عمري ما وثقت حكايات روماني مكرم 1
عمري ما وثقت في مراتي.. ولا يوم واحد.
وعشان كده، كنت ببعت كل تحويشة عمري لأمي أول بأول..
لكن في اليوم اللي رجعت فيه لبلدي عشان أسترد فلوسي، جملة واحدة بس دمرت حياتي كلها!
طول عمري كنت شايف نفسي راجل حذر، وبحسبها بالورقة والقلم، خصوصاً لما الموضوع يتعلق بالفلوس.
من صغري، وأنا بسمع نفس التحذير بيتكرر من أمي ومبيخلصش. في بيتنا القديم في طنطا، الفلوس مكنتش مجرد ورق أو أرقام في البنك.. الفلوس كانت الأمان، والضهر، والحاجة الوحيدة اللي أمي كانت مقتنعة إنها تقدر تنقذ الراجل لما الدنيا تلطش معاه وكل حاجة تتهد فوق دماغه.
كانت دايماً تقولي جملة اتطبعت في دماغي ومسحتش من يومها:
> “الراجل اللي يسلم رقابته وفلوسه لمراته، بيصحى في الآخر يلاقي نفسه من غير ست ومن غير فلوس.”
>
وأنا عيل صغير، كنت بحس إنها بتبالغ.. بس لما كبرت وبدأت أفهم الدنيا، كلامها بدأ يدخل دماغي ويبقى ليه منطق. خصوصاً إن أمي مكنتش بتقول كلام مرسل، كان دايماً عندها قصة وحكاية لكل تحذير بتقوله.
كانت تحكيلي عن راجل من معارفنا، شقى عمره كله حطه في إيد مراته، وفي يوم وليلة هربت مع راجل تاني وأخدت الجمل بما حمل. وتحكيلي عن قصة واحد قريبنا كتب شقته باسم مراته، وبعد أول خناقة كبّرت بينهم، لقى نفسه مرمي في الشارع، بيبيت عند أصحابه بعد ما ضاع حقه في البيت اللي عاش فيه طول عمره.
يمكن القصص دي كان فيها جزء حقيقي، ويمكن أمي كانت بتزود عليها شوية بهارات من عندها عشان تخوفني.. بس لما تسمع نفس الكلام ونفس التحذير لأكتر من عشرين سنة، الموضوع مبيبقاش مجرد رأي.. بيبقى حقيقة ومبدأ عايش بيه.
وهكذا كبرت.. مؤمن إن الراجل لازم يحمي قرشه بنفسه، وإن مهما حصل، ميسيبش السيطرة على حياته تطلع من إيده.
لما تميت اتنين وتلاتين سنة، اتجوزت من أسماء.
عرفتها في القاهرة، مكان ما كنا شغالين إحنا الاتنين. أنا كنت مهندس ميكانيكا في شركة مقاولات، وأسماء كانت شغالة محاسبة في شركة شحن وتفريغ صغيرة.
أسماء كانت ست أصيلة.. هادية، وشقيانة، وعينها مليانة مكنتش مادية خالص. مكنتش من نوع الستات اللي بيجروا ورا المنظرة والـ”براندات” ويقعدوا يتباهوا بالحاجة، أو يطلبوا طلبات تكسر الظهر. كانت بترضى بقليلها، تحب تشرب الشاي في الحسين، وتتمشى في شوع وسط البلد القديمة، وتهتم بزرع وبلكونة شقتنا، والدفاتر الصغيرة اللي كانت بتسجل فيها كل كبيرة وصغيرة بخطها المنظم المرتب.
يوم فرحنا، ناس كتير قالوا لي نفس الكلمة:
“ربنا رزقك بست بـ 100 راجل.”
“أمثالها بقوا قليلين أوي الأيام دي.”
“دي عاقلة، ومصونة، وتعرف تدير القرش.”
كنت ببتسم وأنا بسمع الكلام ده، بس من جوايا كان فيه صوت قديم وعنيد، عمال يزن بنفس الكلام اللي أمي زرعته فيا من سنين: *أوعى تأمن لها.. إياك تسلمها كل حاجة.*
في أول جوازنا، دنيتنا كانت هادية ومستقرة. عشنا في شقة صغيرة في عين شمس، مكنتش واو ولا واسعة، بس كانت ملمومة ومقضيانا. مطبخ على قدنا، صالة بسيطة، وشباك بيطل على زحمة وأنوار الشارع بالليل، وبلكونة صغنونة أسماء صممت تملأها زرع وقصاري فخار رغم إنها يا دوب بتشيل فردين بالعافية.
كنا بنطحن في الشغل إحنا الاتنين.. وفي كل شهر، كانت تطلع دفتر صغير كدة، وتقعد تسجل فيه مصاريفنا بالقرش: الإيجار، النور، الميه، الغاز، الأكل، المواصلات، وأي فواتير تانية مستنيانا. كانت منظمة جداً.. لدرجة كانت بتخنقني ساعات بصراحة.
في ليلة من الليالي، وإحنا بنتعشى، قالت لي أسماء بهدوء:
“بقولك إيه يا أحمد.. ما تيجي نفتح حساب توفير مشترك في البنك؟”
رفعت عيني وبصيت لها وقلت: “وليه يعني؟”
قالت ببساطة: “عشان مصلحتنا ومستقبلنا.”
كانت بتتكلم بهدوءها المعتاد، وكأنها بتطلب طلب طبيعي جداً، وكملت: “لو فضلنا نحوش بانتظام، يمكن بعد كام سنة نعرف نشتري شقة تمليك.. مش لازم تكون في مكان واو، بس شقة ملكنا ونرتاح من الإيجار وجع الدماغ.”
الفكرة كانت حلوة.. بل حلوة جداً ومنطقية. بس فيه حتة جوايا اتنفضت فجأة وخافت، فقلت لها ببرود: “نشوف الموضوع ده بعدين.. يسهلها ربنا.”
أسماء مألّحتش في الكلام، دي كانت طبيعتها، مبتحبش تضغط على حد. بس بعد كام أسبوع، فتحت السيرة تاني وقالت لي: “إنت قدرت تحوش كام الفترة اللي فاتت؟”
أخدت بؤ شاي وقبل ما أرد قلت لها: “قرشين على قد الحال.”
ابتسمت وقالت: “طيب ما نضم تحويشتنا على بعض، أنا معايا قرشين شايلاهم، وإنت معاك مبلغ، وساعتها هنبقى عارفين بالظبط فاضل لنا قد إيه عشان نشتري الشقة ونبقى على نور.. التخطيط بيبقى أسهل لما نكون عارفين راسنا من رجلينا في الفلوس.”
كلامها كان عين العقل، ومنطقي لدرجة إنها نرفزتني! لإن أنا كنت عارف حقيقة هي مكنتش تعرفها.. إن معظم تحويشة عمري مكنتش معايا أصلاً ولا في البنك هنا.
قلت لها بزهق: “قلنا بعدين يا أسماء، مش وقته.”
هزت راسها بسكوت، ومفتحتش بؤها بقية الليلة.
لكن من اليوم ده، فيه حاجة بدأت تتغير ما بيننا. مش بسبب اللي هي قالته، بس بسبب اللي أنا كنت مخبيه عنها.
كان فيه سر واحد هي متعرفوش.. أنا كل شهر أول ما المرتب ينزل في حسابي، كنت بقص منه حتة محترمة، وأقوم بعتها عل طول لأمي في طنطا.
في الأول كانت مبالغ صغيرة، وبعدين بدأت تكبر مع الوقت.. لحد ما الموضوع بقى عادة وثابت من ثوابت حياتي. طقس ميفوتش شهر من غير ما أعمله.. أقبض، أدفع الفواتير الأساسية، وأبعت الباقي لأمي.
وفي كل مرة، كانت تبعتلي رسالة قصيرة على الموبايل تقول فيها: “اطمن يا قلب أمك.. فلوسك في حرز وأمان.”
ساعتها بس كنت بحس براحة غريبة، وأحط راسي على المخدة وأنام مالي عيني.
مرت السنين.. والمبالغ بدأت تكبر وتزيد. اللي بدأ كتحويشة على قد الحال، بقى مبلغ ضخم عمري ما تخيلت في يوم إني همسكه في إيدي. بعد أكتر من عشر سنين طحن وشغل متواصل، مدخراتي وصلت لحوالي 300 ألف دولار (كنت بحولهم أول بأول لعملة صعبة وشايلهم مع أمي).
مبلغ يشتري أحسن شقة، أو يفتح مشروع كبير، أو يخليني أبدأ من جديد لو الدنيا اتهدت في أي وقت وخسرت كل حاجة.
وعشان كده بالذات.. مكنتش عايز مخلوق يعرف طريق الفلوس دي.. ولا حتى أسماء.
أسماء مكنتش تعرف حجم الفلوس اللي أنا مخبيها، كل اللي كانت تعرفه إني راجل “ناشف” وحريص زيادة عن اللزوم. بس مع مرور الأيام، بدأت تحس بحاجة أنا كنت برفض أعترف بيها.. المسافة.. الشك.. السد الخفي اللي كان بيعلى بيننا يوم ورا يوم.
#حكايات_رومانى_مكرم
وفي ليلة، بعد خناقة تافهة أوي بيننا، أسماء بصت لي وقالت لي جملة.. لسه فاكرها لحد النهاردة بكل تفاصيلها.. بنبرة صوتها، بنظرة عينها.. جملة واحدة بس.
في اللحظة دي أنا مديتش لكلامها أي اهتمام ولا ركزت فيه.. بس بعد فترة مش كبيرة، لما حياتي اتقلبت شقلباظ، عرفت إنها كانت شايفه اللي أنا عميت عنه طول السنين دي كلها.
ولما عرفت الحقيقة في الآخر.. اتمنيت لو كنت سمعت كلامها قبل فوات الأوان.
أسماء مكنتش من الستات اللي بتزعق أو تكسر الدنيا لما تزعل. كانت بتنسحب في هدوء، تروح تقعد في البلكونة وسط الزرع بتاعها، وتمسك الدفتر الصغير وتقعد تكتب.. كأنها بتهرب من واقعها للسطور المنظمة دي.
في الليلة دي، بعد ما الخناقة التافهة خلصت، وقفت في الصالة وبصت لي بنظرة فيها كمية حزن وخذلان عمري ما شفتها في عينيها قبل كده. وقالت لي بالراحة، وبصوت واطي بس هزني من جوايا:
> “أنا مش زعلانة عشان الفلوس يا أحمد، ولا عشان الشقة الإيجار اللي هنعجز فيها.. أنا زعلانة عشان أنا عايشة مع راجل باصص لي طول الوقت على إني حرامية مستنية الفرصة عشان تسرقه.. الشك اللي في عينك بيموتني كل يوم، وبكرة هتعرف إنك ضيعت عمرك بتتحامى في سور من رمل.”
>
سابتني ودخلت الأوضة، وأنا وقفت مكاني ثواني، كلامها ضايقني ونرفزني، بس كالعادة، الشيطان شاطر.. الصوت القديم اللي جوايا صحي وقال لي: *”سيبك منها، ده كلام ستات عشان تكسر مقاديفك وتخليك تحن وتدلها على مكان القرشين”*.. نفضت راسي من كلامها، ونمت وأنا مقتنع إن بكرة تصالحني والدنيا تمشي.
مرت الأيام، وفجأة جالي عقد عمل برة مصر.. سفرية سريعة لمدة سنة ونص في بلد عربي، بمرتب خيالي مكنتش أحلم بيه. أسماء وافقت وشجعتني رغم إنها كانت هتقعد لوحدها، وقالت لي: “سافر يا أحمد، يمكن السفر يغير حالنا.. ويغير اللي جواك.”
سافرت، وهناك الطحن كان أكتر.. المرتب بقى ينزل، أبعت لأسماء مصاريفها ومصاريف البيت في القاهرة بالمليم، والباقي كله—الكتلة الكبيرة—كنت بحولها دولار، وأبعتها عل طول على طنطا.. لأمي.
تليفوناتي مع أمي كانت هي الحاجة الوحيدة اللي بتطمني:
* “وصلوا يا أمي؟”
* “وصلوا يا قلب أمك ودخلوا الحفظ والصون.. متقلقش، شقا عمرك في أيد أمينة، محدش يعرف عنهم الهوا، وأنا شايلاهم لك في مكان ملوش عيون.. انشف كده واجمع عشان ترجع وتعمل اللي نفسك فيه.”
كلام أمي كان بيدي لقلبي الأمان اللي مفتقده في الغربة. وفي نفس الوقت، تليفوناتي مع أسماء كانت بتجف يوم عن يوم. الكلام بقى رسمي.. “عامل إيه؟” “الحمد لله”، “عايزة حاجة؟” “سلامتك”.. لحد ما السنة ونص خلصوا.
يوم نزولي مصر مكنتش قايل لأسماء.. كنت عايز أعملها مفاجأة، وفي نفس الوقت كنت عايز أروح طنطا الأول.. أنزل على بيت أمي، أسترد شقا عمري، الـ 300 ألف دولار اللي بقوا رقم يهز الأرض، أحطهم في حسابي، وأروح لأسماء وأنا رافع راسي، وأقولها: “أهو.. شفتي الحذر عمل إيه؟ شفتي الراجل اللي بيحسبها صح؟”
وصلت مطار القاهرة الصبح، وأخدت عربية ليموزين وطلعت بيها عل طول على طنطا. طول الطريق وقلبي بيدق.. مش من الشوق.. من اللهفة على الفلوس، على الأمان اللي حاربت عشانه وخسرت بسببه حاجات كتير.
دخلت الشارع القديم في طنطا، البيوت زي ما هي، الدكاكين، ريحة الرطوبة في مدخل البيت.. طلعت السلم ولقيت نفسي واقف قدام باب شقة أمي.. خبطت.
فتحت لي أمي.. ملامحها كبرت، بس نظرتها كانت غريبة.. مكنتش نظرة الأم اللي وحشها ابنها اللي بقاله سنة ونص مشافتهوش.. كانت نظرة خضة.. رعب!
* “أحمد؟! يا مرحب يا ابني.. خطوة عزيزة.. بس مش قلت لي إنك جاي؟”
دخلت وأنا بضحك وببوس إيدها: “حبيت أعملها لك مفاجأة يا أمي.. وحشتيني ووحشني تراب البيت.”
قعدنا، شربت الشاي، وأنا مش قادر أصبر.. كنت عايز أطمن، عايز أشوف “الصرة” اللي فيها شقا عمري.. قلت لها بلهفة: “أمي.. إنتي عارفة إني نازل وورايا التزامات ومشاريع.. الفلوس والدولارات اللي كنت ببعتها، كلها تمام مش كده؟ عايز أخدها عشان أنزل القاهرة أودعها البنك.”
هنا.. الهدوء حل في الأوضة.. هدوء قاتل. أمي نزلت عينيها في الأرض، وإيديها بدأت تترعش.. النظرة دي أنا عمري ما شفتها في عيون أمي.. نظرة خوف وهروب.
وقفت وقلبي اتنفض: “في إيه يا أمي؟ مالك؟ الفلوس جرى لها حاجة؟ البيت اتسرق؟”
أمي بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مرعوب ومبحوح:
“يا ابني.. الفلوس.. الفلوس مش هنا..”
دمي هرب من عروقي، وحسيت إن الحيطان بتلف بيا: “يعني إيه مش هنا؟ أنتي شايلاها في بنك؟ قولي لي فين وأنا أتصرف!”
أمي غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط بنشيج يقطع القلب، وقالت الجملة اللي نزلت على دماغي زي الصاعقة.. الجملة اللي دمرت حياتي كلها ومحت كل السنين اللي فاتت في ثانية واحدة:
> “أخوك الكبير يا أحمد.. وقع في ضيقة كبيرة، وكان عليه شيكات وهيتحبس وتضيع عيلته.. ومكنش قدامي غير فلوسك.. أنا اديت له كل الدولارات اللي بعتها يا ابني!”
>
