ثمن اللقمه ح 2 حكايات مني السيد
الفصل الثالث والأخير:
أصعب ما في انكسار الرجال ليس اللحظة التي يسقطون فيها، بل تلك الثواني التي تلي السقوط مباشرة؛ حين تلتفت الأعين نحوهم منتظرة رد فعل، فلا يجدون في جعبتهم سوى الصمت والذهول.
كان كريم واقفاً في المطبخ، محاصراً بين نظرات أمه النارية التي تكاد تثقب بدلتة الأنيقة، ونظرات أخته “منى” المليئة بالصدمة الممزوجة بالجوع، وبين جوز أخته “إيهاب” الذي كان يستند إلى إطار الباب، يداعب سبحته في يده ويحاول جاهداً كتمان ضحكة ساخرة لو خرجت لكانت بمثابة رصاصة الرحمة على ما تبقى من برستيج “ابن عائلة عبد الحي”.
“تجارة إيه وشطارة إيه يا بنت شبرا؟”
انفجرت الحاجة صفية أخيراً، ونبرة صوتها هزت درف المطبخ الألوميتال. التفتت إليّ بكامل جسدها، والذهب في غوايشها يرن بغضب. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات
> “أنتِ بتبيعي وتشتري في بيتك؟ وبتساومينا على لقمة؟ بقى دي الأصول اللي تربيتي عليها؟ كريم يا عبير، لو كان قال كلمة في وقت غضب، ميبقاش ردها إنك تفضحي جوزك قدام أهله وتسيئي لسمعتنا بالشكل ده! إحنا عيلة عبد الحي، لما ندخل بيت ابننا نلاقي مكرونة مسلوقة وجبنة تلاجة؟”
>
لم يهتز فيّ رمش واحد. كنت متوقعة هذا الهجوم، بل ومستعدة له تماماً. نظرت إلى الحاجة صفية بكل هدوء، وابتسامة خفيفة وودودة ترتسم على وجهي، قائلة:
“يا حاجة صفية، العفو، أنا أبعد ما أكون عن الفضايح. أنا ست متعلمة وبدير شركة فيها آلاف الموظفين، وعارفة يعني إيه التزام بالعقود والاتفاقات. ابنك كريم هو اللي جه لحد عندي يوم الأحد اللي فات، وبمنتهى الوعي والثقة، قالي: *’أنا مش هصرف على عيشتك الدلع دي تاني، وفلوسنا من النهاردة منفصلة تماماً’*. وبما إنه مهندس كبير ومدرك لكل كلمة بيقولها، أنا احترمت رغبته وقررت أطبق الاتفاق بحذافيره. الأكل اللي في التلاجة ده ماليش فضل فيه، ده شقايا وتعبي وفلوسي. فلو كريم عاوز يتفضل ويدبح لكم عجل، أنا مش همنعه، بس بفلوسه هو، مش بفلوسي أنا.”
التفتت الحاجة صفية نحو كريم كالأسد الجريح: “الكلام ده بجد يا كريم؟ أنت قولت لها الكلام الفارغ ده؟”
كريم، الذي كان وجهه قد تحول إلى اللون الأحمر الداكن، حاول أن يجد صوته وسط هذه المعمعة. نظر إليّ بنظرة عتاب مكسورة، ثم نظر إلى أمه وقال بصوت مرتعش:
“يا أمي.. أنا كنت مضغوط في الشغل.. ومقصدتش المعنى اللي هي فهمته.. عبير كبرت الموضوع وعملت من الحبة قبة عشان تذلني..”
“أذلّك؟” قاطعتُه بنبرة حاسمة ولكن دون صراخ. “أنا ذليتك يا كريم؟ لما كنت بدفع قسط العربية الـ *SUV* بتاعتك من حسابي الخاص عشان برستيجك قدام زمايلك في الشركة ميتأثرش، كنت بذلّك؟ لما كنت بشتري لبس العيال الصغار ولاد منى في أعياد ميلادهم وأقولهم ‘خالو كريم اللي جايبها’، كنت بذلّك؟ لما كنت بتدير عزومة كل سبت وتتكلف آلاف الجنيهات من لحوم وطيور وحلويات شرقية وغربية من فيزتي أنا، وتصقف وتفرح وتعيش دور ‘كبير العيلة المُنفق’ قدام أهلك، كنت بذلّك؟ أنا منعتش عنك الأكل، أنا بس طلبت تمنه، والراجل اللي بيشيل كلمة ‘أنا المنفق’ لازم يشيل تمن اللقمة اللي بتدخل جوفه وجوف ضيوفه.” متوفرة على روايات و اقتباسات
ساد صمت رهيب في المطبخ. منى أخته سحبت أولادها برفق وتراجعت نحو الصالة، مدركة أن المعركة تجاوزت حدود “المحشي والبشاميل” لتصل إلى جدران بيتها الأساسية. إيهاب، جوز أختها، وضع سبحته في جيبه، واقترب من كريم وطبطب على كتفه بنبرة فيها شفقة حقيقية:
“معلش يا كيمو.. حصل خير. يا جماعة يلا بينا، الظاهر إننا جينا في وقت مش مناسب. المحلات في التجمع كتير، ننزل ناكل بره وخلاص.”
“ناكل بره إيه يا إيهاب؟” زعقت الحاجة صفية، وعيناها مليئة بالدموع من كتر الكسوف والإحراج. “ابن عبد الحي يطرد أمه وأخواته بمكرونة عريانة؟ أنا مش هقعد في البيت ده دقيقة واحدة تانية!”
تحركت الحاجة صفية نحو الباب بخطوات سريعة وغاضبة، ووراها منى وعيالها وإهاب. كريم جرى وراهم وهو يحاول الإمساك بعباية أمه، يتوسل إليها: “يا أمي عشان خاطري متزخليش.. يا أمي استني بس هروح أجيب أكل جاهز من برا.. يا أمي!”
لكن الباب رُزع بقوة، ليعلن نهاية العزومة المقدسة، ونهاية “البرستيج” الزائف الذي عاش كريم خلفه لسنوات.
### المواجهة الكبرى: ليلة سقوط الأقنعة
عدت إلى الصالة، جلست على الكرسي المفرد، وأمسكت بكتابي مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن. بعد دقائق، دخل كريم. كان مظهره يثير الشفقة؛ جرافتته مفسوخة، شعره منكوش، وعيناه تلمعان بغضب أعمى وكسرة غير مسبوقة. وقف أمامي، يرتعش كالمحموم، وصرخ بأعلى صوته:
> “ارتحتي؟ اتبسطتي دلوقتي لما صغرتيني قدام أمي وأختي؟ فضحتيني وخليتي جوز أختي يتفرج عليا ويشمت فيا؟ أنتِ إيه يا شيخة؟ مفيش في قلبك رحمة؟ كل ده عشان كلمة قولتها في وقت عصبية؟”
> حكايات مني السيد
وضعت الكتاب جانباً، ونهضت ببطء حتى أصبحت في مواجهته مباشرة. نظرت في عينيه بثبات جعل جسده يتراجع خطوة للخلف:
“لا يا كريم، مش عشان كلمة قولتها في وقت عصبية. أنت مكنتش متعصب امبارح ولا أول امبارح. أنت كنت بتتكلم بمنتهى الهدوء والثقة لأنك كنت فاكر إنك بتلعب اللعبة القديمة اللي أمك علمهالك: تكسر مقاديف الست، تحسسها إنها عبء وعايشة عالة على حسك، عشان تفضل دايماً مطاطية راسها ومستنية رضاك. أنت جيت قولتلي ‘أنا مش هصرف على عيشتك الدلع’ وأنت عارف كويس جداً إن عيشتي الدلع دي من شقايا وتطويري لنفسي. أنت كنت عاوز تاخد ‘اللقطة’؛ تبقى الراجل اللي كلمته بتمشي وفي نفس الوقت جيبك مقفول وبتصرف فلوسك على نزواتك وسهراتك وجزمك الـ *Brands*.”
“أنا راجل البيت!” زعق كريم وهو يضرب على صدره. “أنا المهندس كريم عبد الحي! أنا اللي اسم عيلتي محفور في مصر الجديدة!”
“اسم عيلتك محفور على يفط تبرعات قديمة يا كريم، لكن بيتك ده قايم على كتافي أنا،” رديت بصوت هادئ ومخيف.
### جدول مقارنة الحسابات (الأرقام لا تكذب)
امتدت الحرب الباردة لأسابيع. كريم حاول في البداية استخدام س*لاح “القمص والخصام”، فكان ينام في الغرفة الثانية، ولا يتحدث معي، ويأكل وجبات سريعة يشتريها بالفيزا الخاصة به والتي بدأت ديونها تتراكم.
لكن الأرقام لا تكذب، وفي نهاية الشهر، عندما صدرت الفواتير وحان وقت الحساب الحقيقي، جلست على طاولة السفرة، ووضعت أمامه لابتوب الشغل، وفتحت ملف *Excel* كنت قد أعددته بدقة متناهية.
“اتفضل يقعد يا باشمهندس، عشان نشوف الانفصال المالي الحقيقي هيوصلنا لفين،” قولت له وأنا أشير للكرسي المقابل.
جلس كالمجبر، وعيناه تدوران في الملف. كان الجدول كالتالي:
| بند المصاريف | التكلفة الشهرية (بالجنيه المصري) | حصة كريم الفردية (٥٠٪) | الوضع الحالي والدفع |
| :— | :— | :— | :— |
| **قسط تمويل الفيلا** | ٤٥,٠٠٠ | ٢٢,٥٠٠ | تدفعه عبير بالكامل (منذ سنتين) |
| **مصاريف صيانة الكومباوند والأمن** | ٦,٠٠٠ | ٣,٠٠٠ | تدفعه عبير |
| **فواتير الكهرباء، الغاز، والإنترنت (سرعة فائقة للشغل)** | ٨,٥٠٠ | ٤,٢٥٠ | تدفعه عبير |
| **قسط سيارة كريم (BMW)** | ٣٢,٠٠٠ | ١٦,٠٠٠ | تدفعه عبير (كشريك ضامن) |
| **خزين البيت، اللحوم، والطلبات الشهرية** | ٢٥,٠٠٠ | ١٢,٥٠٠ | تدفعه عبير |
| **عزومة العائلة الأسبوعية (متوسط ٤ عزومات)** | ٢٠,٠٠٠ | ١٠,٠٠٠ | تدفعه عبير بالكامل |
| **إجمالي التزامات كريم غير المدفوعة** | **١٣٦,٥٠٠ جنيه** | **٦٨,٢٥٠ جنيه** | **مطلوب سدادها فوراً لعبير** |
نظر كريم إلى الرقم النهائي في الجدول، ووشه جاب ألوان. كان مصدوماً، ليس لأن الأرقام خاطئة، بل لأنه لأول مرة يرى حقيقة “رجولته المالية” مجردة من الأوهام والشعارات.
“إيه الأرقام دي؟” قال بصوت متحشرج. “أنا مبدفعش كل ده؟ أمال مرتباتي بتروح فين؟”
“مرتباتك بتروح على قعدات الكافيهات الشيك مع أصحابك، رحلات الجونة والساحل السريعة اللي بتطلعها مع زمايلك في الشركة عشان ‘تفك ضغط الشغل’، والبراندات اللي بتشتريها عشان تحافظ على مظهر ‘المهندس الناجح ابن العيلة’. أنت عايش في بيتي، بتاكل من خيري، بتسوق عربية مدفوعة بضماني، وفي الآخر جاي تتهمني إني عايشة على حسابك؟”
وضع كريم رأسه بين يديه. كانت هذه هي اللحظة التي انقشع فيها الضباب تماماً عن عينيه. لقد أدرك أنه طوال سبع سنوات جواز، لم يكن “المزود” أو “البروفايدر” كما توهم، بل كان مجرد ضيف شرف في حياة ست بتمشي دول وشركات.
### نقطة التحول: درس في الأصول الشبراوية
مرت الأيام، وتغيرت نبرة كريم تماماً. اختفت النبرة الآمرة، واختفى التكبر. أصبح يتحرك في البيت بهدوء، يغسل طبقه بعد الأكل، ويحاول فتح كلام معي بأي طريقة، لكنني كنت قد وضعت حواجز من الجليد بيننا. لم أعد أطبخ له، ولم أعد أشتري له شيئاً، وكل قطعة في التلاجة ظلت تحمل اللزقة البيضاء تذكيراً له بكلمته.
في منتصف الشهر الثاني، تلقيت اتصالاً هاتفياً من الحاجة صفية. كان صوتها مختلفاً تماماً؛ غابت نبرة الاستعلاء وحلت محلها نبرة الأم المكسورة والمحروجة.
“أيوة يا عبير يا بنتي.. عامة إيه؟”
“أهلاً يا حاجة صفية، الحمد لله في نعمة، خير؟” رديت برسمية شديدة.
تنهدت الحاجة صفية وقالت:
> “يا بنتي.. أنا بكلمك كأُم. كريم جالي امبارح البيت، وقعد تحت رجلي وعيط. قالي إنه كان غلطان في حقك، وإنه عرف قيمتك وقيمة اللي بتعمليه للبيت وللعيلة كلها. كريم ابن عيلة آه، بس الظاهر إحنا دلعناه زيادة عن اللزوم ومفهمناهوش يعني إيه مسؤولية بيت وست بتمية راجل زيك. أنا بطلب منك وسامحيني في اللي حصل مني يوم السبت داك، الكسرة كانت شديدة عليا وعليها، بس يظهر إنها كانت قرصة ودن تلم الكل. متخربيش بيتك يا بنتي، وكريم شاري ومش عاوز يخسرك.”
>
شعرت بغصة في حلقي. لم أكن أريد تخريب بيتي، ولم أكن أكره كريم، بل كنت أكره “النسخة المزيفة” منه. كنت أريد الراجل الذي يتكئ على كتفي بصدق، لا الراجل الذي يحاول كسر كتفي ليثبت لنفسه أنه أقوى.
“حاضر يا حاجة صفية، كلامك فوق راسي،” رديت باحترام. “بس كريم لازم يتعلم الدرس للاخر، والبيت اللي اتهد جدرانه بالثقة المزيفة، لازم يتبني على الصراحة والمسؤولية الحقيقية.”
### الختام: شروط العقد الجديد
في تلك الليلة، دخلت الصالة ووجدت كريم قاعداً منتظرني، وأمامه لابتوب وبجانبه دفتر شيكات. بدا أصغر سناً، وكأنه تخلص من عبء ثقيل كان يحمله دون داعٍ.
“عبير،” قال بصوت هادئ وثابت. “أنا مش هعتذر بالكلام، لأن الكلام امبارح زي النهاردة ملوش لازمة. أنا قعدت مع نفسي وحسبت كل حاجة. أنا كنت بني آدم أناني، عايش في وهم الإرث والاسم وناسي الست اللي شيلاني وشايلة بيتي.”
فتح دفتر الشيكات، وكتب شيكاً بمبلغ وقدمه لي:
“ده شيك بـ ١٠٠ ألف جنيه، جزء من التزاماتي القديمة اللي في جدول الـ *Excel*. وكل شهر هيتحول نص مرتبي علطول لحساب مشترك للبيت، أنتِ اللي هتديريه، وأنا مليش دعوة بيه غير إني أغطي التزاماتي. والفيزا بتاعتي قفلتها، ومصاريف أهلي وعزوماتهم هتبقى من جيب الخالص، واليوم اللي مش هقدر فيه أكفي العزومة، هقول لأمي بكل صراحة ‘أنا معيش النهاردة يا أمي فمش هنعمل عزومة’، مش هتمسح فيكي ولا في فلوسك ثانية.”
نظرت إلى الشيك، ثم نظرت إلى وجهه. رأيت في عينيه لأول مرة كريم الذي أحببته زمان؛ الراجل الحقيقي الذي لا يخجل من الاعتراف بغلطه، والولد البسيط الذي تخلص من برستيج عائلته الزائف وبدأ يبني كرامته بإيده.
مددت إيدي، وأمسكت بالشيك، ثم قمت ورحت ناحية التلاجة.
بمنتهى الهدوء، بدأت أشيل اللزق الأبيض الناصع من على علب اللبن، الجبنة، البن، واللحوم. كنت بشيلهم ورقة ورقة، وكأنني أزيل جدار العناد والخصام الذي بنيناه بيننا.
التفتت إليه وقولت بابتسامة دافية:
“البن الاسبريسو ده نضيف جداً وجاي من مكان مخصوص.. تحب أشرب معاك فنجان قهوة دلوقتي ونقعد نتكلم في هدوء؟”
ابتسم كريم، ولأول مرة منذ أسابيع، رأيت لمعة الفرحة الحقيقية في عينيه، وقال: “ياريت يا عبير.. وتسلم إيدك مقدماً.”
> **ملاحظة ختامية:**
> الكرامة في البيوت لا تقاس بمَن يملك مالاً أكثر، بل بمَن يملك وعياً أكبر لاحترام الشراكة. الراجل الحقيقي هو الذي يحمي ظهر زوجته، والست الذكية هي التي تعرف متى تضع “تيكيت الأسعار” لتنقذ بيتها من الانهيار، ومتى تشيله لتعيد بناء الود والأصول. وبكده خلصت قصة عبير وكريم في التجمع، والبيت رجع عامر.. بس بالحق والأصول الشبراوية!
>حكايات مني السيد