انا واختى هنا متجوزين 2
خذت نفساً عميقاً، وقبل ما أرد عليه، بصيت لـ “ليان” اللى كانت بتضحك مع باباها وبيلعبوا سوا، وحسيت بفخر ملوش أول من آخر.
بصيت لروحي في المراية اللى قدامي، وشفت ست تانية خالص غير الست المكسورة اللى خرجت من بيته في نص الليل. الست اللى واقفة دلوقتي قوية، ناجحة، ومش مستنية أمان من حد لأنها صنعت أمانها بإيديها.
رديت عليه بنبرة هادية جداً، بس النبرة دي كانت أقوى من أي زعاق:
* “حسام.. البيت الكبير اللى أنت عايش فيه لوحدك دلوقتي، أنت اللى بنيت حيطانه من الأنانية والقسـ.ـوة. لما قفلت الباب في وش طفلة بتمـ . ـوتمن البرد عشان متقلقش راحة ولادك، ربنا داير الدايرة وخلا ولادك هما اللى يدوروا على راحتهـ . ـم ويسيبوك.”
سكت لحظة، وحسيت بأنفاسه المكتومة، فكملت:
* “أنا مش زعلانة منك، بالعكس.. أنا بشـ . ـكرك. لأن قسوتك دي هي اللى صنتعت مني الست اللى أنا عليها دلوقتي. البنت اللى أنت كنت شايفها ‘مشـ . ـكلة’، هي دلوقتي كل حياتي، وهي اللى خلتني أحترم نفسي. طلبك مرفوض يا حسام.. اللى سابني في البرد، ملوش مكان في دفا حياتي الجديدة. ربنا يشفيك ويهديك.”
وقبل ما أسـ . ـمع منه كلمة زيادة، قفلت السكة.. وعملت للرقم حظـ . ـر.
لفت وجيت قعدت جـ . ـنب أحمد وليان، أحمد بصلي بترقب وقال: “خير يا مروة؟ في حاجة؟”
ابتسـ . ـمت وبست راس ليان وقلت: “لا يا أحمد.. ده ماضي وفات، والحاضر بتاعنا أحسن بكتير.”
الحياة بدأت تاخد مجرى هادي وجميل، شغـ . ـل المشغـ . ـل بتاعي كبر وبقى عندي عاملات بيشتغـ . ـلوا معايا، وبقيت بجهز لافتتاح أتيليه صغير باسـ . ـم “ليان”. وأحمد كان ملتزم بكل كلمة قالها، بل بالعكس، كان بيحاول بكل الطرق يثبتلي إنه ا تغير فعلاً، ومبقاش يتدخل في حياتي غير بصفته أب لليان وبس، واحترم جداً حدودي اللى رسـ . ـمتها.
وفي يوم، وليان عندها دلوقتي 9 سنين، كانت قاعدة بتعمل واجباتها، وفجأة سابت القلم وبصتلي وقالت:
* “ماما.. أنا بحبك أوي.”
ابتسـ . ـمت وقلت لها: “وأنا بحبك يا روح قلب ماما، إيه المناسبة الطيبة دي؟”
نزلت من على الكرسي وجت قعدت في حـ . ـضني، وحطت إيدها الصغيرة على وشي وقالت كلام خلاني أعيـ . ـط من الفرحة:
* “أنا فاكرة يا ماما.. فاكرة الليلة اللى كنت قاعدة فيها على السلم، وكنت خايفة أوي والبرد بيمـ . ـوتني.. وفاكرة لما شفتك جاية بتجري عليا ودمـ . ـوعك نازلة. من اليوم ده وأنا عارفة إن عندي أغـ . ـلى وأقوى أم في الدنيا.. شـ . ـكراً إنك مجيتيش ‘قريب’.. شـ . ـكراً إنك جيتي ومشتيش تاني.”
دمـ . ـوعي نزلت، بس المرة دي كانت دمـ . ـوع انتصار وراحة. ضمتها لصدري أوي وأنا بحمد ربنا على النعمة اللى أنا فيها.
وفي نفس الليلة دي، وأنا بمر على حسابات الشغـ . ـل وبقفل حسابات الأسبوع في الأتيليه الجديد، لقيت رسالة مبعوتة على صفحة الشغـ . ـل الرسـ . ـمية من إيميل باسـ . ـم غريب، بس المحتوى بتاعها خلاني أتسـ . ـمر في مكاني.
الرسالة كانت مكتوب فيها:
“مساء الخير يا فنانة.. أنا بتابع شغـ . ـلك ونجاحك من بعيد ومبسوط ليكِ جداً. أنا محتاج أطلب منك تصميم لفستان زفاف خاص جداً، بس ياريت نتقابل الأول عشان في تفاصيل قديمة ومهمة محتاجين نصلحها في الفستان ده.. ومفيش حد هيصلحها غيرك يا مروة.”
وقفت مصدومة.. الإيميل مكنش فيه اسـ . ـم، بس الأسلوب وطريقة الكلام رجعتني لسنين ورا.. لشخص مكنتش أظن أبدًا إنه ممكن يظهر في حياتي تاني، ومكنش لا حسام ولا أحمد..
ياترى مين اللى باعت الرسالة دي؟ وعايز إيه بعد السنين دي كلها؟..
فضلت باصة للشاشة والرسالة بتتعاد قدام عيني مية مرة. عقلي بدأ يلف في دواير، ياترى مين ده؟ الأسلوب ده مش غريب عليا، النبرة اللي فيها ثقة وهدوء دي أنا عشت معاها أيام صعبة وأيام حلوة.. وفجأة، زي البرق، افتكرت.
ده “طارق”.. حب عمري الأولاني، الشخص اللي خطبته قبل ما أتجوز أحمد، واللي افترقنا بسبب ظروف مادية صعبة وعقبات وقفت في طريقنا زمان، وسافر بعدها برة مصر وانقطعت أخباره تماماً.
قلبي دق بسرعة، بس المرة دي مكنش دق خـ . ـوف، كان دق ارتباك من الماضي اللي عمال يطاردني بأشـ . ـكاله المختلفة. قعدت فتره باصة للرسالة، وبعدين قررت أرد باحترافية وبدون ما أبين إني عرفته:
* “أهلاً بحضرتك. الأتيليه بيرحب بكل العملاء، ومواعيد المقابلات لتصميم فساتين الزفاف بتكون كل يوم من الساعة 5 للساعة 8 مساءً. تقدر تشـ . ـرفنا في أي وقت يناسبك.”
قفلت اللاب توب وحاولت أشيل الموضوع من دماغي، ونمت وأنا واخدة ليان في حـ . ـضني.
يوم المقابلة، كنت قاعدة في مكتب الأتيليه براجع بعض التصاميم، وفجأة السكرتيرة خبطت وقالت: “يا فنانة، العميل اللي حاجز ميعاد الساعة 6 وصل برة.”
قلت لها: “خليه يتفضل.”
الباب انفتح، ودخل شخص بكامل أناقته، ملامحه نضجت، والشيب بدأ يظهر خفيف في شعر جـ . ـنابه، بس عينيه هي هي.. طارق.
وقف قدامي وابتسـ . ـم ابتسامة هادية وقال:
* “عاش من شافك يا مروة.. بسـ . ـم الله ما شاء الله، بقيتي أسطورة في عالم التصميم.”
وقفت ورحبت بيه ببرود مصطنع عشان أحافظ على برستيچ شغـ . ـلي:
* “أهلاً يا طارق.. خطوة عزيزة. اتفضل استريح. بس ياترى فستان الزفاف اللي بتدور عليه ده لمين؟”
قعد وحط إيده على المكتب وبص في عيني بصدق وقال:
* “الفستان ده ليكي أنتِ يا مروة.”
بصيت له بعدم تصديق وقبل ما أتكلم، رفع إيده وقال:
* “اسـ . ـمعيني للأخر.. أنا مسافرتش برة وهربت زي ما أهلك فهموكي زمان. أنا أهلك هما اللي رفضوني وضغطوا عليا لما شافوا أحمد جاهز ومقتدر، وأنا وقتها كنت لسة ببني نفسي ومقدرتش أقف في وشهم. سافرت عشان أعمل اسـ . ـم وفلوس، وطول السنين دي كنت بتابعك من بعيد.. عرفت بجوازتك من أحمد وطـ . ـلاقم، وعرفت باللي عمله حسام.. وعرفت إنك وقفتِ على رجليكي وبقيتي ‘مروة’ اللي مفيش قوة تكسـ . ـرها.”
كمل ونبرة صوته اتغيرت وبقت كلها رجاء:
* “أنا متجوزتش لحد النهاردة يا مروة.. كنت مستني اللحظة اللي أرجعلك فيها وأنا قادر أحميكي وأشيلك أنتِ وبنتك في عيوني. أنا مش جاي أفرض نفسي، أنا جاي أطلب فرصة تانية.. فرصة أصلح بيها فستان الفرح اللي اتلبس زمان وأنتِ مكسورة، عشان تلبسيه المرة دي وأنتِ ملكة.”
الكلام هزني من جوايا، طارق كان الحب الحقيقي الوحيد اللي دَخل حياتي قبل ما الدنيا تلطش بيا. بس أنا مبقتش مروة بتاعة زمان اللي بتمشي ورا مشاعرها.. أنا دلوقتي أم، ومسؤولة عن بنت بتكبر كل يوم.
بصيت له وقلت بهدوء:
* “طارق.. الكلام ده فات عليه سنين، وأنا حياتي دلوقتي متمحورة حوالين بنتي وشغـ . ـلي. أنا مبقتش بدور على راجل يكملني، أنا كملت نفسي بنفسي.”
رد عليا بثقة:
* “وأنا مش جاي أكملك.. أنا جاي أشاركك نجاحك، وأكون سند ليكي ولـ ليان. أنا مش حسام يا مروة، أنا شاريكِ باللي فات واللي جاي.”
طلب مني أفكر واديلو فرصة، ومشي وسابني في حيرة جديدة.. حيرة بين قلب بدأ يدق تاني بعد ما مـ . ـات، وبين خـ . ـوف من إني أدخل راجل جديد حياتي وحياة بنتي بعد كل اللي شوفته.
عدى أسبوع، وفي يوم وأنا خارجة من الأتيليه بالليل، لقيت أحمد (طليقي) واقف مستنيني وعلامـ . ـات الغضـ . ـب والتوتر باينة على وشه بشـ . ـكل غريب. قرب مني وقال بصوت جهوري:
* “مروة! إيه الكلام اللي أنا سـ . ـمعه ده؟ مين الراجل اللي بيجيلك الأتيليه كل يوم ده؟ وأنتِ إزاي تسـ . ـمحي لنفسك تدخلي راجل حياتك وحياة بنتي؟!”
بصيت له بصدمة من أسلوبه اللي رجع فيه للتحكم القديم، وقلت له بحسـ . ـم:
* “أحمد! الزم حدودك.. أنت هنا أب لليان وبس، ومصادري وحياتي الشخصية ملكش أي حق تتدخل فيها!”
وفجأة، وقبل ما أحمد يرد، ظهر طارق من وراه وقال بنبرة حـ . ـادة وكلها تحدي:
* “اظن الست قالتلك مالكش دعوة بحياتها.. أبعد عنها يا أحمد، عشان مروة مبقتش لوحدها!”
الوضع اتمزق بين الاتنين، الشارع بقى هادي وأنا واقفة في النص بين ماضي ندمان وعايز يرجع يتحكم، وماضي تاني راجع بحب قديم وعايز يمتلك.. وفجأة تليفوني رن، وكانت الخادمة اللي قاعدة مع ليان في البيت، صوتها كان بيصـ . ـرخ ويترعش:
* “يا مدام مروة الحقيني!! ليان مش موجودة في أوضتها.. والباب كان مفتوح وفيه جواب محطوط على سريـ . ـرها!!”
الدم هرب من عروقي، الجواب؟! ليان اختفت؟! بصيت لأحمد ولطارق وأنا بصـ . ـرخ: “بنتي!!”..