كان ابنى البالغ من العمر 2
2
ساد الصمت.
صمت طويل وثقيل.
حتى إنني استطعت سماع دقات الساعة المعلقة على الحائط.
ظل محمود ينظر إليّ دون أن يجيب.
ثم قال أخيرًا:
“لا أفهم قصدك.”
قلت بغضب:
“بل تفهم جيدًا.”
ثم أخبرته عن الجوارب.
وعن البقع الصفراء.
وعن خوف آدم من الطبيب.
وعن الانتفاخ الذي رأيته في قدمه.
وكلما كنت أتكلم كان وجه محمود يزداد شحوبًا.
حتى شعرت أنني أصبت الهدف أخيرًا.
وعندما انتهيت من الكلام ظل صامتًا للحظات.
ثم قال:
“أختي… يمكننا أن نتحدث على انفراد؟”
وهنا ازداد خوفي.
لأن طلبه هذا أكد لي أن هناك شيئًا فعلًا.
نظرت إليه.
ثم قلت:
“تكلم هنا.”
قال بتوتر:
“أرجوكِ.”
في تلك اللحظة خرج آدم من غرفته.
وكان واضحًا أنه سمع جزءًا من الحديث.
نظر إلى محمود.
ثم نظر إليّ.
وشعرت أن الخوف يملأ وجهه الصغير.
قلت بحزم:
“أحدكما سيتكلم الآن.”
لم يرد أحد.
فأضفت:
“أقسم أنني إذا لم أعرف الحقيقة هذه اللحظة فسآخذ آدم إلى المستشفى فورًا.”
وما إن قلت ذلك حتى انفجر آدم بالبكاء.
بكاءً شديدًا جعلني أركض نحوه فورًا.
احتضنته.
وحاولت تهدئته.
لكنه ظل يبكي.
ثم قال بين شهقاته:
“أنا آسف يا أمي…”
شعرت بقلبي ينقبض.
وسألته:
“على ماذا يا حبيبي؟”
نظر إلى محمود.
وكأنه ينتظر إذنًا منه.
وهنا شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لماذا ينظر إلى خاله قبل أن يجيب؟
وما الذي يجعله خائفًا إلى هذه الدرجة؟
قلت بصوت مرتجف:
“آدم… أخبرني بالحقيقة.”
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
“وعدته ألا أخبرك.”
تجمدت في مكاني.
والتفت ببطء نحو محمود.
أما هو فخفض رأسه إلى الأرض.
فقلت بحدة:
“وعدته؟ على ماذا؟”
لكن آدم عاد يبكي.
ولم يكمل.
أما محمود فبدا وكأنه يصارع شيئًا داخله.
شيئًا ظل يخفيه طوال الأيام الماضية.
ثم رفع رأسه أخيرًا.
ونظر نحوي مباشرة.
وقال بصوت منخفض:
“أختي… اسمعيني أولًا قبل أن تحكمي عليّ.”
شعرت بأن معدتي انقبضت.
ولم أعد أعرف ما الذي سأسمعه.
هل كان الأمر يتعلق بآدم؟
هل كان يتعلق بقدمه؟
أم أن الحقيقة أكبر مما أتخيل؟
قال محمود:
“أقسم بالله أنني لم أكن أريد أن يصل الأمر إلى هذا الحد.”
ثم سكت.
وأخذ نفسًا طويلًا.
بينما كنت أنتظر كلماته التالية وكأن حياتي كلها متوقفة عليها.
لكن قبل أن يكمل…
انفجر آدم بالبكاء مرة أخرى.
وأمسك بذراع خاله بقوة.
وصرخ:
“لا تقل لها!”
عندها شعرت أن الأرض تميد بي.
لأنني أدركت للمرة الأولى أن السر الذي يخفيانه ليس موجودًا في رأسي فقط.
بل هو حقيقي.
وحين نظرت إلى محمود رأيت في عينيه شيئًا لم أره من قبل.
شعورًا ثقيلًا بالذنب.
ثم قال أخيرًا:
“الذي حدث لم يكن كما تظنين…”
وسكت للحظة.
ثم أضاف بصوت مكسور:
“لكن الخطأ كله كان بسببي.”
ظللت أحدق في محمود بعد اعترافه.
كان آدم يبكي بجواره.
أما أنا فكنت أشعر أن رأسي يكاد ينفجر من كثرة الأسئلة.
قلت بصوت مرتجف:
“تكلم يا محمود… ماذا حدث بالضبط؟”