حكايات زهره الرابيع 2

وقفت في صالة بيتنا أنتظر رد “كريم” على شرطي، وكان الصمت في المكان سيد الموقف. تطلعت في عينيه لأرى مدى تمسكه بي وببيتنا، لكنني لم أجد سوى الحيرة والتردد. تطلع “كريم” إلى والدته ثم نظر إليّ وقال بنبرة رجاء: “يا سمر، أبوس إيدك بلاش تصعبيها.. أختي الكبيرة، وعمرها ما هتنزل من كبريائها وتعتذر لحد، أنتي كده بتطلبي المستحيل وبتقفلي كل الأبواب في وشنا!”

هنا تدخل أبي بكلمات كالرصاص: “المستحيل هو إن بنتي ترجع لبيت مالهاش فيه كرامة يا كريم! الباب اللي اتقفل، أختك هي اللي قفلته بيديها لما مدت إيدها على شرفك وعرضك وأنت واقف تتفرج. اتفضل يا ابني، الكلام خلص، ولما تقدر تجيب حق مراتك وتصون كرامتها ابقى تعالى اتكلم.”

حاولت حماتي التدخل مرة أخرى والدموع في عينيها، وظلت تلح على أمي وعليّ لتلطيف الأجواء، لكن أبي أشار لـ”كريم” بإنهاء الزيارة. خرج “كريم” يجر أذيال الخيبة، وعيناه ممتلئة بنظرات غامضة.. نظرات تجمع بين الغضب من شروطي، والعجز أمام جبروت أخته “شيماء”.

مرت ثلاثة أيام كاملة ولم يتصل بي “كريم” أو يرسل أي رسالة. انقلبت حياتي إلى جحيم من التفكير والترقب؛ هل سينتصر لكرامتي ويعيد لي حقي؟ أم أن شروطي كانت القشة التي قصمت ظهر زواجنا؟ في قريتنا الصغيرة بالأرياف، بدأت الألسن تلوك القصة، وأصبحت الحكاية على كل لسان: “سمر انضـ,ـربت في الفرح وجوزها طردها لبيت أبوها”. كانت كلمات الناس وجعاً مضافاً فوق وجعي الأساسي، لكنني صممت على عدم التراجع.

في اليوم الرابع، تفاجأت باتصال هاتفي من إحدى جارات “شيماء” أخت زوجي، وكانت تربطني بها علاقة طيبة. قالت لي بصوت منخفض وكأنها تخشى أن يسمعها أحد: “الحقيني يا سمر.. أنا قولت لازم أقولك على اللي بيحصل من ورا ظهرك. شيماء قالبه الدنيا في البلد، وبتجمع نسوان العيلة وبتقولهم إنك أنتي اللي قليتي أدبك عليها، وإن كريم خلاص هيطلقك وهيجوزه صاحبتها اللي كان صمم عليها من الأول! والأنيل من كده، إن كريم قاعد عندها في البيت من يوم ما مشيتي من عند أبوكي!”

شعرت بطـ,ـعنة جديدة في ظهري. “كريم” لم يكتفِ بالعجز عن جلب حقي، بل ترك بيتنا وذهب ليمكث في بيت الأفعى التي دمرت حياتنا! تملكني الغضب، ولم أعد قادرة على ضبط أعصابي. دخلت إلى غرفتي، وأمسكت بهاتفي، وقررت أن أتصل بـ”كريم” لأضع حداً لهذه المهزلة.

أول ما فتح الخط، لم أترك له فرصة للكلام، وقلت بنبرة حادة وصوت يرتجف من القهر: “بقى بتسيب بيتك وبتروح تقعد عند أختك عشان تخططوا سوا لخراب بيتي؟ بتسمحلها تطلعني غلطانة قدام الناس وتتشطر عليا؟ أنا اللي غلطت لما افتكرتك راجل وهتجبلي حقي!”

رد “كريم” بصوت غاضب وعالٍ لم أعهده منه من قبل، وكأن شخصاً آخر كان يلقنه الكلام: “بس بقى اقفلي بقك! أنا استحملتك كتير، وجيت لحد عندك واعتذرتلك وأمي باست على راسك، وأنتي ركبتي راسك وعملالي فيها سيدة القصر! أختي خط أحمر، واللي مش عاجبه عيشة أهلي ملوش مكان في حياتي. أنتي فاهمة ولا مش فاهمة؟!”

نزلت كلماته عليّ كالصاعقة. عرفت فوراً أن “شيماء” نجحت في غسل دماغه بالكامل، وقلب الطاولة عليّ ليصبح هو الضحية وأنا المتجنية.

قبل أن أنطق بحرف واحد، سمعت صوت “شيماء” من خلفه في الهاتف وهي تضحك باستهزاء وتقول له بصوت مرتفع لتسمعني: “اقفل في وشها يا كريم، سيبها تتربى في بيت أبوها، الحرمة اللي تعلي صوتها على جوزها ملهاش مكان وسطادنا!”

في تلك اللحظة، انطفأت آخر شمعة أمل كانت في قلبي تجاه “كريم”. أدركت أن المعركة لم تعد مجرد قلم ضـ,ـربت به في فرح، بل أصبحت معركة وجود وكرامة ضد عائلة تريد سحقي بالكامل. سحبت الهاتف من على أذني، وأغلقته في وجهه، وجلست على طرف السرير وجسدي ينتفض من شدة الغيظ، وعقلي يدبر لأمر لم يتوقعه أحد منهم…

نزلت كلماته عليّ كالصاعقة. عرفت فوراً أن “شيماء” نجحت في غسل دماغه بالكامل، وقلب الطاولة عليّ ليصبح هو الضحية وأنا المتجنية.

قبل أن أنطق بحرف واحد، سمعت صوت “شيماء” من خلفه في الهاتف وهي تضحك باستهزاء وتقول له بصوت مرتفع لتسمعني: “اقفل في وشها يا كريم، سيبها تتربى في بيت أبوها، الحرمة اللي تعلي صوتها على جوزها ملهاش مكان وسطادنا!”

في تلك اللحظة، انطفأت آخر شمعة أمل كانت في قلبي تجاه “كريم”. أدركت أن المعركة لم تعد مجرد قلم ضـ,ـربت به في فرح، بل أصبحت معركة وجود وكرامة ضد عائلة تريد سحقي بالكامل. سحبت الهاتف من على أذني، وأغلقته في وجهه، وجلست على طرف السرير وجسدي ينتفض من شدة الغيظ، وعقلي يدبر لأمر لم يتوقعه أحد منهم…

قضيت بقية ليلتي وعقلي لا يتوقف عن التفكير. الدموع التي كانت تنزل بحرقة جفت، وحل محلها برود شديد ورغبة عارمة في استرداد كرامتي، ولكن ليس بالصوت العالي هذه المرة، بل بالعين العاقلة التي تخطط لترد الصاع صاعين.

مع أول ضوء للشمس، خرجت من غرفتي ووجدت أبي يجلس في الصالة يرتشف قهوته وعلامات الهم واضحة على وجهه. جلست أمامه وقلت له بنبرة هادئة وقوية: “يا بابا، أنا خلاص عرفت طريقي. كريم مش هيجيب حق، وشيماء فاكرة إنها كسبت الجولة وبتقوم البلد كلها عليا.. أنا مش هرفع قضايا دلوقتي، ولا هقعد أعيط. أنا هروح بيتي!”

انتفض أبي من مكانه مستنكراً: “تروحي فين يا سمر؟ ترجعي لواحد هانك وهددك بالطلاق عشان أخته؟! أنتي اتجننتي؟”

أمسكت يد أبي وقلت له: “مش هطأطأ راسي يا بابا. بيتي ده قايم بفلوسي وفلوسك، وشقايا وشقاك فيه. لو سبتهولهم دلوقتي، شيماء هتدخل صاحبتها فيه وتعيش في خيري وأنا قاعدة هنا مكسورة. أنا هروح أعيش في شقتي، ومن غير ما أكلم كريم نص كلمة.. الشقة ملكي زي ما هي ملكه، والبلد كلها لازم تشوف إني داخلة بيتي وراسي في السماء، ومش هسيب مكاني للأفعى دي.”

اقتنع أبي بعد محايل ومساندة من أمي التي رأت أن وجودي في بيتي يقطع الطريق على أي خطة لشيماء. وبالفعل، لملمت أشيائي، وتحركت برفقة أخوتي وأبي. وصلنا إلى العمارة التي أسكن فيها، ودخلت شقتي كالملكة، وسط نظرات الجيران الذين تعجبوا من عودتي دون “كريم”.

بمجرد أن غادر أهلي، قمت بتغيير كالون الباب الداخلي للشقة؛ كنت أعلم أن شيماء تمتلك نسخة من المفتاح أعطاها لها كريم في غيابي، وأردت أن أقطع رجلها تماماً عن مملكتي.

لم تمر سوى ساعتين، حتى سمعت صوت خطوات سريعة تصعد السلم، ثم محاولات عنيفة لفتح الباب بالمفتاح.. المفتاح كان يدور في الفراغ لأن الكالون قد تغير! بدأت الطرقات الهستيرية على الباب، وصوت صراخ أشناف الآذان.. كانت “شيماء”! ومعها “كريم”.

فتحت الباب ببرود شديد، ووقفت على العتبة مانعة إياهما من الدخول. تراجعت شيماء خطوة للخلف وقالت بشرر يتطاير من عينيها: “أنتي جيتي هنا إزاي؟ وبأي حق تغيري كالون الشقة؟ أنتي فاكرة نفسك إيه يا بتاعة الأرياف؟”

نظرت في عين كريم وقلت له بكل حسم: “بيتك؟ ده بيتي أنا كمان. ولو عايز تدخل، اتفضل ادخل لوحدك وقفل الباب وراك.. أما أختك، فالمكان الوحيد اللي هتدخله بعد كده هو المحكمة لما أرفع عليها قضية بلطجة وتعدي بالضـ,ـرب في الفرح، والشهود مالين البلد!”

سقطت الكلمات كالقنبلة على رأس شيماء التي شحب وجهها فجأة؛ فهي لم تتوقع أنني أمتلك الجرأة لتهديدها بالقانون والفضائح وسط العائلات. تراجعت خطوة ونظرت لكريم وقالت بنبرة خبيثة: “وريني هتعمل إيه يا كريم؟ يا أنا يا هي في البيت ده اليوم!”

وقف كريم في حيرة قاتلة بين كبرياء أخته التي تضغط عليه، وبين زوجته التي تقف في شقته بكامل قوتها وتتحدى الجميع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *