مع سقوط اخر حفنه تراب فوق قبر زوجي
مع سقوط آخر حفنة تراب فوق قبر زوجي، وبينما كان ابناي يقفان بجواري يبكيان أمام المعزين، اهتز هاتفي بإشعار من رقم مجهول
أنا حي… لا تثقي بهما.
.
لا تسألي الآن.
ظللت أحدق في الكلمات بصمت، بينما كانت السيارة تشق طريقها وسط الطريق، وقلبي يزداد ثقلًا مع كل دقيقة تمر.
ظننت أن الليلة انتهت عند هذا الحد.
لكن بعد دقائق قليلة، اهتز هاتفي من جديد.
كانت رسالة أطول هذه المرة.
فتحتها بيد مرتجفة، وما إن قرأت سطورها الأولى حتى شعرت بأن الدم يتجمد في عروقي
إذا أردتِ أن تعرفي من كان في مكاني داخل القبر، اذهبي إلى المزرعة القديمة خارج الرياض، واسألي عن الابن الذي ظن خالد وهيثم أنه دُفن وهو رضيع.
قرأت الرسالة ثلاث مرات داخل السيارة.
لم أفهم.
أو ربما لم أرد أن أفهم.
كان أبو ياسر يقود بصمت، دون أن يشغّل الراديو، ويداه ثابتتان على المقود. وخلفنا كان يبتعد بيت شمال الرياض، وأبنائي، والقبر، وثلاثة وأربعون عامًا من الزواج تحولت فجأة إلى سؤال مستحيل.
أبو ياسر…
همست
حسام حي؟
نظر السائق العجوز إليّ من المرآة.
نعم يا أم خالد.
غطيت فمي بيدي.
خرج بكائي غريبًا.
لم يكن بكاء فرح فقط.
كان غضبًا، وخوفًا، وحبًا، وخذلانًا اختلطت كلها في صدري.
والرجل الذي كان في القبر؟
تأخر أبو ياسر كثيرًا
قبل أن يجيب.
ثم قال
هذا لازم يقوله لك هو بنفسه.
قدنا طوال الليل.
خرجنا من الرياض بينما كانت قطرات المطر الخفيفة تضرب الزجاج الأمامي. مررنا بالطرق الواسعة، والاستراحات المغلقة، والشاحنات التي تلمع أضواؤها الحمراء في العتمة، ومحطات البنزين التي ما زالت رائحة القهوة فيها معلقة بالهواء.
كنت أحمل في حقيبتي الرسالة، والذاكرة الإلكترونية، والعبوة الفارغة، ومسدس حسام.
لم أشعر في حياتي أنني عجوز إلى هذا الحد.
ولا مستيقظة إلى هذا الحد.
مع بزوغ الفجر، ظهرت المزرعة القديمة خارج الرياض.
بسورها الطيني، ونخيلها العالي، وبابها الحديدي الذي بدا كأنه لم يُفتح منذ سنوات.
لم تكن فخمة.
كانت بيتًا أبيض منخفضًا، تحيط به أشجار النخيل، وفي وسط الفناء بئر قديم ومجلس صغير.
وهناك كان حسام.
حيًا.
جالسًا على كرسي خشبي، بلحية نامية منذ أيام، وضماد على ذراعه، وعينين ممتلئتين بالذنب.
نزلت من السيارة وأنا لا أعرف هل أركض إليه أم أصفعه.
وقف ببطء.
أم خالد.
صفعته.
لم تكن صفعة قوية.
لكنها كانت كافية ليفهم أن المرأة لا تدفن زوجها أمام الناس من أجل خطة، وكأن شيئًا لم يحدث.
بكيت عليك أمام أبنائك.
قلت
بكيت عليك أمام الكفن.
أطرق رأسه.
سامحيني.
لا تبدأ بهذا الكلام. تكلم.
دخلنا إلى المطبخ.
جاءت امرأة من أهل المزرعة وقدمت قهوة عربية، لكن لا أحد لمسها.
وضع حسام ملفًا فوق الطاولة، وكانت يداه ترتجفان.
خالد وهيثم كانا يريدان إعلانك غير قادرة على إدارة شؤونك. جهزا طبيبًا يكتب أن الحزن أثّر على وعيك. كانوا يريدون السيطرة على حساباتك، وبيع البيت، وإظهار وصية مزورة.
شعرت بالغثيان.
سمعتهم. وكانوا يضعون لي شيئًا في القهوة.
نظرت إلى العبوة الصغيرة في حقيبتي.
بهذا؟
أومأ.
جرعات بسيطة. مهدئات. تكفي حتى أبدو مشتتًا، متعبًا، غير قادر على التركيز. كانوا يقولون إنها السن. بدأت أشك عندما صار خالد يصر أن يحضر لي القهوة كل ليلة بنفسه.
تذكرت ابني وهو يدخل المكتب مبتسمًا.
يبه، ارتاح. أنت تعبت كثير.
احترقت عيناي.
وفكرت أن تمثل موتك؟
تنهد حسام طويلًا.
لم يكن هذا المخطط من البداية. كنت أنوي الخروج من البيت، ورفع بلاغ، وحمايتك. لكن حينها مات يوسف.
اخترقني الاسم.
يوسف.
لم أعرف أي يوسف يقصد.
لكن شيئًا في وجه حسام جعل الخوف يتسلل إلى صدري.
أطرق رأسه ببطء.
ثم قال
يوسف… ابننا.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
ابننا؟
الرضيع الذي قالوا لك إنه مات بعد يومين من ولادته.
ارتجفت يداي.
قالوا إنه وُلد ضعيفًا.
ثم أعطوني مهدئًا.
وحين استيقظت، كان حسام يبكي قرب سريري، وكانت أمه تقول إن الله يختار لعباده الخير.
أنا لم أرَ الجثمان.
فقط كفن أبيض صغير.
لا…
أغمض حسام عينيه.
يوسف لم يمت يومها.
وقفت بسرعة حتى سقط الكرسي خلفي.
ماذا قلت؟
أمي سلّمته لغيرنا.
صار الهواء ثقيلًا كأنه سم.
أمك؟
قالت إن الطفل مريض، وإن حياتنا ستتحول إلى مستشفيات، وإنك لن تتحملي. كنت صغيرًا، خائفًا، ومكسورًا. صدقت موته لأنهم قالوا لي ذلك أيضًا.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم قال
قبل ثمانية أشهر، وجدني يوسف.
تمسكت بحافة الطاولة.
عرفته منذ ثمانية أشهر ولم تخبرني؟
بكى حسام.
طلب مني ألا أخبرك. ظل يعتقد طوال عمره أننا تخلينا عنه بإرادتنا. وحين عرف الحقيقة لم يستطع أن يسامح بسهولة. كان مريضًا، وغاضبًا، ومكسورًا. أقسم عليّ ألا أخبرك قبل أن يقرر بنفسه أن يراك.
ابتلعت الغصة في حلقي.
ومع ذلك لم تخبرني.
حاولت. أقسم أنني حاولت. كلما تحدثت معه عنك كان يؤجل الأمر. كان يقول إنه يحتاج إلى وقت. ثم بدأ قلبه يخذله أسرع مما توقع الأطباء.
شعرت أن جرحًا قديمًا انفتح داخلي.
لم يكن وجع أرملة.
كان وجع أم سُرق منها ابنها.
نعم.
كان من حقي أن أسمع صوته.
نعم.
نعم.
كان من حقي أن أودعه.
لم يدافع حسام عن نفسه.
وهذا جعلني أغضب أكثر.
أخذني إلى غرفة صغيرة.
كان فيها سرير مرتب، ومصحف على الطاولة، وثوب رجالي مطوي، وصورة داخل إطار خشبي.
يوسف.
قريب من الأربعين.
عيناه عينا حسام.
وفمه فمي.
وله نفس طريقتي في إمالة رأسه قليلًا.
اقتربت من الصورة وانكسرت.
يا ولدي…
فوق الطاولة كانت هناك رسالة.
إلى أمي أم خالد.
فتحتها بيدين لا تقويان على شيء.
سامحيني لأنني وصلت متأخرًا. قالوا لي إنكم لم تريدوني لأنني وُلدت مريضًا. وعندما قابلت أبي حسام،
لمحة نيوز
فهمت أننا سُرقنا جميعًا. لم أرد أن أوجعك، لكنني كنت أحتاج أن تعرفي أنني عشت. أنني خفت. أنني تخيلت صوتك طوال عمري رغم أنني لم أتذكره. إذا قرأتِ هذه الرسالة يومًا، لا تظني أنني مت بلا أم. لقد تخيلتك أمي طوال حياتي.
انهرت فوق السرير.
بكيت على الرضيع الذي لم أحمله.
وعلى الطفل الذي لم أره يمشي.
وعلى الرجل الذي مات وهو يناديني أمي في رسالة.
بقي حسام عند الباب.
وقد أحسن.
لو اقترب، لكرهته.
ولو ذهب، لكرهته أيضًا.
وحين استطعت التنفس، سألت
كيف انتهى داخل النعش؟
جلس حسام أمامي.
وأجاب بصوت مبحوح
يوسف مات هنا قبل ثلاثة أيام. الطبيبة التي كانت تتابع حالته كتبت شهادة الوفاة باسمه الحقيقي.
صمت لحظة.
ثم أكمل
لكن خالد وهيثم لم يكونا يعرفان أنه موجود أصلًا. ولم يكونا يعرفان أنني غادرت المنزل.
ماذا حدث؟
في تلك الليلة دخلا المكتب. كان يوسف نائمًا على السرير بعد أن أنهكه المرض. كان يشبهني بصورة مخيفة. نحيفًا، ملتحيًا، ومغطى حتى عنقه.
أغمض عينيه.
ظنا أنني أنا.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وأبو ياسر؟
رآهما يعتقدان ذلك… ولم يصحح لهما الأمر.
لماذا؟
لأننا كنا قد اكتشفنا بالفعل ما يخططان له. كنا نجمع الأدلة. وعندما ظنا أنني مت، اندفعا بسرعة لتنفيذ كل شيء.
أطرق رأسه.
استخرجا الأوراق. وبدآ إجراءات الوفاة. واستعجلا الدفن قبل أن يبدأ أحد بطرح الأسئلة.
حدقت فيه بعدم تصديق.
لكن شهادة الوفاة كانت باسم يوسف.
نعم. ولهذا اضطرّا إلى التلاعب بالأوراق. استخدما مستنداتي الشخصية أثناء استخراج تصريح الدفن. كانا يعتقدان أن الأمر سينتهي خلال ساعات، وأن أحدًا لن يراجع شيئًا.
شعرت بالغثيان.
تركتما يوسف يُدفن باسمك؟
أغمض حسام عينيه.
كنت أريد إيقاف كل شيء فورًا. لكن المحامي طلب أن نتركهما يكشفان نفسيهما بالكامل. كنا نحتاج إلى دليل لا يمكن إنكاره.
ضغطت على الرسالة بين أصابعي.
كان ابني.
خرجت الكلمة مكسورة.
وكان يستحق اسمًا وقبرًا وحقيقة.
انحنى حسام إلى الأمام.
أعرف.
لا… لا تعرف.
ساد الصمت بيننا.
ثم مسحت دموعي بعنف.
وماذا الآن؟
رفع رأسه نحوي.
الآن نعود.
نظرت إلى صورة يوسف للمرة الأخيرة.
ثم إلى الرسالة في يدي.
وأخيرًا إلى حسام.
وهذه المرة لا ترسل لي رسائل كأنك شبح.
تردد شبح ابتسامة على وجهه.
وهذه المرة؟
قلت ببرود
هذه المرة تمشي معي.
أومأ حسام بصمت.
وصل المحامي سعود القحطاني قبل الظهر، رجل قانون قديم وصديق لحسام. كان يحمل نسخًا مصدقة، وتسجيلات، وفحوصات نسب، والوصية الحقيقية، وذاكرة إلكترونية فيها أدلة.
قال
أم خالد، أبناؤك لم يحاولوا فقط التلاعب بالوصية. هناك مؤشرات على إعطاء مواد مهدئة، وتزوير مستندات، ومحاولة السيطرة على أموالك بحجة حالتك الصحية.
نظرت إلى حسام.
والوصية؟
فتح سعود الملف.
البيت العائلي يبقى لكِ، تصرفًا وانتفاعًا كاملًا. والحسابات الأساسية كذلك. خالد وهيثم كانا سيحصلان على نصيبهما بشرط ألا يحاولا الضغط عليكِ، أو إعلانك غير قادرة، أو تزوير مستندات، أو التدخل في إرادتك. وإذا فعلا ذلك، يُحرمان من أي منفعة إضافية منصوص عليها في الوصية.
قلت بصوت ثابت
لقد فعلوا.
أغلق سعود الملف.
إذن هم خسروا أكثر من المال.
وضعت رسالة يوسف على صدري.
نعود.
رجعنا إلى الرياض قبل الغروب.
لم أعد مختبئة.
جلست مستقيمة في المقعد الخلفي، والعباءة السوداء مطوية في حقيبتي، وقلبي خراب لكنه ثابت.
عندما وصلنا إلى مقر الإجراءات التي كان خالد وهيثم يستكملانها بعد الجنازة، كان خالد يتحدث بعصبية مع المسؤول.
والدي أوصى بإنهاء كل شيء بسرعة. أمي ليست في حالة تسمح لها باتخاذ قرار.
وكان هيثم يتحدث في الهاتف.
نعم يا دكتور. بمجرد أن تعود، نعطيها المهدئ. هي تهذي.
دخلت.
أهذي بماذا يا ولدي؟
التفت هيثم.
ابيضّ وجهه.
وتقدم خالد نحوي بملامح قلق مصطنع.
يمّه… أين كنتِ؟ كنا بنموت من الخوف عليك.
ثم دخل حسام خلفي.
وفي اللحظة التي وقع فيها بصر خالد عليه اتسعت عيناه، وسقط القناع الذي ارتداه منذ الجنازة.
وتراجع هيثم حتى اصطدم بإحدى باقات العزاء.
يبه…
نظر إليهما حسام كأنه يراهما للمرة الأولى.
كم كنتم مستعجلين على إنهائي.
فتح خالد فمه، لكن لم يخرج منه صوت.
تحدث المحامي مع المسؤول، فتوقفت كل الإجراءات فورًا.
المكان الذي كان قبل ساعات يطيع أوامر أبنائي بابتسامات باردة، صار الآن يطلب الهويات، والأوراق الرسمية، والموافقات.
وصلت الجهات المختصة دون ضجيج.
وحاول الطبيب المزيف الخروج من ممر جانبي، لكن أبا ياسر أشار إليه.
وفي حقيبته وجدوا وصفات طبية فارغة، وأدوية، وتقريرًا جاهزًا باسمي.
تدهور إدراكي شديد.
تحتاج إلى إشراف دائم.
غير مؤهلة لإدارة شؤونها المالية.
كدت أضحك.
ليس من الفرح.
بل من الرعب.
حتى شيخوختي أردتم تزويرها؟
اقترب خالد خطوة.
يمّه، أنتِ لا تفهمين. أبي كان مستعدًا أن يضيع كل شيء بسبب شخص لم نكن نعرف بوجوده أصلًا.
صفعته.
وساد الصمت.
يوسف لم يكن غريبًا. كان ابني.
وضع هيثم يديه على رأسه.
ذلك الرجل كان ميتًا.
هززت رأسي ببطء.
لا. كان مخفيًا… مثل الحقيقة.
تقدم حسام خطوة نحوهما.
أنتما اخترتما المال على أمكما… وعلى أبيكما أيضًا.
ضغط خالد على أسنانه.
وأنت اخترت ميتًا على أبنائك الأحياء.
نظر إليه حسام بحزن.
لا. أنتما اخترتما أن تصبحا أمواتًا في قلبي.
دُفن يوسف في المزرعة باسمه الحقيقي.
لم يكن هناك عزاء كبير.
ولا رجال أعمال.
ولا معارف من قصور شمال الرياض.
ولا ورود فاخرة.
فقط نخيل، وتراب مبتل، والطبيبة التي اعتنت به، وأبو ياسر، وسعود، وحسام، وأنا.
وضعت ورودًا بيضاء فوق قبره.
سامحني لأنني تأخرت يا ولدي.
حرّكت الريح سعف النخيل.
لا شيء أكثر.
لكن هذه المرة، على الأقل، كان لابني أم تقف أمام قبره.
ثم بدأت المعركة القانونية.
تحول
خالد وهيثم إلى ملفات.
تزوير.
احتيال.
محاولة استيلاء على ممتلكات.
عنف مالي.
إعطاء مواد دون علم.
ومحاولة التحكم في أهليتي وقراراتي.
تعلمت كلمات لا تتمنى أي أم أن تتعلمها بسبب أبنائها.
قُرئت الوصية الحقيقية في مكتب قانوني بالرياض، بحضور محامين، ومستندات، وأبنائي جالسين أمامي كرجلين ما زالا يظنان أن الحقيقة قابلة للتفاوض.
قرأ سعود
كل تصرف يهدف إلى الضغط على زوجتي أم خالد، أو تقييد إرادتها، أو إعطائها مواد دون علمها، أو إدارة أموالها رغمًا عنها، أو تقديم تقارير طبية غير صحيحة بشأنها، يُعد سببًا لإلغاء أي منفعة إضافية ممنوحة للطرف المتسبب في ذلك.
شد خالد فكه.
وبدأ هيثم يبكي.
يمّه، أرجوك.
رفعت عيني إليه.
للمرة الأولى منذ ولادته، لم أجد ما أقوله لابني.
فأدرت وجهي عنه.
وأكمل سعود القراءة
وتُخصص نسبة من المال لإنشاء مؤسسة يوسف الخيرية، لدعم علاج الأطفال المصابين بأمراض القلب في المناطق المحتاجة داخل المملكة.
أغمضت عيني.
يوسف لم تصل إليه مساعدتنا في الوقت المناسب.
ربما تصل إلى أطفال آخرين.
أغمضت عيني.
يوسف لم تصل إليه مساعدتنا في الوقت المناسب.
ربما تصل إلى أطفال آخرين.
وحين انتهت القراءة، وقف خالد.
أخذتم منا كل شيء.
أجابه حسام، وهو جالس بجانبي
لا. أنتم أفرغتم أنفسكم بأيديكم.
خالد لم يطلب مني السماح أبدًا.
أرسل محامين.
وأرسل تهديدات.
وأرسل رسائل يدّعي فيها أن حسام يسيطر عليّ ويمنعني من اتخاذ قراراتي.
كنت أضع كل شيء في ملف دون أن أقرأ أكثر من سطرين.
أما هيثم، فقد عاد.
بعد أشهر.
ظهر في حديقة البيت أنحف من قبل، بلحية مهملة، وباقة ورد اشتراها بدافع الندم.
استقبلته في الخارج.
ليس في الصالة.
ولا عند باب المكتب.
بل في المكان نفسه الذي وقف فيه يوم حاول إقناعي أنني لم أعد قادرة على إدارة حياتي.
قال بصوت مكسور
يمّه… خالد ضغط عليّ.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
كنت رجلًا بالغًا قبل أن يتعلم أخوك الكذب بإتقان.
أخفض رأسه.
سامحيني.
نظرت إليه كما تنظر الأم إلى ابن ما زالت تحبه، لكنها لم تعد قادرة على إنقاذه من نتائج اختياراته.
السماح لا يعيد المفاتيح التي سرقتها الثقة.
بكى.
أعرف.
إذن ابدأ بأن تعرف ذلك بصدق.
ولم أطرده.
أحيانًا لا تعرف الأم هل هذا رحمة… أم تعب.
أما أنا وحسام…
فلم نعد كما كنا.
وكيف نعود؟
هو أنقذني من أبنائي.
لكنه أخفى عني ابني الأول.
وتركني أربعين عامًا أصدق أنه مات.
ثم جعلني أبكيه مرتين.
مرة رضيعًا.
ومرة رجلًا لم أعرفه إلا بعد فوات الأوان.
نمنا في غرفتين منفصلتين لشهور.
ولم يكن الصمت بيننا أقل قسوة من أي شجار.
بيت شمال الرياض، بجدرانه العالية وأشجاره المرتبة، لم يعد يبدو فخمًا.
صار يحمل رائحة قهوة مشبوهة.
وأسرارًا.
وأدراجًا فُتحت بأيدٍ طامعة.
غيّرت الأقفال.
ورميت الفنجان الذي كان قرب العبوة.
لكنني احتفظت بالمكتب الخشبي.
كل صباح كنت أضغط على زاوية المخبأ السري، رغم أنه صار فارغًا.
لا لأبحث عن شيء.
بل لأتذكر أن الحقيقة لا يجب أن تُدفن مرة أخرى.
وفي إحدى الليالي وجدت حسام جالسًا وحده في الحديقة.
كان يحدق في الظلام.
كأنه يحاكم نفسه.
قال دون أن ينظر إليّ
لا أستحق أن تبقي.
جلست على المقعد المقابل.
وليس بجانبه.
ثم قلت لم أبقَ لأنك تستحق.. بقيت لأن ثلاثة وأربعين عامًا لا أستطيع دفنها كما دفنت كل شيء آخر.
لكن لا تظن أن بقائي يعني أنني سامحت.
رفع رأسه نحوي.
وكانت عيناه ممتلئتين بشيء يشبه الهزيمة.
يوسف كان يشبهك.
أجبت
أعرف.
كان يجب أن آخذك إليه.
نعم.
وكان يجب أن أخبرك بالحقيقة منذ البداية.
نعم.
سكت طويلًا.
ثم قال
هل ستسامحينني يومًا؟
نظرت إلى أضواء البيت الباردة خلف الأشجار.
وتذكرت قبرين.
قبرًا ظننته له.
وقبرًا اكتشفت متأخرة أنه لابني.
ثم قلت
ربما في اليوم الذي أتوقف فيه عن الاستيقاظ وأنا أدفنك مرتين.
لم يقل شيئًا وقد أحسن.
افتتحت مؤسسة يوسف أول عيادة متنقلة لها بعد عامين.
ذهبنا إلى قرى بعيدة، حيث كانت الأمهات ينتظرن طويلًا وهن يحملن أطفالهن.
رأيت طبيب قلب يفحص طفلًا صغيرًا بينما كانت أمه تتمتم بالدعاء.
أمسكت يدها.
وقلت
نحن هنا.
وللمرة الأولى منذ وفاة يوسف، شعرت أن شيئًا منه لم يمت بالكامل.
مات حسام فعلًا بعد خمس سنوات.
هذه المرة لم تكن هناك خطة.
ولا كفن.
ولا رسائل من أرقام مجهولة.
ولا أبناء يتظاهرون بالبكاء.
كان الموت بسيطًا وصادقًا على غير عادته.
ودعته بحزن نظيف.
ليس كاملًا.
لكنه نظيف.
وضعت وردة فوق قبره وقلت
هذه المرة أعرف أين أنت.
ثم ذهبت إلى قبر يوسف.
ووضعت وردة أخرى.
كنت أمًا لابن سُرق مني.
وزوجة لرجل أنقذني وجرحني في الوقت نفسه.
وناجية من ابنين حيّين تعلما متأخرًا أن الأم ليست توقيعًا مرتجفًا على ورقة.
اليوم أبلغ الثمانين.
وما زلت أعيش في بيتي.
وفي المكتب ما زال المكتب الخشبي في مكانه.
أما المخبأ السري…
فلم أعد أضع فيه وصايا.
أضع رسائل.
رسالة يوسف.
ورسالة من حسام يطلب فيها السماح.
ورسالة مني كتبتها لليوم الذي أغيب فيه.
تبدأ هكذا
إلى من يحاول أن يقرر عني حين لا أستطيع الكلام…
أم خالد لم تكن أرملة مرتبكة.
ولا أمًا سهلة المحو.
ولا امرأة مسنة تنتظر الإذن كي تعيش.
أحيانًا يهتز هاتفي في المساء.
فيمر البرد في جسدي.
وأعود بذاكرتي إلى تلك الجنازة.
الإمام يدعو.
وخالد وهيثم قرب القبر.
والرسالة التي غيرت كل شيء
أنا حي. لا تثقي بهما.
ظننتها مزحة قاسية.
لكنها كانت بابًا فُتح بعد أربعين عامًا من الأكاذيب.
اكتشفت أن زوجي لم يكن في ذلك القبر.
واكتشفت أن ابني الضائع كان موجودًا.
واكتشفت أن أبنائي الأحياء قادرون على التصرف كغرباء.
واكتشفت شيئًا آخر.
أن المرأة قد تبكي أمام قبر مغلق بالحقيقة…
ومع ذلك تملك القوة لتفتح حياتها من جديد.
ترك لي حسام تحذيرًا.
وترك لي يوسف رسالة.
وترك لي خالد وهيثم ندبة.
لكنني تركت لنفسي شيئًا أهم.
قرارًا واحدًا.
ألا أسمح لأحد أن يسمي سجني رعاية.
لذلك حين يسألني أحد كيف
نجوت من تلك الجنازة…
أجيب دائمًا بالشيء نفسه
لم أنجُ لأن حسام كان حيًا.
نجوت لأنني، في تلك الليلة…
استيقظت أنا أيضًا.
