مرات ابني مدت ايدها عليه انجي الخطيب

مرات ابني مدت إيديها عليا وعورتني. وبعدها بساعتين اتنين، لقيت ابني باعتلي رسالة بيقولي فيها: “ابعدي عننا”. رديت عليه بكلمة واحدة: “حاضر”.. وكنت أقصدها من كل قلبي. سحبت ظهري ودعمي المالي اللي كنت مأمنالهم بيه بيتهم الجديد في سكات، وبعدها بكام ساعة عرفت إن البنك رفض يديهم القرض.

عمري في حياتي ما كنت أتخيل إن مي ممكن تعمل كده وتوصل للدرجة دي!

مش هي دي البنت اللي وقفت جنبها وسندتها يوم ما اتقبلت في كلية التمريض..

ولا هي البنت اللي وقفت في مطبخي زمان وهي بتعيط ودموعها مغرقاها، ووعدتني إنها هتعوضني عن كل حاجة عملتها، وأنا يومها طبطبت عليها وقلت لها: “يا بنتي ركزي في امتحاناتك وبس”.

علشان كده الوجع المرة دي مختلف..

دي مش غدر من حد غريب.. دي طعنة من حد عارف كويس أوي إيه الحتة اللي بتوجعني وضرب فيها.

في ثانية.. كل حاجة اتهدت

الحكاية حصلت في مطبخهم.. المطبخ الأمريكاني المفتوح اللي كاشف البيت كله.

كان فيه صينية أكل كبيرة على الرخامة، نصها مأكول.

وكارنيه الشغل بتاع ابني أحمد كان متعلق في شنطته جنب الباب..

كل حاجة كانت باينة طبيعية وهادية وزي الفل.. لحد ما في ثانية كل ده اتقلب!

صوت مي بدأ يعلى.. ملامح وشها اتغيرت وعينها اسودت.

ولقيتها بتمِد إيديها وبتزقني قبل ما ألحق حتى أستوعب هي بتعمل إيه!

فجأة لقيت نفسي بترمي لورا، ورسغ إيدي خبط بكل عزم فيه في حرف الترابيزة.. ألم رهيب وسكاكين ضربت في جسمي كله.

في اللحظة دي.. الدنيا كلها سكتت.

مي بصتلي وهي مستنية أشوف هعمل إيه، وبعدين قالتلي ببرود وغرابة عمري ما شوفتهم:

“إنتِ مش مرحب بيكي هنا تاني.”

قالتها بثبات وثقة، كأنها مسجلاها وبتحفظها من زمان. وبعدها لفت ضهرها ومشت.. ببساطة كدة! كأني كنت حمل تقيل وزاحته من على قلبها.

فضلت قاعدة على الأرض فترة طويلة.. مش عشان مش قادرة أقوم، لأ.. عشان مش قادرة أصدق!

أنا عندي 62 سنة، وعمري ما كنت ست ضعيفة. أنا ربيت أحمد لوحدي في ظروف تِهد الجبال.. سفر وشغل ومرمطة وسهر بالليالي جنبه وهو بيذاكر. كل ده علمني الصبر والتحمل، بس عمري ما كنت مستعدة للصمت والندالة دي.

أحمد ما نزلش.. ماسمعتش خطواته.. ماسمعتش باب بيتفتح.. ولا حتى سمعت كلمة “ماما؟”

مفيش.. صمت تقيل ويخنق.

الرسالة اللي قطّمت ضهري

نزلت ركبت عربيتي.. الشمس كانت طالعة وحامية بشكل مستفز، كأن الدنيا مفيش حاجة حصلت فيها وحياتي أنا بس اللي اتهدت. مسكت الدركسيون بإيدي السليمة وبقيت أحاول أهدي نفسي.. وفجأة الموبايل رن.

رسالة من أحمد:

“ياريت ما ترجعيش هنا تاني. كده أحسن.. ابعدي عننا.”

كلمة “عننا” دي وجعتني أكتر من زقة مراته..

ماقالش عني.. ماقالش أنا آسف.. ماقالش استني أفهم إيه اللي حصل..

قال “عننا”.. كأنه استغنى وعملي بلوك من حياته خلاص.

طلعت على طول على المستشفى.. الممرضة كانت ذوق وهي بتكشف عليا. إيدي كانت ورمت وزرقت.. عملولي جبيرة مؤقتة وكتبولي على مسكنات وأوراق. ولما الممرضة سألتني: “تحبي نعمل محضر ونبلغ؟”

قلت لها: “مش النهارده..”

بس جوايا.. كان فيه حاجة اتمحت واتغيرت للأبد.

الرد في سكات

تاني يوم الصبح.. عملت كوباية الشاي بتاعتي، وفتحت الدرج اللي شايلة فيه ملف الطوارئ..

العقود، وأوراق البنك، ومستندات الضمان.. الحاجات اللي الواحد بيشيلها وهو عارف إن كلام الناس بيتغير، بس الإمضاءات والتوقيعات مابتتغيرش.

من شهر بالظبط كانوا قاعدين قدامي، ووشوشهم كلها براءة ورجاء.. أحمد قالي: “يا ماما، أبوس إيدك بس لحد ما البنك يخلص الإجراءات.. ومي هتبدأ شغل قريب.. بالله عليكي ده بيت أحلامنا”.

وكالعادة.. قلبي حن وقلت ماشي.

بس المرة دي.. لأ.

دخلت على حساب التمويل العقاري، ولقيت اسمي لسه موجود كضامن أساسي للقرض، ومن غيري مفيش موافقة نهائية.. الإجراءات لسه مخلصتش، وكل حاجة كانت واقفة على خطوة مني.

أنا ما اتخانقتش.. ولا اتصلت عاتبت.. ولا هددت.. ولا حتى نبهتهم.

دخلت بهدوء، شيلت اسمي وسحبت ضمانتي.. وبس.

وبعدها فتحت رسالة أحمد، وكتبت الكلمة اللي قفلت بيها الكتاب: “حاضر.”

قفلت الموبايل وحطيته مقلوب على الرخامة.. وسمعت صوت غلاية الشاي وهي بتفصل وبتسكت.

وفي مطبخي الرايق والهادي.. حسيت إن قراري ده تمنه غالي بس صَح.. زي باب فضل موارب ومطوّح سنين طويلة، وأخيرًا قفلته بالترباس.

وفي الناحية التانية من المحروسة.. كان فيه تليفون في بيت أحمد ومي، على وشك إنه يرن من البنك ويقلب حياتهم جحيم.

🔥 يتبع…

البيت لما بيفضى من الدوشة الكدابة، بيبقى ليه هيبة.

فضلت قاعدة في مطبخي، باصة لكوباية الشاي اللي بخارها بيقل تدريجيًا لحد ما سِكتت تمامًا. الموبايل مِرمي على الرخامة وشّه لتحت، كأنه جث..ة هامدة مش عايزة تبص في وشي. الوجع اللي في رسغي كان بينبض مع كل دقة قلب، بس النبض اللي في دماغي كان أقوى.. كان بيقولي إن اللي اتكسر جوة الروح، مبيصلحوش تِجبيس المستشفيات.

أنا مش مكسورة.. أنا مذهولة.

مذهولة من فكرة إن الولد اللي أنا شيلت شيلته لوحدي، الولد اللي كنت بنزل في عز المطر والبرد بليل علشان أجرى بيه على الدكاترة لما يسخن، الولد اللي كنت بوفر اللقمة من بقي علشان يلبس أحسن لبس ويروح أحسن مدارس.. يقف يتفرج على مراته وهي بتمد إيدها عليا، ويهون عليه يبعتلي رسالة “ابعدي عننا”.

الكلمة دي كانت بتلف في ودني زي الدبان الأزرق.. “عننا”.. يااااه على الجحود!

### زلزال في الشقة التانية

في نفس اللحظة دي، وعلى الناحية التانية من المدينة، الشمس كانت لسه ضاربة في صالة شقتهم الجديدة.. الشقة اللي لسه ريحة البوهية والتراب مغرقاها، واللي لسه كرتونة الأجهزة الكهربائية متستفة في المَمر.

مي كانت واقفة في المطبخ الأمريكاني، ماسكة كوباية ميه بتبلع بيها ريقها الناشف، وملامحها فيها انتصار مشوه.. انتصار حد حاسس إنه أخيرًا فرض سيطرته وطرد “العدو” من مملكته. وأحمد كان قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه، باصص للبيت اللي لسه مكملش، وجواه صراع تافه.. صراع واحد عارف إنه غلط بس كبريائه وعِلّه مخلينه مش قادر ينطق.

فجأة، الموبايل بتاع أحمد رن.

النغمة العادية بتاعة الرنين كانت في اللحظة دي شبه جرس الإنذار. أحمد رفع عينه وبص للشاشة.. كان رقم غريب، بس هو حافظ أول كام رقم منه.. ده رقم خدمة العملاء وإدارة الائتمان في البنك.

أحمد رد بسرعة، وصوته كان فيه نبرة لهفة: “أيوة.. مع حضرتك يا فندم.. أستاذ أحمد معيا؟”

جاله صوت الموظف، صوت بارد ورسمي، من الأصوات اللي بتنزل الأخبار الكارثية ببرود مستفز:

“أهلاً بحضرتك يا أستاذ أحمد. بنكلمك بخصوص طلب التمويل العقاري الخاص بالشقة رقم 4 في الكومباوند.. كنا حابين نبلغك إن الطلب تم رفضه نهائيًا من الإدارة العامة للائتمان.”

أحمد حس إن الأرض اتهزت تحت رجليه، الدم هرب من وشه في ثانية، وقف من على الكنبة وهو مش متزن: “رفض؟! رفض إزاي يا فندم؟ إحنا مخلصين كل حاجة، والورق كله تمام، والموافقة المبدئية كانت طالعة من أسبوع! إنت أكيد فيه حاجة غلط عندك في السيستم!”

الموظف كح كحة خفيفة وقاله بنفس البرود: “مفيش غلط يا فندم. السيستم مسمع إن الضامن المتضامن في القرض، اللي هي الوالدة الأستاذة.. قامت الصبح بسحب طلب الضمان وإلغاء التوقيع الإلكتروني بتاعها، وتقديم طلب رسمي برفع اسمها من المديونية. وبما إن دخلك الشخصي لوحدك ميتناسبش مع حجم القسط الشهري للشقة، فالقرض اترفض لعدم كفاية الجدارة الائتمانية. وحضرتك مطالب بسداد مقدم التعاقد بالكامل للشركة العقارية خلال 48 ساعة، وإلا الشقة هتنزل إعادة بيع وهيتم تطبيق غرامة إلغاء التعاقد.”

أحمد الموبايل كان هيقع من إيده: “طب.. طب مفيش أي حل تاني؟ طب لو دخلت مراتي معايا؟”

الموظف رد بقلة حيلة: “مدام مي لسه متعينت ش جديد في المستشفى كتمريض، ومفيش بيان مفردات مرتب يغطي الاستعلام.. للأسف يا فندم، الملف اتقفل. يومك سعيد.”

### اللف في الساقية

الخط قطع.

أحمد فضل واقف في مكانه كأنه تمثال شمع.. الصدمة لجمت لسانه. مي شافت منظره، الكوباية كانت هتقع من إيدها، جريت عليه وهي بتنهج: “في إيه يا أحمد؟ البنك قالك إيه؟ القرض وافقوا عليه صح؟ هنستلم العقد إمتى؟”

أحمد بص لها بنظرة غريبة.. نظرة مخلوطة بغضب وندم وخوف.. صوته طلع مخنوق، زي صوت واحد بيغرق: “أمي سحبت الضمان.”

مي برقت عينها، واللون الأحمر طلع في وشها: “يعني إيه سحبت الضمان؟ هي هتلعب عيال؟ مش كانت ممضية ووافقت؟!”

أحمد صرخ فيها لأول مرة من ساعة ما اتجوزوا، صوته هز حيطان الشقة الفاضية: “مش هتلعب عيال!! أمي دخلت الصبح لغت كل حاجة! شالت اسمها! البنك رفض القرض يا مي! الشقة ضاعت.. الشقة اللي دفعنا فيها كل تحويشة عمري ودم قلبي ضاعت! والشركة عايزة باقي الفلوس كاش في ظرف يومين يا إما هيسحبوا الشقة ويغرمونا!”

مي قعدت على طرف الكرسي، مذهولة.. كبريائها اتهان في ثانية: “طب.. طب كلمها.. قولها إنتِ بتخربي بيت ابنك؟ كلمها اخرب الدنيا فوق دماغها!”

أحمد ضحك ضحكة وجع، ضحكة واحد بدأ يفوق على الكابوس: “أكلمها أقولها إيه؟ أقولها ارجعي اضمنيلي الشقة بعد ما مراتي مدت إيدها عليها وطردتها؟ أقولها إيه بعد ما بعت لها رسالة بقولها ابعدي عننا وهي ردت بكلمة واحدة: حاضر؟ أمي لما بتقول حاضر، بتبقى قفلت الباب بالترباس يا مي.. إنتِ مش عارفاها.. أمي مابتزعقش، أمي بتفعل في سكات.”

### عزة النفس في المطبخ الهادي

في نفس الوقت ده، كنت أنا قمت غيرت هدومي.. لبست عبايتي البيتي المريحة، وسندت إيدي اللي في الجبيرة على مخَدة صغيرة وأنا قاعدة في الصالون. البيت كان نضيف وهادي، ريحة البخور اللي ولعته كانت مالية المكان.

تلفوني بدأ ينور.. شاشته نورت باسم “أحمد”.

ما اهتزيتش. ولا حتى قلبي دق بسرعة زي زمان لما كنت بشوف اسمه وأترعب ليكون جرى له حاجة.

الموبايل رن.. ويفصل.. ويرجع يرن تاني.. ويفصل.

وبعدين بدأت الرسائل تيجي ورا بعضها على الواتساب:

“ماما أرجوكي ردي عليا.”

“ماما إنتِ بجد عملتي كده؟ الشقة هتروح مننا!”

“ماما إحنا مالناش ذنب في اللي حصل، ده كان سوء تفاهم، مي كانت متنرفزة والظروف ضاغطانا.”

قريت الرسائل من برة الشاشة، من غير ما أفتح الشات حتى عشان ميبانش إني شفتها. كلمة “سوء تفاهم” دي ضحكتني.. المَـد بالأيد بقا اسمه سوء تفاهم؟ الطرد من البيت بقا اسمه ظروف ضاغطانا؟

الناس دي بتفصل الأخلاق على مقاس مصلحتها. لما كانوا عايزين الفلوس والضمان، كنت أنا “ماما حبيبتي البركة اللي مالناش غيرها”. ولما حست إن الشقة بقت في جيبها، بقيت أنا “اللي مش مرحب بيا هنا تاني”.

قمت بهدوء، دخلت المطبخ عشان أجهز غدا خفيف لنفسي. الحركة بإيد واحدة صعبة، بس مش أصعب من العيشة بكرامة مكسورة. وأنا بقطع الخضار، افتكرت يوم ما أحمد جه قالي إنه عايز يتجوز مي.. افتكرت إني كنت معترضة في الأول مش عشان حاجة، بس عشان كنت حاسة إن عينيها فيها طمع وجحود مش مريحين.. بس عشان بحبه، قولتله “يا بني اللي تختارها قلبي هيحبها عشان خاطرك”.

يا خسارة الخاطر لما يتكسر.. ويا خسارة العمر اللي يضيع على ناس مبيطمرش فيهم.

### المواجهة المؤجلة

الساعة بقت 6 بالليل، والباب بتاع شقتي خبط.. الخبط كان ورا بعضه، خبط مرعوب ومتوتر.. خبط حد جاى يستجدي، مش حد جاى يزور.

عرفت دقات إيده.. دي دقات إيد أحمد.

مشيت لحد الباب بخطوات بطيئة وثابتة. فتحت الباب.. وقفت في النص، ومسكت طرف الباب بإيدي السليمة، باصة له.

أحمد كان واقف، وشه دبلان، وعينه حمرا من كتر التفكير واللف طول النهار على البنوك والشركات عشان يشوف أي مخرج وملقاش. بص لإيدي المتجبسة، وشفته اتهزت، وحسيت إنه للحظة كان عايز يوطي يبوسها.. بس عزة نفسي أنا كانت واقفة حيطة سد بيني وبينه.

سكت ثواني وهو بيبصلي، وصوته طلع مرعش: “ماما.. إنتِ بجد هنت عليكي؟”

بصيت في عينه بكل برود وثبات، البرود اللي اتعلمته من سنين الشغل والمرمطة، وقلتله بنبرة هادية مفيهاش نقطة عتاب واحدة: “إنت اللي هنت على نفسك يا أحمد.. والرسالة بتاعتك وصلت، وأنا نفذت.. مش إنت قولتلي ابعدي عننا؟ وأنا قولتلك حاضر.. زعلان ليه بقى دلوقتي؟”

🔥 **يتبع…**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *