هو انتى متأكدة ان الشنطة دي بتاعتك

“أنا بدور عليكي من 18 سنة.”

 

الجملة وقعت على سارة كأنها صدمة.

 

بصت للرجل قدامها.

 

وبعدين للخطاب اللي عليه اسمها.

 

وبعدين رجعت تبصله تاني.

 

وقالت بصوت مهزوز:

 

“حضرتك تعرفني؟”

 

لكن ياسين ما ردش فورًا.

 

كان باصص للصورة القديمة اللي جوه الشنطة.

 

الصورة نفسها اللي كانت لطفلة صغيرة واقفة جنب راجل بسيط قدام بيت ريفي.

 

الصمت انتشر في المحطة كلها.

 

حتى الناس اللي كانت بتصور بالموبايل بطلت كلام.

 

أخيرًا…

 

قال ياسين:

 

“أبوك كان اسمه جمال، صح؟”

 

اتسعت عيناها.

 

لأن محدش هنا يعرف اسم أبوها.

 

هزت رأسها ببطء.

 

فأخرج ياسين نفسًا طويلًا وقال:

 

“كنت خايف أكون وصلت متأخر.”

 

سارة بدأت تشعر إن الأرض بتميل تحتها.

 

وقالت:

 

“وصلت لإيه؟”

 

لكن قبل ما يرد…

 

وصل مدير المحطة ومعاه أفراد الأمن.

 

واضح عليهم الارتباك.

 

لأنهم قبل دقائق كانوا بيحققوا معاها باعتبارها مشتبه بها.

 

أما الآن…

 

أغنى شخص في المكان واقف قدامها وكأنه يعرفها من زمان.

 

أشار ياسين للجميع وقال:

 

“سيبونا لوحدنا.”

 

في أقل من دقيقة…

 

اختفى معظم الناس.

 

وبقيت سارة واقفة معاه في مكتب صغير يطل على الأرصفة.

 

وما إن أغلق الباب…

 

حتى وضع الخطاب أمامها.

 

وقال:

 

“افتحيه.”

 

إيديها كانت بترتعش.

 

لكنها فتحت الظرف.

 

وفي الداخل…

 

ورقة واحدة فقط.

 

مكتوب عليها بخط قديم:

 

“لو بتقرا الرسالة دي يبقى أنا غالبًا ما بقيتش موجود.”

 

شهقت سارة.

 

لأنها عرفت الخط فورًا.

 

كان خط أبوها.

 

بدأت الدموع تملأ عينيها وهي تكمل القراءة.

 

“يا ياسين…

 

لو حصلي حاجة قبل ما أنفذ وعدي، أوصيك على بنتي.

 

أنا عارف إنك هتوفي بوعدك.”

 

توقفت سارة عن القراءة فجأة.

 

ورفعت رأسها.

 

“إيه ده؟”

 

جلس ياسين على الكرسي المقابل.

 

وقال بهدوء:

 

“أبوك أنقذ حياتي.”

 

سكتت.

 

فأكمل:

 

“من عشرين سنة تقريبًا كنت شاب مفلس.

 

عندي حلم أكبر من إمكانياتي.

 

وفي يوم خسرت كل حاجة.”

 

نظر إلى النافذة للحظة.

 

ثم أكمل:

 

“الوحيد اللي وقف جنبي كان أبوكي.”

 

سارة كانت تسمع وكأنها تسمع قصة عن شخص آخر.

 

لأن والدها لم يكن غنيًا.

 

ولا مشهورًا.

 

ولا صاحب نفوذ.

 

كان مجرد موظف بسيط.

 

لكن ياسين تابع:

 

“باع قطعة أرض ورثها عن جده.”

 

اتجمدت سارة مكانها.

 

لأنها سمعت أمها تتكلم عن الأرض دي عشرات المرات.

 

وقال:

 

“وأعطاني ثمنها بالكامل.”

 

نزلت دمعة من عين سارة.

 

أما ياسين فأكمل:

 

“وقتها قلتله هرد الدين.”

 

ابتسم بحزن.

 

“لكنه رفض.”

 

ثم أشار للخطاب.

 

“وقال لو عايز ترد الجميل… حافظ على بنتي لو احتاجتك يوم.”

 

ساد الصمت.

 

صمت ثقيل.

 

ثم قالت سارة:

 

“لكن أنا عمري ما احتجت حاجة.”

 

ابتسم ياسين ابتسامة صغيرة.

 

وقال:

 

“وده السبب اللي خلاني أبحث عنك كل السنين دي.”

 

استغربت.

 

فأكمل:

 

“كل ما كنت أوصل لخيط يضيع.”

 

“كل عنوان أروحله يكون اتغير.”

 

“كل رقم أتصل بيه يكون اتقفل.”

 

ثم أخرج ملفًا من حقيبته.

 

ملفًا سميكًا جدًا.

 

ووضعه أمامها.

 

فتحت أول صفحة.

 

فوجدت صورتها.

 

وهي في الجامعة.

 

الصفحة الثانية.

 

صورة لها في معرض فني صغير.

 

الصفحة الثالثة.

 

عنوان شقتها القديمة.

 

رفعت رأسها بذهول.

 

“إيه ده؟”

 

قال:

 

“رحلة البحث عنك.”

 

لكن قبل أن تستوعب ما يحدث…

 

رن هاتف ياسين فجأة.

 

نظر إلى الشاشة.

 

وفجأة…

 

اختفت كل ملامح الهدوء من وجهه.

 

وقف بسرعة.

 

وقال:

 

“مستحيل.”

 

ثم نظر إليها مباشرة.

 

وقال جملة واحدة فقط:

 

“واضح إنهم عرفوا إنك لقيتي الشنطة.”

 

تجمدت سارة.

 

وقالت:

 

“مين؟”

 

لكن ياسين لم يجب.

 

لأن في نفس اللحظة…

 

انطفأت أنوار المكتب بالكامل.

 

وسُمع صوت ارتطام قوي في آخر المحطة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *