هوريك دلوقتي بسرعة 2
الجزء الثاني
كريم اتلخبط في وقفته، وخبط كوعه في الترابيزة، فوقعت الكوباية واتكبت المية على المفرش الأبيض.
فتح بقه عشان يتكلم، لكن الكلام وقف في زوره.
كان باصص لسلمى.
واقفة قدامه.
لا بترتعش.
ولا بتبعد.
ولا حتى رمشت.
وفي هدوئها كان فيه حاجة تخوّف.
في اللحظة دي عرف إن كل حاجة اتغيرت.
وإن مفيش رجوع لنقطة الصفر.
همس بصوت متقطع:
— أنتِ… أنتِ عملتي إيه؟
ردت سلمى بمنتهى البرود:
— وقفت حاجة ماكانش المفروض تبدأ من الأساس.
صوتها كان ثابت.
مفهوش خوف.
ولا حتى شفقة.
بس تعب وإصرار رهيب.
عدّل كريم وقفته وحاول يرجع هيبته ويتكلم.
لكنها قاطعته بنظرة حادة:
— اسمعني كويس يا كريم… لو قربت خطوة كمان، هتعرف بجد أبويا علمني إيه.
وقف مكانه.
مش عشان خاف من التهديد.
لكن عشان هي قالتها ببرود مرعب.
من غير انفعال.
من غير عصبية تخليه يحس إنها بتهوش.
كأنها بتقول حقيقة مش تحذير.
وفجأة حس إن المطبخ ضاق عليه.
والهوا بقى تقيل ومش عارف يتنفسه.
عدت ثواني…
أو يمكن ساعات.
وهم باصين لبعض من غير كلام، صراع نظرات مفيش فيه تراجع.
وفي الآخر زفر كريم بضيق ميتداراش.
ورجع لورا لحد ما ظهره لمس الحيطة.
وبص في الأرض.
وقعد على أقرب كرسي.
من غير ما ينطق حرف.
أما سلمى فلفت ودخلت أوضة النوم.
وقفت قدام المراية.
وفكت السوستة بتاعت الفستان.
ونزل من على كتافها ببطء.
كأنه جلد قديم بتخلعه عشان تتولد من جديد.
رمز لحاجة انتهت وراحت لحالها.
فكت الحلق والسلسلة.
وقعدت على السرير.
ساعتها بس، جسمها كله بدأ يترعش.
بس مش من الخوف.
من كتر التوتر والضغط اللي كتماه جواها.
كانت عارفة إن اللي حصل ده مش النهاية.
النوعية دي من الرجالة عمرها ما بتبلع الهزيمة بسهولة.
تاني يوم الصبح…
ريحة القهوة كانت مالية الشقة.
وكان فيه برودة غريبة وخانقة في الجو.
خرجت سلمى من الأوضة.
ولقت كريم لسه قاعد في المطبخ بنفس وضع امبارح.
واضح إنه ما داقش النوم طول الليل.
عينه كانت ثابته على فنجان القهوة اللي برد.
أول ما شافها معدية، قال بنبرة محروقة:
— فاكرة إني هخاف منك؟
ردت وهي باصة في عينه بجمود:
— لا.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل صدمتها ليه:
— بس لأول مرة في حياتك، متبقاش واثق في نفسك.
رجع الصمت التقيل يفرض نفسه بينهم تاني.
كريم قام لبس هدومه عشان ينزل الشغل.
كان بيقفل الدولاب بعصبية تكسر الخشب.
ويرزع الأبواب وراه.
لكن ما نطقش معاها ولا كلمة.
وأول ما خطوته خرجت بره الشقة…
سلمى عرفت إن وقت التحرك جه.
جمعت ورقها المهم.
وبطاقتها.
وشوية هدوم أساسية.
وحطتهم في شنطة صغيرة.
كانت حاسمة أمرها إنها مش هتبات الليلة دي في البيت ده.
على وقت الضهر، تليفونها نور برسالة منه:
“راجع بالليل… ونتكلم.”
جملتين اتنين بس.
لكن سلمى فهمت الشفرة اللي وراهم كويس.
“بالليل” و”نتكلم”.
كان فيهم وعيد، ورغبة مريضة في استرجاع السيطرة اللي هربت من إيده.
بس وقتها، كانت هي خلاص في الطريق لبيت أبوها.
البيت القديم في شبرا.
ريحة العيش الطازة طالعة من المطبخ دافية وتطمن.
وصوت الأرضية الخشب وهي بتزيق تحت الرجلين كأنها بترحب بيها.
أول ما الأب فتح الباب وشاف وشها…
فهم كل حاجة.
من غير ما تقف تشرح أو تسرد كلمة واحدة.
فتح دراعاته على آخرهم وحضنها.
حضنة قوية، غيبتها جوه ضلوعه.
حضنة أب مصري شقيان من الزمن الجميل، بيعرف يداوي من غير كلام.
وقال وهو عاصرها في حضنه:
— أهو اليوم اللي كنت مستنيه جه يا بنتي.
رفعت عينها المدمعة ليه بذهول، فكمل وبوسة على راسها:
— أنا ربيتك وخشنت عضمك عشان اللحظة دي… وعملتي الصح اللي يرفع راسي.
ساعتها بس…
سلمى انهارت تماماً في العياط.
أول مرة دموعها تنزل من ساعة ما بدأت الحكاية دي كلها.
لأن فيه أماكن في الدنيا، الواحد بيقدر يبكي فيها وهو حاسس بأمان ومطمن إنه مش هيبان ضعيف.
وبيوت ثانية، ما ينفعش دموعك تنزل فيها أصلًا عشان متتأكلش.
عدت كام يوم…
قدمت فيهم على إجراءات الطلاق بكل ثبات.
وغيرت رقم تليفونها عشان تقفل الباب ده نهائي.
ورجعت تستخدم اسم عيلتها اللي بيحميها في كل حتة.
مرت شهور ووووو
يتبع