من شهرين 2

أول ما الباب اتفتح، الزمن وقف لثوانٍ. الصدمة لجمت الكل.

كريم كان قاعد في الصالة، وفوق التربيزة اللي قدامه علب عصير وحاجات مجهزاها “سمر”، اللي كانت قاعدة جنبه ولابسة فستان سهرة وكأنها العروسة اللي بتستقبل مهنئينها. كريم أول ما شاف أمه وأخته ووراهم أنا، اتنفض من مكانه وشه بقى زي الأموات، الكوباية وقعت من إيده اتدشدشت مية حتة.

حماتي برقت وعينيها كانت هتطلع من مكانها، وبصت لسمر وقالت بصوت يرعش: “إنت مين؟ وإنت بتعمل إيه هنا يا كريم؟ مش قولت مراتي وبجهز الورق؟”

قبل ما كريم ينطق بحرف، طلعت موبايلي وشغلت المايك على أعلى صوت، وشغلت التسجيل اللي هاني ادهولي.. صوت كريم وهو بيقول لسمر: *”خلاص يا حبيبتي، البت غبية ومضت على ورق الشقة والفلوس هسحبها الأسبوع الجاي.. جهزي نفسك عشان نكتب الكتاب أول ما أرمي لها اليمين، ونعيش في شقة أبوها ونتنمنم بفلوسه”*

الصوت كان بيرن في الشقة المفروشة زي الرعد. أخته حطت إيدها على بوقها من الذهول، وحماتي تبص لكريم وتبصلي وهي مش قادرة تنطق.

كريم جرى عليا يحاول يمسك إيدي وهو بيترعش: “ندى.. والله العظيم ده فخ.. أنا كنت بسايرها، أنا بحبك إنتِ، دي كانت لعبة عشان الشغل!”

قومت زقاه بكل قوتي لورا، ونظرة الضعف اللي شافها في عيني يوم موت أبويا اتبدلت بنظرة تخوف. قولت له بابتسامة باردة: “لعبة؟ لاء يا كيمو، اللعبة الحقيقية إنت لسه ميعرفتش أبعادها. أصل أنا مبحبش حد يستغفلني، بالذات لو كان فاكر نفسه ذكي.”

بصيت لسمر اللي كانت قاعدة خايفة ومذهولة، وقولت لها: “مبروك عليكي يا سمر.. أهو جوزك المستقبلي أهو، بس خدي بالك.. هتتجوزيه على الحديدة.. هدمته اللي عليه دي احتمال المباحث تاخدها منه وهي بتقبض عليه.”

كريم صرخ: “تقبض عليا؟ تقبض عليا ليه؟ أنا معملتش حاجة، ومخدتش منك مليم!”

ضحكت بصوت عالي سَمع العمارة كلها، وطلعت من شنطتي صورة الضوئية من الشيك اللي هو مَضى عليه بمليون ونص جنيه. وقولت له: “فاكر الشيك الروتيني اللي مَضيت عليه قدام أمك وأختك عشان نتحايل على ضرائب الشقة الصورية؟ الشيك ده المحامي بتاعي رفعه في المحكمة النهاردة الصبح جنحة مباشرة بمبلغ مليون ونص جنيه.. وبكرة الصبح هيكون الصرف بتاعه من البنك، وطبعاً حسابك فيه كام؟ تلاتة جنيه ونص؟ يعني الشيك هيرجع برفض، ويا حلو يا قمر، هتدخل السجن بتهمة تحرير شيك بدون رصيد، ودي فيها من 3 لـ 5 سنين سجن مرتاح.”

كريم وشه اسودّ تماماً، وركبه خانته وقعد على الكنبة ومش قادر يتنفس. حماتي جريت عليا وقالت وبتقول بلغة تانية خالص غير لغة الأدب اللي كانت بتكلمني بيها: “بوس إيدك يا ندى.. ابوس إيدك ده ابني الوحيد، بلاش سجن، إحنا أهل، خدي الشقة وخدي الفلوس وسامحيه!”

بصيت لها وقلت لها بقرف: “أهل؟ لما جيتي تأدبيني في بيتي وتقولي لي الراجل يملى هدومه بورث مراته الميت أبوها مكملش شهرين، مكنتوش أهل؟ لما كنتوا بتخططوا تاخدوا شقى أبويا وتطردوني وتجيبوا دي مكاني، مكنتوش أهل؟”

التفتّ لكريم وقولت له: “الشيك ده مش هتنازل عنه إلا بشرط واحد.. وبشرطي أنا.”

كريم رفع راسه بلهفة ودموعه نازلة: “موافق.. موافق على أي حاجة يا ندى، بس بلاش السجن، وبلاش الفضيحة!”

طلعت من الشنطة وثيقة أنا كنت مجهزاها عند محامي برضه، وقولت له: “تمضي هنا.. تنازل رسمي ونهائي عن كل منقولات الزوجية، وإبراء ذمة كامل ليا من أي حقوق، وتوقيع على عقد طلاق ع البيض، والمؤخر بتاعي والمستحقات هتدفعهملي كاش دلوقتي حالا، أمك وأختك يتصرفوا ويجيبوهم، وإلا والله العظيم هبيت في القسم النهاردة والتوكيل اللي كنت مستنيه هتاخده بس في ليمان طرة!”

كريم بص لأمه وأخته يترجاهم، وأخته قالت: “امضي يا كريم.. امضي البت دي مش هتسيبك، دي مأمنة نفسها صح.”

مَضى كريم وبصم وهو إيده بترتعش على كل الأوراق اللي تخليه يخرج من حياتي “ملط” زي ما دخلها، مملكش غير هدومه. أخدت الأوراق وحطيتها في الشنطة بكل هدوء.

وقبل ما أمشي، التفتّ لهاني اللي كان واقف ورا الباب بيراقب المشهد ومستني عمولته، وطلعت رزمة فلوس من الشنطة ورميتها في وشه وقولت له: “دي حلاوتك يا هاني.. عشان تعرف إن بنت الأصول لما بتوعد بتوفي، بس خسارة، إنت بعت صاحب عمرك عشان قرشين، وهو باع مراته عشان قرشين.. تليقوا على بعض!”

خرجت من الشقة المفروشة وحماتي وأخته بيصرخوا ورايا، وكريم قاعد يبكي زي العيال الصغيرة بعد ما كل أحلامه في الثراء السريع اتهدت فوق دماغه.

ركبت التاكسي، ورجعت شقتي.. شقة أبويا. دخلت وعلقت قفل جديد على الباب، وقعدت في الصالة لوحدي. لأول مرة من شهرين، أحس إن نفسي هادي.. دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة. بصيت للسما وقولت: “الله يرحمك يا بابا.. بنيتك طلعت بطلة ومسمحتش لحد يكسرها.”

لكن وأنا قاعدة في وسط الهدوء ده، وموبايلي محطوط قدامي، لقيت رقم غريب بيتصل بيا.. رقم مكنتش أتوقعه أبداً، والشخص اللي بيتكلم قالي جملة واحدة خلت جسمي كله يتنفض من جديد، وعرفت إن الحكاية لسه مخلصتش، وإن كريم وعيلته مش هما بس اللي كانوا طمعانين فيا.. في حد تاني أكبر بكتير كان مستني اللحظة دي!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

فتحت الخط وإيدي سقعت تاني، بس المرة دي الصدمة مكنتش من كريم.. الصدمة كانت من الصوت اللي طالع من السماعة. صوت هادي، رخيم، وفيه نبرة ثقة غريبة وجع خلع قلبي من مكانه.

الصوت قال: “برافو يا ندى.. برافو يا بنت الغالي، طول عمرك بطلة وبنت أبوكي، وعلمتي الواد ده وأهله أدب مش هينسوه طول عمرهم.. بس تفتكري اللعبة خلصت؟ تفتكري النص مليون والشقة هما كل حاجة؟”

جسمي كله اتنفض، وحسيت إن النفس هرب مني وأنا برد بصوت مرعوش: “إنت مين؟ وصوتك ده مش غريب عليا.. إنت مين وعايز إيه؟”

الصوت ضحك ضحكة خفيفة، ضحكة فيها كمية لؤم ووجع دب..حوني، وقال: “أنا اللي كان لازم أكون مكان أبوكي الله يرحمه من زمان.. أنا عمك “عادل” يا ندى.. عمك اللي أبوكي أكل حقه وعاش طول عمره بفلوسه، والظاهر كده إن جه الوقت اللي الحساب فيه يتصفى.. بس معاكي إنتِ!”

عمي عادل؟! عمي اللي مسافر برة مصر من أكتر من 20 سنة؟ اللي كنا بنسمع إنه مقطوع وميعرفش عننا حاجة؟

رديت عليه بزعيق وعصيبة: “عمي؟ عمي مين؟ أبويا مأكلش حق حد! أبويا عاش شريف ومات شريف، وإنت مظهرتش ليه وهو عايش؟ جاي دلوقتي تظهر بعد ما مات عشان تقولي حق؟”

رد بنبرة حادة وناشفة زي الحجر: “مظهرتش وهو عايش عشان أبوكي كان مسنود، وكان مأمن نفسه وعامل حساب اليوم ده.. لكن دلوقتي، السند مات، وإنتِ بقيتي لوحدك. الشقة اللي إنتِ قاعدة فيها دي، والأرض اللي أبوكي باعها من عشر سنين وحط تمنها في البنك.. دول من ورث جَدك، وأبوكي زور عقود عشان ياخدهم لوحده ويقعدني في الغربة شقيان. أنا نزلت مصر من أسبوع، ومعايا الأوراق الأصلية اللي تثبت حقي.. يعني الشقة والفلوس اللي في البنك بتوعي أنا، وبقانون الله وقانون المحاكم، هاخدهم منك يا بنت أخويا، والبادء أظلم!”

الخط قطع.. والنغمة فضلت تزن في ودني زي الخنجر.

وقفت في وسط الصالة، وبدأت الدنيا تلف بيا. يعني أنا طلعت من حفرة كريم، عشان أقع في بير عمي؟ هل فعلاً أبويا الله يرحمه ممكن يكون عمل كده؟ لاء.. مستحيل! أنا عشت مع أبويا وعارفة إنه مبيطقش الحرام، لكن كلام عمي وثقته والنبرة اللي بيتكلم بيها كانت بتقول إن وراه مصيبة سودة بتتدبر.

منمتش الليلة دي.. فضلت قاعدة صاحية والبيت حواليا بقى زي القبر. الصبح طلع، وقبل ما أفكر هعمل إيه، لقيت جرس الباب بيرن بلهفة وعنف. جريت على الباب وبصيت من العين السحرية.. لقيتها “حماتي”!

فتحت الباب وأنا مستغربة، لقيت وشها مقلوب والدموع في عينيها، وزقت الباب ودخلت وهي بتنهج وتقول: “الحقينا يا ندى.. الحقي جوزك!”

بصيت لها ببرود وقولت: “جوزي مين؟ أنا خلاص اتطلقت، والورق معايا.. كريم ميبقاليش حاجة، وميهمنيش أمره في داهية.”

حماتي قعدت على الأرض وهي بتعيط بحرقة وتقول: “كريم اتمسك يا ندى! بعد ما مشيتي من الشقة المفروشة إمبارح، جاله البيت ناس غريبة، ناس شكلهم يخوف.. وأخدوه غصب عنه تحت التهديد، وولعوا في عربية هاني صاحبه! كريم في خطر يا بنتي، والناس دول قالوا إنهم تبع واحد اسمه عادل.. بيقولوا إنهم جايين ياخدوا حق عمهم اللي أبوكي سرقه، وإن كريم لو مجابش الأوراق والفلوس اللي معاكي، مش هيرجع تاني!”

الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. عمي عادل مبدأش بالمحاكم.. ده بدأ بالدم! خطف كريم فاكر إن كريم لسه في إيده الورق أو يقدر يضغط عليا بيه.

حماتي مسكت رجلي وهي بتصرخ: “ابوس رجلك يا ندى، أنقذي ابني.. هما فاكرين إن كريم معاه الفلوس والورق، وميعرفوش إنك أخدتي منه كل حاجة إمبارح.. كلمي عمك ده، قوليله كريم ملوش ذنب.. أنا عارفة إن ابني غلط وطمع فيكي، بس مش لدرجة الموت يا بنتي!”

في اللحظة دي، مكنش في وقت للشماتة.. أنا لقيت نفسي في وش حرب حقيقية.. حرب عائلية قديمة، وجعها ودمها هيتفتح فوق دماغي أنا.

وقبل ما أنطق بكلمة مع حماتي، تليفوني رن تاني.. نفس الرقم الغريب. فتحت السبيكر فوراً عشان حماتي تسمع، وجالي صوت عمي عادل، بس المرة دي كان وراه صوت صريخ مكتوم.. صوت كريم وهو بيتوجع ويقول: “الحقيني يا ندى.. هيموتوني يا ندى!”

عمي عادل قال ببرود يرعب: “سمعتي يا بنت أخويا؟ طليقك الغبي تحت إيدي، وأنا عارف إنه ممضاش على حاجة وعارف إنك لعتبي عليه وأخدتي منه كل حاجة إمبارح.. إنتِ طلعتي ذكية وتخوفي يا ندى، وعشان كده أنا مش هضيع وقت معاكي.. قدامك 24 ساعة.. تجيلي في العنوان اللي هبعتهولك، ومعاكي عقد الشقة، وتنازل عن النص مليون جنيه اللي في البنك.. تيجي لوحدك.. لو بلغتي الشرطة، أو جيتي ومعاكي مخلوق، طليقك ده هيرجع لأمه في كيس أسود.. والشقة والفلوس هاخدهم برضه بالقانون وبطريقتي.. فكري بسرعة، الوقت بيجري!”

الخط قفل.. وحماتي أغمى عليها على الأرض من الرعب..

وأنا وقفت في مكاني، ببص لعقد الشقة اللي في إيدي وبفتكر كلام أبويا.. وحسيت إن في سر كبير في البيت ده أنا لسه معرفوش.. سر لو مكشفتوش في الـ 24 ساعة دول، مش بس هخسر ورثي.. أنا ممكن أخسر حياتي باللي فيها!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *