ساحره 3 اماني السيد
وصلت بيت أهلي وأنا كلي كسر ونفسيتي في الأرض، حكيت لأبويا وأخويا كل اللي حصل بالحرف، من أول نية حماتي لغاية اتهامها ليا بالشعوذة وتهديدها بالطلاق. أبويا أول ما سمع الكلام، وشه جاب ألوان من الغضب، وقال بجلالة قدره: “بنتي أنا يتقال عليها الكلام ده؟ بنتي الساجدة العابدة تترمى بالباطل في بيتها؟! الموضوع ده مش هيعدي بالساهل، واللمة دي لازم تتفض على كبار”.
في نفس اليوم، أبويا رفع سماعة التليفون وكلم أحمد جوزي، وصوته كان زي الرعد، قاله: “يا ابن الناس، بنتنا عندنا مكرمة، والبيت اللي يتدخل فيه الاتهام بالشرك والدجل ميرجعش فيه الكلام بالتليفون.. تجيب أعمامك وكبار عيلتك وتيجوا تقعدوا معانا في بيتنا ونشوف الحكاية دي آخرها إيه”. أحمد حاول يتكلم ويبرر، بس أبويا قفل السكة وقاله: “الميعاد آخر الأسبوع، والكلام هيبقى بين الرجالة”.
وجيه يوم القاعدة.. صالون بيت أبويا كان مليان، جوزي أحمد جه ومعاه عمامه الاتنين وكبار عيلته، وكان باين عليه الوجوم والكسوف وهو مش قادر يحط عينه في عين أبويا أو أخويا. قعدنا كلنا، وأنا كنت قاعدة جمب أبويا ساندة ضهري بيه، وحماتي مكنتش موجودة لأن القاعدة كانت لكبار العيلتين بس.
أبويا بدأ الكلام بكل هيبة وقال: “أهلاً بيكم يا جماعة، إحنا طول عمرنا بنشتري الناس وبنصون الود، وأحمد عاشرناه وشوفنا منه كل خير.. لكن إن الأمور توصل لحد اتهام بنتي في دينها وأخلاقها، ويتقال عليها دجالة وساحرة في بيتها عشان لسانها رطب بذكر الله، والاقي جوزها واقف يتلجلج ويصدق.. يبقى هنا في وقفة، والبيوت ليها أصول والستات ليها كرامة تحميها رجالة.. إحنا عايزين نعرف دلوقتي، إيه آخرة الكلام ده؟ وإيه حكاية الطلاق والخراب اللي جايين تخربوه على بنتي؟”
أول ما أبويا خلص كلامه، ساد هدوء تقيل في الصالون، وعمام أحمد كانوا منكسين رؤوسهم من الإحراج. أحمد كان قاعد باصص في الأرض والندم باين على وشه بعد ما شاف لمتنا وهيبة أبويا وأخويا.
تنحنح عمه الكبير، راجل وقور وله كلمته في عيلتهم، وبص لأبويا وقال بكلام موزون: “حقك علينا يا حاج، وكلامك كله أصول وما يتردش عليه. إحنا يشهد الله أول ما أحمد ووالدته حكولنا القصة دي قبل ما نيجي، إحنا غلطنا أمه وغلطنا أحمد نفسه في وشه! قولناله يا ابني إزاي تسمع من طرف واحد؟ وإزاي تمشي ورا كلام غيرة وحموات وتهد بيتك وتظلم بنت الأصول اللي صاينالك عرضك ومالك
أحمد رفع راسه وبص لعمه ودموعه قريبة، وعمه كمل وهو بيبص لأبويا وأخويا: “بنتكم ست العاقلين، وعمرنا ما سمعنا عنها غير كل خير.. وأحمد غلط لما اتلجلج وسمح للشيطان ولقيل وقال يدخلوا بينه وبين مراته. والدته ست كبيرة والغيرة عمتها لما شافتها بتدعي وتسمي وافتكرت إن ده حاجة تانية، بس أحمد مكنش ينفع يطاوعها ولا يوصل الأمور لقلة القيمة دي. إحنا جايين انهارده ومغلطين ابننا، وبنقولكم إن كرامة بنتنا من كرامتنا، واللي تؤمروا بيه إحنا سدادين فيه، بس البيوت تلم بعضها”.
أبويا بص لعمام أحمد ونظراته كلها حسم وقوة، ومارتضاش يمرر الكلمتين بالساهل لمجرد إنهم طيبوا خاطره. سكت ثواني وهز راسه، وبعدين بص لأحمد مباشرة وقال بصوت هز الصالة:
“كلامكم فوق راسي يا جماعة، وأنا عارف إنكم رجالة أصول وتعرفوا الحق.. بس أنا مشكلتي مش مع الست الكبيرة، أنا مشكلتي مع الراجل اللي قاعد قدامي ده! المرة دي أمه قالتله مرأتك بتعمل أسحار وشعوذة، فوقف يتلجلج ويشك وصدقها من أول كلمة قالتها.. والمرة الجاية، حماتها لو اتهمتها بالخيانة وفي عرضها، أحمد برضه هيصدق! لأنه ببساطة معندوش ثقة في مرأته، وصدق فيها من أول مرة كلمة أمه قالتها له!”
الكلمة نزلت على أحمد زي الصاعقة، وشه احمر ونزل عينه الأرض من كتر الخزي والإحراج قدام أعمامه.
أبويا كمل كلامه وهو بيخبط بإيده على الترابيزة: “بنتي دخلت بيتكم شريفة عفيفة، لسانها عامر بذكر الله، والبيت اللي الراجل بتاعه ما يبقاش حيطة سد تحمي مرأته من القيل والقال ومن اتهامات الباطل -حتى لو كانت من أقرب الناس ليه- يبقى البيت ده ملوش أمان.. أنا مش هرمي بنتي في مكان وهي قاعدة خايفة من الكلمة اللي هتتقال عليها الصبح وجوزها يصدقها!”
أبويا كمل كلامه ونبرة صوته اتغيرت تماماً، مبقاش فيها عتاب، بقى فيها قرار أخير ومفيش وراه رجعة. بص لعمام أحمد وبص لأحمد وقال بكل حسم: “وعشان كده يا جماعة.. من قصر الكلام ومن غير لف ودوران، إحنا بنطلب الطلاق! طالما الشك ده دخل بينكم، وصدر منه الموقف ده، صعب جداً إنه يروح.. والشرخ اللي بيحصل في الثقة مابيتصلحش، والعيشة اللي ميبقاش فيها أمان م تلزمناش”.
أول ما الكلمة طلعت من بق أبويا، الصالة اتكهربت. أحمد اتنفض من مكانه وبص لأبويا بذهول ودموع، وعمامه بدأوا يتكلموا مع بعض في نفس الوقت ويحاولوا يهدوا أبويا: “استهدى بالله بس يا حاج.. الطلاق مش حل، ودول بينهم عشرة وسنين ومحبة، والشيطان دخل بين عيلتين وأنا انهارده جايين نطرده، متبقاش قاسي كده وهدّي الأمور”.
فضلوا يحاولوا ويهدوا فيه بكل الطرق، لكن أبويا كان زي الجبل، قاطعهم بإيده وبصلي وقالي: “قوليلهم يا بنتي.. قوليلهم أم أحمد قالتلك إيه في الأوضة لما جوزها نزل الشغل، عشان يعرفوا إن الموضوع مش مجرد سوء تفاهم وخلاص”.
أنا هنا خدت نَفَس طويل، ورفعت راسي وبصيت لعمامه وأحمد، وقلت وصوتي كله ثقة بس مجروحة: “حماتي مكنتش واهمة يا جماعة.. حماتي وقفت في وشي وقالتلي بالحرف: أنا كدباكي ومش مصدقة إنك بتسبحي وتصلي على النبي، وأنا عايزة أطلق ابني منك، وهطلقّهولك ورجلي فوق رقبتي، ومش هسيب البيت ده إلا وأنتِ خارجة منه ومطلقة! وقبلها كانت مأكدة على ابنها إنها خايفة تسيبه معايا لوحدنا عشان ما أسحرهوش وأعمي عينه”.
لما عمام أحمد سمعوا الكلام ده، الصدمة ظهرت على وشوشهم، وبصوا لأحمد اللي حط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بالدموع لأنه عارف إن الكلام ده حصل فعلاً.
هنا، عم أحمد الكبير اتنهد تنهيدة طويلة مليانة أسى، وبص لأبويا وقال: “لحد هنا والكلام خلص يا حاج.. إحنا ناس بنعرف الأصول، ولما تيجوا تطلبوا الطلاق بعد الكلام والاتهام البشع ده، يبقى حقكم، وميرضيش ربنا نغصب على بنتكم تعيش في جو مشحون بالغل ده وجوزها معرفش يحميها. إحنا موافقين وقابلين بطلبكم.. وبنتكم هتاخد كل حقوقها تالت ومتلت من غير ما تنقص قشة واحدة، وده حقها ورقبتنا سدادة فيه”.
وتم الطلاق.. انتهت الحكاية اللي بدأت بالود والمحبة في قاعة محكمة أو على مكتب مأذون، وبقيت واقفة ببص للورقة اللي في إيدي ومش مصدقة إن دي نهاية سنين من عمري.
عمام أحمد وفوا بكلمتهم زي الرجالة الأصول، وأخدت كل حقوقي تالت ومتلت، من مؤخر ونفقة ومتعة وقايمة من غير ما ينقص منها قشة واحدة. وأنا بستلم حاجتي وحقوقي، جه أحمد وقف قدامي، وعينه حمرا من كتر العياط، حاول يمسك إيدي وهو بينهار ويقولي: “سامحيني يا منيرة.. أنا غلت، والشيطان عماني، والبيت من غيرك ملوش طعم. أنا مستعد أعملك أي حاجة ترضيكي، وأكتبلك شقة تانية باسمك ونعيش بعيد عن أي حد، بس ارجعيلي ومتهديش اللي بيننا”.
بصيت له بنظرة باردة، نظرة تخلت من أي عتاب أو لوم، وسحبت إيدي من إيده بهدوء وقلت له: “خلاص يا أحمد، اللي اتكسر عمره ما بيتصلح، والراجل اللي يشك في مرأته ويصدق فيها السوء من أول كلمة، ملوش أمان.. الود اللي كان بيننا أنت اللي هديته بإيدك لما طاوعت الباطل، ربنا يسعدك بعيد عني”. وفوتّه ومشيت وأنا حاسة بكرامتي لفوق سابع سما، ومبصيتش ورايا.
أحمد رجع البيت مكسور والندم بياكل في قلبه، دخل على أمه وهو منهار وبيزعق ويقولها بصوت كله قهر ولوم: “ارتحتي؟ أهو البيت اتخرب! طلقتها ودفعت كل اللي ورايا وقدامي، وخسرت الست الصاينة اللي كانت شيلاني وشيلاكي في عيونها! ذنبها إيه يتقال عليها ساحرة ودجالة وهي مفيش على لسانها غير ذكر الله؟ أنتِ ضيعتي مني مرأتي وحياتي!”
أمه بصت له ببرود تام، ولوت بوزها ومتهزش فيها شعرة من حرقة قلبه، وقالت له بكل قسوة وجبروت: “أحسن! في داهية، وألف مين يتمناك يا ابني! دي ست وشها فقر ومبتعرفش تسايس، وأنا أصلاً مكنتش طايقاها.. أنا بكره الصبح أخطبلك ست ستها، بنت أختي حبيبتي، اللي تصوننا وتعرف قيمتنا وتعيش تحت طوعي، والقرش اللي دفعته في طلاقها يجيلك أضعافه! فكك منها وبص لمستقبلك!”
وهنا أحمد عرف إنه خسر كل حاجة، وباع الود عشان خاطر لِعبة وخطة اتلعبت عليه وهو كان أضعف من إنه يحمي بيته.
أحمد أول ما سمع كلام أمه، الوجع والندم اللي في قلبه اتحولوا لبركان غضب. بص لها بنظرة كلها قهر وسخرية، وقال بصوت عالي وهستيري: “بنت أختك؟! أنتِ عايزة تجوزيني بنت أختك يا أمي؟! دي بالذات أنا عيب حتى تذكر اسمها على لسانك!”
أمه اتخضت من طريقته، وقالت له باستنكار: “جرى إيه يا أحمد؟ مالها بنت أختي؟ دي ست البنات ومؤدبة وفي حالها!”
ضحك أحمد ضحكة مكسورة ومريرة، وقرب من أمه وهو بيخبط كف على كف وقال بزعيق ملى الأوضة: “ست البنات؟! دي كانت بتكلم صاحبي! صاحبي الأنتيم يا أمي ومقضياها معاه، ومش هو واحد بس.. دي ماشية مع ده ومع ده وكل أصحابي عارفين حقيقتها وسيرتها على كل لسان! أنا تضيعي من إيدي الست الصاينة العابدة اللي مفيش على لسانها غير ذكر الله، عشان تجوزيني واحدة زي دي؟! أنتِ خربتي بيتي بإيدك وضيعتي مستقبل ابني!”
الكلمات نزلت على أمه زي الصاعقة، ملامح الجبروت والبرود اللي كانت على وشها اختفت في ثانية، وبقيت بتبص له وهي مذهولة ومش قادرة تنطق، حاطة إيدها على صدرها والدموع حَبست في عينيها.
لأول مرة، حماتي حست بالصدمة والندم بياكلوا في قلبها.. حست إنها اتسرعت، وإن الخطة اللي رسمتها عشان تخرب بيها بيتي اتقلبت فوق دماغها ودماغ ابنها، وإنها خسرت بنت الأصول اللي كانت شايلاها في تعبها، في مقابل حقيقة بشعة صدمتها في أقرب الناس ليها!
قعدت الأم على السرير وهي مش قادرة تنطق، شكلها عجز في ثانية، وبقيت تبص للفراغ وعينها مبرقة من كتر الذهول. الصدمة لجمت لسانها، وحست لأول مرة بنار الندم وهي بتفتكر شكل منيرة وطيبتها وأدبها، وبتستوعب المصيبة اللي كانت عايزة ترمي ابنها فيها بدافع الغيرة والسيطرة.
أحمد مَدّاش لأمه فرصة تفوق من صدمتها، كمل كلامه وهو بيلف حوالين نفسه في الأوضة زي الطير المذبوح: “سكتي ليه يا أمي؟ مش هي دي اللي كنتِ عايزاني أطلق بنت الأصول عشانها؟ أهو ربنا كشفهالك في ثانية عشان تعرفي ذنب منيرة اللي ظلمتيها واتهمتيها في دينها! أنا مش هقعد لك في البيت ده.. البيت اللي يتخرب فيه بيت ابنك بالباطل، مبقاش ليا قعاد فيه!”
لمّ هدومه في شنطة بسرعة، وأمه بتبص له بكسرة ورجاء، لأول مرة الجبروت يختفي من عيونها وتبان على حقيقتها؛ ست وحيدة، خربت بإيدها العش اللي كان دافنها وساترها. خرج أحمد ورزع الباب وراه، وسابها تواجه سواد عمايلها لوحدها بين أربع حيطان.
بعد مرور ستة أشهر…
في مكان تاني خالص، الحياة كانت بتدور والدنيا بتصالح اللي اتظلم.
كنت قاعدة في بلكونة بيت أبويا، الشمس دافية، وفي إيدي كوباية الشاي بقرنفل. لسانى مابطلش تسبيح ولا ذكر، بس المرة دي وأنا بالي مرتاح، ونفسيتي رايقة، ومفيش فوق راسي بشر بيعد عليا أنفاسي أو يفسر طاعتي لربنا على إنها دجل.
سيرتي الطيبة كانت زي الورد اللي بيفوح في كل مكان، وربنا عوضني بـ “عمر”.. راجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. مهندس محترم، من عيلة أصول، عرف حكايتي من أولها لآخرها من أبويا، وقبل ما يطلب إيدي قال لأبويا كلمة واحدة شالت كل الخوف من قلبي: “اللي متخافش ربنا في ذكر اسمه في بيتها، متتأمنش على عرض ولا مال.. ومنيرة دي مكانها فوق الراس، وأنا شاري دينها وأصلها”.
اتقدم لي، وتجوزنا، وعشت معاه في بيت كله أمان وسكينة. عمر كان الراجل اللي بجد، اللي لما بسبح أو بصلي على النبي في المطبخ، يدخل يبتسم ويقولي: “ربنا يبارك في إيدك وفي لقمة طالعة بذكر الله”.
أما أحمد وأمه.. فالدنيا دورت عليهم الدائرة كاملة. عرفت من الناس إن أحمد عايش تائه، رافض الجواز تماماً، وكل ما أمه تفتح معاه سيرة بيت أو عروسة يثور عليها ويسمعها كلام يسم البدن. وأمه بقيت قاعدة بطولها في الشقة، المرض هَدّها، وملقتش اللي يخدمها ولا اللي يسأل فيها، بعد ما خسرت بنت الأصول وخسرت رضا ابنها، وعرفت إن طعم الظلم مر، وإن ربنا حيطة سد للمظلومين.
بصيت للسما، وابتسمت من كل قلبي وقلت: “الحمد لله.. يمهل ولا يهمل”.
تمت الرواية بحمد الله.