جوزى كل اسبوع يعطر جسمي

جوزي كل اسبوع يعطر جسمي كله… حتى منطقة البكيني.

كنت فاكره كل ده حب واهتمام، لكن الحقيقة إنه كان بيعمله علشان مزاجه هو… ولما عرفت السبب الحقيقي حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي!!!!!

زي عادته كل أسبوع.

الساعة عدت 10 بالليل، و”جوزى” كان مالي البانيو مية سخنة باللافندر وزيت الورد زي ما متعود…

زي عادته كل أسبوع.

الساعة عدت عشرة بالليل، وكان جوزي “ياسر” مجهز الحمام كله بريحة اللافندر وزيت الورد. الشموع الصغيرة منورة الأركان، والبخار مالي المكان، وكأننا في منتجع فاخر مش في شقتنا العادية.

ابتسم وهو بيقولي:

“يلا يا حبيبتي، أسبوع كامل تعب وشغل… أقل حاجة أعملهالك إني أخليكي ترتاحي.”

كنت بحس وقتها إني محظوظة. أي ست تتمنى جوز يهتم بيها بالشكل ده.

بعد ما خلصت الحمام، طلع زجاجة عطر مستوردة كان جايبها من سفرية شغله الأخيرة.

رش شوية على إيدي، وشوية على رقبتي، وبعدها بدأ يحط العطر على أماكن مختلفة من جسمي وهو بيضحك:

“أنا بحب الريحة دي عليكي جدًا.”

وكنت أضحك وأقول لنفسي:

“يا بختي بيه.”

الموضوع استمر سنين.

كل أسبوع نفس الطقس.

حمام دافئ.

عطور غالية.

اهتمام زائد عن الطبيعي.

لدرجة إن صاحباتي كانوا بيحسدوني عليه.

لكن الغريب إن ياسر كان بيتوتر جدًا لو نسيت أحط العطر في أي يوم من الأيام.

مرة نزلت أجيب حاجة من السوبر ماركت بسرعة من غير ما أتعطر.

رجعت لقيته متضايق بشكل غريب.

سألني:

“خرجتي كده؟”

قلت باستغراب:

“كده إزاي؟”

قال:

“من غير العطر اللي جبتهولك.”

ضحكت وقتها وافتكرت إنه بيهزر.

لكن ملامحه ما كانتش ملامح هزار.

ومن يومها بدأت أخد بالي من حاجات كتير.

كل ما يجيبلي هدية تكون عطر.

كل ما يسافر يرجع بعطر.

كل ما يتكلم عن الجمال يتكلم عن الريحة.

كأن الموضوع أكبر من مجرد ذوق شخصي.

وفي يوم، وأنا بنضف أوضة المكتب بتاعته، حصل أول شيء خلاني أقلق فعلًا.

لقيت درج كان مقفول بالمفتاح.

وعمري ما شفته مقفول قبل كده.

حاولت أتجاهل الموضوع، لكن فضولي كان أقوى.

خصوصًا لما شفت ياسر داخل فجأة وشه اتغير أول ما لمح الدرج مفتوح قدامه بعد ما كنت بحاول أنضف حواليه.

خطفه من قدامي بسرعة وقال:

“سيبي المكتب ده وأنا أرتبه.”

أول مرة يتكلم معايا بالعصبية دي.

ومن ساعتها بدأت الشكوك تدخل قلبي.

إيه اللي مخبيه؟

وليه درج صغير ممكن يخليه يتوتر بالشكل ده؟

الأيام عدت.

والأسئلة زادت.

لحد ما جات الليلة اللي قلبت حياتي كلها.

كنت نايمة، وصحيت حوالي الساعة 3 الفجر عشان أشرب مية.

لقيت مكانه فاضي.

استغربت.

قمت أدور عليه.

لقيت نور المكتب مفتوح.

قربت بهدوء.

ولما بصيت من فتحة الباب…

شفت ياسر قاعد قدام اللابتوب، وعمال يقلب في عشرات الصور.

صور ليا.

صور قديمة وحديثة.

وفي كل صورة كان مركز على حاجة واحدة فقط.

شيء عمري ما انتبهت له أصلًا.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

وحسيت لأول مرة إن فيه سر كبير جدًا مستخبي عني.

#الكاتب_رومانى_مكرم

سر أكبر بكتير من مجرد حب العطور…

وفي الصباح، قررت أطلب مقابلة مع “سلمى”، صاحبتي الدكتورة، وأحكيلها كل حاجة.

لكن وقتها ما كنتش أعرف إن كلامها هيكون بداية الصدمة الحقيقية…

وإن الحقيقة اللي هعرفها بعدها هتخليني أشك في كل سنة عشتها مع جوزي.

## الجزء الثاني

جلستُ أمام “سلمى” في عيادتها، وكانت نبضات قلبي تكاد تُسمع من فرط التوتر. حكيت لها كل شيء بالتفصيل، منذ الليلة الأولى وزجاجة العطر المستوردة، مروراً بغضبه العارم لمجرد خروجي دون أن أتعطر، وصولاً إلى ذلك الدرج المغلق، والصور التي كان يتأملها في الفجر على شاشة كمبيوتره.

سلمى استمعت إليّ بإنصات شديد، ولم تقاطعني بكلمة واحدة. كانت ملامح وجهها تتغير مع كل تفصيلة أرويها، من الدهشة إلى القلق، وأخيراً إلى نظرة حزن عميقة أثارت الرعب في أوصالي.

صمتَتْ سلمى لثوانٍ بدت لي كأنها دهر، ثم عدلت نظارتها الطبية وقالت بصوت منخفض:

“يا فريدة… الكلام اللي هقوله لك ده محتاج منك تماسك. ياسر جوزك مش بيعمل كده من باب الحب والاهتمام الزايد زي ما كنتِ فاكرة، ولا الموضوع مجرد ذوق شخصي في العطور.”

ابتلعتُ ريقي بصعوبة وسألتها:

“أمال إيه يا سلمى؟ قوليلي ريحي قلبي، الصور اللي كان بيشوفها والتركيز ده معناه إيه؟”

تنهدت سلمى وقالت:

“ياسر بيعاني من حالة نفسية ونوع من الارتباط الشرطي القهري، وصورِك اللي كان بيشوفها ويركز فيها، كان بيقارنها بصور تانية… صور لزوجته الأولى اللي ماتت قبل ما يتجوزك!”

نزلت الكلمة عليّ كالصاعقة. شعرت فجأة أن الهواء سُحب من الغرفة. زوجته الأولى؟ ياسر أخبرني قبل زواجنا أنه لم يتزوج من قبل، وأنني الحب الأول والأخير في حياته. كيف يكون قد تزوج وماتت زوجته دون أن أعلم؟

تابعت سلمى وهي تحاول تهدئتي:

“من سنين، وقبل ما يدخل حياتك، ياسر كان متجوز ست بيحبها لدرجة الجنون. الست دي تعرضت لحادثة صعبة وتوفت. ومن كلامك عن طقوسه معاكي، العطر ده بالذات، والتركيز على تفاصيل معينة في جسمك وفي الصور، هو مش شايفك أنتِ يا فريدة… هو بيحاول يعيد تجسيدها فيكي! العطر ده كان عطرها المفضل اللي مش بيقعد من غيره، والطقوس دي كانت طقوسها هي قبل ما تموت. هو بيحاول يعيش مع نسخة تانية منها، ولما بتخرجي من غير العطر، الصدمة والواقع بيفوقوه ويرجعوه للحقيقة اللي بيهرب منها… إنها ماتت.”

لم أستطع استيعاب ما أسمعه. الأرض كانت تدور بي. هل عشت سنوات عمري كلها مجرد “بديلة”؟ مجرد جسد يوضع عليه عطر امرأة أخرى ليرضي هو خياله ومزاجه الخاص؟ كل تلك الرومانسية، البانيو الدافئ، زجاجات العطر الغالية، لم تكن لي… كانت لامرأة تحت التراب!

شكرت سلمى وخرجت من عيادتها وأنا أجر خطاي جرًا. الرؤية كانت ضبابية أمام عيني، والأسئلة تنفجر في عقلي كالقنابل. كيف استطاع إخفاء هذا السر طوال هذه السنوات؟ وماذا يوجد في ذلك الدرج المغلق بالمفتاح؟

عدت إلى البيت، وكان ياسر في عمله. الغضب والخديعة حوّلاني إلى شخص آخر. لم أعد تلك الزوجة المطيعة التي تنتظر طقوس العطر كل أسبوع. توجهت مباشرة إلى غرفة مكتبه. نظرت إلى الدرج المغلق. لم يعد يهمني أن ينكشف أمري، كان يجب أن أعرف الحقيقة كاملة.

أحضرت أداة حادة وبدأت أحاول كسر قفل الدرج بكل ما أوتيت من قوة، والدموع تنهمر من عيني بغزارة. وبعد محاولات مستميتة، انكسر القفل الخشبي العتيق، وانفتح الدرج.

في الداخل، لم أجد مجرد أوراق. وجدت علبة قطيفة سوداء كبيرة. فتحتها بيد ترتعش، لأجد داخلها جواز سفر قديم لامرأة تشبهني إلى حد كبير، ووثيقة زواج تحمل اسم ياسر واسمها، وبجوارها زجاجة عطر فارغة تماماً من نفس النوع الذي يضعه لي كل أسبوع، ومذكرات صغيرة مكتوبة بخط يده.

فتحت المذكرات وقرأت السطور الأولى:

“اليوم مرت سنة على فراقك يا حبيبتي… حاولت كثيراً أن أعيش بدونك ولم أستطع. اليوم قابلت فتاة تشبهك كثيراً في ملامحك.. سأتزوجها، وسأجعلها أنتِ.. سأعيدكِ إلى الحياة بطريقتي.”

سقطت المذكرات من يدي، وشعرت بقشعريرة باردة تضرب جسدي كله. وفي تلك اللحظة بالذات، سمعت صوت الباب الخارجي للشقة يفتح، وصوت خطوات ياسر يقترب من غرفة المكتب وهو ينادي عليّ بنبرته الهادئة المعتادة:

“فريدة… أنا رجعت يا حبيبتي، وجبتلك معايا زجاجة العطر الجديدة.”

تصلبتُ في مكاني، ونظرت إلى باب الغرفة الذي بدأ يفتح ببطء…

#الكاتب_رومانى_مكرم

## الجزء الثالث

تسمرتُ في مكاني وكأن دماء وجهي هربت كلها دفعة واحدة. نظراتي كانت معلقة بالباب الذي يفتح ببطء، وفي يدي وثيقة الزواج القديمة والمذكرات التي كشفت لي أنني لم أكن يوماً الزوجة، بل كنت الضحية والممثلة البديلة في مسرحية هزلية صاغها عقله المريض.

دخل ياسر الغرفة، والابتسامة المرسومة على وجهه تلاشت في جزء من الثانية بمجرد أن وقعت عيناه على الدرج المكسور والأوراق المبعثرة بين يدي. علب العطور، الصور، المذكرات… كل أسراره باتت عارية أمامي.

ساد الصمت لعدة ثوانٍ، صمت قاتل لم أكن أسمع فيه سوى دقات قلبي المتسارعة وأنفاسه الغاضبة التي بدأت تضيق. تبدلت ملامحه الهادئة التي عرفتها لسنوات إلى ملامح شخص غريب، شخص لم أره من قبل. انقبضت عيناه، وتحول صوته الودود إلى فحيح مرعب وهو يقول:

“أنتِ عملتي إيه؟ إزاي تجرؤي تفتحي الدرج ده؟”

لم أعد قادرة على الخوف، الغضب والإهانة التي شعرت بها فجرا داخلي شجاعة انتحارية. وقفت ورفعت المذكرات في وجهه وصرخت وعيناي تفيضان بالدموع:

“أنا اللي إزاي تجرؤ؟ سأتزوجها وسأجعلها أنتِ؟! سأعيدكِ إلى الحياة بطريقتي؟! أنت مش بني آدم… أنت كنت بتخدعني كل السنين دي! العطر، اللافندر، الاهتمام، حتى التفاصيل اللي كنت فاكراها حب… كل ده كان ليها هي؟ كنت بتشم ريحتها فيا؟ كنت شايفها هي وأنا واقفة قدامك؟”

تقدم نحوي خطوة، وحاول أن ينتزع المذكرات من يدي، لكنني تراجعت إلى الخلف وأنا أرتجف. صوته انخفض فجأة وأخذ نبرة حادة وباردة جمدت الدماء في عروقي:

“هاتي الحاجة دي يا فريدة… وماتدخليش في اللي مالكيش فيه. أنتِ عيشتي ملكة، كل اللي تمنيتيه كان بيجيلك، إيه اللي يفرق معاكي كنت بشوف مين ولا بفكر في مين؟ المهم إنك معايا!”

“المهم إني معاك؟!” صرخت بجنون والدموع تحرق وجنتيّ: “أنا مش دمية! أنا بني آدمة، ليا كيان ومشاعر! كنت بتموت من القلق لو نسيت العطر مش خوف عليا، كنت بتخاف لتفوق من الوهم اللي عايش فيه وتكتشف إنها ماتت وإن اللي قدامك دي فريدة مش هي! أنت دمرتني… حسستني إني ولا حاجة، مجرد جثة تانية بتعطرها عشان ترضي مرضك النفسي!”

ملامحه تغيرت تماماً، تلاشت نظرة الندم أو المحاولة في التبرير، وحل محلها جمود مخيف. نظر إلى الأوراق ثم نظر إليّ وقال برود غريب:

“أنتِ مش فاهمة حاجة… ولا عمرك هتفهمي يعني إيه حب حقيقي. رانيا ماتت وأخدت روحي معاها، ولما شفتك، ربنا هو اللي بعتك ليا عشان أقدر أعيش. العطر ده كان بيحييني، كان بيخليني قادر أتنفس وأكمل حياتي. أنتِ اللي بوظتي كل حاجة بغبائك وفضولك.”

تحرك بسرعة مباغتة، وقبل أن أتمكن من الهروب، قبض على معصمي بقوة آلمتني بشدة، وانتزع المذكرات وجواز السفر القديم من يدي. حاولت أن أتحرر منه وأنا أصرخ:

“سيبني! سيبني وأبعد عني… أنا مش هقعد في البيت ده ثانية واحدة! أنا هطلق منك وهفضحك قدام الناس كلها!”

بمجرد أن نطقت بكلمة “الطلاق” و”الفضوح”، رأيت في عينيه نظرة رعب حقيقي تحولت فوراً إلى شراسة. ضغط على يدي أكثر وقال وهو يقترب من وجهي وعيناه تتطاير منهما الشرار:

“تطلقي؟ وتفضحيني؟ أنتِ فاكرة الخروج من هنا بالسهولة دي؟ أنتِ مش هتمشي يا فريدة… ومش هتهدي كل اللي بنيته في سنين بمجرد نزوة وفضول. أنتِ ملكي، وهتفضلي هنا، وهتفضلي تحطي العطر ده ورجلك فوق رقبتك!”

دفعني بقوة لدرجة أنني ترنحت وسقطت على الأرض، واصطدمت جبهتي بحافة المكتب الخشبية. شعرت بألم حاد وسال خط دافئ من الدماء على وجهي. نظرت إليه بفزع وأنا أضع يدي على جرحي، بينما كان هو يجمع الأوراق بسرعة من الأرض، ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بالمفتاح!

سمعت صوت قفل الباب الخارجي للشقة أيضاً وهو يُغلق بعنف من الخارج. لقد حبسني! سجنني في بيتي بعد أن سرق مني هويتي وسنوات عمري.

زحفتُ نحو الباب وأنا أبكي بحرقة، أضرب الخشب بيدي الضعيفة وأصرخ مستغيثة، لكن دون جدوى. الشقة كانت معزولة، والوقت كان يمر ببطء قاتل. تركت الباب وجلست في ركن الغرفة، أنظر إلى الدماء على يدي وإلى زجاجة العطر المكسورة التي سقطت أثناء الشجار وسال سائلها على الأرض، لتملأ الغرفة بنفس الرائحة التي باتت الآن تمثل لي أكبر كابوس في حياتي.

مرت الساعات، وتحول النهار إلى ليل، وأنا في مكاني لا أعرف ماذا أفعل. هاتفي كان في الصالة بالخارج، ولا توجد أي وسيلة تواصل مع العالم الخارجي. كنت أعلم أن ياسر لن يتركني أرحل بسهولة، فالسر الذي كشفته يهدد حياته واستقراره النفسي المزيف.

حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سمعت صوت قفل الباب الخارجي يُفتح بهدوء. دقات قلبي توقفت تقريباً. سمعت خطواته تقترب من غرفة المكتب. انفتح الباب ببطء، وكان ياسر يقف وعلي وجهه هدوء غريب ومخيف، وفي يده حقيبة صغيرة، وفي اليد الأخرى… زجاجة عطر جديدة تماماً.

نظر إلى الجرح في جبهتي دون أي تعاطف، ثم تقدم نحوي وجلس على ركبتيه ليكون في نفس مستوى نظري، وقال بصوت هامس يقطر تهديداً:

“جه وقت الحمام بتاع كل أسبوع يا فريدة… يلا عشان تحطي العطر، ومفيش داعي للمشاكل، عشان مصلحتك ومصلحة أهلك اللي نايمين في بيوتهم مش دريانين بحاجة…”

تراجعت إلى الخلف حتى التزق ظهري بالحائط، وأنا أنظر إلى زجاجة العطر في يده وكأنها سلاح موجه إلى صدري، والأسئلة تنهش عقلي: كيف سأنجو من هذا السجن؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصل جنونه لحماية سره؟ تابعو صفحه رومانى مكرم

#الكاتب_رومانى_مكرم

## الجزء الرابع

انقبضت روحي وأنا أنظر إلى عينيه الجامدتين اللتين خلتَا من أي رحمة. تهديده المبطن بأهلي جعل الدماء تتجمد في عروقي. لم يكن ياسر الذي عشته معه؛ كان مسخاً يرتدي ملامحه.

وقف بهدوء، وأشار بيده نحو الحمام وقال بنبرة هادئة ومستقرة، وهو ما جعلها أكثر رعباً:

“يلا يا فريدة… المية السخنة جاهزة، واللافندر مستنيكي. بلاش نضيع وقت.”

قمتُ من على الأرض بخطوات مرتجفة، وجسدي كله ينتفض. تظاهرتُ بالاستسلام التام والكسرة حتى لا يتهور أكثر. دخلت الحمام وأغلق الباب وراي، لكنه لم يتركه مغلقاً بالكامل، بل تركه موارباً بقدر إنش واحد، وكأنه يراقب كل أنفاسي.

وقفتُ أمام المرآة، أنظر إلى جرح جبهتي والدماء التي جفت عليه، وإلى ملامحي التي ذبلت في ساعات. التفتُّ حولي أبحث عن أي مخرج أو أي شيء أدافع به عن نفسي. نافذة الحمام كانت صغيرة جداً وتطل على منور ضيق ومظلم، والخروج منها مستحيل.

فتحتُ صنبور المياه ليتصاعد البخار ويحجب الرؤية كلياً خلف الباب الموارب، وبدأت عقارب عقلي تعمل بأقصى سرعة. “الهاتف”.. هاتفي كان مستلقياً على طاولة الصالة، والباب الخارجي مغلق بالمفتاح الذي يحتفظ به في جيبه بالتأكيد. يجب أن أتحايل عليه، يجب أن أجعله يطمئن لكي أستعيد حريتي.

خرجتُ بعد فترة وجسدي يرتعش، ليس من البرد بل من الرعب. كان يجلس على مقعد في الصالة، واضعاً زجاجة العطر الجديدة أمامه على الطاولة. نظر إليّ من أسفل إلى أعلى، وارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا مريضة عندما رأى أنني لم أقاوم.

أشار إلى الزجاجة وقال:

“تعالي… رشي العطر.”

اقتربتُ بخطوات بطيئة، وقلبي يدق في صدري كطبول الحرب. رفعتُ الزجاجة بيد ترتعش، ونظرت إليه قائلة بصوت متحشرج ومصطنع بالندم:

“ياسر… أنا آسفة. الصدمة عمتني وخليتني أتصرف بغباء. أنا بحبك ومش عايزة بيتنا يتخرب… أنا مستعدة أعمل أي حاجة ترضيك، بس بلاش تأذي أهلي.”

لمعت عيناه بانتصار مجنون، ووقف واقترب مني، ومسح بأصبعه على جرح جبهتي برقة مزيفة قائلًا:

“أنا عمري ما هأذيكي ولا هأذي أهلك طول ما أنتِ بتسمعي الكلام… طول ما أنتِ ‘رانيا’ اللي بحبها.”

الكلمة سقطت على مسامعي كالسُم، لكنني ضغطت على نواجذي وابتسمت بانكسار. رفعتُ زجاجة العطر وبدأتُ أرش منها على رقبتي ويدي، وكانت الرائحة القوية تخنقني، وتذكرني في كل ثانية بأنني أتقمص دور امرأة ميتة.

“أيوا كده… هي دي حبيبتي،” قالها وهو يغمض عينيه ويستنشق الهواء بعمق، مستمتعاً بالوهم الذي أعدته له.

استغللتُ لحظة انتشائه وغيابه عن الواقع، وقلت بنبرة هادئة:

“ياسر، أنا حاسة بصداع رهيب من خبطة المكتب.. هروح المطبخ أعمل كباية ليمون دافي عشان أقدر أقعد معاك، وأجيب منديل ومطهر للجرح.”

هز رأسه بالموافقة دون أن يفتح عينيه تماماً، كأنه غائب في عالم آخر. تحركتُ بسرعة نحو المطبخ. لم أكن أريد ليموناً، بل كنت أبحث عن سلاح، وعن خطة.

مسكتُ سكين المطبخ الحاد وخبأته وراء ظهري، وفي تلك اللحظة، وقعت عيني على شيء جعل جسدي يقشعر بالكامل. على رخامة المطبخ، كان هناك كيس بلاستيكي صغير شفاف يحتوي على مسحوق أبيض، وبجانبه علبة دواء فارغة لمهدئات قوية جداً لا تُصرف إلا بروشتة طبية!

تذكرتُ على الفور “الحقيبة الصغيرة” التي كانت في يده عندما دخل الشقة فجراً. الصدمة شلت تفكيري لثوانٍ… هل كان يخطط لجرّ عصب حركتي؟ هل يريد تخديري بالكامل ليضمن بقائي واستسلامي لطقوسه المجنونة دون مقاومة؟

وفجأة، وقبل أن أستوعب الموقف، سمعت خطواته تقترب من المطبخ بسرعة. التفتُّ بفزع، وحاولت إخفاء السكين والكيس الشفاف، لكن الأوان كان قد فات.

وقف ياسر على باب المطبخ، ونظراته وقعت مباشرة على كيس المسحوق الأبيض في يدي، ثم ارتفعت عيناه لتلتقي بعيني. اختفت نظرة الرضا، وتحول وجهه إلى قناع من الشر الخالص، وقال بصوت حاد كالسكين:

“أنتِ بتفتشي ورايا تاني يا فريدة؟ الظاهر إن الوش الطيب مش جايب معاكي نتيجة… وأنا كنت عامل حساب اللحظة دي!”

وفي لمح البصر، اندفع نحوي بكل قوته، يده تمتد لتمسك برقبتي، بينما كانت يدي الأخرى القابضة على السكين تتحرك بشكل تلقائي دفاعاً عن حياتي!

#الكاتب_رومانى_مكرم

الأجزاء من الثانية، تحول المطبخ الصغير إلى ساحة معركة حقيقية من أجل البقاء. اندفع ياسر نحو القيء والغضب الأعمى يملأ عينيه، ويمده بقوة مرعبة. امتدت يده القوية وقبضت على عنقي بكل غل، وبدأ يضغط بقسوة مانعاً الهواء عن رئتيّ.

شعرتُ بالاختناق، والرؤية بدأت تشوش أمام عيني. غريزة البقاء كانت أقوى من خوفي. رفعتُ يدي المخفية وراء ظهري، والتي كانت تقبض على سكين المطبخ بكل ما تبقى لي من عزم، ودفعتها للأمام دفاعاً عن حياتي.

لم أقصد قتله، كنت أدافع عن أنفاسي فقط. اخترق نصل السكين ذراعه الممتدة نحو عنقي. صرخ ياسر صرخة دوت في أركان الشقة، وتراجع إلى الخلف فجأة وهو يمسك بذراعه التي بدأت الدماء تنزف منها بغزارة، وتلطخ أرضية المطبخ البيضاء.

سقطتُ على ركبتي وأنا أسعل بشدة، أحاول التقاط أنفاسي والهواء يمزق صدري. نظرتُ إليه بفزع؛ كان ينظر إلى جرحه، ثم رفع عينيه إليّ، ولم أقرأ فيهما سوى الرغبة في الانتقام التام. تلاشت نبرة الهدوء المريضة تماماً، وصاح بصوت يشبه زئير وحش جريح:

“أنتِ طعنتيني يا فريدة؟ الست اللي عيشتها في خير سنيين بتمد إيدها عليا؟”

تحرك نحوي بخطوات ثقيلة ومخيفة بالرغم من نزيفه. حاولتُ الوقوف والهروب، لكنه هجم عليّ ودفعني بقوة نحو الأرض. سقطتُ مجدداً، وطارت السكين من يدي لتستقر أسفل رخامة المطبخ، بعيداً عن متناول يدي.

ثبّتني بكل ثقله على الأرض، وضغط بركبته فوق صدري ليمنعني من الحركة، بينما كانت يده السليمة تمتد نحو جيبي لتخرج زجاجة المهدئ والمسحوق الأبيض الذي كان يجهزه لي. أخذ نفساً عميقاً وهو يلهث، وقال والشر يتطاير من عينيه:

“كنت عايز الموضوع يمر بهدوء وتنامي من غير ما تحسي بحاجة… لكن أنتِ اللي اخترتي الطريقة الصعبة. من هنا ورايح، مفيش فريدة… مفيش كلام، ومفيش خروج. أنتِ هتفضلي هنا مجرد ريحة وصورة!”

بدأ يحاول فتح فمي بالقوة ليدفع بجرعة مكثفة من ذلك المسحوق المخدر. كنتُ أقاوم بكل ما أوتيت من قوة، أهز رأسي يميناً ويساراً وأصرخ بأعلى صوتي: “الحقوني!.. يا ناس الحقوني!”، لكن صوتي كان يضيع داخل جدران الشقة المعزولة.

وفي قمة يأسي، وأنا أشعر بأن قواي تخور تماماً وأنني على وشك الاستسلام للظلام الذي يفرضه عليّ، دوت في الشقة فجأة أصوات طرقات عنيفة ومستمرة على الباب الخارجي!

تصلب ياسر في مكانه. تلاقت أعيننا؛ نظرة الرعب عادت لتشل حركته، بينما عادت الروح إلى جسدي. لم تكن طرقات عادية، بل كان هناك من يحاول كسر الباب بعنف، وصوت صياح بالخارج.

استغللتُ لحظة ذهوله، وبكل ما أملك من قوة دفعته بقدمي في بطنه، ليتراجع إلى الخلف مصطدماً بطاولة المطبخ. قمتُ أركض نحو الصالة وأنا أصرخ بأعلى صوتي:

“إلحقوني! أنا جوه! هيقتلني!”

وصلتُ إلى الصالة، ونظرتُ نحو الباب الخارجي الذي كان يهتز تحت وطأة الضربات، وفجأة، تحطم قفل الباب الخارجي، واندفع إلى داخل الشقة ثلاثة رجال… كان في مقدمتهم شقيقي الأكبر “أحمد”، وبصحبته اثنان من أصدقائه!

أحمد لم ينتظر؛ بمجرد أن رآني والدماء تسيل من جبهتي وعلامات الخنق على رقبتي، صرخ بغضب عارم واندفع نحو المطبخ حيث كان ياسر يحاول الخروج مسكاً بذراعه النازفة. في ثوانٍ معدودة، تحولت الصالة إلى ساحة عراك آخر، حيث هجم أحمد وأصدقاؤه على ياسر وشلوا حركته تماماً وطرحوه أرضاً.

ارتميتُ في زاوية الصالة وأنا أبكي بهستيرية، وجسدي كله ينتفض. التفت إليّ أحمد بعد أن تأكد من تقييد ياسر بالكامل، واقترب مني وخلع قميصه ليضعه على جرحي وهو يضمني إليه قائلاً بصوت يرتجف من الصدمة:

“فريدة! أنتِ كويسة؟ إيه اللي حصل؟ دكتورة سلمى كلمتني وقالتلي إنك رحتيلها وإن كلامك قلقها جداً، ولما جيت أتصل بيكي لقيت تليفونك مقفول.. قلبي حس إن فيه مصيبة وجيت جري!”

نظرتُ نحو ياسر الملقى على الأرض؛ كان ينظر إليّ بنظرات غريبة، لم تكن نظرات ندم، بل كانت نظرات حسرة وكأن الوهم الجميل الذي عاش فيه لسنوات قد تحطم الآن إلى الأبد أمام عينيه.

أخرج أحمد هاتفه بسرعة واتصل بالشرطة والإسعاف وهو يصرخ في الهاتف ليبلغ عن محاولة قتل واحتجاز.

لكن، بينما كنا ننتظر وصول الشرطة، وياسر مقيد على الأرض، التفتَّ إليّ فجأة بابتسامة صفراء مرعبة، وبالرغم من ألمه والنزيف، قال بصوت هادئ ومخيف هز كياني مجدداً:

“فاكرة إن الموضوع خلص يا فريدة؟ فاكرة إنك لما تمشي من هنا هتخلصي مني؟ السر اللي في الدرج مش مجرد مذكرات… رانيا ما ماتتش في حادثة عادية يا فريدة… رانيا أنا اللي…”

ولم يكمل جملته، لأن أحمد ضربه بقدمه ليصمته، لكن الكلمات كانت قد استقرت في عقلي كخناجر جديدة. أنفاسي تصاعدت، ونظرت إلى باب الشقة بانتظار الشرطة، وأنا أشعر أن الكابوس لم ينتهِ بعد، بل بدأ يأخذ منحنى أكثر رعباً ودموية مما تخيلت!

#الكاتب_رومانى_مكرم

## الجزء السادس

ساد صمت رهيب في الصالة بعد الكلمة المبتورة التي نطق بها ياسر. “رانيا أنا اللي…”! هل كان يقصد أنه قتلها؟ هل كانت تلك الطقوس، وذلك الجنون بالعطور، ليس مجرد حزن مرضي على فراقها، بل كان شعوراً هائلاً بالذنب ومحاولة للتكفير عن جريمة بشعة ارتكبها في الماضي؟

كانت أنفاسي تتلاحق، ونظراتي معلقة بوجهه الشاحب والدم الذي يقطر من ذراعه. أحمد كان يتنفس بسرعة والغضب يعميه، وصاح فيه: “اخرس خالص! مش عايز أسمع صوتك لحد ما البوليس ييجي!”

دقائق قليلة بدت وكأنها سنوات، حتى دوت أصوات سرينات الشرطة في الشارع، تلتها خطوات قوية تصعد السلم. دخل ضابط المباحث ومعه القوة، وعاينوا المكان بسرعة. الدماء على أرضية المطبخ، وجهي المشوه، السكين الملقاة، وأكياس المسحوق الأبيض والمهدئات التي كانت كفيلة بإثبات النية في الاحتجاز والاعتداء.

أحمد شرح للضابط ما حدث باختصار، بينما اقترب مني أحد المسعفين ليطهر جرح جبهتي ورقبتي. تم تقييد ياسر بالكلابشات الحديدية. وهو يمر من أمامي متوجهاً نحو الباب، لم ينظر إلى الضابط ولا إلى العساكر، بل التفت إليّ، وبنفس الابتسامة المريضة همس بصوت مسموع:

“دوري في المكتبة يا فريدة… ورا كتاب رانيا المفضل.. هتعرفي إنك كنتِ عايشة مع مين.”

اقتادوه إلى الخارج، وتوجهتُ أنا وأحمد إلى قسم الشرطة للإدلاء بأقوالي. قضيتُ بقية الليلة في التحقيقات، أسرد للنيابة كل شيء منذ بداية زواجنا وحتى تلك اللحظة المرعبة في المطبخ. تم تحريز العطور، والمسحوق الأبيض، والمذكرات التي كانت في الدرج المكسور.

بعد انتهاء الإجراءات، صمم أحمد أن آتي معه إلى بيت العائلة. دخلتُ غرفتي القديمة، لكنني لم أستطع النوم. كانت جملته الأخيرة تتردد في أذني كطنين لا ينقطع: “دوري في المكتبة… ورا كتاب رانيا المفضل”.

في تمام الساعة العاشرة صباحاً، وبينما كان أحمد نائماً من أثر تعب الليلة الماضية، وجدتُ نفسي أقوم بحركة لا إرادية. لم يكن عقلي ليهدأ دون أن يغلق هذه الصفحة تماماً. ارتديتُ عباءتي، وخرجتُ من البيت بهدوء دون أن يشعر بي أحد، واستقللتُ سيارة أجرة متجهة إلى شقتي… شقة الرعب.

فتحتُ الباب الخارجي بيد ترتجف. كانت رائحة العطر واللافندر ما زالت عالقة في المكان، ممزوجة برائحة الدماء الجافة والمطهر. شعرتُ بقشعريرة تجتاح جسدي، لكنني تشجعت ودخلت غرفة المكتب.

توجهتُ فوراً إلى مكتبته الكبيرة المليئة بالروايات والكتب الطبية والنفسية. بدأتُ أبحث بعيني عن أي شيء يخص رانيا. تذكرتُ في مذكراته أنه كان يذكر حبها للشعر، وبالتحديد ديوان شعري قديم. لمحتُ الديوان في ركن منزوٍ في الرف العلوي.

سحبتُ الكتاب، وخلفه تماماً، في عمق التجويف الخشبي للمكتبة، وجدتُ علبة معدنية صغيرة مغبرة. سحبتها بسرعة وفتحتها.

داخل العلبة، كان هناك جهاز تسجيل صوتي صغير (ديكتافون) قديم، ومعه شريط كاسيت صغير، وتقرير طبي صادر من مستشفى خاص بتاريخ قديم جداً، قبل زواجنا بثلاث سنوات.

فتحتُ التقرير الطبي أولاً، وقرأت السطور بصدمة جعلت ركبتي تعجزان عن حملي، فسقطتُ على مقعد المكتب. التقرير كان يفيد بدخول المدعوة “رانيا…” إلى المستشفى بحالة تسمم حاد نتيجة جرعة زائدة من نفس المادة المهدئة التي حاول ياسر إطعامها لي بالأمس! والتقرير يشير إلى شبهة جنائية تم حفظ التحقيق فيها وقتها لعدم كفاية الأدلة!

أمسكتُ بجهاز التسجيل، وضغطتُ على زر التشغيل بيد ترتعش كأوراق الشجر في الخريف.

خرج من الجهاز صوت ياسر، لكنه كان أصغر سناً، وبجانبه صوت امرأة تبكي وتتوسل. عرفتُ فوراً أنها رانيا.

كانت رانيا تقول في التسجيل وهي تبكي بصوت متقطع:

“ليه بتعمل فيا كده يا ياسر؟ أنا مش قادرة أتنفس… أنت حطيتلي إيه في العصير؟ حرام عليك أنا وثقت فيك!”

وجاء صوت ياسر، بارداً، حاداً، وخالياً من أي إنسانية:

“عشان ترفضي تسافري معايا؟ عشان عايزة تسيبيني وتطلبي الطلاق؟ أنا قولتلك أنتِ بتاعتي، ومحدش هياخدك مني.. لو مش هتشيلي اسمي وأنتِ عايشة، هتشيليه وأنتِ تحت التراب.. اشربي العصير يا رانيا، اشربيه عشان نفضل مع بعض للأبد…”

انتهى التسجيل بصوت اختناق وسقوط شيء ثقيل على الأرض.

وضعتُ يدي على فمي لأكتم صرخة رعب هزت كياني. ياسر لم يكن مجرد مريض نفسي يحن لزوجته المتوفاة… ياسر كان قاتلاً متسلسلاً، سيكوباتياً، يقتل النساء اللاتي يرفضن الخضوع لملكيته المطلقة! والأخطر من ذلك، أنني أدركتُ الآن أنه لم يكن يحاول تخديري بالأمس لابقائي معه فقط… كان يجهز لي نفس مصير رانيا تماماً لأنني تجرأت وطلبت الطلاق!

وفي تلك اللحظة القاتلة، وبينما أنا مستغرقة في ذهولي والرعب يربط لساني، سمعتُ صوت فتحة الباب الخارجي للشقة تعود لتتحرك ببطء…

تصلبتُ في مكاني، والتسجيل ما زال في يدي. أحمد كان نائماً ولا يعرف أنني هنا، والشرطة تحفظت على ياسر… إذن، من الذي يفتح باب الشقة الآن وبكل هدوء؟

#الكاتب_رومانى_مكرم
## الجزء السابع

انقطع النَفَس في صدري، وتجمدت الدماء في عروقي وأنا أستمع إلى صوت حركة الباب الخارجي. الصوت كان بطيئاً، حذراً، وكأن مَن بالخارج يحاول ألا يصدر أي جلبة. من يمكنه الدخول إلى شقة أغلقتها الشرطة بالشمع الأحمر أو تحفظت عليها؟ ومن يملك نسخة من المفتاح غيري أنا وياسر؟

ياسر في الحجز، وأحمد نائم في بيت العائلة… الأفكار دارت في عقلي كالإعصار المرعب. نظرتُ إلى جهاز التسجيل والتقرير الطبي في يدي، وشعرت أنني لستُ ممسكة بأوراق، بل بقنبلة موقوتة قد تنفجر في وجهي وتنهي حياتي في ثوانٍ.

تحركتُ بخطوات أشبه بالطيران، دون أن أصدر أي صوت. دخلتُ خلف ستارة الشرفة الثقيلة الموجودة في غرفة المكتب، وحبستُ أنفاسي تماماً، واكتفيتُ بالنظر من خلال شق صغير جداً يطل على الممر المؤدي لصالون الشقة.

انفتح الباب الخارجي بالكامل، ودخل شخص… لم يكن ياسر.

كان رجلاً في أواخر الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ملامحه كانت صارمة، وعيناه تلتفتان حول المكان بحذر شديد. لم أرَه من قبل في حياتي، لكن حركاته كانت تدل على أنه يعرف الشقة جيداً. تحرك مباشرة نحو غرفة المكتب دون أن يتردد ثانية واحدة!

دخل الغرفة التي أختبئ فيها. كنتُ أرى طيفه من خلف الستارة. توجه فوراً نحو المكتبة الكبيرة، وتحديداً نحو الرف العلوي حيث كان ديوان الشعر!

بدأ يفتش بيده في التجويف الخشبي، وعندما لم يجد العلبة المعدنية، صدرت منه تنهيدة غضب حارقة، وضرب حافة المكتب بقبضة يده وهو يتمتم بغيظ:

“راحت فين؟ مستحيل البوليس يكون وصلها بالسرعة دي!”

أخرج هاتفه المحمول بسرعة، وضغط على زر الاتصال، وانتظر لثوانٍ قبل أن يأتيه الرد، ليتحدث بصوت منخفض ومثقل بالتوتر:

“أيوة يا باشا… أنا في الشقة حالا. العلبة مش موجودة في مكانها ورا الكتاب! ياسر شكله غفلنا وشالها في مكان تاني قبل ما يتم القبض عليه، أو أن مراته لقتها… البوليس شمع الشقة بس أنا دخلت من باب المطبخ اللي ورا زي ما قولتلي… العمل إيه دلوقتي؟ الشريط ده لو وقع في إيد النيابة، مش بس ياسر اللي هيتعدم، إحنا كمان هنروح في داهية! القض*ية القديمة بتاعة رانيا لو اتفتحت، اسم المستشفى والتقرير المزور هيخربوا بيوتنا كلنا!”

توسعت عيناي من فرط الصدمة. التقرير الطبي الذي في يدي… لم يكن مجرد تقرير، بل كان دليلاً على مؤامرة وتواطؤ من مستشفى كبير أو أطباء ذوي نفوذ للتغطية على جر*يمة ق*تل رانيا وتقييدها ضد مجهول أو كجرعة زائدة بالخطأ! وهذا الرجل أرسلته جهة ما لتطهير المكان وإخفاء الدليل قبل أن تصل إليه يد العدالة.

تابع الرجل حديثه على الهاتف وهو يتحرك في أرجاء الغرفة، يقترب أكثر فأكثر من الستارة التي أختبئ خلفها:

“البنت؟ فريدة؟ مش في بيت أهلها، أنا راقبت البيت الصبح وأخوها نزل يدور عليها وملاقاهاش… احتمال تكون هنا؟”

وفجأة، صمت الرجل تماماً.

توقفت أنفاسي. نظرتُ للأسفل برعب، واكتشفتُ الكارثة… حقيبتي النسائية الصغيرة كانت ملقاة على مقعد المكتب في وضح النهار، وبجوارها الغلاف الخارجي لديوان الشعر الذي سقط مني دون أن أنتبه!

سمعتُ خطواته البطيئة تتقدم نحو الستارة. كان يتحرك كصياد وجد طريدته. يده امتدت ببطء ليمسك بطرف الستارة ويقشعه…

وفي تلك اللحظة القاتلة، دوت في الشقة أصوات خطوات سريعة وعنيفة، وصوت أخويا أحمد وهو يصرخ بأعلى صوته في الصالة:

“فريدة!! أنتِ هنا يا فريدة؟! الباب الخارجي موارب ليه؟!”

تحول انتباه الرجل في ثانية واحدة. ترك الستارة وتراجع للخلف، وأخرج من جيب جاكيته مسدساً أسود صغيراً بكاتم صوت! التفت نحو الباب مستعداً لإطلاق النار على أحمد بمجرد دخوله الغرفة.

عرفتُ أن أحمد في خطر مميت، وأنه لا يملك أي فكرة عن وجود رجل مسلح في الداخل. تملكتني شجاعة يائسة؛ خرجتُ من خلف الستارة وبكل قوتي دفعتُ الكرسي الخشبي الثقيل للمكتب نحو ظهر الرجل، ليصطدم به ويفقده توازنه، وصرختُ بأعلى صوتي:

“أهرييييب يا أحمد!!! معاه سلاااح!!”

انطلق أحمد نحو الغرفة فور سماع صراخي، بينما التفت الرجل إليّ وعيناه تتطاير منهما الشرر، ووجه فوهة المسدس مباشرة نحو صدري…

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

## الجزء الثامن

دارت الدنيا بي وأنا أنظر إلى فوهة المسدس الموجهة إلى صدري مباشرة. انطلقت رصاصة مكتومة الصوت “باف…”، وشعرتُ بريحها تمر بدقة بجانب أذني لتخترق الخشب خلفي، وتملأ المكان برائحة البارود المحترق.

في تلك الأجزاء من الثانية، اندفع أحمد إلى داخل الغرفة كالبرق. لم يفكر في حياته ولا في الس*لاح؛ كل ما رآه هو أن شقيقته تواجه الموت. ألقى بجسده بالكامل فوق الرجل المسلح، ليتدحرجا معاً على أرضية المكتبة وسط صراع شرس.

“اخرجي برة يا فريدة! اطلبي البوليس!” صرخ أحمد وهو يحاول تثبيت يد الرجل التي تقبض على المسدس.

لم أستطع ترك شقيقي بمفرده. تطلعتُ حولي بسرعة، والتقطتُ تمثالاً نحاسياً ثقيل الوزن كان موضوعاً فوق المكتب كزينة. اقتربتُ بخطوات متخبطة، والدموع تعمي عيني، وبكل قوتي هبطتُ بالتمثال فوق يد الرجل المسلح التي يمسك بها المسدس.

أطلق الرجل صرخة ألم مدوية، وسقط الس*لاح من يده ليتدحرج تحت الخزانة الخشبية. استغل أحمد الفرصة، وبكمية هائلة من الأدرينالين والغضب، وجّه إليه ضربة قوية في وجهه أفقدته الوعي تماماً، ليتمدد على الأرض بلا حراك.

سقطتُ على الأرض وأنا ألهث بشدة، بينما انحنى أحمد فوقي وهو يرتجف، ويمسك بكتفيّ:

“أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟ إيه اللي جابك هنا يا فريدة؟ أنا صحيت ملقتكيش في البيت، ولقيت دكتورة سلمى بتتصل بيا وبتقولي إنها خايفة تكوني رجعتي الشقة تدوري على حاجة… جيت جري وراكي!”

أومأتُ برأسي وأنا أبكي، ومددتُ يدي التي كانت ما زالت تقبض بقوة على جهاز التسجيل والتقرير الطبي كأنها تقبض على طوق نجاتي:

“أحمد… ده اللي جابني. ياسر طلع مش مجرد مريض.. ياسر قاتل! هو اللي ق*تل مراته الأولى رانيا، والراجل ده جاي يسرق الدليل عشان يداري على المستشفى اللي زورت التقرير زمان!”

أخذ أحمد الأوراق والجهاز من يدي وهو غير مصدق، ونظر إلى الرجل الملقى على الأرض:

“ده معناه إننا وسط شبكة كبيرة يا فريدة… الموضوع أكبر من ياسر بكتير.”

أخرج أحمد تليفونه بسرعة واتصل بالشرطة مجدداً، وأبلغ عن وجود هجوم مسلح وشخص مقيد داخل الشقة. لم تمر سوى عشر دقائق حتى كانت سيارات الشرطة تحيط بالعمارة بالكامل، ودخلت قوة مكثفة بقيادة رئيس المباحث شخصياً.

تم القبض على الرجل المسلح، وتفتيش هويته التي كشفت أنه يعمل مسؤولاً أمنياً كبيراً في إحدى المستشفيات الاستثمارية الشهيرة. سلّم أحمد جهاز التسجيل والتقرير الطبي الأصلي لضابط المباحث، الذي استمع إلى ثوانٍ من التسجيل، وتغيرت ملامحه تماماً، ونظر إلينا بجدية شديدة قائلاً:

“المرادي الق*ضية اتقلبت تماماً… ده مش مجرد شروع في قت*ل… ده ملف جنائي مقفول من سنين وهيفتح عش الدبابير على ناس كبار.”

تم اصطحابنا أنا وأحمد إلى مقر مديرية الأمن وسط حراسة مشددة تأميناً لنا. دخلنا إلى مكتب وكيل النيابة الذي بدأ في التحقيق الفوري وبشكل سري للغاية نظرًا لخطورة الأسماء المذكورة في اعترافات الرجل المسلح التي أدلى بها بعد تضييق الخناق عليه.

جلسنا في غرفة الانتظار لساعات طويلة، حتى خرج إلينا المحامي الخاص بنا، وملامحه تحمل مزيجاً من الذهول والانتصار:

“فريدة… النيابة قلبت الدنيا. بناءً على التسجيل والتقرير، صدر قرار فورى بنبش قبر ‘رانيا’ لإعادة تشريح الج*ثة وبيان سبب الوفاة الحقيقي. وياسر انهار تماماً في التحقيق لما واجهوه بالتسجيل، واعترف بكل حاجة… اعترف بـ رانيا، واعترف إنه كان بيجهزلك نفس المصير بالظبط أول ما فكرتي تبعدي عنه.”

تنفستُ الصعداء وشعرتُ بحمل ثقيل ينزاح عن صدري، لكن المحامي لم يبتسم، بل اقترب منا أكثر وانخفض صوته بنبرة غامضة ومقلقة:

“بس فيه حاجة تانية غريبة حصلت في التحقيق… ياسر وهو بيتكلم عن طقوس العطر، قال جملة خلت وكيل النيابة يقفل المحضر ويطلب تحريات خاصة فورية.”

نظرتُ إليه بقلق: “جملة إيه؟”

قال المحامي وعيناه متسعتان:

“ياسر قال إن رانيا ما كانتش الضحية الأولى… وإن فيه زجاجة عطر تانية خالص، بريحة تانية، مدفونة في مكان عميق في بيته القديم في البلد.. زجاجة تخص ست تانية اختفت من عشر سنين ومحدش يعرف عنها حاجة لحد النهاردة!”

شعرتُ بقشعريرة باردة تضرب جسدي كله مجدداً. الكابوس لم ينتهِ، والستار الذي رُفع لم يكشف سوى عن بداية لسلسلة من الجرائم المرعبة التي لا يعلم مداها إلا الله.

#الكاتب_رومانى_مكرم

 
## الجزء التاسع

وقعت كلمات المحامي عليّ كالصاعقة. زجاجة عطر أخرى؟ وامرأة ثانية اختفت منذ عشر سنوات؟ شعرتُ بغثيان شديد وكأنني أستمع إلى قصة عن مسخ وليس عن رجل عشتُ معه تحت سقف واحد لسنوات، آكل من طعامه وأنام بجواره وهو يخطط لجعلي جثة معطرة تنضم لمجموعته السرية.

التفتُّ إلى أحمد الذي كان يضغط على فكه بغضب عارم وقال للمحامي:

“يعني إيه ست تانية؟ هو ياسر ده إيه بالظبط؟ شبكة قت*ل؟”

رد المحامي وهو يلملم أوراقه:

“ياسر مريض بمرض نادر في علم النفس الجنائي، سيكوباتي يربط هويته بامتلاك الضحايا وتخليدهم برائحة معينة. النيابة أرسلت قوة مكثفة فوراً لبيته القديم في البلد، والموضوع مبقاش قض*ية فريدة ورانيا بس… ده بقا ملف ‘سفاح العطور’.”

عدنا إلى بيت العائلة، وكانت أمي تستقبلني بالدموع والأحضان، لكنني كنتُ كالأموات، لا أشعر بشيء. دخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب، وظللتُ أنظر إلى الفراغ. رائحة العطر المستورد واللافندر كانت قد تغلغلت في مسام جلدي، لدرجة أنني كنتُ أتوهم أنني أشمها في أركان الغرفة، فأندفع نحو الحمام لأغسل وجهي ورقبتي بالماء والصابون عشرات المرات، وأنا أبكي بهستيرية وأصرخ: “عايزة الريحة دي تطلع مني.. مش عايزة أكون رانيا ولا غيرها!”.

مرت ثلاثة أيام ثقيلة كالجبال. وفي صباح اليوم الرابع، أيقظني أحمد وعلى وجهه علامات دهشة وذهول غير طبيعيين. قال لي بصوت منخفض:

“فريدة… البوليس لقى الزجاجة التانية في البلد… ولقوا معاها مصيبة أكبر.”

ارتديت ملابسي وتحركتُ مع أحمد إلى مقر النيابة العامة مجدداً لاستكمال الأقوال بعد المستجدات الأخيرة. هناك، التقينا بوكيل النيابة الذي كان يبدو عليه الإرهاق الشديد جراء السهر ومتابعة الق*ضية.

نظر إليّ وكيل النيابة بنظرة إشفاق، ثم أخرج من درج مكتبه كيساً بلاستيكياً شفافاً ومحرزاً، وبداخله زجاجة عطر قديمة جداً، مختلفة تماماً عن زجاجتي وزجاجة رانيا. كانت زجاجة ذات طراز كلاسيكي قديم، وبجوارها في كيس آخر… بطاقة شخصية ممزقة لامرأة، وصورة فوتوغرافية صغيرة.

قال وكيل النيابة:

“قوة المباحث حفرت في المكان اللي اعترف عليه ياسر في بيته القديم. لقوا الزجاجة دي بريحة ‘الياسمين البري’.. ولقوا معاها مقتنيات وبقايا تخص السيدة ‘ماجدة…’، وهي الزوجة السرية الأولى لخالِك ‘سليمان’.. الست دي اختفت من عشر سنين وقيدتوا المحضر وقتها اختفاء غامض!”

انقطع النَفَس في صدري تماماً، وشعرتُ أن جدران الغرفة تضيق عليّ حتى تكاد تسحقني. خالي سليمان؟ ماجدة؟

تابعتُ الصدمات تتوالى وأنا أستمع لوكيل النيابة وهو يكمل بصوت حازم:

“ياسر انهار تماماً النهاردة الصبح واعترف بالسر الأكبر. ياسر مقت*لش ماجدة… ياسر كان مجرد صبي ومساعد لخالك سليمان! خالك سليمان هو السلسلة الأولى في الموضوع ده، وهو اللي علم ياسر الطقوس دي، ولما ياسر شاف خاله بيخلص من مراته ويعطرها بالياسمين عشان يفضل محتفظ بريحتها وما ينكشفش أمره، ياسر اتعلم منه وطبق ده مع رانيا.. ومعاكي!”

نظرتُ إلى أحمد الذي وقف فجأة وهو يصرخ غير مصدق:

“مستحيل! خالي سليمان رجل دين ومحترم والناس كلها بتحلف بأخلاقه! إزاي يكون هو اللي علم ياسر؟ وإزاي يكون قت*ل مراته الأولى؟”

رد وكيل النيابة بهدوء مخيف:

“المرض النفسي والشر ملوش مظهر يا أحمد. ياسر اعترف إن خاله سليمان هو اللي كان بيحميه طول السنين اللي فاتت، وخالك هو اللي استخدم نفوذه وعلاقاته مع المستشفى الاستثماري عشان يزور تقرير وفاة رانيا القديم ويطلع ياسر منها زي الشعرة من العجين… لأن خالك كان عارف إن ياسر لو اتكشف، هيجر رجله معاه في جر*يمة ‘ماجدة’ القديمة!”

شعرتُ فجأة أن كل سنين عمري كانت عبارة عن كذبة هائلة. عائلتي، زوجي، خالي… كل شيء كان مغطى برائحة العطور الفاخرة ليداري على رائحة الدم والموت.

وفي تلك اللحظة، فتح عسكري مكتب النيابة الباب، ودخل ضابط المباحث وهو يحمل تقريراً عاجلاً، واقترب من وكيل النيابة وهمس في أذنه بكلمات جعلت وجه وكيل النيابة يتغير تماماً ويتحول إلى اللون الشاحب.

التفت النيابة إلينا، وقال بنبرة حادة وخطيرة:

“أحمد… خذ أختك فريدة واطلعوا على بيتكم فوراً ومتخرجوش، وتحت البيت هيكون فيه حراسة مشددة.”

سألته برعب: “في إيه يا فندم؟ خالي سليمان حجروا عليه؟”

نظر إليّ وكيل النيابة وقال بأسى:

“القوة لما راحت تقبض على خالك سليمان من فيلته… ملاقتهوش. لكن لقوا جواب مكتوب بخط إيده وموجه ليكي أنتِ بالذات يا فريدة… الجواب بيقول فيه إنه مش هيسيب ياسر يتعدم لوحده، وإنه جاي يخلص الحكاية معاكي بنفس الطريقة اللي بدأت بيها من عشر سنين!”

خرجنا من النيابة وجسدي يتنافض كالسعفة في مهب الريح. خالي سليمان هارب… وهو الآن يطاردني أنا، لينهي الشاهدة الأخيرة التي هزت عرش أسرارهم الملطخة بالدماء.

#الكاتب_رومانى_مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء العاشر (قبل الأخير)

ركبتُ السيارة مع أحمد وأنا أشعر أنني جسد بلا روح. الكلمات جفت في حلقي، وصورة خالي “سليمان” — ذلك الرجل الذي كنتُ أعتبره ملاذي الآمن وحكيم العائلة — تبدلت في مخيلتي إلى وجه شيطان يقطر دماً وعطراً. كيف تجمعت كل هذه الوحشية حول حياتي؟ وكيف تحولتُ من زوجة مخدوعة إلى هدف لقاتلين متسلسلين؟

وصلنا إلى بيت العائلة، وكان المشهد أسفل البناية يبعث على الرعب؛ سيارتا شرطة وأربعة مخبرين انتشروا في المكان لتأميننا بناءً على أوامر وكيل النيابة. صعدنا إلى الشقة، وأغلق أحمد الباب الحديدي الخارجي بكل الأقفال الممكنة، ثم التفت إليّ وعيناه حمراوان من فرط القلق والغضب:

“فريدة… تليفونك وتليفوني وتليفون أمي هيقفلوا حالا. مش عايز أي وسيلة تواصل تشتتنا، والبوليس برة مأمن المكان. خالي سليمان نهايته قربت، ومش هيقدر يمس شعرة منك.”

أومأتُ برأسي واستسلمتُ لسريري، لكن النوم كان أبعد ما يكون عن جفوني. مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور. حلت ليلة مخيفة، وهبط هدوء غريب على المنطقة، هدوء لم يكن يقطعه سوى نباح الكلاب الضالة في الشوارع البعيدة.

حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، شعرتُ بالعطش يمزق حنجرتي. قمتُ بهدوء من فراشي حتى لا أوقظ أحمد النائم على المقعد في الصالة كحارس مرابط. تحركتُ نحو المطبخ بخطوات وئيدة، ولم أشعل الأنوار كي لا أثير الانتباه.

ملأتُ كوباً من الماء، وبينما كنتُ أرفعه إلى فمي، التفتُّ نحو نافذة المطبخ المطلة على المسقط الخلفي للعمارة. تجمدتُ في مكاني، وسقط الكوب من يدي ليتناثر زجاجاً على الأرض.

من خلال ضوء القمر الخافت، رأيتُ ظلاً يتحرك على مواسير الغاز الطبيعي الخارجية المتصلة بنافذة المطبخ! لم يكن ظلاً عادياً، كان شخصاً يتسلق بخفة ورشاقة لا تتناسب مع عمره. وقبل أن أتمكن من إطلاق صرخة واحدة لاستدعاء أحمد، امتدت يد قوية من نافذة المطبخ المواربة، وقبضت على فمي بقوة شلت حركتي تماماً!

تلاقت عيناي بعينيه في الظلام… كان هو. خالي سليمان!

كان يرتدي ملابس سوداء بالكامل، وعيناه تلمعان بجنون لا يقل عن جنون ياسر. دخل من النافذة بلمح البصر، ووضع سكيناً حاداً على رقبتي، وهمس في أذني بصوت فحيح مرعب يحمل رائحة الموت:

“ولا كلمة يا فريدة… لو طلعتي صوت، أخوكي اللي برة ده هيموت قبل ما يدخل المطبخ. البوليس اللي تحت مغفلين، فاكريني هنيجي من الباب؟”

الدموع انهمرت من عيني بغزارة وأنا أرتجف بين يديه. تراجع بي إلى زاوية المطبخ وهو ما زال يكتم أنفاسي، ثم أخرج من جيبه زجاجة صغيرة جداً… زجاجة عطر داكنة اللون.

قال بصوت هامس يقطر تشفياً وجنوناً:

“ياسر غبي… بوّظ كل اللي علمتهوله بغبائه وفضوله. رانيا وماجدة عاشوا وماتوا في هدوء، ومحدش حس بحاجة. طقوس العطر دي مش مرض يا فريدة… دي الطريقة الوحيدة اللي بنثبت بيها ملكيتنا للستات اللي بنحبهم عشان يفضلوا لينا للأبد وميفكروش يهربوا. أنتِ اللي فتحتي أبواب جهنم علينا، وبسببك اسم عيلتنا هيتداس في التراب. الجواب اللي سبته للبوليس كان مجرد تمويه عشان يفتكروا إني هربت برة القاهرة… أنا كنت مستنيكي هنا!”

فتح غطاء الزجاجة بأسنانه، وتصاعدت منها فوراً رائحة نفاذة، مرعبة، ومألوفة جداً… كانت رائحة “الياسمين البري”! نفس الرائحة التي وجدوها مع جثة زوجته الأولى ماجدة.

قرب الزجاجة من وجهي وتابع وعيناه تتسعان بجنون:

“ياسر كان بيجهزلك اللافندر… بس أنا قولت الياسمين يليق بيكي أكتر يا بنت أختي. هتشربي المهدئ ده، وتنامي في هدوء.. والبوليس الصبح هيلاقيكي جثة معطرة، وأنا هكون بقيت في مكان أبعد مما يتخيلوا… يلا يا حبيبتي، اشربي عشان ترتاحي!”

بدأ يضغط على فكي بالسكين ليجبرني على فتح فمي وسكب السائل السام، بينما كانت قواي تخور كلياً أمام قوته المرعبة ونظرات الموت في عينيه. تطلعتُ نحو باب المطبخ بيأس، وأنا أدعو في سري أن يستيقظ أحمد، أو أن يحدث أي شيء ينقذني من هذه النهاية البشعة التي باتت تفصلني عنها ثوانٍ معدودة…

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

كانت فوهة الزجاجة السامة تلامس شفتيّ، ورائحة الياسمين البري تملأ خياشيمي لتعلن عن اقتراب النهاية. أغلقتُ عينيّ واستسلمتُ تماماً، داعية الله أن يرحمني، فالموت بات قاب قوسين أو أدنى، والسكين يضغط على عنقي بقسوة.

لكن، في اللحظة التي بدأ فيها السائل السام يلامس طرف لساني، دوت في المطبخ صرخة غضب زلزلت أركان الشقة:

“خاااالي سليماااان!”

انفتح باب المطبخ بعنف، واندفع أحمد كالموجة العاتية. استيقظ على صوت سقوط كوب الماء الزجاجي قبل قليل، وتحرك بحذر حتى رأى الكابوس الذي يحدث في المطبخ. لم يتردد أحمد ثانية واحدة؛ ألقى بنفسه بكامل ثقله على خالي سليمان، ليرتطم الاثنان بالأرض.

طارت زجاجة السُم من يد خالي وسقطت على الأرض لتتحطم، ويسيل سائلها مخلفاً رائحة ياسمين خانقة. انزلق السكين من يده أيضاً، لكنه برغم كبر سنه، كان يملك قوة مرعبة يغذيها الجنون والرغبة في النجاة. تحول المطبخ الصغير إلى ساحة معركة دموية بين خال وابن أخته.

تحررتُ من قبضته وسقطتُ على الأرض وأنا أسعل بشدة، أحاول طرد قطرات السائل السام من فمي. نظرتُ بفزع فرأيتُ خالي سليمان يطبق بيده على عنق أحمد، ويحاول الوصول إلى سكين المطبخ الملقى على الأرض ليقض*ي عليه.

بكل ما تبقى لي من طاقة وحياة، زحفتُ على الأرض المليئة بالزجاج المكسور، وقبضتُ على يد خالي التي تمتد نحو السكين، وثبتها بكل قوتي وأنا أصرخ بأعلى صوتي نحو النافذة:

“الحقوناااا! البوليس اللي تحت! الحقوناااا!”

أصوات الصراخ والارتطام العنيف وصلت إلى أسفل البناية. في ثوانٍ معدودة، سُمعت أصوات كسر الباب الخارجي للشقة، واندفعت قوة الشرطة والمخبرين إلى داخل المطبخ. هجم أربعة من رجال الشرطة على خالي سليمان، وشلوا حركته تماماً بعد مقاومة عنيفة منه، وتم تقييده بالحديد.

وقع خالي على الأرض وهو يلهث، ونظر إليّ بعينين جاحظتين مليئتين بالغل، وصاح وهو يُقاد إلى الخارج:

“بوظتي كل حاجة يا فريدة… بوظتي طقوس الموت!”

ارتميتُ في أحضان أحمد الذي كان ينزف من وجهه ويحتضنني وهو يبكي ويهدئ من روعي: “خلاص يا حبيبتي… خلاص الكابوس انتهى.. ربي نجاكي منهم.”

### النهاية بعد عام

مر عام كامل على تلك الليلة المشؤومة. عام تبدلت فيه حياتي تماماً.

أصدرت محكمة الجنايات حكمها التاريخي بالإعدام شنقاً لـ “ياسر” ولخالي “سليمان”، بعد أن تم نبش القبور وإثبات الجرائم القديمة بالبراهين والأدلة التي لا تقبل الشك. طُويت صفحة “سفاحي العطور” من صفحات الحوادث، لكنها لم تُطو من ذاكرتي ومشاعرى بسهولة.

احتجتُ لشهور طويلة من العلاج النفسي لأتمكن من دخول الحمام بمفردي، ولأتقبل فكرة وضع أي عطر على جسدي مجدداً. تخلصتُ من كل زجاجات العطور القديمة، وصنعتُ لنفسي هويّة جديدة، هويّة “فريدة” الإنسانة الحرة، وليست البديلة لامرأة ميتة.

### الحكمة من القصة

إن الاهتمام الزائد والحب المبالغ فيه الذي يأتي بلا مقدمات، قد لا يكون دائماً دليلاً على الرومانسية، بل قد يكون قناعاً يخفي خلفه رغبة مريضة في السيطرة، أو محاولة لتشكيل الطرف الآخر ليكون مجرد “دمية” تلبي رغبات وأوهام مريضة.

الحب الحقيقي هو الذي يتقبلكِ كما أنتِ، بهويتكِ، واسمكِ، وتفاصيلكِ الخاصة، لا الذي يحاول صبّكِ في قالب امرأة أخرى أو يربط وجودكِ بطقوس معينة. فلا تنبهري بالظواهر الغالية والوعود البراقة، واعلمي أن الطمأنينة الحقيقية تكمن في الوضوح والصدق، وليس في الروائح الفاخرة التي قد تُخفي خلفها أحياناً… رائحة الموت.

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *