مراتي اشتغلت وخدت قرض
مراتي اشتغلت وخدت قرض عشان تفتحلي مشروع، وبعد ما نجح المشروع كتبت المحل باسم أمي وطردتها منه
اسمي كريم.
وعندي 38 سنة.
ولو حد قالي من عشر سنين إني هبقى السبب في ضياع أكتر إنسانة حبتني في حياتي كنت هفتكره مجنون.
لأن الحقيقة إن مراتي منى كانت واقفة جنبي في الوقت اللي الكل سابني فيه.
لما اتفصلت من شغلي.
ولما قعدت سنة كاملة بدور على فرصة ومش لاقي.
ولما الديون بدأت تتراكم والإيجار يتأخر.
هي الوحيدة اللي ما اشتكتش.
ولا مرة قالتلي إني فاشل.
ولا مرة عايرتني إني مش قادر أصرف على البيت.
بالعكس.
كانت كل يوم تصحيني وتقولي
متقلقش يا كريم ربنا هيكرمنا.
لحد ما في يوم رجعت من شغلها وقالتلي
أنا عندي فكرة.
بصتلها باستغراب.
قالت
إنت طول عمرك شاطر في الأجهزة والصيانة ليه ما تفتحش محل خاص بيك؟
ضحكت وقتها.
وقلتلها
بأي فلوس؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت حاجة عمري ما أنساها.
قالت
أنا هتصرف.
بعد أسبوعين عرفت إنها خدت قرض من البنك باسمها.
قرض كبير بالنسبة لمرتبها.
ولما زعلت ورفضت.
قالتلي
أنا مؤمنة بيك.
الكلمتين دول كانوا كفاية يخلوني أعيط.
وبدأنا.
محل صغير جدًا.
إيجاره رخيص.
ودهانه قديم.
وحتى اليفطة كانت مستعملة.
لكن منى كانت بتشتغل الصبح في وظيفتها.
وترجع تساعدني بالليل في الحسابات.
وأوقات كتير كانت تدفع أقساط القرض من مرتبها.
لأن المحل في أول سنة ما كانش بيكسب تقريبًا.
لكن هي عمرها ما فقدت الأمل.
أما أمي
فكانت طول الوقت تقول
الفلوس دي راحت هدر.
مراتك مش فاهمة حاجة.
المحل ده عمره ما هيقوم.
لكن منى كانت تبتسم وتسكت.
وبعد 3 سنين
المحل نجح.
نجح بشكل ما كنتش أتخيله.
بقينا فاتحين فرع تاني.
والشغل بقى كتير.
والفلوس بدأت تدخل.
وهنا
بدأت أمي تتغير حكايات بسمه
فجأة بقت تقول للناس
أنا اللي نصحت ابني بالمشروع.
أنا اللي وقفت جنبه.
والمصيبة إني صدقتها.
بقيت أسمع كلامها أكتر من كلام مراتي.
وبقيت أحس إن منى بتبالغ لما تشتكي من تدخلاتها.
لحد ما في يوم أمي قالتلي
لازم تأمن مستقبلك.
سألتها
إزاي؟
قالت
اكتب المحل باسمي.
ضحكت وافتكرتها بتهزر.
لكنها كملت بجدية
لو مراتك زعلت منك يوم وخدت نص اللي عندك هتعمل إيه؟
لو سابتك؟
لو طمعت؟
كل يوم كانت تزرع فكرة جديدة في دماغي.
لحد ما للأسف
اقتنعت.
ومن غير ما أقول لمنى.
ومن غير ما أفتكر إنها صاحبة القرض وصاحبة الفضل بعد ربنا.
نقلت ملكية المحل باسم أمي.
وفي اليوم اللي عرفت فيه
بصتلي نظرة عمري ما هنساها.
نظرة واحدة خلتني أحس إني غريب عنها.
لكن الصدمة الأكبر ما كانتش في دموعها.
ولا في سكوتها.
الصدمة كانت بعد شهر واحد بس
لما دخلت المحل الصبح ولقيت أمي واقفة عند الباب، ومنى برا في الشارع.
ولما سألت في إيه
أمي قالت بمنتهى البرود
طردتها.
اتجمدت مكاني.
وقبل ما أستوعب اللي سمعته
أمي قالت الجملة اللي قلبت حياتي كلها
حكايات بسمه
أمي بصتلي ببرود وقالت دي مش ملكها، المحل ده ملكي أنا، وأنا مش عايزة غريبة تعتب عتبة بيتي أو شغلي بعد كده.. من النهاردة مفيش منى، فيه أنا وكريم بس.
في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتنشق وتبلعني. منى كانت واقفة بتبصلي، مش بتبص لأمي، بتبص ليا أنا.. كانت بتبص لشخص هي اللي صنعته من العدم، لشخص هي اللي شالت ديونه، وهي اللي راهنت بكل حياتها عشانه. النظرة دي ما كانش فيها حقد، كان فيها شفقة.. شفقة على راجل باع أغلى ما يملك عشان يرضي أمه اللي كانت طول عمرها هي سبب تعاسته.
منى مشيت. ماصرختش، ماكسرتش المحل، ماطلبتش فلوس. مشيت بخطوات هادية، تاركة وراها إمبراطورية هي اللي حطت طوبتها الأولى.
أنا وقفت مصدوم، حاولت ألحقها، لكن أمي مسكت إيدي وقالت رايح فين؟ دي خاينة، سيبها تغور!
صرخت في وش أمي خاينة؟ خاينة مين يا أمي؟ دي اللي سددت قرض البنك من دم قلبها عشان أنا أقف على رجلي!
أمي ردت ببرود أكبر القرض ده دين عليها هي، وأنا سددتهولها من أرباح المحل اللي بقى بتاعي.. دلوقتي أنت بقيت تبعي أنا.
بصيت لأمي، ولأول مرة شفت الوش الحقيقي للشر. كنت فاكرها بتخاف عليا، طلعت بتخاف بس على نفوذها وقدرتها على التحكم فيا.
اليوم اللي بعده كان الكارثة. منى ما كانتش بتهدد، منى كانت عقلانية. لقيت إخطار من المحكمة. منى مش بس سابتني، منى رفعت قضية شراكة في المحل. هي عندها كل العقود، وكل التحويلات البنكية، وكل إثباتات إنها هي اللي خدت القرض، وإن المحل ده مجهود مشترك بنته بدمها وفلوسها.
رحت أدور عليها في شقة أهلها، قالولي إنها سافرت، سابت البلد كلها.
المحل اللي نجح وبقى ليه فروع، بدأ يقع. مش بس لأن منى هي اللي كانت بتدير الحسابات بدقة، لكن لأن الناس اللي كانوا بيتعاملوا معانا كانوا بيتعاملوا عشان منى.. منى اللي كانت بتبتسم في وشهم، منى اللي كانت صبورة، منى اللي كانت روح المحل.
أمي بدأت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، بتطرد الموظفين الكفء، وبتعين قرايبها اللي ميفهموش في
لمحة نيوز
الصيانة حاجة. المحل بدأ يخسر، والديون بدأت تتراكم تاني.
قعدت في المحل لوحدي، وسط الخراب، وفي إيدي صورة منى. فجأة، جاتني رسالة على الموبايل من رقم غريب.. كانت منى.
كاتبة فيها يا كريم.. أنا ما كرهتكيش، أنا بس اكتشفت إنك ابن أمك أكتر ما كنت زوجي. المحل اللي بعتني عشان ترضيه، هيقع على دماغك قريب. أنا دلوقتي في مكان تاني خالص، وبفتح مشروع جديد.. بس المرة دي، باسمي لوحدي.
في اللحظة دي، عرفت إن اللعبة انتهت. أنا خسرت كل حاجة.. خسرت الست اللي كانت سند، وخسرت رجولتي لما سلمت عقلي لغيري.
وقفت في وسط المحل اللي كان يوم من الأيام بيحمل اسم النجاح، دلوقتي ريحته كانت ريحة فشل وكسر خاطر. أمي دخلت عليا بوشها المتعجرف وقالت كريم، فيه كام مورد بيسألوا على فلوسهم، شوف هتدبرهم منين.
بصيت لها، ولأول مرة في حياتي شفتها على حقيقتها، مش الأم الحنينة، بل المرأة المتسلطة اللي دمرت حياتي بيدي. ضحكت ضحكة هستيرية لدرجة إنها خافت وتراجعت لورا.
قلت لها أدبرهم منين؟ من الحيطة؟ إنتي اللي طردتي شريكة النجاح، وإنتي اللي لعبتي في الحسابات، وإنتي اللي دلوقت بتطلبي مني أدبر الفلوس! المحل ده يا أمي، وبموجب التوكيلات اللي هعملها دلوقتي، هبيعه.. وهسدد كل الديون اللي عملتيها، والفراتيت اللي هتتبقى، هبعتها لمنى.
أمي صرخت مجنون! تبيع تعبي؟
رديت ببرود تعبي أنا ومنى.. إنتي ما كنتيش غير حجر عثرة. من النهاردة، أنا لا أعرفك ولا تعرفيني.
بِعت المحل، سددت الديون، ودفعت كل قرش كان باقي ك تعويض في حساب منى البنكي اللي كنت عارفه، رغم إني كنت متأكد إنها مش هتحتاجهم. وبعدها، تركت المدينة كلها، وقطعت علاقتي بالكل.
سافرت محافظة تانية، بدأت شغل ك فني صيانة في شركة كبيرة. كنت برجع بيتي الصغير، اللي بيشبه أول شقة عشنا فيها أنا ومنى، وأنا حاسس إن كل حيطة بتفكرني بخطئي. كنت بشتغل 14 ساعة في اليوم، مش عشان الفلوس، لكن عشان أنسى.
بعد سنة كاملة من العزلة، كنت ماشي في الشارع في مدينتي الجديدة، وسمعت صوت مألوف جداً، صوت بيضحك.. بصيت لقيت منى. كانت بتخرج من محل أجهزة إلكترونية فخم، لابسة لبس شغلها، ومعاها شريكها في العمل. كان شكلها ناجح، واثقة، ومشعّة حياة.
لقيت نفسي بقرب منها تلقائياً. لما شافتني، توقفت. شريكها استأذن ومشي.
وقفت قدامي، وعيونها اللي كانت دايماً بتبصلي بحنان، دلوقت بتبصلي ب حيادية تامة.
قلت بصوت متهدج منى.. أنا بَعت المحل، وسددت كل الديون. الفلوس اللي كانت باقية بعتها لك.. أنا عارف إنها ما تساويش ذرة من اللي خسرتيه، بس كان لازم أعمل ده.
بصتلي وقالت بهدوء كريم.. الفلوس اللي بعتها وصلتني، وأنا اتبرعت بيها لدار أيتام. أنا مش محتاجة فلوسك، أنا كنت محتاجة راجل يقف في ضهري.
سألتها بضعف ممكن نبدأ من جديد؟ أنا اتغيرت.. أنا بقيت واحد تاني.
ابتسمت ابتسامة مريحة، وقالت لي جملة خلتني أدرك إن قصتنا فعلاً خلصت كريم، أنت ما اتغيرتش.. أنت بس اتعلمت الدرس اللي كان لازم تتعلمه من زمان. أنا بقيت إنسانة تانية، إنسانة بتبني حياتها على أسس مش ممكن أي حد يهدها، وأنت.. أنت محتاج تتعلم تعيش مع نفسك الأول قبل ما تعيش مع حد تاني.
مشيت من قدامي، سابتني واقف في مكاني، بس المرة دي، حسيت بنوع من الراحة. عرفت إن التكفير عن الذنب مش معناه إننا نرجع للي فات، معناه إننا نسيب اللي ظلمناهم يكملوا حياتهم بسلام.
كريم النهاردة هو راجل بيشتغل بإيده، بيعتمد على نفسه، وبيتعلم كل يوم إن الأمومة حق، لكن التدخل في الحياة الزوجية جريمة، وإن الشراكة في الجواز هي أقدس عقد في الدنيا، لو اتكسر، صعب أوي يتصلح.