بعد حادثة العربية بتاعتى
بعد حادثة العربيّة بتاعتي، أمي رفضت تاخد بالها من ابني اللي عنده ست أسابيع. قالتلي “أختك عمرها ما حصلتلها طوارئ زي دي”. وبعدها سابتني وسافرت رحلتها البحرية في الكاريبي. وأنا على سرير المستشفى، تصرفت وجبت ممرضة متخصصة لابني، ولغيت المصروف الشهري اللي كنت ببعتهولها بقالي تسع سنين وكان 4,500 دولار في الشهر – يعني كله على بعضه 486,000 دولار. بعد كام ساعة، جدي دخل عليا الأوضة في المستشفى وقال الكلمة اللي عمري ما هنسيها.
أول حاجة حسيت بيها بعد الحادثة كانت الوجع.
تاني حاجة كانت الخيانة.
المطر كان بيخبط جامد في الزجاج القدامي، وابني اللي عنده ست أسابيع عمال يعيط في الكرسي ورا. العربية الدفع الرباعي اللي كسرّت الإشارة وقفت لافة ومتبهدلة في وسط التقاطع، والدخان طالع من الكبوت. كل نفس باخده بيوجعني، ورجلي الشمال مش قادرة أحركها.
”علي”، نهجت وأنا بحاول أبص على كرسي العربية بتاعه. “حبيبي، أنا هنا.”
رجل المطافي وصله قبل ما أنا أقدر أتحرك.
قاللي: “بيتنفس، هو
خايف بس كويس ومفهوش حاجة.”
في المستشفى، والأجهزة عمالة تصفر جمبي والمسكنات مخلية صوتي تقيل وبطيء، كلمت أمي.
قلت لها وأنا عمالة عافر عشان أتكلم بوضوح: “أمي، عملت حادثة. عايزاكي تاخدي علي عندك كام يوم.”
سكتت للحظة.
وبعدين سمعت صوت التلج وهو بيخبط في الكوباية عندها.
اتنهدت وقالت: “يا مريم، الوقت مش مناسب خالص.”
بصيت للسقف وقلت لها: “أنا في الطوارئ.”
قالتلي: “عارفة، بس أختك عمرها ما حصلتلها طوارئ بالشكل ده. هند بتعرف تخطط لحياتها، مش بتجيب وجع الدماغ والفوضى لحياة الناس كلها.”
زوري اتقفل ومبقتش قادرة أتنفس.
”أمي، ده عنده ست أسابيع بس.”
ردت عليا: “وأنا خلاص دفعت تمن رحلة الكاريبي، والفلوس مفيش منها رجوع.”
بقالي تسع سنين بدفع لها قسط الشقة والمرافق والأكل ومصاريف الدكاترة، وكل قرش مفاجئ كانت بتقول إنها مش قادرة تسده. أربعة آلاف وخمسمائة دولار كل شهر. عشان بابا مشي وهي قالت إنها بتغرق. وعشان هند دايماً “بتدور على فرصة شغل”. وعشان أنا البنت اللي بيتعمد عليها.
همست لها: “أرجوكي.”
صوتها بقى ناشف وبارد.
”أجري أي حد، انتي معاكي فلوس. متلومنيش عشان قررتي تخلفي وتربي طفل لوحدك.”
في حاجة جوايا اتكسرت ووقفت تماماً.
وفي الخلفية، سمعت هند بتضحك.
”قوليلها تطلب مساعدة من أي عميل من عملائها المهمين.”
أمي وطت صوتها، بس أنا برضه سمعتها.
”هي دايماً بتعمل نفسها عاجزة ومش قادرة لما تعوز تلفت الانتباه.”
غمضت عيني والممرضة بتطبطب على كتفي براحة.
”مدام مريم؟ محتاجين ناخدك عشان نعمل إشاعة.”
اتكلمت في التليفون لآخر مرة.
”اتبسطي برحلتك البحرية.”
أمي تريقت وقالت: “بلاش دراما.”
وقفلت السكة.
بعد عشرين دقيقة، وأنا نامية على سرير المستشفى بإصابات شديدة وغرز فوق حواجبي، أجرت ممرضة أطفال حديثي الولادة مرخصة من خلال شبكة الرعاية الخاصة بشركة المحاماة بتاعتي.
وبعدين فتحت تطبيق البنك.
التحويل الشهري بتاع أمي كان ميعاده نص الليل.
لغيته.
تسع سنين.
مية وثمانية دفعة.
ربعمية وستة وثمانين ألف دولار.
صوباعي وقف فوق زرار التأكيد لنص ثانية.
وبعدين دوست عليه.
بعد ساعات، جدي دخل عليا الأوضة في المستشفى، وعصايته الفضة بتخبط في الأرض زي شاكوش القاضي.
عينه راحت من على ضماداتي وجروحي لـ علي اللي كان نايم في هدوء بين إيدين الممرضة.
وبعدين قال:
”أمك لسه مكلماني حالا من مينا الرحلات البحرية، وعمالة تصرخ وتقول إنك خربتي البيت ودمرتي العيلة.”
ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقلت له:
”لا، أنا بس بطلت أدفع الفاتورة.”
جدي قعد على الكرسي اللي جمب السرير، وبصلي بنظرة كلها فخر مخلوط بحزن على حالي، وقال: “كنت مستني اليوم ده من تسع سنين يا مريم.. انتي صح، اللي يبيعك في عز وجعك ملوش حق يطلب منك تشيلي شيلته.”
في نفس اللحظة، الموبايل بدأ يرن على السرير. كانت أمي. الممرضة كانت بتبصلي بقلق وهي شايلة علي، وجدي شاورلي بعصايته وقال: “ردي، وسمعيها صوت القوة اللي كانت فاكراها عجز.”
فتحت الخط وفتحت السبيكر من غير ما أنطق كلمة.
صوت أمي كان طالع عالي ومبحوح من العياط والغل، وراها كان مسموع صوت مركب كبير
وناس بتهيص: “انتي اتجننتي يا مريم؟! الشيك اترفض!
لمحة نيوز
قسط الشقة المدفوعات التلقائية بتاعته وقفت والبنك بعتلي إن الحساب مفيش فيه رصيد! انتي عايزة تشردينا؟ عايزة الرهن العقاري يتسحب والشقة تضيع مني أنا وأختك؟!”
رديت ببرود تام مكنتش أتخيل إن عندي زيه: “تضيع.. أنا مالي؟”
أمي صرخت: “يعني إيه انتي مالك؟! انتي نسيتي نفسك؟ لولايا أنا وأختك مكنتيش هتبقي المحامية الكبيرة اللي انتي فيها دلوقتي! ده قرشين تافهين بالنسبالك، بتذلينا بيهم عشان طلبت منك تطلبي دكتورة لابنك؟”
هنا جدي سحب الموبايل من إيدي وقربّه من بوقه وقال بنبرة هزت الأوضة: “اقفلي بوقك يا فايزة! البنت بتموت في المستشفى بين الحيا والموت، وانتي كل اللي هامك الفلوس؟ من اليوم ده، مريم ملهاش دعوة بيكي ولا بأختك الكسلانة اللي مشغلاها عندكوا خدامة بفلوسها. المركب اللي انتي عليها دي، لو غرقت بيكوا، متتصليش ببنتي تاني.”
وجدي قفل السكة في وشها.
بصيت لجدي والدموع في عيني، بس المرة دي دموع راحة مش وجع. جدي طبطب على إيدي وقال: “خدي نفسك يا بنتي، والتفتي لعلي.. من هنا ورايح، فلوسك ليكي ولابنك وبس، والباب اللي يجيلك منه الريح.. سديه واستريحي.”
قفلت موبايلي خالص، وبصيت لعلي اللي كان نايم زي الملاك، ولأول مرة من سنين، حسيت إني حرة ومفيش أي حمل تقيل على كتافي.
عدى يومين في المستشفى، والهدوء اللي كنت عايشة فيه
كان غريب عليا، مكنش فيه رن تليفونات ولا طلبات مش بتخلص. جدي مسبنيش لحظة، ومريم الممرضة كانت واخدة بالها من “علي” كأنه ابنها.
ثالث يوم الصبح، الباب اتفتح فجأة ودخلت “هند” أختي.
كان باين عليها البهدلة، ووشها مقلوب من الغضب، مكنتش جاية تطمن عليا ولا تبص على الجروح اللي في وشي، دخلت وزعقت وهي واقفة عند رجلي: “انتي بجد قفلتي تليفونك؟ انتي عارفة أمك حصلها إيه؟ الرحلة باظت ومبقتش عارفة تستمتع بأي حاجة، والبنك كلمنا وبيقولوا لو الدفع متمش خلال 48 ساعة هيتخذوا إجراءات قانونية ضد الشقة!”
بصيت لها ببرود وأنا ساندة ضهري على المخدة وقلت: “وأنا مالي يا هند؟ مش انتي بتعرفي تخططي ومبتجبيش الفوضى لحياة حد؟ خططي بقى وحلي المشكلة مع أمك.”
وشها جاب ألوان وقالت بغل: “انتي بتلوي دراعنا عشان حتة عيل؟ ما انتي معاكي فلوس وتقدري تجيبي بدل الممرضة عشرة! بتنتقمي من أمك عشان سابتك يومين؟”
قبل ما أنطق، جدي وقف من على الكرسي وسند على عصايته وبص لها بنظرة خلتها ترجع خطوة لورا. قال لها بصوت حازم: “اخرجي بره يا هند. اطلعي بره قبل ما أطلب الأمن يرميكي في الشارع. أختك كانت هتموت هي وابنها، وانتي جاية تسألي على فلوس الشقة وقسط الرحلة؟”
هند بصت لجدي بخوف بس كملت بجاحة: “يا جدي احنا بنضيع! مريم معاها ملايين، الـ 4500 دولار دول ولا حاجة بالنسبالها!”
رديت عليها وأنا عيني في عينها: “كانوا ولا حاجة يا هند لما كنتم أهلي وبتحبوني. دلوقتي بقوا كل حاجة، والقرش اللي كان بيطلع لكم، ابني أولى بيه. الشقة تضيع، الرحلة تتلغي، انتي تشتغلي.. ميبقاش اسمي مريم لو شفتوا مني مليم واحد تاني. اطلعي بره.”
هند لفت وشها وخرجت ورزعت الباب وراها وهي بتعيط من الغيظ لأنها عرفت إن الحنفية اتقفلت وللأبد.
جدي رجع قعد جمبي ومسك إيدي وقاللي: “عافارم عليكي يا بنتي.. دلوقتي بس أقدر أموت وأنا مطمن إنك بتقدري تحمي نفسك وتحمي ابنك.”
ابتسمت له وأنا ببص لعلي وهو بيتحرك في سريره الصغير.. الحادثة دي مكنتش مجرد تصادم عربيات، دي كانت اللحظة اللي فوقتني وعرفتني إن القرش اللي بتعبي، مش هيروح غير للي يستاهله ويصوني في وقت شدتي.
بعد أسبوع في المستشفى، أخيراً أذنولي بالخروج. رجعت بيتي وأنا سانده على جدي، ومعانا الممرضة وشايلة “علي”. لأول مرة أحس إن بيتي بجد، مكان أمان مفيش فيه استغلال ولا ضغط عصبي.
فات شهر كامل وتليفوني مكنش بيبطل رن من أرقام غريبة، كنت عارفة إنهم هما بس مكنتش برد. لحد ما في يوم، جدي جالي البيت وقالي: “يا مريم، فايزة (أمي) كلمتني وبتعيط بدل الدموع دم، البنك حجز على الشقة فعلاً وهما دلوقتي قاعدين في شقة إيجار قديم وصغيرة، وهند نزلت تدور على شغل ومحدش راضي يشغلها
بشهادتها اللي بقالها سنين مركونة. أمك عايزة تشوفك وتعتذرلك.”
بصيت لجدي وقلت له: “يا جدي، هي بتعيط عشان الشقة ضاعت والفلوس اتمنعت، مش عشان أنا كنت هموت.. لو كنت رجعت أدفع تاني، كانوا هيرجعوا يعاملوني بنفس الجفاء وبنفس الطريقة.”
جدي هز راسه وقال: “أنا مش بطلب منك ترجعي تدفعي، أنا بس بنقل السمع.. أنا نفسي مش مسامحهم.”
في نفس اليوم بالليل، جالي رسالة على الواتساب من رقم أمي الجديد، فتحتها ولقيتها كاتبة: “يا مريم يا بنتي، أنا أسفة.. الغمامة كانت على عيني، افتكرت إنك قوية ومبتوعيش ومحتاجيش حد، وافتكرت إن أختك هي اللي ضعيفة. الشقة راحت مننا واحنا اتبهدلنا، بس والله العظيم وحشتيني ونفسي أشوف علي.”
وقفت قدام الرسالة دي كتير.. زمان كنت ممكن أعيط وأجري ألحقهم، بس المرة دي، قلبي متهزش.
رديت عليها برسالة واحدة بس: “أنا مسمحاكي يا أمي على كل اللي فات، ومبروك على هند إنها بدأت تعتمد على نفسها وتدور على شغل.. بس أنا دلوقتي عندي حياتي وابني، والفلوس اللي كانت بتطلع لشخص مش مقدرني، هتكبر وتأمن مستقبل ابني. ربنا يوفقكم في حياتكم الجديدة.”
وعملت “بلوك” للرقم.
الحكاية مكنتش حكاية فلوس، الحكاية كانت حكاية “تقدير”.. ومن يومها، قفلت الصفحة دي تماماً، والتفت لشغلي ولبنتي، ولجدي اللي فضل جمبي.. وعرفت إن اللي مبيشيلكش في كفنك، متستناش منه يشيلك في حزنك.