قبل عيد ميلاد بنتي

قبل عيد ميلاد بنتي بأسبوع، بصّتلي في عيني وقالت
أحسن هدية ممكن تجيبهالي إنك تتوفي.
وعشان كده عملت اللي هي طلبته بالظبط.
مش وفاة، لكن سحبت نفسي بهدوء من حياتها، ووقفت كل دعم كنت بقدمه، وقفلت الحسابات اللي كانت فاكرة إنها حقها، واختفيت من حياتها اللي ماكانتش شايفاني فيها غير لما فلوسي تكون موجودة.
ولما صحيت تاني يوم، الحاجة الوحيدة اللي سبتها على الترابيزة كانت جواب ولما خلصت قرايته، فهمت أخيرًا يعني إيه تخسر أمها بجد.
قبل عيد ميلاد ريم ال بأسبوع، كنت واقفة قدام بيتها وماسكة تورتة سعرها أغلى من فاتورة الكهربا عندي في الشتا.
كانت من المحل اللي بتحبه من وهي صغيرة، الشوكولاتة الغامقة اللي طعمها شبه القهوة، والفراولة المترتبة حواليها زي الياقوت الأحمر.
حتى الشمع كنت مركباه وجايبة معايا ولاعة، لأني اتعودت طول عمري إني ماعتمدش على حد يفتكر التفاصيل.
خبطت على الباب وأنا راسمة ابتسامة متفائلة طول الطريق.
إيديا بقت أقدم من زمان، الجلد خفيف والعروق باينة، لكنهم نفس الإيدين اللي اشتغلت بيهم ممرضة أربعين سنة.
إيدين شالت أطفال لسه مولودين، وضغطت على جروح بتنزف، وهدّت ناس خايفة.
وبرضه كتبت شيكات كتير
كتير أوي.
الباب اتفتح، لكن وش ريم ما نورش.
بصّتلي بنفس النظرة اللي الناس بتبصها للبياعين اللي بيخبطوا على البيوت.
وقالت ببرود
آه إنتِ.
ابتسامتي اهتزت شوية، لكن حاولت أثبتها.
كل سنة وإنتِ طيبة يا حبيبتي، جبتلك التورتة اللي بتحبيها شوكولاتة وفراولة، زي زمان.
تنهدت ووسعت الباب من غير حتى ما تلمس التورتة.
ادخلي.

دخلت.
ريحة الشموع الغالية مالية البيت.
البيت كان جميل.
أرضيات خشب.
شبابيك كبيرة.
مطبخ مفتوح كأنه خارج من مجلة ديكور.
وأنا كنت دافعة مقدم البيت ده.
حوالي سبعة مليون جنيه بالمصري تقريبًا.
فلوس جمعتها من شغل إضافي وسهر وأعياد وإجازات ضاعت مني على مدار سنين.
كل مرة كنت أقول لنفسي
بعدين أرتاح ريم محتاجة.
لما اتجوزت أحمد، دفعت في الفرح والفستان والكوافير والتصوير وكل حاجة.
ولما خلفت التوأم، بقيت أنا البيبي سيتر الرسمي.
مش لأنها طلبت
لأنهم اعتبروا ده واجب.
ولما أحمد خسر شغله السنة اللي فاتت، دفعت أقساط البيت 8 شهور كاملة.
وكنت بقول لنفسي
العيلة بتسند بعضها.
دلوقتي كنت قاعدة على الكنبة الرمادي وماسكة التورتة اللي فجأة حسيت إنها تقيلة بشكل غريب.
ريم قعدت قصادي.
شعرها مظبوط.
ضوافرها مظبوطة.
كل حاجة فيها كاملة
ما عدا قلبها.
قالت ببرود
يا ماما لازم نتكلم.
هزيت راسي بسرعة.
فرحت.
افتكرت إنها مفتقداني.
إنها متضايقة.
إننا هنصلح اللي اتكسر بينا.
قلت
أكيد يا حبيبتي، قولي اللي إنتِ عايزاه. عايزة إيه في عيد ميلادك؟ سفرية؟ دهب؟ العربية اللي كنتِ بتتكلمي عنها؟
بصّتلي كأني شخص غريب.
وبعدين مالت لقدام شوية وقالت
أحسن هدية ممكن تجيبهالي
وسكتت ثانية.
إنك تموتي.
افتكرت إني سمعت غلط.
قلبي خبط بعنف.
إيه؟
قالتها تاني من غير ما ترمش
زهقت منك. من مكالماتك. من زياراتك. من وجودك في كل حاجة. حياتي هتبقى أسهل وأحسن لو اختفيتي.
إيديا بدأت تترعش.
الشمع نزل على التورتة كأنه دموع.
قامت تتمشى في الصالة وكأنها هي المظلومة.
أنا مخنوقة. إنتِ خانقاني. دايمًا عايزة تكوني موجودة في كل حاجة. أنا عايزة حريتي.
بصّيتلها مصدومة.
حرية؟ يا ريم أنا أمك.
لفت ناحيتي بعصبية.
وده أصل المشكلة! مخلياني حاسة إن كوني بنتك شغلانة. روحي عيشي حياتك. صاحبي ناس. اعملي أي حاجة. أنا مش مسؤولة عن احتياجاتك النفسية.
وقفت أبصلها.
وافتكرت ريم وهي عندها 3 سنين نايمة في المستشفى بإيدها الصغيرة ماسكة صباعي.
افتكرتها في حفلة الثانوية وهي حضناني وبتقولي
إنتِ أحسن أم في الدنيا.
افتكرتها وهي بتعيطلي من الجامعة وأنا بطمنها.
كل مرة كنت بلاقي حل.
كل مرة.
لكن دلوقتي كانت بتبصلي كأني حمل تقيل.
قمت بالعافية.
والتورتة لسه في إيدي.
طعمها بقى طعم إهانة.
همست
مش مصدقة إنك بتقولي كده.
ضحكت ضحكة قصيرة.
كل اللي عملتيه كان عشان نفسك. عشان تحسي إنك مهمة. وعشان تتحكمي في حياتي. أنا مش طفلة صغيرة.
مشيت ناحية الباب.
كل خطوة كانت تقيلة كأن ورايا 45 سنة ذكريات.
وقفت عند العتبة وبصّيتلها آخر مرة.
يمكن ألاقي ريم القديمة.
يمكن قلبها يحن.
لكن مفيش حاجة اتغيرت.
كانت بالفعل بتفكر في عيد ميلادها من غيري.
همست
كل سنة وإنتِ طيبة.
ومشيت.
في العربية فضلت قاعدة وقت طويل.
التورتة جنبي.
والشمع مايل.
والكريمة بايظة من رعشة إيديا.
بنتي كانت لسه متمنية موتي.
وساعتها
حاجة جوايا كانت نايمة بقالها سنين صحيت.
روحت البيت.
فتحت الزبالة.
ورميت التورتة.
من غير صريخ.
من غير دموع.
بس سيبت العلبة تقع وسمعت صوتها.
وبعدين قعدت على الكنبة القديمة في شقتي الصغيرة.
الكنبة اللي ربيت عليها ريم.
وقريت عليها حكايات.
وعيطت عليها يوم ما سافرت الجامعة.
واستنيت عليها مكالماتها سنين.
شقتي كانت بسيطة.
أوضة وصالة ومطبخ صغير.
بعد ما جوزي مات، صغرت حياتي كلها عشان أوفر فلوس
يمكن ريم تحتاج حاجة.
كنت بصغّر عالمي عشان عالمها يكبر.
الموبايل رن.
لكن كلامها كان لسه بيرن أكتر.
قمت فتحت الدولاب.
طلعت كراتين.
فواتير.
إيصالات.
ورق.
كنت محتفظة بكل حاجة.
مش عشان شكاكة.
عشان كنت فخورة.
فخورة بكل اللي قدمته.
مصاريف علاجها.
الجامعة.
الفرح.
مقدم البيت.
أقساط البيت اللي دفعتها.
تقويم أسنان التوأم.
الهدايا.
الحساب المشترك للطوارئ.
فرشت كل الورق على الترابيزة.
وبدأت أحسب.
تربية ريم.
الجامعة.
الفرح.
البيت.
الأقساط.
الهدايا.
وكل حاجة صغيرة كنت بقول عنها
معلش.
لحد ما وصلت للرقم النهائي.
الرقم خلاني أتجمد مكاني.
الرقم خلاني أتجمد مكاني.
مش عشان الفلوس نفسها.
لكن عشان كل رقم كان وراه ذكرى.
ليلة سهر.
وردية إضافية.
عيد فات عليا في المستشفى.
إجازة ماخدتهاش.
حلم أجلته.
أكتر من عشرين مليون جنيه على مدار السنين.
عشرين مليون من عمري.
قفلت الملف بهدوء.
ولأول مرة
ماحسيتش بالفخر.
حسيت بالتعب.
تاني يوم صحيت بدري.
مشيت على البنك.
قفلت الحساب المشترك للطوارئ.
شلت اسمي من الضمانات.
وقفت التحويل الشهري اللي كان بينزل في حساب ريم من غير ما تسأل هو جاي منين أصلًا.
وبعدين كلمت المحامي.
مش عشان أرفع قضية.
ولا عشان أنتقم.
عشان أرتب وصيتي.
لأن بنتي كانت واضحة جدًا.
هي مش عايزاني في حياتها.
يبقى لازم أحترم رغبتها.
أسبوع عدى.
ولا مكالمة.
ولا رسالة.
ولا حتى سؤال.
كأنها كانت مستنية الفرصة دي من زمان.
بعدها بأيام بدأت الرسائل.
الأولى كانت قصيرة
ماما، الحساب المشترك واقف.
ما رديتش.
بعدها
البنك بيقول إن التحويل الشهري اتلغى.
سكت.
ثم
لمحة نيوز

إحنا عندنا التزامات.
لأول مرة من سنين
ما جريتوش أحل المشكلة.
بعد أسبوعين، أحمد جوزها اتصل.
الحقيقة إحنا كنا معتمدين على المبلغ ده.
ضحكت بمرارة.
معتمدين عليه؟
طب وعلى صاحبته؟
مين كان معتمد عليها؟
بعد شهر وصلني خطاب من المحامي إن كل شيء اتنظم.
شقتي.
مدخراتي.
تأميني.
وجزء كبير من فلوسي راح لمؤسسة بتساعد طلاب التمريض المحتاجين.
الناس اللي لسه عندها أحلام.
ولسه بتقول شكرًا.
وبعدين كتبت جواب.
جواب واحد بس.
وحطيته في ظرف.
وكتبت عليه
يتفتح بعد رحيلي.
مرت شهور.
ولأول مرة من أربعين سنة
بدأت أعيش.
سافرت إسكندرية أسبوع.
اشتركت في نادي قراءة.
صاحبت ناس جديدة.
اشتريت لنفسي هدية في عيد ميلادي.
حاجات بسيطة
بس كانت أول مرة أعملها لنفسي.
وفي يوم
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت ريم.
واقفة لوحدها.
وشها مرهق.
وشعرها مش مرتب.
وعينيها حمرا.
فضلت واقفة ثواني.
ثم قالت
ماما.
أول مرة تنطقها بحنية من شهور.
لكن حاجة جوايا كانت اتغيرت.
مش كره.
ولا انتقام.
بس وجع قديم اتعلم يحمي نفسه.
دخلت.
قعدت.
وبعدين انهارت.
إحنا في أزمة.
سكت.
أحمد خسر شغله.
سكت أكتر.
والبيت متعثر.
وبعدين بصتلي وقالت
محتجاكي.
هنا بس فهمت.
مش كانت محتاجة

أمها.
كانت محتاجة المنقذ القديم.
الشيك المفتوح.
الحل السريع.
فبصيتلها بهدوء وسألت
ولو أحمد ما خسرش شغله كنتِ جيتي؟
سكتت.
والسكوت جاوب.
دموعها نزلت.
لكن المرة دي أنا ما جريتوش أمسحها.
لأن بعض الدروس لازم توجع.
قامت تمشي.
وعند الباب وقفت.
وقالت بصوت مكسور
أنا غلطت.
بصيتلها طويل.
وشفت لأول مرة بنتي الحقيقية
مش الست المتعالية.
ولا الشخص اللي متعود ياخد.
بس بنت تايهة.
قلت بهدوء
عارفة أكتر جملة وجعتني في حياتي؟
نزلت عينها للأرض.
أكيد كانت فاكرة.
أحسن هدية إنك تموتي.
عيطت.
وأنا كملت
يومها فعلًا متّ.
مسكت مقبض الباب.
مش جسمي.
حطيت إيدي على قلبي.
الجزء اللي كان مستعد يضحي بنفسه كلها من غير حدود.
خرجت ريم وهي بتبكي.
وأقفلت الباب.
لكن لأول مرة
ماحسيتش إني خسرت بنتي.
حسيت إني أخيرًا لقيت نفسي.
وبعد شهور طويلة
وصلني جواب صغير منها.
ماكانش فيه طلبات.
ولا فلوس.
ولا مشاكل.
كان فيه سطر واحد بس
أنا أخيرًا فهمت إن أسوأ شيء مش إني أخسرك بعد ما تموتي أسوأ شيء إني خسرتك وإنتِ لسه عايشة.
وقتها فقط
بكيت.
قريت الجواب أكتر من مرة.
مرة وأنا واقفة في المطبخ.
ومرة قبل النوم.
ومرة وأنا قاعدة في البلكونة بشرب الشاي وقت الغروب.
كل مرة كنت أوصل للسطر الأخير
قلبي يوجع بنفس الطريقة.
مش لأن الكلام صلح كل حاجة.
لكن لأنه جه متأخر.
متأخر أوي.
عدّى شهر.
وبعدين اتنين.
وماكلمتهاش.
مش عقاب.
بس كنت محتاجة أتعلم حاجة عمرى ما عرفتها
إزاي أحب حد من غير ما ألغي نفسي.
وفي صباح هادي من أيام الشتاء
جرس الباب رن.
فتحت.
ولقيت ريم.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
مافيش شنطة أوراق.
مافيش فواتير.
مافيش طلبات.
بس هي.
واقفة لوحدها.
وفي إيدها علبة صغيرة.
بصتلها ثواني.
ثم وسعت الباب.
دخلت بهدوء.
قعدنا قصاد بعض.
والصمت بينا كان تقيل.
لحد ما فتحت العلبة.
كانت فيها التورتة.
نفس التورتة.
شوكولاتة غامقة وفراولة.
زي اللي كنت جايباهالها يوم ما قالت الجملة اللي كسرتني.
إيدي اترعشت.
أما هي
فبدأت تعيط.
مش عياط جميل ولا مؤثر.
العياط الحقيقي.
اللي بيطلع من الندم.
قالت بصوت متقطع
فضلت طول السنة فاكرة إن المشكلة إنك موجودة زيادة.
بلعت ريقها بصعوبة.
وبعدين اكتشفت إن المشكلة كانت إني أنا اللي ماكنتش شايفة.
ما رديتش.
خليتها تكمل.
كل مرة وقعت فيها بعد ما مشيتي اكتشفت إن الشخص اللي كان شايلني طول الوقت كان إنتِ.
الدموع نزلت على وشها.
وأول مرة احتجت أكلم حد، افتكرت إني ماعنديش غيرك.
سكتت شوية.
ثم قالت الجملة اللي كنت مستنياها من يومها
أنا آسفة يا ماما.
الكلمة علقت بينا.
بسيطة.
لكن وزنها سنين.
مديت إيدي ببطء.
مسكت إيدها.
ولأول مرة من شهور
هي اللي حضنتني.
مش عشان تاخد.
ولا عشان تطلب.
حضن بنت خافت إنها تكون خسرت أمها للأبد.
فضلت تعيط على كتفي.
وأنا مسحت على شعرها زي ما كنت بعمل وهي صغيرة.
ولأول مرة فهمت حاجة مهمة
المسامحة مش معناها إن الوجع اختفى.
المسامحة معناها إنك ماخليتش الوجع يبقى آخر فصل في الحكاية.
بعد سنة
كان عيد ميلادها ال.
المرة دي هي اللي خبطت على بابي.
وفي إيدها تورتة شوكولاتة وفراولة.
أول ما فتحت الباب ابتسمت وقالت
كل سنة وإنتِ طيبة يا ماما.
ضحكت وقلت
ده عيد ميلادك إنتِ.
حضنتني وقالت
أيوة بس النهارده أنا اللي جايبة الهدية.
دخلنا سوا.
وقعدنا نضحك.
وحفيديّ التوأم كانوا بيجروا في الصالة ويكسروا هدوء البيت الجميل.
وفي لحظة وسط الدوشة دي كلها
بصيت لريم.
هي كبرت.
وأنا كبرت.
واتوجعنا.
واتعلمنا.
لكننا لسه هنا.
سوا.
وفي آخر الليل، بعد ما الكل مشي، لقيت على الترابيزة ظرف صغير.
فتحته.
كان فيه صورة قديمة لينا.
أنا وهي.
يوم تخرجها.
وعلى ضهر الصورة كانت كاتبة
أحسن هدية أخدتها في حياتي إنك فضلتي عايشة.
ساعتها ابتسمت وسط دموعي.
لأن بعض العلاقات بتضيع طريقها أحيانًا
لكن لو كان فيها حب حقيقي من البداية،
ممكن تلاقي طريق الرجوع من جديد.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *