها يوافق غصب عنة انك تجوزها عشان تصلحة….
انا سارة عندي 19 سنة في اولي كلية طب بعد ما ماما اتوفت جارتنا طنط عنايات رمت شباكها علي بابا واتجوزتة عشان بابا تاجر معروف وعندة محلات كتير في المنطقة ومعروف انه معاه فلوس ….
مرات ابويا عندها شاب عنده 25 سنة بس فاشل مكملش تعليمة ولا نافع في شغل اتحايلت علي بابا لحد ما نزلتة الشغل معاه وقالتلة انت معندكش رجالة تقف في ضهرك خده خلية دراعك اليمين والاقربون اولي بالمعروف …
انا مكنتش شاغلة دماغي بيهم مشغلتش دماغي غير بدراستي وبس عشان احقق حلم ماما الله يرحمها وابقي دكتورة بس طمع مرات ابويا خلاها مبقتش شايفة غير الفلوس وبس وازاي تكوش علي ثروة ابويا كلمت ابويا كذا مرة وطلبت ايدي لابنها لكن الحمد لله بابا كان بيرفض ويقول دي هتبقي دكتورة يعني اقل حاجة تتجوز دكتور وانتي ابنك مكملش تعليمة حتي وهي مكنتش بتزعق وبا تتكسف كان عندها هدف وعايزة تحققة حتي لو علي حساب كرامتها
لحد ما في يوم خلتني في اوضتي وكانت عارفة ان بابت في الشغل ومش هيرجع دلوقتي وانا لسة راجعة من الجامعة وبغير هدومي دخلت ابنها عليا الاوضة وقفلت علينا الباب من برا وقالتلة اكير عينها وخليك دكر وساعتها ابوها هو اللي هيبوس رجلك عشان تتجوزها اعدت اخبط علي الباب واستحلفها بالله تفتح الباب ويسبوني في حالي لكن هي خرجت من الشقة كلها ومبقتش سامعة صوتها مسمعتش غير صوت باب الشقة وهو بيترزع وانا مبفتش عارفة اعمل ايه وحسيت اني خلاص انتهيت بقي يقرب مني وانا ارجع بضهري ومش عارفة اعمل اية وعمالة ادعي ربنا ينجيني وانا عمالة اعيط وهو يقولي جرا اية يا عروسة مش كنتي وافقتي كانت دخلتك هتبقي قدام الناس كلها دلوقتي هتفرجي الناس عليكي شوفتي الفرق وفي وقت ما كان بيقرب جرس الباب رن روحت اعدت اصوت واقول الحقونى انا محبوسة جوا ابعدوة عني عايز يغتـ*صبني يا ناااس لاقيتة مسكني ولسة وحط ايدة علي بوقي وكتم نفسي في اللحظة دي كنت خلاص هيغم عليا وانا بصالة عمالة اتويل ليه بعنية يرحمني ويسبني لكن مفيش فايدة وفاجأة حصل ……
*********
وفجأة حصلت رقعة جامدة على باب الشقة برا، صوت خبط ورزع كأنه هيهد الحيطة، وصوت بابا وهو بيزعق برعب: “سارة! سارة أنتي جوه؟!”
أنا أول ما سمعت صوت بابا، دبت الروح فيا تاني، وبكل ما فيا من عزم زقيت إيد سيد اللي كان كاتم نفسي، وعضيتها بكل قوتي. هو صرخ وكسع لورا وهو بيمسك إيده وبيتوجع: “آه يا بنت الكلب!”
استغليت الثواني دي وجريت على باب الأوضة، قعدت أرزع عليه بكل قوتي وأنا بصرخ والدموع مغرقة وشي: “الحقني يا بابا! الحقني يا حبيبي! طنط عنايات قفلت عليا أنا وسيد في الأوضة، وكان عايز… الحقني يا بابا هيموتني!”
صوت الخبط برا اتحول لضرب نار، بابا مكنش معاه المفتاح وعنايات كانت قافلة الباب الكبير من برا وأخدت المفاتيح معاها عشان تضمن إن محدش يدخل. ثواني وسمعت صوت الجيران اتجمعوا على صوت صريخي وخبط بابا، وصوت حد من الجيران بيزعق: “أوسع كده يا حاج محمود.. وسعوا يا رجالة هاتو الأجنة والشاكوش!”
سيد في اللحظة دي وشه جاب ميت لون، الرعب ملى عينيه وبقى يتلفت حوالين نفسه في الأوضة زي الفار المحبوس، وبصلي وهو بيرتعش ويقول بصوت واطي: “متقوليش لأبوكي حاجة.. قولي كنا بنهزر.. قولي كنت بصلح اللمبة.. والله العظيم لو نطقتي لأدبحك!”
زعقت فيه وأنا مستقوية بصوت بابا والجيران برا: “تدبح مين يا معفن يا فاشل! وحياة جزمة أمي الله يرحمها لأسجنك أنت وأمك الحرباية!”
وفجأة، الباب الخارجي للشقة اتكسر وسمعت هجمة الرجلين في الصالة، وبابا بيصرخ: “بنتي فين؟! سارة فين؟!” وجري على باب الأوضة وبدأ يرزعه برجله وهو بيعيط: “سارة أنتي كويسة؟ عمل فيكي حاجة الكلب ده؟!”
أنا انهرت ووقعت ورا الباب وأنا بعيط: “افتح يا بابا، افتح أنا هموت من الرعب!”
الجيران جابوا عتلة وحديد، وبضربتين تلاتة، كالون باب الأوضة اتقطم والباب اتفتح. أول ما الباب اتفتح، بابا رماه لورا وارتمى في الأرض وأخدني في حضنه، وأنا كلبشت في هدومه وأنا بصرخ ومستخبية فيه وبترعش من ساس لراسي. بابا بص لسيد اللي كان واقف في ركن الأوضة ميت في جلده، وشه كان خالي من أي دم، وبابا عينيه كانت بتطلع شرار، قام وقف زي الأسد الجريح، ومسك سيد من رقبتة وهبده في الحيطة وهو بيصرخ بأعلى صوته: “يا واطي! يا نجس! أنا تأمنوني على عرضي وبيتي يا كلاب؟! ده أنا كنت مشغلك معايا ومأكلك لقمة عيش بالحلال!”
بابا نزل في سيد ضرب بالبونيات والشلاليت، والجيران دخلوا يحجزوا وسيد بقى يصرخ تحت إيد بابا: “والله العظيم أمي هي اللي قالتلي! أمي هي اللي خططت لكل ده وقالتلي اكسر عينها عشان تتجوزها وتورث أبوها!”
في اللحظة دي، دخلت عنايات الشقة وهي بتنهج ومثلت الصدمة والشهقة، وقالت وصرخت: “يالهوي! في إيه يا جماعة؟ مالي شقتي مقلوبة كده ليه؟! سيد ابني ماله؟”
بابا ساب سيد وهو غرقان في دمه، ولف لعنايات وزق الجيران وراح مسكها من طرحتها وجرها وسط الصالة وهي بتصرخ وتصوت: “الحقوني يا ناس! جوزي بيتبلى عليا وعلى ابني!”
بابا تف في وشها وزقها على الأرض وهو بيقول بصوت هز العمارة كلها: “انتي طالق يا عنايات! طالق بالتلاتة! وقسماً بالله العظيم لأرميكي انتي وابنك في السجن وأخليكم عبرة للمنطقة كلها.. يا رجالة، حد يطلب البوليس، الكلاب دول كانوا عايزين يثبتوا بنتي في بيتي!”
الجيران كلهم بقوا يتفوا عليهم ويهزقوهم، وسيد وأمه بقوا مكومين في الأرض في صالة الشقة زي الفئران الجربانة، وأنا قاعدة في حضن بابا، بصلهم بكسرة بس بانتصار، وأنا عارفة إن حق أمي وحقي رجع، وإن ربنا نجاني من أوسخ مؤامرة كانت هتدمر مستقبلي وحياتي.
*********’
البوليس جه في ثواني، العمارة كلها كانت مقلوبة والناس واقفة على السلم بتتفرج على عنايات وابنها وهم نازلين متكلبشين. عنايات كانت بتصوت وتلطم على وشها وتعمل مظلومة: “يا ناس يا عالم ده ابني مظلوم! دي البنت اللي متبلية عليه عشان مش عايزاه!” لكن محدش من الجيران صدقها، والكل كان بيبص لهم بقرف ويتف عليهم.
بابا أخدني في حضنه وركبنا بوكس الشرطة ورحنا على القسم. طول الطريق كنت بترعش ومش قادرة أصلب طولي، وبابا مكنش سايب إيدي، كان بايس عليها ودموعه نازلة على رجله وهو بيقولي: “سامحيني يا بنتي.. أنا السبب.. أنا اللي دخلت الأشكال دي بيتنا وعميت عن طمعهم.. وحقك وحق أمك هجيبهولك تالت ومتلت.”
في القسم، رئيس المباحث أول ما شاف حالتي وشاف بابا وهو راجل تاجر ومحترم ومعروف في المنطقة، دخلنا مكتبه فوراً وجابلي كوباية عصير ولين معايا الكلام عشان أقدر أتكلم. وقفت بثقة ودموعي في عيني وحكيت كل حاجة من طققطق لسلام عليكم، حكيت عن خطة عنايات وحبسها ليا، وعن كلام سيد وهو بيقرب مني وعايز يكسر عيني عشان يتجوزني غصب.
سيد جوه في التحقيق انهار تماماً، وبدأ يعترف على أمه من كتر الخوف والضرب اللي أخده من الجيران وبابا: “أمي هي السبب يا باشا! هي اللي قفلت الباب وقالتلي ادخل واعمل كده عشان تضمن ثروة الحاج محمود، أنا مكنتش عايز أعمل حاجة!”
عنايات لما لقت ابنها لبسها في الحيط بدأت تصرخ وتغلط فينا، والنيابة أمرت بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة احتجاز هتك عرض وشروع في اغتصاب ومؤامرة.
رجعنا البيت الفجر، الشقة كانت فاضية من ريحتهم المقرفة. بابا دخلني أوضتي وقعد جمبي على السرير، مسح على شعري وقال بصوت كله حنية: “من بكرة الشقة دي هتتقفل يا سارة، وهنقلب ورقها بيع وشراء، وهشتريلك شقة تانية جمب كليتك.. مش عايزك تفتكري أي حاجة من اليوم الأسود ده. أنتي دكتورة المستقبل، ومفيش كلب زي ده كان يقدر يكسر عينك طول ما أنا عايش على وش الدنيا.”
أنا نمت يومها في حضن بابا وأنا حاسة بأمان م حسيتهوش من يوم ما ماما ماتت. وعرفت إن ربنا وقف معايا ونجاني عشان حلمي وحلم أمي ميتكسرش، والحمد لله، عنايات وابنها أخدوا حكم محترم ولبسوا الأبيض، وأنا رجعت لكليتي وراسي مرفوعة وسط الدنيا كلها.
*********
مرت الأيام، والمحكمة جابت لنا حقنا تالت ومتلت. سيد وأمه أخدوا حكم مشدد بالحبس والأشغال الشاقة، والمنطقة كلها بقت تتكلم عن نهاية الطمع والغل اللي كان في قلب عنايات، وبقى الكل يعمل لنا ألف حساب ويبص لي بنظرة فخر وإعجاب إني وقفت ومتهزتش.
بابا نفذ وعده ليا بالحرف الواحد؛ قفلنا الشقة القديمة بكل ذكرياتها القاسية، واشترى لي شقة واسعة وفيها روح حلوة في حي هادي قريب جداً من جامعة عين شمس عشان متبهدلش في المواصلات. بابا بقى كل تركيزه في الدنيا معايا أنا وبس، كأنه بيعوضني عن كل لحظة أهملني فيها أو وثق في الناس الغلط.
أول يوم دخلت فيه مدرج الكلية بعد الأزمة دي، كنت حاسة إن عيون الناس كلها عليا، لكن نظرات زمايلي ودكاترتي كانت كلها دعم وتشجيع. الدكتورة ميرفت، رئيسة القسم عندنا، عرفت باللي حصل وطلبتني في مكتبها، أول ما دخلت أخدتني في حضنها وقالت لي كلام عمري ما هنساه: “يا سارة، الطبيب الناجح هو اللي بيعرف يمر بالأزمات ويطلع منها أقوى. أنتي مشروع دكتورة شاطرة وقوية، متخليش أي حاجة في الدنيا تعطلك عن حلمك.”
كلامها كان زي البلسم على قلبي، وفجرت جوايا طاقة تحدي مش طبيعية. بقيت أطبق باليوم واليومين فوق الكتب، أذاكر بقلب ومجهود مضاعف، مكنتش بشوف قدامي غير البالطو الأبيض واليوم اللي هرفع فيه رأس بابا ورأس ماما الله يرحمها في قبراها.
وعدت السنين لمحة بصر، بين امتحانات صعبة، ومحاضرات طويلة، وسهر وتعب، وبابا واقف في ضهري زي الجبل، بيصحى معايا الفجر يعمل لي القهوة ويدعي لي، ويقولي: “هانت يا دكتورة سارة، هانت يا قلب أبوكي.”
لحد ما جه اليوم الكبير.. يوم التخرج.
القاعة كانت مليانة ناس وزغاريط وأغاني النجاح مسمعة في كل مكان. كنت واقفة بروب التخرج الأسود والقبامعة، وبابا قاعد في الصف الأول، عيونه مليانة دموع فرحة حقيقية، وشه منور فخر وهو شايف بنته الوحيدة واقفة على المسرح وبيتنادى على اسمها: “الطالبة سارة محمود.. الأولى على الدفعة مع مرتبة الشرف.”
أول ما مسكت شهادتي، مروحتش لعميد الكلية ولا للضيوف، أنا نزلت جري من على المسرح وارتميت في حضن بابا قدام الدفعة كلها. بكينا مع بعض كأننا بنغسل كل الوجع والخوف اللي عشناه زمان. بابا رفع راسي بايده وباس جبهتي وقال بصوت عالي والكل بيسقف لنا: “مبروك يا دكتورة.. مبروك يا بنت الأصول، النهاردة أمك روحتها ارتاحت، والكلب اللي كان عايز يكسر عينك، أنتي كسرتي عينه وعين الدنيا كلها بنجاحك وأدبك.”
وفعلاً، عرفت يومها إن ربنا لما بيبتلي البني آدم، بيبقى شايل له تعويض أكبر بكتير مما يتخيل، وإن الضربة اللي متموتش.. بتقوي وبتصنع أبطال.
***********
بعد حفلة التخرج بكام يوم، فتحت عيادتي الأولى. بابا صمم يشتري لي المقر في نفس المنطقة اللي اتولدت فيها، عشان يثبت للكل إن سارة اللي حاولوا يكسروها زمان، رجعت لهم دكتورة وليها اسمها ومكانتها، والناس بقت تجيلي من كل حتة.
في يوم وأنا قاعدة في العيادة، دخلت عليا ست غلبانة باين عليها الهم والتعب، وراسمة على وشها ابتسامة مكسورة. أول ما شافتني عينيها لمعت بالدموع وقالت بصوت مرتعش: “ألف مبروك يا دكتورة سارة.. المنطقة كلها بتتحاكى بأدبك وشطارتك.”
بصيت في وشها ودققت، وملامحها مكنتش غريبة عليا.. دي كانت أخت عنايات الصغيره، خالة سيد. قلبي انقبض ثانية، بس افتكرت إني خلاص بقيت في حتة تانية ومفيش حاجة تقدر تهزني. رحبت بيها وقعدتها وسألتها عن حالها، لقيتها بتنهد وبتقول بكسرة: “أنا جاية أبارك لك يا بنتي، وأقولك إن ربنا حقاني. عنايات وابنها بيخلصوا ذنبك في السجن، سيد اتخانق جوه مع مساجين وخرج بعاهة مستديمة في رجله، وعنايات ضغطها علي وجالها شلل ومبقتش تقوى تتحرك، والكل اتخلى عنهم ومحدش بيزورهم.. سبحان المعز المذل يا بنتي، هم في حتة وأنتي في حتة تانية خالص.”
سمعتها وأنا حاسة بنفحة رضا غريبة، مكنتش شمتانة، بس كنت ممتنة لعدل ربنا اللي مبيغفلش. كشفت عليها وكتبت لها العلاج، ولما جت تدفع ثمن الكشف رفضت تماماً، وقولت لها: “الذنب ذنبهم يا طنط وأنتي ملكيش دعوة، وعيادتي مفتوحة ليكي في أي وقت.” الست مشيت وهي بتدعي لي ودموعها على خدها.
مرت السنين وبقيت من أكبر دكاترة المحافظة، واتجوزت زميلي في الكلية، دكتور محترم بيحبني وبيحترم شغلي وبابا كان طاير بيه من الفرحة.
النهاردة وأنا واقفة في بلكونة بيتي الجديد، وشايفة ابني الصغير بيلعب جمب جده اللي شعر رأسه كله شاب بس لسه ضحكته بتنور الدنيا، افتكرت البنت الخايفة اللي كانت بتعيط ورا الباب وبتستنجد بربنا. ابتسمت وبصيت للسما وقولت: “الحمد لله يا رب.. دايماً جبرك بيمحي كل كسر.”
حكايات انجى الخطيب
وبابا قاعد على الكرسي الهزاز وبيلعب مع ابني الصغير محمود، اللي سميته على اسم أغلى راجل في حياتي، التفت ليا ولقاني سرحانة وباصة للسما ودموعي في عيني. وقف وجه عليا، حط إيده على كتفي وطبطب عليا بحنان وقالي: “سرحانة في إيه يا دكتورة؟ إيه اللي مبكي عيونك الجميلة دي والنهاردة يوم عيد ميلادك؟”
ابتسمت ومسحت دموعي بسرعة ولفيت حركت راسي في حضنه وقولتله: “أبدًا يا بابا، كنت بفتكر شريط حياتي.. بفتكر اليوم اللي كنت محبوسة فيه وكنت فاكرة إن الدنيا اسودت في وشي وخلاص انتهيت، وشايفة نفسي النهاردة وأنا في حضنك، ومعايا جوزي الحنين وابني، والناس كلها بتشاور عليا بالخير.”
بابا باس راسي وقالي بصوت كله فخر ويقين: “المؤمن دايماً مصاب يا سارة، وربنا لما بيبتلي حد بيحبه عشان يشوف صبره، وأنتي صبرتي ونجحتي وعافرتي، ومستسلمتيش للوجع. شوفتي بقى إن تدبير ربنا أحسن من تدبيرنا بمليون مرة؟ لو مكنش اللي حصل ده حصل، مكنتش عنايات وأشكالها اتكشفوا، ومكنتيش بقيتي الدكتورة القوية اللي واقفة قدامي دي.”
في اللحظة دي، دخل جوزي أحمد الأوضة وشايل في إيده تورته كبيرة منورة بالشمع، وابني محمود بيجري قدامه وبيغني بصوته الصغير: “تشا تشا تشا.. سنة حلوة يا ماما!”
أحمد بصلي بحب وقال: “كل سنة وأنتي منورة حياتي يا سارة، وكل سنة وأنتي أجدع دكتورة وأجمل زوجة وأم في الدنيا.”
ضحكت من قلبي وجمعتهم كلهم في حضني، وبصيت لصورة ماما اللي متعلقة في الصالة وحسيت إنها شيفاني ومبتسمة ليا. في اللحظة دي اتأكدت إن القصة مكنتش مجرد محنة وعيتني، دي كانت البداية الحقيقية لحياتي، البداية اللي عرفتني إن الحق مبيموتش، وإن اللي يتقي الله ويثق فيه، ربنا بيعوضه بعوض ينسيه مرار السنين كله. وطول ما الراس مرفوعة والأصل طيب، مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرنا.
**********
عدت السنين، ومحمود ابني كبر وبقى في المدرسة، وأنا اسمي كبر أكتر في عالم الطب، وبقيت بلقي محاضرات للطلبة الصغار في نفس المدرج اللي كنت قاعدة فيه زمان وببكي وخايفة من بكرة.
في يوم وأنا في المستشفى الكبيرة اللي بشتغل فيها، لقيت الممرضة بتخبط على مكتبي وبتقولي: “يا دكتورة سارة، في حالة في الاستقبال برة صعبة جداً، ست مسنة وجاية في غيبوبة سكر ومفيش معاها حد خالص غير فاعل خير جابها من الشارع وسابها ومشي، ومش عارفين نتواصل مع حد من أهلها.”
قومت بسرعة ونزلت الاستقبال، قلبي الواجب الإنساني فيه مبيخلينيش أتأخر عن أي مريض. أول ما دخلت الأوضة وبصيت على السرير، حسيت إن الزمن وقف بيا لثواني.. الملامح كانت متغيرة، الوش كان دبلان، والشعر كله بقى أبيض، والكسرة والمرض هادين حيلها.. لكن عيني مكنتش بتغلط.. دي كانت عنايات!
وقفت مكاني، شريط العمر كله مر قدام عيني في لحظة.. افتكرتها وهي بتقفل عليا الباب، وافتكرت صوتها وهي بتقول لابنها “اكسر عينها”.. وافتكرت حبستي ودموعي ورعبي.
الممرضة بصتلي باستغراب وقالت: “في إيه يا دكتورة؟ حضرتك عارفاها؟”
أخدت نفس طويل، وبلعت ريقي، وبصيت للسما وقولت في سري: “سبحانك يا رب.. سبحان المعز المذل.. دارت الأيام ووقعت تحت إيدي وبقت حياتها بين إيدين البنت اللي كانت عايزة تدمرها.”
بصيت للممرضة وبكل ثبات وهدوء ومهنية قولت لها: “جهزيلي التحاليل فوراً، وعلقي لها المحاليل دي.. الست دي حالتها حرجة ومفيش وقت، هنسعفها الأول وبعدين نشوف أهلها.”
اشتغلت معاها بكل أمانة وضمير، مكنتش شايفاها عنايات الحرباية، كنت شايفاها مريضة غلبانة ملهاش حول ولا قوة، وربنا حطني في طريقها عشان يختبر قلبي.. والحمد لله قلبي طلع نضيف ومبيعرفش يشيل غل ولا ينتقم.
بعد كام ساعة، عنايات بدأت تفوق.. فتحت عينيها ببطء وبتعب، وبقت تلتفت حواليها، لحد ما عينيها جت في عيني.. أنا كنت واقفة بالبالطو الأبيض والسمّاعة في رقبتي وبتابع أجهزتها.
أول ما شافتني، عينيها اتسعت برعب وزهول، وحاولت تتكلم وصوتها طلع مخنوق ومتحشرج: “سـ.. سارة؟!”
ابتسمت لها ابتسامة هادية وقولت لها: “حمد الله على سلامتك يا طنط عنايات.. أزمتك عدت وبقيتي كويسة.”
دموعها نزلت فجأة على خدودها، وبقت تحاول ترفع إيدها المرتعشة عشان تمسك إيدي، وصوتها كله كسرة وندم وعياط: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني.. ربنا عاقبني وخد مني كل حاجة.. ابني ضاع وشقايا ضاع وأنا بقيت مرمية في الشوارع ومحدش بيسأل فيا.. أنتي ملاك يا سارة، وأنا كنت شيطان.”
طبطبت على إيدها بالراحة وقولت لها: “المسامح كريم يا طنط، وأنا مسامحاكي من زمان.. المهم صحتك دلوقتي.”
خرجت من الأوضة وأنا حاسة بروحانية غريبة، حاسة إني طايرة في السما.. ربنا مش بس نجاني ورفعني، ده كمان خلاني أنا الطرف الأقوى والرحيم، خلاني أثبت لنفسي وللدنيا كلها إن الأصل الطيب بيفضل طيب مهما انداس عليه.
خرجت من المستشفى ولقيت بابا وأحمد ومحمود مستنييني في العربية برة.. ركبت معاهم وبابا بص في وشي وقالي: “مالك يا سارة؟ وشك منور ومرتاح أوي النهاردة.”
سندت راسي على كتف بابا وقولتله: “النهاردة يا بابا، قفلت آخر صفحة في كتاب الوجع.. والحمد لله، طلعنا إحنا الكسبانين في الآخر.. كسبنا نفسنا وكسبنا رضا ربنا.”
**********
أحمد دور العربية ومشينا في شوارع القاهرة والجو كان مغيم وجميل، الهوا اللي داخل من الشباك كان بيطير شعري وكأنه بيغسل من على قلبي أي هم باقي من الماضي. طول الطريق كنت باصة لطيف الشوارع والبيوت، وحاسة إن كل طوبة في البلد دي شهدت على حكايتي، من أول الوجع والكسرة لحد العياط على سجادة الصلاة، والنهاردة الشوارع نفسها بتشهد على جبر ربنا ليا.
محمود ابني قعد في حجري وبقى يرمي عليّا أسئلة من أسئلته الكتيرة: “ماما.. هو أنتي شاطرة في المستشفى زي ما بتذاكريلي في البيت؟”
ضحكت وبوسته من خده وقولتله: “أنا شاطرة عشان ربنا معايا وعشان جِدك محمود دايماً بيدعيلي، وأنت كمان لازم تطلع شاطر وتحب الناس عشان ربنا يحبك.”
بابا لف وشه وبصلي وابتسامته الواسعة مالية وشه، عينيه كانت بتقول كلام كتير أوي من غير ما ينطق، كان باصصلي بنظرة الراجل اللي أدى رسالته في الدنيا وضميره مرتاح، الراجل اللي قدر يحمي بنته ويوصلها لبر الأمان رغم كل العواصف.
أحمد شغل كاسيت العربية على أغنية هادية، وبقى يسوق وهو مستمتع باللمة، وقال بصوت كله رضا: “إيه رأيكم بمناسبة الروقان ده، نطلع كلنا نتعشى برة النهاردة؟ الحاج محمود يختار المكان وعلى حسابي.”
بابا ضحك وقال: “لا يا سيدي، العزومة دي عليا أنا، بمناسبة إن بنتي النهاردة أثبتتلي للمرة الألف إنها بمليون راجل، وإن تربية أمها ليها تعيش وتعمر.”
وصلنا البيت، وأول ما دخلت، روحت على طول على أوضتي، غيرت هدومي ووقفت قدام المراية. بصيت لوشي، الملامح كبرت شوية، وبقى فيها هيبة الدكاترة، بس عينيا لسه فيها نفس النظرة الطيبة بتاعة سارة الطفلة. قلعت السماعة الطبية من رقبتي وحطيتها على المكتب جمب كتب الطب والمراجع الكبيرة.
فتحت درج المكتب وطلعت منه مصحف صغير، المصحف ده كان بتاع ماما الله يرحمها، كانت دايماً تقرأ فيه قبل ما تنام. حضنته جامد وشميت ريحته اللي لسه باقية فيه، وقولت في سري: “شايفة يا ماما؟ بنتك وحبيبتك بقت فين؟ طمنيني عليكي، أنا عمري ما نسيت كلامك ولا حلمك.”
خرجت الصالة لقيت أحمد ومحمود وبابا قاعدين مع بعض وبيضحكوا على حركة عملها محمود الصغير. وقفت أراقبهم من بعيد، والدموع نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا قهر، دي كانت دموع شكر لله.
الدنيا دارت، والصفحة اتقفلت تماماً، والشرور اللي اتزرعت زمان حصدت صاحبها، أما الخير والصبر والأصل الطيب ففضلوا عايشين ومثمرين. عرفت إن كل محنة بنمر بيها هي مجرد سطر في رواية طويلة كاتبها ربنا بحكمة، ونهايتها دايماً بتكون أحسن بكتير من اللي بنتمناه. قعدت وسطهم، وأنا كلي يقين إن اللي جاي في حياتي هيبقى كله نور وأمان.
********
الليل جه، والدنيا هديت بره، ومحمود ابني نام في سريره زي الملاك. دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا براحة، لقيت أحمد قاعد على السرير وبيتصفح تليفونه، أول ما شافني ابتسم وقفل الشاشة وحط التليفون جمبه.
قعدت على طرف السرير وتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتلخص سنين من عمري، أحمد حس بيا، قرب مني وأخد إيدي بين إيديه وطبطب عليها وقالي بحنية: “سارة.. أنا حاسس إنك النهاردة مش سارة بتاعة كل يوم.. فيكي حتة هدوء وسكينة غريبة، كأن كان في حمل على كتافك والنهاردة بس رميتيه.”
بصيت في عينيه وقولتله بصوت دافي: “فعلاً يا أحمد.. النهاردة بس قدرت أقول إن الماضي مات واندفن، والنهاردة بس حسيت إني مش خايفة من أي حاجة جاية.”
أحمد باس إيدي وقال: “طول ما أنا فيا النفس، وطول ما الحاج محمود منور دنيتنا، مفيش حاجة في الدنيا هتمسك بسوء يا قلب أحمد.. أنتي تعبتي وياما شوفتي، وجه الوقت اللي ترتاحي فيه وتجني ثمار صبرك.”
قومت وقفت ورحت ناحية الشباك الكبير، فتحته ووقفت في البلكونة أشم الهوا الساقع بتاع نص الليل. الشوارع كانت فاضية وضلمة، مفيش غير العواميد منورة الطريق برقة، والنسمة كانت بتداعب وشي.
وفجأة، حسيت بحركة ورايا، لفيت لقيت بابا واقف في البلكونة جمبي، ساند إيديه على السور وباصص للسما. بصلي وابتسم وقالي: “عارفة يا سارة.. زمان وأنتي صغيرة كنتي لما تخافي من ضلمة الليل، تيجي تستخبي في ضهري.. النهاردة وأنا باصص ليكي، حاسس إن ضهرك بقى قوي لدرجة إنه يشيل عيلة بحالها.”
دموعي نزلت، بس كانت دموع صافية وراضية، مسكت إيد بابا المحفرة من شقى السنين وبوستها وقولتله: “أنا قوتي دي كلها منك يا بابا.. أنت الجبل اللي ساندني، وعمري ما هنسى إنك في أصعب لحظة في حياتي كنت البطل اللي أنقذني.”
بابا أخدني في حضنه، الحضن الدافي اللي طول عمري بستخبى فيه من قسوة الدنيا، وفضلنا واقفين كده ثواني، باصين للمدى الواسع قدامنا.
في اللحظة دي، حسيت إن روحي بقت خفيفة وزي الريشة.. الخوف، الوجع، التهديد، وظلم مرات أبويا وابنها.. كل ده بقى مجرد حكايات قديمة بتتحكي في كتب الماضي، وبقت حياتي الجديدة هي الحقيقة الوحيدة اللي بعيشها.
بصيت للسما الصافية والنجوم اللي بتلمع، وقولت في بالي بابتسامة نصر ويقين: “القصة خلصت يا سارة.. والحمد لله، النهاية طلعت أجمل بكتير من كل التوقعات.”
وقفلنا باب البلكونة، ودخلنا لبيتنا المنور بالحب والأمان، والستارة نزلت على حكاية بنت حاربت الدنيا بأصلها وعلمها.. وانتصرت.
تمت
حكايات انجى الخطيب