عمري ما وثقت الاخير

تاني يوم الصبح، صحيت وأنا نامي على الكنبة في الصالة. الشقة كانت هادية، بس هدوء يختلف عن كل يوم.. هدوء تقيل ومخيف.

بصيت على الترابيزة، لقيت الدفتر الصغير والعلبة القطيفة زي ما هما.. أسماء ملمستهمش. قمت دخلت المطبخ، لقيتها جهزت الفطار وحطته على السفرة، وسابت لي ورقة صغيرة مكتوب فيها بخطها المرتب: *”أنا نزلت الشغل.. الفطار جاهز، والدهب والدفتر عندك.. اتصرف فيهم عشان تبدأ تحركك.”*

مسكت الورقة وأنا حاسس بغصة في حلقي. الست اللي كنت فاكرها مستنية الفرصة عشان تاكل مالي، سايبالي شقا عمرها كله في علبة قطيفة ونازلة تشقى في حر الصيف عشان متسبنيش مكسور.

نزلت في اليوم ده، بس مبعتش الدهب ولا لمست الدفتر.. رحت على شركتي القديمة في القاهرة، قابلت المدير، وبفضل الله وخبرتي في السفر، وافقوا يرجعوني الشغل فوراً براتب كويس، وصممت أبدأ من تاني يوم عل طول.. الطحن هو الحاجه الوحيدة اللي كانت ممكن تنسيني الوجع.

بعدها، ركبت القطر ورحت طنطا.. مكنش ينفع أهرب.

دخلت شقة أمي وأنا حاسس إني غريب. أول ما شافتني، قامت وجت عليا وهي بتعيط وتدعي لي، وأخويا الكبير كان قاعد، منكس راسه في الأرض ومش قادر يحط عينه في عيني.

أمي مسكت إيدي وقالت: “سامحني يا قلب أمك.. والله ما كان قصدي أكسر ضهرك، بس أخوك كان هيضيع.”

بصيت لها ودموعي نزلت، وقلت بنبرة هادية بس طالعة من وسط قلبي: “مسامحك يا أمي.. إنتي أمي ومقدرش أزعل منك، والفلوس اللي راحت فداكي وفدى أخويا.. بس أنا مش زعلان على الفلوس، أنا زعلان على عمري اللي ضاع في الشك.. نصيحتك ليا زمان هي اللي دمرت بيتي.”

التفت لأخويا وقلت له: “أنا مش عايز منك الـ 300 ألف دولار.. أنا عايزك بس تقف على رجلك ومتوجعش قلب أمك تاني.”

سبتهم ورجعت القاهرة وأنا حاسس إن فيه حمل جبل انزاح من فوق صدري، بس الحمل الأكبر كان لسه مستنيني في شقة عين شمس.

مرت الأسابيع والشهور، وبقيت عايش مع أسماء في شقة واحدة.. بس كأننا في بلدين مختلفين. كنا بناكل مع بعض، وبنتكلم في حدود مصاريف البيت والطلبات، بس مفيش كلمة زيادة.. مفيش الضحكة الصافية اللي كانت بتملى المكان، ومفيش الأمان اللي كان في عينيها.

كل شهر، أول ما كنت بقبض راتبي، كنت باجي أقعد قدامها على السفرة، وأطلع المرتب كله أحطه في إيدها، وأقولها: “ده المرتب يا أسماء.. خدي منه مصاريف البيت، وشيلي الباقي في الدفتر بتاعك.. في المكان اللي إنتي شايفاه صح.”

كانت تبص للفلوس، وتبص لي، وتاخدها من غير ما تنطق بكلمة.. تحطها في الدفتر، وتسجل بالقرش، بس من غير ما تقولي “شكراً” أو تبتسم.

كنت بموت في اليوم مية مرة وأنا شايف السد الخفي اللي بيننا بيعلى، وبقيت بعمل كل حاجة عشان أهد السد ده. بقيت أقعد معاها في البلكونة، أساعدها في سقي الزرع، أهتم بتفاصيل يومها، وأحاول أفتح معاها حكاوي.. وهي كانت بترد على قد السؤال.

لحد ما جه يوم.. بعد حوالي سبع شهور من رجوعي.

كنت راجع من الشغل تعبان جداً، دخلت الشقة ملقتهاش في الصالة. مشيت ورا ريحة البخور لحد ما وصلت باب البلكونة.. لقيتها قاعدة، والسرير الصغير بتاع الزرع منور، وهي ماسكة الدفتر الصغير في إيدها.. بس مكنتش بتكتب.

كانت بتبكي.. بتبكي بحرقة وبصوت مكتوم.

قلبي اتعصر، وقربت منها بالراحة وقعدت على ركبي قدامها زي الليلة المشؤومة ديك، ومسكت إيدها.. المرة دي ممانعتش ولا سحبت إيدها.

بصت لي وعينيها مليانة دموع وقالت بصوت يقطع القلب:

“أنا تعبت يا أحمد.. تعبت وأنا بمثل إني قوية ومبقتش قادرة أشيل أكتر من كده..”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

مسكت إيدها وضغطت عليها براحة، ودموعي أنا كمان نزلت، وقلت لها: “أنا اللي تعبتك يا أسماء.. أنا اللي هديت بأيدي كل حاجة حلوة بنيناها. لو عايزة تصرخي في وشي اصرخي، لو عايزة تلوميني لوميني، بس بلاش السكوت ده.. السكوت ده بيموتني بالبطيء.”

أسماء مسحت دموعها بكف إيدها التانية، وبصت للدفتر اللي في حجرها وقالت بنبرة وجع:

“عارف يا أحمد.. أصعب حاجة في الدنيا مش إن فلوسك تضيع، أصعب حاجة إنك تكتشف إن السنين اللي عشتها مع حد وأنت مأمن له، كان هو شايفك فيها عدو! أنا كنت كل ما أبص في عينك الشهور اللي فاتت دي، أشوف نظرة الشك القديمة، وأسأل نفسي: هو اتغير فعلاً وعِرف قيمتي؟ ولا هو راجعلي ومستحملني بس عشان مكسور ومعندوش ملجأ تاني؟”

الكلمة نزلت عليا زي السكينة.. فهمت ساعتها إن الوجع اللي في قلبها كان أكبر بكتير من مجرد زعل. هي مكنتش بتعاقبني، هي كانت خايفة مني.. خايفة تفتح لي قلبها تاني فتتوجع نفس الوجعة.

وقفت، ودخلت الأوضة وجبت العلبة القطيفة القديمة والدفتر الصغير بتوعها اللي ملمستهمش من يومها، وحطيتهم في حجرها وقلت لها بصوت ثابت وطالع من أعماق قلبي:

“أسماء.. أنا لما رجعتلك المرة دي، مرجعتش عشان مكسور أو معنديش مكان أروحه. أنا لو كنت عايز فلوس، الشركة كانت متمسكة بيا في الغربة وراتبي كان هيتضاعف.. ولو كنت عايز مكان، بيت أمي مفتوح لي. أنا رجعت عشان اكتشفت إن شقا عمري الحقيقي مكنش الـ 300 ألف دولار.. شقا عمري الحقيقي كان الست اللي وقفت في البلكونة دي عشر سنين تدعي لي وتحوش من ورايا عشان تسندني.”

نزلت على ركبي تاني وقربت منها:

“الدهب بتاعك ده ملمستوش، والدفتر ده أنا عمري ما هفتح خاناته تاني.. من النهاردة، إنتي اللي هتديري حياتنا بالكامل. مش عشان أثبت لك حاجة، لا.. عشان أنا فعلاً مش عايز أشيل هم قرش تاني.. أنا عايز بس أرجع أحمد اللي كان بيضحك من قلبه وهو بيشرب معاكي الشاي في الحسين.. عايز الأمان اللي ضيعته بأيدي.”

أسماء بصت لي نظرة طويلة.. النظرة المرة دي مكنتش غريبة ولا بعيدة، كان فيها حيرة، عتاب، وبداية لِير قشرة الجليد اللي كانت بيننا وهي بتدوب.

فتحت الدفتر بالراحة، وبخطها المنظم المعتاد، شطبت على جملة “حساب شقة المستقبل”، وكتبت تحتها بخط واضح: **”بداية جديدة.. من الصفر”**.

بصت لي وابتسمت ابتسامة خفيفة، ممزوجة بدموعها، وقالت: “الشاي في الحسين وحشني أوي يا أحمد.. والزرع في البلكونة عطشان وعايز اللي يسقيه معايا.”

حسيت في اللحظة دي إن الروح ردت فيا من تاني، وإن السور اللي من رمل اتهد فعلاً، بس المرة دي بنبني مكانه أساس من حديد.. أساسه الصدق.

#حكايات_رومانى_مكرم

الدنيا بدأت تفتح بيبانها لينا، وشغلي في الشركة بدأ يكبر، وكنا بنجمع القرش على القرش وإحنا بنضحك وبنخطط مع بعض وكل حاجة على المكشوف.. مفيش أسرار، مفيش شك، ومفيش تليفونات مستخبية لطنطا.

ومرت سنة كاملة على الليلة دي.. سنة من التعب والشقى والصبر، لحد ما جه اليوم اللي أسماء رجعت فيه من الشغل، وشها كان مخطوف، وفي إيدها ورقة تانية خالص غير الدفاتر والمصاريف.. ورقة قلبت حياتنا للمرة التانية، بس المرة دي.. شقلبتها للفرحة اللي مكنتش على البال.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

دخلت أسماء الصالة وخطواتها سريعة، ملامحها كانت مزيج بين الذهول والفرحة، وعينيها بتلمع بدموع مكنتش قادرة تخبيها. وقفت قدامي وهي بتترعش، ومدت إيدها بالورقة.

أخدت منها الورقة وأنا مستغرب، وبصيت فيها.. لقيت شعار معمل تحاليل كبير، وتحته مكتوب بخط طبي واضح كلمة واحدة هزت كياني: **(إيجابي)**.

رفعت عيني ليها وأنا مش مصدق: “أسماء.. إنتي.. إحنا؟!”

هزت راسها وهي بتعيط من الفرحة وارتمت في حضني: “أيوة يا أحمد.. ربنا رزقنا بعد كل السنين دي.. أنا حامل!”

في اللحظة دي، حسيت إن ربنا بيطبطب على قلبي، وبيقولي إن الصفحة القديمة اتقفلت بكل وجعها، وإن البيوت اللي بتتبني على الصدق والنية الصافية مستحيل تتهد. الـ 300 ألف دولار اللي ضاعوا مكنوش غير “ثمن” غالي جداً دفعتُه عشان أتعلم الدرس، وعشان ربنا يطهر بيتي وحياتي من الشك ويجهّزني أكون أب صالح يعرف يعني إيه أمان حقيقي.

بعد تسع شهور، شرف دنيتنا “يوسف”.. شيلته على إيدي في نفس الصالة البسيطة في عين شمس، وبصيت لأسماء وهي تعبانة بس مبتسمة وسط زرعها وبلكونتها اللي بقت حتة من الجنة.

مسكت الدفتر الصغير بتاعها، وفتحت صفحة جديدة تماماً، وكتبت فيها بخطي لأول مرة:

**(حساب مستقبل يوسف.. في حرز وأمان أمه)**.

### 💡 الحكمة من القصة:

> **”الأمان مش في الخزنة.. الأمان في شريك الرحلة”**

> أعظم غنى للراجل مش رقم في البنك ولا عملة صعبة شايلها للزمن؛ أعظم غنى هو الست الأصيلة اللي بتصون غيبته وتحفظ سره وتكون له ضهر لما الدنيا تلطش.

> الشك هو السوس اللي بياكل أجدع بيوت ويحولها لخرابة، واللي بيتحامى في سور من الشك والخوف، بيكتشف في الآخر إنه كان عايش ورا سور من رمل بيهبط مع أول هبة ريح. أمّن بيتك بالصدق، واعرف إن شريكة حياتك مش عدو مستني غفلتك، دي السند اللي ربنا جعله عشان يكمل معاك المشوار.. ومن يتقِ الله ويصفّي نيته، يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.

>

#حكايات_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *