انا موظفه 2

## الجزء الثالث:

اندفع شريف نحو مريم كالثور الهائج، وقد أعماه الغضب والخراب الذي حلّ ببيته وكبريائه في لحظات. لكن محامي مريم والحارس الذي كان يرافقهما تحركا بسرعة؛ وبحركة خاطفة، وقف الحارس الضخم حائلاً بين شريف ومريم، ليرتطم شريف بصدره الصلب ويتراجع خطوتين للخلف وهو ينهج بغل.

المحامي بنبرة صارمة وهو يشير بإصبعه: “أظن الأستاذ مش عايز يضيف لقضية الخلع والتبديد قضية (شروع في قتل واعتداء بدني) قدام شهود ورجال قانون.. لم نفسك يا شريف بيه، الحكاية مبقتش حكاية فيزا وجدول مرتبات، الحكاية بقت سجن!”

أم شريف صرخت وهي تلطم خديها بصوت مسموع: “يا مصيبتي السودا! سجن إيه وأرض إيه؟ يا حامد اتكلم! قولهم البت دي بتتبلى علينا! قولهم إنك مشافتش من أبوها مليم!”

لكن الحاج حامد كان في عالم آخر؛ انكمش على الكرسي وجسده النحيل يرتعش، ودموعه تسيل على لحيته البيضاء وهو ينظر للأوراق الملقاة على الطاولة. قال بصوت متقطع يملأه الندم: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا مريم. أنا أكلت حرام.. الشيطان شاطر وأمك كانت غلبانة وعنيها عميت لما شوفت الفلوس والمخازن بتجيب ألوفات.. ربنا منتقمش مني في صحتي، لكن انتقم مني في ابني وخرب بيته بسببي.”

شريف نظر لوالده وكأن صاع,قة ض,ربته؛ الرجل الذي كان يتباهى بأنه “الراجل الملزم, بأهله” وأن أهله أصحاب فضل وأصل، يكتشف الآن أن لحم أكتافه وأكتاف عائلته من مال اليتيمة التي ضربها بالأمس بتهمة أنها “تسرق,ه”.

مريم وقفت عند الباب، نظرت لشريف بنظرة احتقار أخيرة جعلته يشعر بالقزمية: “القانون هياخد مجراه يا شريف. والمخازن دي هحط إيدي عليها رسمي الأسبوع الجاي.. والبيت ده، لو مدفعتوش تمن الإيجار بأثر رجعي عن السنين اللي فاتت، هطردكم منه بالشرطة.. زي ما كنت عايز تطردني وتجرجرني لطاعتك.”,

التفتت مريم وخرجت، تاركة خلفها بيتاً يشتعل بالصراخ والاتهامات؛ أم شريف تسب زوجها وتلطم، وشريف جالس على ركبتيه في الأرض يرى حصون قوته المزيفة تتهاوى واحداً تلو الآخر.

مرت ثلاثة أيام.. وفي مكتب الست “أم أحمد” الصغير في حي شبرا، كانت مريم تجلس وعلى وجهها ملامح إرهاق شديد لكنه ممزوج براحة الانتصار. الباب دق، ودخل الأستاذ عاصم الهواري المحامي الكبير وهو يبتسم.

المحامي: “مبروك يا بشمهندسة، الحجز التحفظي صدر على المخازن، ومحامي شريف اتصل بيا ا,لصبح صوته يرعش، وطالب تسوية ودية.. مستعدين يتنازلوا عن كل حاجة ويطلقوا على الإبراء مقابل إننا مانرفعش جنحة تبديد وتبديد أموال قُصّر ضد والده.”

مريم التفتت لأمها: “إيه رأيك يا ماما؟”

الست أم أحمد هزت رأسها بحكمة: “الصلح خير يا بنتي لو رجع الحق.. إحنا مش بتوع محاكم، وإحنا ولاد أصول ومش عايزين نرمي راجل عجوز في السجن مهما عمل.. بس حق أبوكي يرجع كامل مكمل، وشريف يطلقك في الهدوء ومن غير شوشرة.”

مريم أخذت نفساً عميقاً: “تمام يا أستاذ عاصم، الطلاق يتم الأول، والمخازن ترجع باسمي واسم ماما، والشقة اللي دافعة نصها يشتري نصي منها كاش، أو تتباع وناخد الفلوس.”

في نهاية الأسبوع، كان اللقاء في مكتب المحامي لإتمام التسوية والطلاق.

دخل شريف، لكنه لم يكن شريف القديم؛ وجهه كان شاحباً، وعيناه مكسورتين، يرتدي ملابس عادية وبدت عليه علامات الهزيمة. نظر لمريم التي كانت تجلس كالملكة في كامل أناقتها وثقتها، وبجوارها والدتها الست أم أحمد بصورتها المهيبة.

وقع شريف على أوراق الطلاق ببدل الإبراء، ويداه ترتعشان. بعد أن انتهى، رفع عينه ونظر لمريم وقال بصوت منكسر ومملوء بالندم: “أنا خسرت كل حاجة يا مريم.. خسرت الشغل بسبب الشكوى اللي اتقدمت فيا، وخسرت المخازن، وأبويا بيموت من تعب قلبه.. أنتِ كده ارتحتي؟”

مريم نظرت إليه دون أي شفقة، وقالت بنبرة حاسمة كالسيف: “أنت مخسرتش بسببي يا شريف.. أنت خسرت بسبب طمعك، وبسبب القلم اللي نزل على وشي وأنت فاكر إن مفيش ورايا رجالة ولا ضهر.. الست اللي شقيت وتعبت وعملت نفسها، ضهرها هو تعبها وعقلها.”

قامت مريم وأخذت حقيبتها، وأخرجت رزمة من الأموال من فئة المائة جنيه، ووضعتها أمام شريف على المكتب.

شريف باستغراب: “إيه ده؟”

مريم بابتسامة ثقة: “دي الشهرية بتاعت ماما.. أنا هروح أديهالها بنفسي دلوقتي عشان تجيب اللي نفسها فيه.. ومن فلوسي ومن تمن مخازن أبويا.. عشان تعرف بس إن مفيش جنيه بيقف في الدنيا طالما صاحبه وراه.”

أخذت مريم ذراع والدتها وخرجتا من المكتب وعيونهما تتطلعان للمستقبل بكبرياء، بينما بقي شريف جالساً وحده ينظر إلى رزمة المال بنظرة مذهولة.

لكن، بينما كانت مريم تخطو خارج مبنى المحاماة متوجهة بسيارتها الجديدة نحو شركتها، رن هاتفها المحمول من رقم مجهول.

فتحت الخط: “ألو؟”

جاءها صوت نسائي غريب، مليء بالغموض والتحدي: “باشمهندسة مريم؟ مبروك عليكي الطلاق وفلوس أبوكي.. بس افتحي عينك كويس، لأن اللعبة لسه مخلصتش، والمخازن اللي أنتِ لسه مستلمة ورقها دي.. متباعة ليا أنا بعقد بيع ابتدائي من عشر سنين، وشريف ميعرفش عنه حاجة.. نتقابل القريب العاجل يا قطة.”

انقطع الخط فجأة، لتتجمد الدماء في عروق مريم وتنظر لأمها بصدمة..

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء الرابع:

سقطت الكلمات على أذن مريم كالصاعقة. أنفاسها تسارعت، ونظراتها تشتتت بين شاشة الهاتف المغلقة وبين وجه أمها التي لاحظت تغير ملامح ابنتها فجأة.

الست أم أحمد بقلق: “في إيه يا مريم؟ وشك جاب ألوان ليه يا بنتي؟ مين اللي كان بيكلمك؟”

مريم حاولت تجميع ثباتها، وبلعت ريقها بصعوبة: “مفيش يا ماما.. تلاقيه رقم غامض أو حد بيحاول يضايقني بعد اللي حصل في مكتب المحامي.” لم تُرِد مريم أن تقلق أمها في لحظة فرحتها باستعادة حقها، لكن النار كانت قد اشتعلت في رأسها بالفعل. من تكون صاحبة هذا الصوت؟ وكيف علمت بأمر المخازن والطلاق بهذه السرعة؟

في المساء، لم تنم مريم. كانت تجلس في غرفتها القديمة بشبرا، والأوراق مبعثرة أمامها. اتصلت بالأستاذ عاصم الهواري المحامي وقصت عليه ما حدث في المكالمة.

الأستاذ عاصم بنبرة جادة: “الكلام ده خطير يا بشمهندسة. لو في عقد بيع ابتدائي من عشر سنين وتوقيع الحاج حامد عليه صح، هنبقى قدام معضلة قانونية كبيرة. العقد الابتدائي مبيسجلش الملكية كاملة، بس بيدي الحق للمشتري إنه يطالب بصحة ونفاذ. لازم نعرف مين الست دي، والأهم.. هل الحاج حامد باع فعلاً ولا ده فخ جديد؟”

مريم بعزم: “أنا مش هسكت يا متر. أنا هروح للحاج حامد بنفسي الصبح وأعرف منه الحقيقة، شريف وعيلته لازم يفهموا إن اللعب معايا بقى على مكشوف وبحساب.”

الصبح طلع، وتوجهت مريم إلى منطقة الشرابية. البيت القديم كان يبدو كئيباً أكثر من ذي قبل. درست خطواتها جيداً، ولم تكن خائفة؛ فقد تبدلت مريم الضعيفة المستسلمة بامرأة لا ترحم من يقترب من حقها.

فتحت أم شريف الباب، ولما رأتها برقت عيناها بغل: ” جاية ليه تاني يا خطافة الرجالة يا خرابين البيوت؟ مش خدتي الفلوس والمخازن وطلقتي ابني؟ عايزة مننا إيه تاني؟”

مريم دفعت الباب بهدوء ودخلت: “وسعِ كده يا أم شريف، أنا مش جاية لك ولا لابنك اللي قاعد حاطط إيده على خده. أنا جاية للحاج حامد.”

خرج الحاج حامد من غرفته ساندًا على عصاه، ووجهه يكسوه الخجل: “سبيها تدخل يا أم شريف.. خير يا بنتي يا مريم؟”

مريم أخرجت هاتفها وسجلت المكالمة التي دارت بالأمس وتشغلها أمام الجميع. ساد الصمت في الصالة، بينما كانت أم شريف وشريف—الذي خرج على الصوت—ينظران بذهول.

مريم وعينها مثبتة في عين الحاج حامد: “مين الست دي يا عم حامد؟ ومين اللي اشترى منك المخازن من عشر سنين وعنده عقد ابتدائي؟”

الحاج حامد سقطت العصا من يده، واهتز جسده بالكامل، وبدأ يلقي بنظرات مرعوبة نحو زوجته “أم شريف” التي فجأة تغيرت ملامحها من الغضب إلى الخوف الشديد، وحاولت التدخل بسرعة: “ست؟ ست مين؟ إحنا مانعرفش ستات، والبيوع كلها كانت مع رجالة.. البت دي جاية تتبلى علينا تاني يا حامد عشان تاخد البيت ده كمان!”

شريف نظر لأمه بشك، ثم نظر لوالده: “بابا.. في إيه؟ مين الست دي؟ هو أنت كنت بايع المخازن دي لحد تاني من ورانا؟”

الحاج حامد صوته خرج مبحوحاً ومرتعشاً: “أنا مبعتش يا مريم.. أنا عمري ما بعت لحد بره.. العقد اللي معاها ده.. ده..” ولم يستطع إكمال جملته، حيث صرخت أم شريف فيه: “اخرس يا راجل أنت ه تخرف ولا إيه؟!”

هنا التقطت مريم الخيط، ذكاؤها الهندسي وعينها الخبيرة لقطت نظرات الرعب بين الرجل العجوز وزوجته. التفتت لأم شريف وقالت بنبرة ساخرة: “العقد ده معاها.. لأنك أنتِ اللي مضيتيه مع حد من ورا جوزك وابنك.. مش كده يا أم شريف؟”

شريف صرخ: “أمي؟! أنتِ بتقولي إيه يا مريم؟ أمي هتعمل كده ليه؟”

مريم: “اسأل أمك يا شريف بيه.. اسألها مين الست اللي كلمتني، ومين اللي كانت بتاخد فلوس المخازن من ورا أبوك السنين دي كلها وتكوش عليها، وسايباكم عايشين في الفقر وتقولكم ده نصيبنا الصغير من الإيجار!”

انقلب البيت إلى ساحة معركة. شريف بدأ يضغط على والده ووالدته لمعرفة الحقيقة، بينما انسحبت مريم بهدوء وهي تعلم أن القنبلة التي ألقتها ستفكك هذا البيت من الداخل.

عادت مريم إلى مكتب المحامي عاصم الهواري، وخلال ساعات، وبفضل علاقات المكتب وتحرياته، استطاعوا الوصول إلى هوية صاحبة الرقم الغامض.

المحامي وهو يضع ملفاً أمام مريم: “عرفنا مين الست دي يا بشمهندسة. اسمها (ميرفت عبد الجليل).. وتفاجئي لو عرفتي إن ميرفت دي تبقى الأخت غير الشقيقة لـ (أم شريف)! يعني خالت شريف من الأم!”

مريم بصدمة: “خالته؟! يعني الموضوع كله لعبة عائلية؟”

المحامي: “بالظبط. أم شريف من عشر سنين، لما لقت جوزها الحاج حامد أخد مخازن أبوكي وشغلها وبقت بتجيب فلوس، خافت إن جوزها يكتب حاجة باسم مريم أو يرجع الحق لأصحابه في يوم من الأيام لو ضميره صحي. راحت عملت عقد بيع ابتدائي مزور بتاريخ قديم لأختها ميرفت، عشان تضمن إن الفلوس والمخازن تفضل تحت إيدها هي وأختها، والحاج حامد وقع على الورق ده وهو مش دريان وسط ورق الحسابات القديم!”

مريم وقفت وعينها بتطق شرار: “يعني هما مش بس سرقوا أبويا.. دول سرقوا بعض! وأم شريف كانت بتلعب بالكل عشان تشيل الفلوس مع أختها بره.. ودلوقتي ميرفت جاية تهدد بالعقد الابتدائي عشان المخازن متطلعش من إيدهم وتتنقل ليا!”

المحامي بابتسامة ثقة: “بس هما نسوا حاجة مهمة جداً.. العقد ده عشان يتنفذ لازم يتقدم للمحكمة، وإحنا لو أثبتنا التزوير أو عدم وجود تدفقات مالية حقيقية (يعني ميرفت مدفعتش تمن المخازن فعلاً لأبو شريف)، العقد هيبطل وهيدخلوا كلهم في قضية تزوير ونصب علني.”

مريم: “مش هسيبهم يا متر.. طالما اللعب وصل لكده، أنا هقابل ميرفت دي بنفسي وأخليها تجيب آخرها.”

في أحد الكافيهات الشيك في منطقة مصر الجديدة، كانت مريم تجلس بثبات، حتى دخلت سيدة في أواخر الأربعينات، ترتدي ملابس مبهرجة وتضع مساحيق تجميل كثيفة، وعلى وجهها نظرة كبرياء وتحدٍ. إنها ميرفت.

ميرفت جلست وحطت حقيبتها على الطاولة: “منورة يا بشمهندسة.. قولتِ نتقابل في مكان عام عشان تخافي؟”

مريم ببرود شديد: “أنا مبخافش يا مدام ميرفت.. اللي بيخاف هو اللي بيستخبى ورا عقود مزورة وتلفونات من أرقام مجهولة. قوليلي بقا.. أختك أم شريف هتديكي كام في المية من المخازن دي لو عرفتي تأخديها مني؟”

ميرفت ضحكت بصوت عالٍ: “أختي؟ هههه.. أنتِ فاكرة إني بعمل كده عشان سواد عيون أختي ولا ابن اختي شريف؟ شريف وأمه دول مغفلين.. أنا بعمل كده عشان المخازن دي بتاعتي أنا بالقانون، ومعايا ورق يثبت إني دافعة تمنها للحاج حامد كاش من عشر سنين، والمحكمة هتحكم لي بصحة ونفاذ الأسبوع الجاي.”

مريم اقتربت منها وقالت بهدوء مخيف: “والإمضاء اللي على العقد.. تفتكري الطب الشرعي هيقول عليها إيه لما يكتشف إن الحبر اللي مكتوب بيه العقد من عشر سنين، هو نفس الحبر اللي متصنع السنة دي؟ والورق المعتق بشاي عشان يبان قديم؟”

ملامح ميرفت تغيرت فجأة، واختفت الضحكة من على وجهها.

مريم تابعت بانتصار: “أنتِ نسيتي إنك بتلعبي مع مهندسة.. وأنا ورجالتي فحصنا الورق اللي أختك هددت بيه الحاج حامد في البيت، وعرفنا اللعبة. أنتِ لو قدمتي العقد ده للمحكمة، مش هتاخدي المخازن.. أنتِ وأختك هتاخدوا من ٣ لـ ٥ سنين سجن بتهمة التزوير في أوراق رسمية والنصب.”

وقفت مريم وعدلت جاكيت بدلتها، ونظرت لميرفت التي كانت ترتعش ويدها تهتز على الطاولة: “قدامك ٢٤ ساعة يا ميرفت.. العقد الابتدائي ده يجيلي لحد مكتب المحامي عاصم الهواري ومعه إقرار بالتنازل وبطلان البيع.. وإلا، البلاغ هيتقدم للنيابة الصبح، وهتباتي أنتِ وأختك في التخشيبة.”

تركتها مريم ومشيت وهي تشعر بنشوة النصر. توجهت لبيت والدتها في شبرا لتزف لها الأخبار، لكن أول ما فتحت الباب.. وجدت الصدمة في انتظارها.

البيت كان مقلوباً رأساً على عقب، والست أم أحمد ملقاة على الأرض في الصالة وغائبة عن الوعي، وبجوارها الصندوق الخشبي القديم مكسور ومفرغ من كل محتوياته.. وهاتف مريم رن في نفس اللحظة برقم شريف!

فتحت الخط بجنون: “شريف!!! أنت عملت إيه في أمي؟!”

جاءها صوت شريف ضاحكاً بهستيريا وشر: “أنا ماليش دعوة بأمك يا قطة.. أمك وقعت لوحدها لما شافتني باخد أوراق الملكية الأصلية بتاعة المخازن والأرض اللي أنتِ فرحانة بيها.. العقد الأصلي بقا في إيدي دلوقتي يا مريم، وأعلى ما في خيلك اركبيه.. المخازن دي هتدفن معايا ومش هتشوفي منها مليم!”..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *