ادعيت ان بطني بتؤلمنى 3
11
ولثوانٍ طويلة لم تجب.
بقيت تحدق أمامها فقط.
وكأنها لم تسمع السؤال.
لكنني كنت أراقب وجهها.
ورأيت شيئًا يتغير بداخله.
شيئًا قديمًا.
شيئًا ظل مختبئًا سنوات طويلة.
ثم فجأة انفجرت.
ليس بالبكاء.
ولا بالندم.
بل بالغضب.
غضب بدا وكأنه كان ينتظر فرصة للخروج منذ عمر كامل.
التفتت نحو أمي مباشرة.
وقالت بصوت مرتفع:
“لأنها أخذت كل شيء.”
ساد الصمت.
وأكملت وهي تشير إليها بإصبع مرتجف:
“منذ طفولتنا وكل شيء كان لها.”
“كل شيء.”
“حب أبي.”
“وثقته.”
“واختياراته.”
“ودائمًا كانت هي الابنة المثالية التي لا تخطئ.”
تجمدت أمي في مكانها.
أما خالتي فبدت وكأنها لم تعد قادرة على التوقف.
خرجت الكلمات منها دفعة واحدة.
كأنها سيل ظل محتجزًا خلف سد لسنوات طويلة.
“عندما كنا صغيرتين كان يدافع عنها دائمًا.”
“وعندما كبرنا كان يستشيرها دائمًا.”
“وعندما مرض كان ينادي عليها دائمًا.”
ثم ضحكت ضحكة قصيرة مليئة بالمرارة.
وأضافت:
“وحتى عندما مات ترك كل شيء لها.”
بدأ الحاضرون يتبادلون النظرات.
أما أمي فهزت رأسها ببطء.
وقالت:
“هذا غير صحيح.”
لكن خالتي لم تسمعها أصلًا.
أو ربما لم تعد تريد أن تسمع شيئًا.
كانت تتحدث أخيرًا عن الجرح الذي حملته داخلها ثلاثة عشر عامًا كاملة.
وقالت:
“أخذتِ الشقة.”
“وأخذتِ ثقة أبي.”
“وأخذتِ مفتاح الخزنة.”
ثم ارتفع صوتها أكثر.
وأصبح أقرب إلى الصراخ.
“وأخذتِ حقي كله.”
شعرت أن الغرفة كلها تجمدت عند تلك الكلمة.
الخزنة.
لأنها كانت أول مرة يسمع فيها معظم الموجودين عنها.
حتى المفتش عقد حاجبيه.
ونظر إلى أمي.
ثم سأل:
“أي خزنة؟”
ضحكت خالتي بمرارة.
وقالت:
“ها قد وصلنا أخيرًا إلى الحقيقة.”
ثم التفتت إلى الجميع.
12
وأضافت:
“قبل مــ,,ـــــوته بأيام ترك والدنا خزنة مصرفية.”
“وسلم مفتاحها لها وحدها.”
“ولم يخبر أحدًا بما يوجد بداخلها.”
ثم أشارت إلى أمي مجددًا.
“ومنذ ثلاثة عشر عامًا وهي تخفي كل شيء.”
ارتفعت همهمات الحاضرين.
وبدأ الفضول يظهر على الوجوه.
فحتى عمي بدا متفاجئًا.
أما أمي فأطلقت زفرة طويلة.
وكأنها تعبت من الهروب من هذا الحديث.
ثم قالت بهدوء:
“نعم.”
فساد الصمت فورًا.
وأكملت:
“هناك خزنة بالفعل.”
اتسعت عينا خالتي.
وكأنها انتظرت هذه اللحظة سنوات.
لكن أمي تابعت كلامها دون تردد.
“لكنني لم أسرق شيئًا.”
“ولم آخذ شيئًا ليس من حقي.”
“ولم أفتح الخزنة أصلًا.”
انفجرت خالتي ضاحكة.
وقالت:
“تريدين منا أن نصدق ذلك؟”
لكن أمي لم تنفعل.
بل نظرت مباشرة إلى المفتش.
وقالت:
“بعد وفــ,,ـــــاه أبي احتفظت بالمفتاح والأوراق فقط.”
“لأن هذا ما طلبه مني.”
“أما محتويات الخزنة فلم أرها يومًا.”
“ولم أعرف ما بداخلها.”
تقدم المفتش خطوة.
وقال:
“وهل لديك ما يثبت ذلك؟”
أومأت أمي برأسها.
ثم فتحت حقيبتها.
وأخرجت ظرفًا قديمًا حافظت عليه طوال السنوات الماضية.
كان مغلقًا بختم رسمي.
وتبدو عليه آثار الزمن.
أخذ المفتش الظرف.
وفتحه بحذر.
ثم بدأ يراجع المستندات الموجودة بداخله.
صفحة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
حتى رفع رأسه أخيرًا.
وقال:
“هذه بالفعل أوراق الخزنة.”
شعرت بأن التوتر عاد إلى الغرفة من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن بسبب السوار.
ولا بسبب السرقة.
13
بل بسبب شيء ظل مخفيًا ثلاثة عشر عامًا كاملة.
شيء قد يكون سبب كل هذا الحقد.
وكل هذا الخراب.
وكل هذه المؤامرة.
نظرت خالتي إلى الأوراق وكأنها تنظر إلى عمر كامل ضاع منها.
ثم قالت بصوت حاد:
“إذًا افتحوها.”
التفت الجميع إليها.
فأكملت:
“إذا كانت تقول الحقيقة فلتُفتح الخزنة أمام الجميع.”
“ولينتهِ هذا الأمر مرة واحدة وإلى الأبد.”
ساد الصمت.
ثم اتجهت الأنظار كلها نحو أمي.
أما هي فظلت صامتة لثوانٍ طويلة.
ثم قالت أخيرًا:
“موافقة.”
وفي تلك اللحظة شعر الجميع أن قصة السوار المسروق انتهت بالفعل.
لكن قصة الخزنة…
كانت على وشك أن تبدأ.
في صباح اليوم التالي لم ينم أحد منا تقريبًا، فبعد ليلة طويلة امتلأت بالشرطة والتحقيقات والاعترافات والحقائق التي خرجت إلى النور واحدة تلو الأخرى
أصبح الحديث كله يدور حول شيء واحد فقط، الخزنة التي ظل اسمها يتردد منذ سنوات دون أن يعرف أحد على وجه اليقين ما الذي تخفيه بداخلها، والخزنة التي كانت خالتي مقتنعة أنها السبب الحقيقي لكل ما حدث وأنها الدليل الذي سيثبت أخيرًا أن أمي سرقت حقها واستولت على ميراثها وخدعتها طوال ثلاثة عشر عامًا كاملة.
خرجنا من المنزل في الصباح الباكر.
كنت أسير بجوار أمي.
أما خالتي فكانت تسير على بعد خطوات منا برفقة رجال الشرطة.
ورغم كل ما حدث لها في الليلة السابقة، ورغم اعتراف الشريك، ورغم سقوط خطتها بالكامل، فإنني كنت أرى شيئًا غريبًا في عينيها.
الأمل.
كانت ما تزال متمسكة بأمل أخير.
أمل يجعلها تتحمل كل شيء.
وكأنها تقول لنفسها إن الخسارة لم تكتمل بعد.
وأن الحقيقة النهائية لم تظهر بعد.
وأن الخزنة ستنقذها.
وستثبت أنها كانت الضحية طوال هذه السنوات.
وعندما وصلنا إلى البنك كان التوتر يملأ المكان كله.
جلس مدير البنك معنا في غرفة خاصة بعد أن اطلع على الأوراق الرسمية.
ثم طلب المفتاح.
ناولته أمي المفتاح الذي احتفظت به طوال تلك السنوات.
نظر إليه الرجل للحظة.
ثم قال:
“إذن حان الوقت أخيرًا.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
حتى أنا بدأت أتساءل عما يمكن أن نجده هناك.
فثلاثة عشر عامًا مدة طويلة جدًا.
وطوال تلك السنوات كانت الخزنة مغلقة.
لم يفتحها أحد.
ولم يعرف أحد ما بداخلها.
أما خالتي فكانت تراقب كل شيء بعينين متسعتين.
وكان واضحًا أنها تتخيل أشياء كثيرة.
ربما سبائك ذهب.
ربما أكوامًا من المال.
ربما مجوهرات قديمة.
وربما مستندات تثبت أن أمي استولت على كل شيء.
وكانت كلما اقتربنا من غرفة الخزنات يزداد توترها أكثر.
ويزداد معها حماسها أيضًا.
حتى وصلنا أخيرًا إلى الباب المعدني الكبير.
فتح الموظف الباب.
ثم قادنا إلى الداخل.
كانت الغرفة باردة.
وهادئة.
بشكل جعل صوت أنفاسنا يبدو مرتفعًا.
توقف الموظف أمام إحدى الخزنات.
ثم أدخل المفتاح.
14
وأدار القفل.
وانسحب الباب المعدني ببطء.
وفي تلك اللحظة شعرت أن الجميع توقف عن التنفس.
أمي.
وخالتي.
وعمي.
والمفتش.
وحتى مدير البنك.
كان الجميع ينتظر ما سيظهر.
أما خالتي فكانت تنظر إلى الداخل بعينين تكادان تلتهمان محتويات الخزنة قبل أن تراها.
ثم انفتح الباب بالكامل.
وساد الصمت.
صمت طويل.
وصادم.
لأن أول شيء أدركناه جميعًا هو ما لم يكن موجودًا.
لم يكن هناك ذهب.
ولا مجوهرات.
ولا أكوام من النقود.
ولا كنوز مخبأة.
ولا أي شيء يشبه الصورة التي ظلت خالتي ترسمها في خيالها طوال ثلاثة عشر عامًا.
كانت الخزنة تحتوي على عدة ملفات فقط.
وبعض المستندات المرتبة بعناية.
ومظاريف مغلقة.
ووصية رسمية.
ولا شيء أكثر.
تجمدت خالتي في مكانها.
ونظرت إلى الداخل وكأنها لا تصدق ما تراه.
ثم اقتربت خطوة.
ثم خطوة أخرى.
وكأنها تبحث بعينيها عن شيء ما.
عن صندوق مخفي.
أو درج سري.
أو حقيبة أموال.
لكن لم يكن هناك شيء.
فقط أوراق.
وأوراق.
وأوراق.
طلب المفتش من الموظف المختص مراجعة المستندات.
فأخرج الرجل الملفات واحدًا تلو الآخر.
ووضعها فوق الطاولة.
ثم بدأ يقرأ محتوياتها أمام الجميع.
وفي كل دقيقة كانت ملامح خالتي تتغير أكثر.
لأن الحقيقة التي بدأت تظهر لم تكن تشبه أي شيء توقعته.
كان أول ملف عبارة عن حصر رسمي للميراث.
يتضمن جميع الممتلكات.
وجميع الحسابات.
وجميع الأصول التي تركها جدي.
ثم ظهر الملف الثاني.
وكان يتضمن كشوفات توزيع الميراث.
موثقة.
ومختومة.
ومسجلة رسميًا.
رفع الموظف إحدى الصفحات.
ثم قال:
15
“تم تقسيم الميراث بالتساوي بين الابنتين.”
ساد الصمت.
أما خالتي فحدقت فيه وكأنها لم تسمع جيدًا.
فأعاد الجملة مرة أخرى.
“بالتساوي.”
ثم بدأ يشرح التفاصيل بندًا بندًا.
الشقة التي حصلت عليها أمي.
والمبلغ المالي الذي حصلت عليه خالتي.
والوديعة البنكية التي تم تخصيصها لها.
والممتلكات الأخرى التي قُسمت وفق تقييم رسمي يضمن التساوي الكامل.
كل شيء موثق.
كل شيء مثبت.
كل شيء موقع عليه.
ولا يوجد أي فرق حقيقي بين نصيب هذه أو تلك.
شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.
أما خالتي فكانت تنظر إلى الأوراق وكأنها ترى شيئًا مستحيلًا.
ثم قالت بصوت مرتجف:
“هذا غير صحيح.”
لكن الموظف فتح ملفًا آخر.
وأخرج منه نسخًا إضافية.
ثم أشار إلى التوقيعات.
والأختام.
وتواريخ التسجيل.
وقال بهدوء:
“كل شيء تم توثيقه رسميًا.”
كانت أمي صامتة.
لم تدافع عن نفسها.
ولم تتكلم.
فالأوراق كانت تتحدث بدلًا منها.
16
ثم وصل الموظف إلى آخر مظروف داخل الخزنة.
كان مغلقًا بعناية.
ومكتوبًا عليه بخط يد جدي:
“يُفتح عند الحاجة.”
فتح الموظف الظرف.
وأخرج منه رسالة قديمة.
بدأ يقرأها بصوت مسموع.
فامتلأت الغرفة بالصمت مرة أخرى.
وكانت الكلمات بسيطة.
لكنها أقوى من أي شيء سمعناه منذ بداية القصة.
كتب جدي:
“إذا كنتما تقرآن هذه الرسالة الآن، فربما حدث ما كنت أخشاه طوال السنوات الأخيرة من حياتي.”
“ربما ظنت إحداكما أنني فضلت الأخرى عليها.”
“وربما ظنت إحداكما أن حقها قد ضاع.”
“لهذا السبب لم أترك شيئًا للصدفة.”
“لقد وثقت كل شيء رسميًا.”
“وقسمت كل شيء بالتساوي.”
“ولم أفضّل واحدة على الأخرى.”
“أما المفتاح فقد سلمته لابنتي الكبرى ليس لأنها الأقرب إلى قلبي، بل لأنها الأكثر تنظيمًا والأقدر على حفظ المستندات وعدم العبث بها.”
“أرجو ألا تسمحا للمال أن يهدم ما لم تستطع الحياة هدمه.”
“فالأخوات لا يُعوَّضن.”
انتهى الموظف من القراءة.
ولم يتكلم أحد.
نظرت إلى خالتي.
فوجدتها تحدق في الرسالة.
دون حركة.
ودون كلام.
ودون حتى دموع.
وكأن عقلها توقف عن العمل.
ثلاثة عشر عامًا.
ثلاثة عشر عامًا من الغضب.
وثلاثة عشر عامًا من الحسد.
وثلاثة عشر عامًا من الشك.
وثلاثة عشر عامًا من الكراهية.
كلها انهارت خلال دقائق قليلة أمام مجموعة من الأوراق.
ثم جلست ببطء.
وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.
وأدركت أخيرًا الحقيقة التي حاول الجميع إخبارها بها سنوات طويلة.
أمي لم تسرقها.
وأبيهما لم يظلــ,,ـــــمها.
ولم يكن هناك ميراث مخفي.
ولا ثروة مسروقة.
ولا مؤامرة قديمة.
كان هناك فقط سوء ظن نما عامًا بعد عام حتى تحول إلى حقد.
ثم تحول الحقد إلى هوس.
ثم تحول الهوس إلى جريمة.
17
رفعت خالتي رأسها أخيرًا.
ونظرت إلى أمي.
لكن أمي لم تبتسم.
ولم تشمت.
ولم تنتصر.
كل ما رأيته على وجهها كان الحزن.
حزن امرأة خسرت أختها قبل سنوات طويلة دون أن تدرك ذلك.
وحزن امرأة اكتشفت أن كل محاولاتها للحفاظ على العائلة لم تمنع انهيارها في النهاية.
وعندما غادرنا البنك بعد ساعات طويلة، كنت أفكر في شيء واحد فقط.
لم يكن داخل الخزنة ذهب.
ولم تكن هناك ملايين.
ولم تكن هناك كنوز مخبأة كما تخيل الجميع.
كان بداخلها شيء واحد فقط.
الحقيقة.
والحقيقة كانت كافية لتحطم امرأة قضت ثلاثة عشر عامًا تحارب أختها بسبب ميراث لم يُسرق منها يومًا.