امي اشتغلت 77 يوم 3

مشينا أنا وماما جنب الحاج منصور ورجالته خارجين من المطعم. شريف كان واقف ورا الترابيزة مش قادر يتحرك، عينه على مفتاح عربيته اللي أخدها الحاج منصور وحطها في جيب جلاّبيته، وعلى الدفاتر اللي المحاسب حلمي كان لسه بيقلّب فيها وبيسجّل كل مخالفة بالورقة والقلم.

أول ما خرجنا الشارع، الهواء البارد خبط في وشنا. ماما كانت ماسكة شنطة الفلوس بإيد، وماسكة إيدي بالتانية بتشد عليها بقوة وهي لسه مش مصدقة، كأنها خايفة تصحى تلاقي كل ده كان حلم.

وقف الحاج منصور على رصيف الشارع، والتفت لماما وقال بصوت هادي:

— يا أم آدم… الفلوس دي حق تعبك، محدش تفضّل عليكي بقرش واحد منها. بس الشغل في المكان ده انتهى خلاص. من بكرة الصبح، تسألي عن حاج حلمي في المقر الرئيسي لشركات الحديدي، فيه شغل هناك بمرتب محترم وآدم هيلاقي مكان جنب منك يرسم فيه نجومه براحته.

ماما حطت إيدها على قلبها ودموعها نزلت تاني، بس المرة دي كانت دموع راحة، وقالت:

— مش عارفة أقول لحضرتك إيه يا حاج منصور… ربنا يجعله في ميزان حسناتك ويحميك.

الحاج منصور نزل لمستواي، بصلّي في عيني وقال:

— وإنت يا بطل… السبع حراس بتوعي مش هيسبوك تعدي تاني بسهولة، بس افتكر إن الشجاعة مش إنك ماتخافش، الشجاعة إنك تروح للحق حتى لو رجلك بتترعش.

هزيت رأسي بثقة وقلتله:

— أنا مش هخاف تاني خلاص يا حاج.

الحاج منصور ابتسم وشار بصباعه لواحد من رجاله، وقاله:

— وصل أم آدم وآدم لحد باب بيتهم، وماترجعش غير لما تتطمن عليهم.

ركبنا العربية الكبيرة السودا، وبصيت من الشباك وأنا شايف الحاج منصور بيعيّن اتنين من حراسه يفضلوا واقفين على باب المطعم، عشان يضمن إن شريف مش هيخرج ولا هيقفل المكان قبل ما باقي العمال يوصلوا وياخدوا حقوقهم كاملة.

ولما العربية تحركت، بصيت لماما وقالتلي بصوت واطي:

— إنت عملت إيه يا آدم؟

طلعت كراسة الرسم الصغيرة من جيبي، وبصيت للنجمة البنفسجي الأخيرة، وقلت لها:

— أنا ماعملتش حاجة يا ماما… أنا بس دليت الكبير على المكان اللي بتبدأ منه النجوم.

بس القصة ما خلصتش عند باب بيتنا… لأن شريف بالليل ما استسلمش، وعمل اتصل بشركاء كبار ليه في السوق عشان يرد اعتباره ويدخل في مواجهة جديدة مع الحاج منصور.

 

في نفس الليلة، والهدوء كان مالك الشارع تحت بيتنا، كان الأستاذ شريف قاعد في مكتبه مع اتنين من أكبر المستثمرين الشركاء معاه في المطعم. وشه كان أحمر من الغضب، والترابيزة قدامه مليانة أوراق وتليفونات مش بتسكت.

واحد من الشركاء، واسمه جلال، ضرب بيده على الترابيزة وقال بغضب:

— أنت اتجننت يا شريف؟ سيبت منصور الحديدي يمسك عليك دفاتر المراجعة وياخد مفتاح عربيتك؟ أنت عارف الراجل ده لو فتح الملفات دي في النيابة أو التأمينات، أسهمنا كلها في السوق هتقع بكرة الصبح!

شريف قام وقف وهو بيصرخ بصوت واطي:

— أنا مكنتش أقدر أعمل حاجة! الراجل دخل المطعم معاه رجاله والمحاسب بتاعه، والطفل الصغير ده… ابن الست اللي شغال عندنا… هو اللي جابه لحد عندي!

الشريك التاني بصله باستخفاف وقال:

— طفل عنده أربع سنين يهد شغلك ويجيبلك منصور الحديدي لحد عندك؟ أنت كده بتصغّر نفسك وتصغّرنا معاك. الحل مش إننا نسكت، الحل إننا نلعب بنفس طريقته.

شريف بص له بلهفة وسأله:

— يعني هنعمل إيه؟

جلال قرب منه وقال بنبرة خبيثة:

— بكرة الصبح، الست دي هتكون محتاجة توثق الساعات دي في المحكمة أو القوى العاملة لو حبينا نطعن في صحة الورقة. والورقة دي لازم تتسحب منها أو تتلغي باي طريقة… وإلا الحديدي هيمسكنا من إيدنا اللي بتوجعنا قدام العمال كلهم.

في الوقت ده بالظبط، في شقتنا البسيطة، كانت ماما قاعدة على الكنبة بتعد الفلوس اللي رجعت لها، وتحطها في ظرف مقفول وهي بتتنفس براحة لأول مرة من شهور. أنا كنت قاعد جنبها في الصالة، ماسك كراسة الرسم وبحاول أرسم صورة الحاج منصور بعصايته الأبنوس.

فجأة، جرس الباب رنّ.

المكان كان هادي، والوقت كان متأخر جداً بعد نص الليل. ماما اتخضت وقامت بالراحة، وبصت لي وقالت بصوت واطي:

— خليك عندك يا آدم… متتحركش.

قربت ماما من الباب وبصت من العين السحرية. وشفتاها ارتعشوا لما شافت واحد من الحراس بتوع الحاج منصور واقف بره، وبيهمس من ورا الباب بصوت مستعجل:

— يا أم آدم… افتحي بسرعة، الحاج منصور بعتني أقولك إن شريف وشركاه بيترتبوا لحاجة بكرة الصبح، والحاج عايزكم تنزلوا معايا دلوقتي فوراً!

ماما وشتها اصفرّت وبصتلي بخوف شديد، وبقت مترددة تفتح الباب ولا لأ. بس صوت الحارس كان واضح وجاد جداً. فتحت الباب حتة صغيرة وهي ماسكة في إيدي بقوة.

الحارس بص حواليه في الشارع الهادي وقال بصوت واطي ومستعجل:

— يا أم آدم، الأستاذ شريف اتصل بشركائه الكبار، ونواياهم مش كويسة. فاكرين إنهم لو ضغطوا عليكي أو أخدوا منك أصل كشف الساعات ورصيد المستحقات، هيقدروا يطعنوا في كلام الحاج منصور ويقلبوا الترابيزة. الحاج بعتني عشان أنقلكم لمكان أمان تابع للشركة لحد ما الصبح يطلع وكل حاجة تتحسم.

ماما ما تفكرتش كتير، جابت الشنطة بسرعة وحطت فيها كراسة الرسم بتاعتي والورق والفلوس، ونزلنا مع الحارس. الشارع كان ضلمة والعربية السودا كانت مستنيانا تحت العمارة.

أول ما ركبنا، العربية اتحركت بسرعة ناحية المقر الرئيسي لشركات الحديدي.

الصبح بدري، كانت الصالة الرئيسية في مقر شركات الحديدي مليانة ناس. الحاج منصور كان قاعد على كرسيه الكبير، وحواليه كبار المحامين والمحاسبين بتوعه. وقدمه على الترابيزة كان محطوط كشف الساعات بتاعي اللي فيه النجوم البنفسجي، وجنبه مفتاح العربية الـBMW.

وفجأة… اتفتحت الأبواب الضخمة، ودخل الأستاذ شريف ومعاه شريكه جلال واثنين من المحامين بتوعهم، ووشوشهم كلها ثقة وغرور، فاكرين إن المحامين هيقدروا يخرجوه من المأزق ده وثغرات القانون هتسعفه.

جلال اتكلم بكل تكبر وقال:

— يا حاج منصور… إحنا جايين نحل الموضوع بدياً بدل ما ندخل في قضايا ومحاكم. الورقة اللي معاك دي مالهاش قيمة قانونية، ومالهاش أي إثبات رسمياً، والست دي ملهاش عندنا غير المبلغ الرسمي اللي في العقد بس.

الحاج منصور ما اتهزش، ولا حتى رفع صوته. ابتسم ابتسامة خفيفة، وشاور للمحاسب حلمي.

حلمي فتح ملف ضخم على الترابيزة وقال بثقة:

— الورقة اللي معاكوا دي يا أستاذ جلال مش لوحدها… فريق المراجعة بتاعنا جاب تسجيلات الكاميرات بتعة المطعم كاملة لمدة 11 أسبوع، ومطبوع فيها دخول وخروج أم آدم بالساعة واليوم. ده غير إننا اكتشفنا إن المطعم متهرب من التأمينات والضرائب لمبلغ يعدي الـ 2 مليون جنيه… والملف ده هيروح للنيابة العامة كمان عشر دقائق لو ما اتنفذتش شروط الحاج منصور.

شريف وشه اتخطف وبص لجلال اللي ثقته كلها اتبخرت في لحظة وما عرفش يرد بحرف.

الحاج منصور وقف، وحط إيده على العصاية الأبنوس، وبص لشريف وجلال وقال بصوت يهز القاعة:

— اللعب والقانون اللي بتتحاموا فيه إحنا أسياده… بس إحنا بنجيب حق الناس بالقانون وبالأصول. قدامكم مهلة ساعة واحدة بس… تجيبوا باقي حقوق العمال كلهم، وتوقعوا على تنازلاتهم المشروعة، وإلا النيابة هي اللي هتتكلم معاكم!

ساد صمت طويلاً في القاعة الكبيرة، وبقى صوت أنفاس شريف وجلال المكتومة هو الصوت الوحيد المسموع. المحامين بتوعهم بصلوا لبعض ونزلوا رؤوسهم في الأرض، وعارفين إن موقف موكليهم ضايع تمامًا قدام المستندات وتسجيلات الكاميرات وملفات المراجعة.

جلال قرب من شريف وهامس في إذنه بصوت يرعش:

— الموضوع خلص يا شريف… لو الملف ده وصل للنيابة مش بس المطعم اللي هيتقفل، إحنا شغلنا كله في السوق هيدمّر ونهايتنا هتبقى السجن. ادفع واخلص.

شريف كان بيعرَق وبص للحاج منصور كأنه بيستنجد بيه، وقال بصوت مكسور تمامًا:

— أنا موافق يا حاج منصور… كل العمال هياخدوا حقوقهم بالقرش، والورق كله هيتوقع بكرة الصبح.

الحاج منصور بص له بنظرة حازمة وقال:

— مش بكرة الصبح يا شريف… دلوقتي حالا. الحساب يتقفل والفلوس تتوثق بضمان المحاسب حلمي، وكل عامل يخرج من المقر ده وهو مستلم حق تعبه وعرقه.

في خلال أقل من ساعة، كانوا كل عمال المطعم—الشيف حسين، وشباب الدليفري، وعمال النظافة—موجودين في القاعة. دخلوا وهم خايفين ومترددين، بس أول ما شافوا المحاسب حلمي بيسلم كل واحد فيهم ظرف فيه مستحقاته كاملة وزيادة، الفرحة ملايات المكان والدموع نزلت من عينيهم وهم بيدعوا للحاج منصور.

شريف كان واقف في الركن بيوقع على أوراق التنازلات وإقرارات استلام الحقوق، وكل ما عامل ياخد حقه، كان شريف بيضطر يوطي راسه ويبص للترابيزة من الخجل.

بعد ما آخر عامل استلم حقه وخرج، الحاج منصور مسك مفتاح العربية الـBMW من على الترابيزة. وبص لشريف وقال له:

— ده مفتاح عربيتك… خده. بس افتكر كويس إن العربية والمظاهر دي كلها مالهاش أي قيمة لما تبنيها على كسر خاطر الغلبان. اللي ياكل حق الناس، بيجي يوم ويدفع الثمن غالي ومن أثمن ما يملك.

شريف أخد المفتاح بإيد ترتعش، وخرج من القاعة هو وجلال وهم يجروا خطواتهم لورا من غير ما ينطقوا بكلمة واحدة.

التفت الحاج منصور لماما وليّ، ونزل على ركبته قدامي حتى بقى في مستوايا. مسك إيدي الصغيرة وقال:

— إيه رأيك يا آدم؟ النجوم البنفسجي اللي في الورقة اتطفت كلها النهاردة؟

هزيت رأسي وابتسمت، وطلعت كراسة الرسم ورسمت نجمة كبيرة صفراء بتلمع جنب صورة الحاج منصور، وقلت له:

— دي مش نجمة حزن يا حاج… دي نجمة الحق اللي رجع.

الحاج منصور ابتسم ابتسامة دافية وطبطب على كتفي، وتوجه بكلامه لماما وقال:

— يا أم آدم… عقد شغلك الجديد في قسم الإدارة المالية بشركاتنا جاهز من بكرة الصبح، بمرتب يعوضك أنت وآدم عن كل اللي شفتوه، وآدم ليه مكان مخصص في النادي بتاع الشركة يقضي فيه وقته ويكبر بشرف وأمان.

خرجنا من المقر وأنا ماسك إيد ماما، والشمس كانت طالعة بتنور شوارع القاهرة. ماما كانت بتبصلي وهي حاسة إن كابوس الـ 11 أسبوع انتهى للأبد، وأنا كنت حاسس إن النص سنة الزيادة في عمري—الأربع سنين ونص—كان فعلاً هو الفرق اللي خلاني أقدر أغير كل حاجة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *