حماتي خلتني اطبخ 2
مشت على سلم العمارة زي اللي تايهة في كابوس، رجليا كانت بتترعش بس روحي كانت ميتة وخالية من أي خوف. فتحت باب الشارع وهوا الليل البارد ضرب في وشي، طلعت أجري في الشارع الفاضي لحد ما وصلْت المستشفى. دخلت قسم الاستقبال، ولقيت أختي “نهى” قاعدة على كرسي في الصالة، حضناني وفضلت تعيط بانهيار وهي بتقول:
— “اتأخرت ليه يا رانيا؟ أمي راحت.. راحت وسابتنا!”
سكت تماماً.. منزلش من عيني ولا دمعة واحدة. البرود اللي اتولد جوايا في مطبخ حماتي كان مسيطر على كياني كله. حضنت نهى بقوة، وقولتلها بصوت ناشس ودافي في نفس الوقت:
— “أنا جيت يا نهى.. متخافيش، أنا هنا جنبها.”
دخلت المشرحة، وقفت قدام ج\ثة أمي وهي متغطية بالملاية البيضاء. شلت الغطا بحرارة وبحذر، وبست رأسها وإيديها الباردة. همست في ودنها بصوت خافت ما سمعهوش غيرها:
— “ارتاحي يا أمي.. حقك رجع، والست اللي حرمتني منك وهي بتلفظ أنفاسها الأخيرة.. دوقناها من نفس الكاس.”
الصبح، مصر كلها كانت مقلوبة. المستشفى اللي نقلوا فيها “قدرية” أعلنت وفاتها متأثرة بجرعة السيولة القاتلة اللي أخدتها في الشوربة، والبوليس جه البيت ولقى شريف قاعد في الصالة مش مصدق اللي حصل، تائه ومنهار. المحققين بدأوا التحقيق، وكل الأدلة والشهود (أهل العريس اللي شافوا كل حاجة وسماح اللي كانت منهارة) وجهوا الشبهات ناحية الأكل اللي انا طبخته وغرفته بإيدي.
اتقبض عليا وأنا في مأتم أمي.. دخلت عربية البوليس وأنا رافعة راسي لفوق، لا خايفة ولا ندمانة. في النيابة، لما وكيل النيابة سألني بتهمة قتل حماتي، بصيت له بعيون ثابتة وقلت بصوت حاسم:
— “أنا مقتلش حد.. دي ‘شوربة’ أكلتها بمزاجها، وقالت بنفسها إن ‘الحي أبقى من الميت’.. وأنا نفذت مقولتها بحذافيرها لما فضلت واقفة أتفرج عليها وهي بتموت زي ما سابتني أموت من غير ما أودع أمي!”
القض\ية هزت الحي كله، وبقت حديث الناس والشوارع. “شريف” نزل عليه الشلل الفكري والنفسي، وبقى قاعد على القهوة يندم على اللحظة اللي سمع فيها كلام أمه، وسماح خطوبتها اتفستخت وبقت منبوذة.
أنا قاعدة دلوقتي جوه جدران الزنزانة.. جدران باردة وصامتة، بس روحي مرتاحة، لأن أمي اندفنت بسلام، وحقها اتأخد تالت ومثلث، و”قدرية” عرفت إن الظلم ليه أثمان.. أثمان غالية قوي، والدنيا دي دار دفاين.. اللي بيزرع الدموع بيحصد النار.
حكايات صافي هانيمرت الأيام وباب الزنزانة الحديدي بقى هو العالم الوحيد اللي بشوفه، بس كنت دايماً حاسة إن روح أمي حواليا مطمناني. المحاكمة كانت حديث الصحف والسوشيال ميديا، والناس كلها كانت مقسومة نصين؛ ناس بتلعن ظالمة أمي وبتتعاطف مع قهرتي، وناس بتلومني إني أخدت حقي بايدي.
في يوم الجلسة الأخيرة، دخلت قاعة المحكمة مربوشة الكلابشات في إيدي، بس كنت رافعة راسي بكل ثبات. القاضي نطق بالحكم، وبعدها دخلت السجن عشان أبدأ عقوبتي، بس كنت خرجت من الحبس الأكبر اللي كنت عايشه فيه جوه بيت قدرية.
في أحد الأيام، وأنا قاعدة على دكة الحديد جوه العنبر، فتحت السجانة الباب وقالتلي بصوت عالي:
— “رانيا.. ليكي زيارة.”
استغربت.. مين هيجي يزورني؟ نهى أختي كانت بتيجي، بس الميعاد لسه مدخلش. مشيت مع السجانة لحد غرفة الزيارة، وبصيت من الإزاز، فلقيت شخص واقف ورا الشباك ومنزل راسه في الأرض.
لما رفع راسه، انصدمت.. ده شريف.
شعره ابيض، وعينيه دبلانة، وكسرة الدنيا كلها ظاهرة على وشه. مسك سماعة التليفون بايد مرتعشة، ورفعها على أذنه. مسكت السماعة من ناحيتي، وفضلنا ساكتين دقايق طويلة، لحد ما نطق بصوت مكسور وخانقه العياط:
— “سامحيني يا رانيا.. سامحيني، أنا ضيعت كل حاجة.. أمي راحت، وسماح سابت البيت، وأنا بقيت وحدي وبدفع ثمن ضعفي وسماعي لكلام أمي كل يوم وكل ساعة.. عرفت متأخر أوي يعني ايه ظلم.”
بصيت له من خلال الإزاز ببرود تام، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، وبعدين قلت بصوت حاسم وواضح من خلال السماعة:
— “الكلام ده متقولهوليش أنا يا شريف.. قوله لأمي وهي في قبرها، وقوله لنفسك وأنت قاعد لوحدك في البيت اللي بنيتوه على ظلم الناس. بينا يا شريف انتهى، وكل واحد خد نصيبه من الحكاية.”
قفلت السماعة في وقته،وسبته واقف لوحده بيعيط بانهيار ورا الإزاز، ورجعت لعنبري وأنا حاسة إن صفحتي القديمة اتقفلت للأبد.. وقصة وجعي اتحولت لعبرة لكل ظالم فكر إن مفيش فوقيه رب يمهل ولا يهمل.
#حكايات_صافي_هاني