سيبى الهبل اللى بتعمليه
الجزء الاول
— سيبي الهبل اللي بتعمليه ده، وقومي حضّري السفرة للضيوف!
الصوت العالي قطع هدوء الصبح قبل مريم ما تلحق ترد.
— سيبي بقى شغل الكمبيوتر الفاضي بتاعك ده، وروحي جهزي الترابيزة! شغلك ده يستنى، إنما الناس المحترمة ما تستناش!
صوت حماتها، “مدام سنية”، كان رنّان وقوي، دخل الأوضة وهي نافشة ريشها وريحة برفان تقيل مخلوط ببودرة قديمة مالية المكان.
مريم اتخضّت، وصوابعها زحلقت على الكيبورد، فالشاشة بقت كلها حروف ملخبطة. غمضت عينيها لحظة وهي حاسة بالصداع اللي كل يوم بيقفش في دماغها. حكايات منــال عـلـي
— يا طنط سنية… أنا قلت لحضرتك امبارح.
قالتها وهي بتحاول تكتم غيظها.
— عندي تسليم مشروع النهارده، وشغل مهم جداً، والمرتب بتاعي واقف عليه. ماينفعش أسيبه قبل الميعاد بساعة!
حماتها وقفت عند الباب بالبورنص الأزرق بتاعها، والياقة مكوية كأنها مسطرة، وضمت شفايفها لحد ما اختفوا.
— “تسليم” و”ديد لاين” والكلام الفارغ ده!
رفعت إيديها باستنكار. حكايات منــال عـلـي
— أيامنا كنا بنشتغل بجد في المصانع! مش قاعدين قدام شاشات طول النهار! إنتِ عايشة في شقتي يا مريم، وبتستهلكي كهربتي وراحتي… مش عارفة ليه قلة التقدير دي لأم جوزك؟
— أنا بدفع نص الفواتير وبجيب أكل البيت كله من جيبي.
قالتها مريم بهدوء بس بحزم.
— يا سلام! بتعايرني بقرشين يعني!
قالتها سنية وهي حاطة إيدها على صدرها كأنها في فيلم أبيض وأسود. حصري على صفحه روايات واقتباسات
— صاحبتي نوال وسميرة جايين بعد أقل من ساعة، ومش جايين يسمعوا عن هموم شغلك، جايين يشربوا شاي برستيج ويلاقوا ضيافة تشرف! يلا على المطبخ بسرعة!
الباب اتقفل بعنف خلى المواعين في المطبخ ترن.
مريم غطت وشها بإيديها. كان فاضل لها حوالي ألف كلمة وتسلم المشروع… بس عارفة إنها لو ما سمعتش كلام سنية، هتقلب الدنيا صويت وهتدعي إنها تعبانة وتخلي البيت جحيم.
دخلت المطبخ… كان نضيف بزيادة، نظافة باردة تخوف. كل حاجة مترتبة كأنها في متحف، ولو كوباية اتحطت غلط تبقى كارثة.
— ماما… إنتِ بتعيطي؟
سألتها بنتها الصغيرة “ليلى” وهي قاعدة في الركن بترسم.
ابتسمت مريم بالعافية:
— لأ يا حبيبتي… حاجة دخلت في عيني بس. بترسمي إيه؟
— قطة زعلانة… عايشة جوه كرتونة عشان ممنوع تدخل البيت. تيته بتقول القطط بتبوظ الباركيه.
مريم بلعت ريقها وهي حاسة بزورها مقفول. الشقة الكبيرة بسقفها العالي وأبوابها الخشب الفخمة… كانت خانقة ومافيهاش نفس.
وفجأة ظهر صوت سنية من وراها:
— لسه واقفة مكانك؟!
دخلت المطبخ زي الضل.
— ليلى، شيلي الخربشة دي من هنا. وإنتِ يا مريم بطلي تعملي دور الضحية! العجينة مش هتعجن نفسها!
— حاضر…
ردت مريم ببرود.
— واعملي الكيكة بالسمنة البلدي، مش الشوفان اللي بتعمليه ده!
بصتلها بقرف.
— ولا البخل بقى موضة دلوقتي؟
— ليلى معدتها بتتعب من الحلويات التقيلة دي يا طنط…
— كلام فاضي! عمر حد في عيلتنا اشتكى من معدته. إنتِ اللي بوظتي البنت بالأكل اللي كله أخضر ده. الأحسن تعملي سندوتشات بالجبنة الرومي الغالية اللي في التلاجة.
— دي كنت جايباها لفطار أحمد الصبح…
— أحمد مش هيحصله حاجة! الضيوف أهم. يلا اتحركي يا شاطرة.
الساعة اللي بعدها كانت كابوس. مريم بتجري بين البوتاجاز والسفرة، وسنية وراها بنقها اللي ما بيخلصش:
— ماسكة السكينة غلط!
— يا خبر! نص التفاحة راح هدر!
— المناديل دي تتني مثلث، مش عشوائي كده زي الكافتيريا!
ولما الضيوف وصلوا، مريم كانت حاسة إن جسمها تقيل زي الرصاص.
“نوال” و”سميرة” كانوا نسخة تانية من سنية، في المصطنعة والبرود.
— يا سلام يا سنية!
قالت سميرة وهي بتقعد.
— عندك كنّة مطيعة أهو… طول الوقت شغالة.
ابتسمت سنية بفخر:
— أنا اللي مربياها على إيدي. الجيل الجديد ده مدلّع، من غيري كانوا عاشوا على عيش حاف.
مريم حطت طبق الكيكة على السفرة وإيديها بتترعش.
— ماما… ينفع آخد حتة صغيرة؟
سألت ليلى بصوت واطي.
— لأ يا حبيبتي، ادخلي أوضتك.
قالتها سنية بسرعة.
— الكبار بيتكلموا. وبعدين الكيكة مش ليكي، مش مامتك قالت معدتك بتتعب؟
ليلى وطّت راسها ومشيت مكسورة. وفي اللحظة دي، مريم حست إن فيه حاجة اتكسرت جواها.
— اقعدي معانا يا مريم.
قالت نوال بنبرة مستفزة.
— احكيلنا بقى عن شغلك على الكمبيوتر ده… بتلعبي طول اليوم يعني؟
مريم قبضت على إيديها بقوة وقالت:
— ده شغل حقيقي. بكتب تقارير وتحليلات لشركات.
سنية ضحكت بسخرية:
— تحليلات! مستخبية ورا الشاشة وتسميه شغل! يا عيني عليك يا أحمد… بتتعب عشان تصرف على البيت كله لوحدك.
— إحنا الاتنين بنصرف بالتساوي.
ردت مريم بحدة.
ساد الصمت فجأة. الستات بصوا لبعض بضيق.
— جرأة بصراحة…
تمتمت سميرة.
— إزاي مستحملاها يا سنية في بيتك؟
تنهدت سنية بتمثيل:
— بعمل إيه! مستحملاهم بالعافية. بعمل كل حاجة ومفيش تقدير.
وبعدين بصت لمريم:
— قومي هاتي المربى ومية سخنة. مربى التوت اللي فوق دي.
بعد ساعات، الضيوف مشيوا أخيراً، بس الشقة لسه مخنوقة بريحة البودرة والكلام السام.
أحمد رجع من الشغل مهدود.
— في إيه للعشا يا جماعة؟
صوت سنية طلع فوراً:
— مراتك قضّت اليوم كله مرتاحة، وأنا اللي خدمت الضيوف. وهي عاملة نفسها كانت في السخرة.
أحمد بص للحلل… فاضية.
— مريم؟
كانت قاعدة قدام اللاب توب ساكتة تماماً. المشروع اتلغى، وخسرت شغلها بسببه.
رفعت عينيها وقالت بصوت هادي وهادي جداً:
— مفيش عشا يا أحمد.
— يعني إيه؟ ما إنتِ كنتِ قاعدة في البيت طول اليوم!
— كنت شغالة طباخة وجرسون لأمك… وخسرت شغلي بسببهم.
— يا نهار أبيض على الدراما!
صوت سنية دخل من الصالة:
— جوزها جعان وهي عاملة فيها ضحية!
أحمد اتنهد بضيق:
— خلاص يا ماما…
وبعدين بص لمريم:
— كان صعب تعملي أي أكلة بسيطة يعني؟
مريم قامت ببطء. كان في عينيها نظرة تانية خالص.
— آه يا أحمد… كان صعب. صعب أعيش طول الوقت تحت المراقبة، وصعب أشوف مراتي مذلولة وأسكت… والأصعب إني أربي بنتي في بيت بتحس فيه إنها ضيفة وممنوع عليها كل حاجة.
سنية فتحت دراعاتها باستنكار:
— مين ذلّك؟ إحنا كنا بنتكلم عادي! ده سميرة حتى شكرت فيكي!
مريم قطعت الكلام بصوت حازم:
— كفاية!
وبصت لأحمد مباشرة وقالت:
— بكرة… إحنا ماشيين من البيت ده.
وووووو