أبويا جالى البيت 2

 

ضحكت.. ضحكة ناشفة تـمـوّت من الوجع.

في الوقت اللي كانت بتقول فيه على أبويا “برص وطفيلى”، كانت هي بـتـبـيـع السقف اللي أبويا حماني تحت منه!

على بالليل.. نهى رجعت الشقة.

وشها ما كانش مقلوب، كان وش “الضحية” المسكينة اللي بـتـعـيّـط.

— حسن.. إحنا ممكن نحل الموضوع ده ودي بيننا..

وأمها كانت واقفة وراها:

— يا ابني اسمع من مراتك.. البيوت خربها ساهل.

كلمة “يا ابني” من بقها جابت لي غثيان وقرف:

— ما تقوليش يا ابني.. أنتِ بالذات تـسـكـتـي خالص!

نهى عيطت:

— أنا غلطت.. بس كنت بعمل كل ده عشاننا.. عشان نأمن مستقبلنا!

— عشاننا؟ تـلـهـفـي فلوس أهلي الحقيقيين من ورايا عشاننا؟ تـزوّري إمضتي عشاننا؟ تعملي تأمين على حياتي عشاننا؟!

بصت للمحامي بغل:

— أنت مالكش حق تفتش في حاجتي!

— الحاجة دي كانت في خزنتي وفي بيتي يا مدام!

حماتي قعدت على الكنبة من غير إذن وقالت بـجـبـاحـة:

— لولايا أنا.. ما كنتش هتبقى قاعد القاعدة دي دلوقتي ولا لابس النضيف ده!

البيت كله سكت.. وأنا قربت منها بالراحة:

— وريني بقى.. قوليلي إزاي؟

نهى بدأت تهز راسها وتصرخ:

— ماما لأ.. اسكـتـي!

بس الحاجة كريمة كانت مليانة كبرياء وغرور أعمى:

— أمك الحقيقية كانت بت غنية ومدلعة، وغلطت غلطة وكانوا عاوزين يداروا الفضيحة ويخلصوا من الواد.. وأنا كل اللي طلبوه مني إني أنقل البيبي برة المستشفى.. ما كنتش أعرف إنهم هيرموك في كرتونة جنب جامع! أنا لما عرفت بعد سنين إنك عشت، ولما نهى جابتك البيت وخطبتها، أنا عرفتك من الوحمة اللي في كتفك الشمال.. نفس الوحمة اللي كانت في الواد ابن الألفي! قولت لبنتي ما تبقاش عبيطة.. الواد ده لو اتجوزتيه، طاقة القدر هتتفتح لنا والفلوس هتجري في إيدينا!

نهى قعدت على الأرض بـتـعـيّـط بـحـرقـة.. مش عليا، على نفسها وعلى خطتها اللي باظت.

— حسن.. أنا حبيتك بجد..

بصيت لها وعيني مليانة احتقار:

— أنتِ حبيتيني زي ما الحرامي بـيـحـب الـخـزنة اللي هـتـغـنـيـه.

قامت وقربت مني:

— حسن فكر.. لو اطلقنا، الفضيحة هتبقى بجلاجل وكل الناس هتعرف.

— ياريت.. ده أنا مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.

المحامي حط على الترابيزة ورق دعوى طلاق للضرر، وبلاغ رسمي بالتزوير والنصب والاشتراك في جناية خطف وتسهيل استيلاء على أموال قُصّر، وطلب تجميد لكل الحسابات البنكية اللي دخلت فيها فلوس عيلة الألفي.

نهى بصت للورق كأنها شافت تعابين:

— مش هتقدر تعمل فيا كدة يا حسن!

افتكرت أبويا وهو واقف في المطبخ، حاطط إيده في إيد بعض وراسه في الأرض.. افتكرت جزمته القديمة المقطوعة، وضهره المحني، والبدلة اللي باعها عشان يشتري لي جزمة المدرسة.. وافتكرت تلاتين سنة حب من غير نقطة دم واحدة تجمعنا، وسنتين جواز مليانين سِمّ وخيانة.

— أنا مش بعمل فيكِ حاجة.. أنا بس برفع الغطا عن البلاعة اللي عشت فيها.

أمها حاولت تقوم وتزعق، بس الباب خبط.. وكانوا أمناء الشرطة ومعاهم أمر ضبط وإحضار من النيابة.

الموضوع ما كانش شبه الأفلام.. مفيش صريخ.

كل اللي حصل كلبشات حديد اتـقـفـلـت على إيد الست اللي كانت بتقولي “يا ابني” وهي بـتـبـيـعـنـي، ونهى انهارة تماماً لما عرفت إنها مطلوبة للتحقيق كشريك أساسي.

— حسن.. عشان خاطري سامحني!

— أبويا طلب خمسين ألف جنيه وهو عينه في الأرض من الكسوف.. أنتِ سرقتِ سنين من عمري وما رمشتيش حتى!

ما شفتهاش تاني إلا في المحكمة.

أبويا جه المحكمة على كرسي متحرك، عنيد وزي ما هو، لابس جاكيت بني ومسرح شعره لورا. لما القاضي سأله: “ما علاقتك بالمدعو حسن رسلان؟”، رد من غير تردد وصوته زلزل القاعة:

— حسن ابني.. وأنا أبوه.

محامي نهى حاول يتذاكى ويـتـرّيـق:

— بس تحليل الـ DNA بيقول إنك مش أبوه يا حاج!

أبويا بص له بكل هدوء وثقة وقال:

— التحليل يقول إني ما خلفتوش.. ما يقولش إني ما ربيتوش!

محدش في القاعة كلها قدر ينطق بكلمة ولا يبتسم.

القض/ية خدت وقت، بس الورق كله اتكلم.. الجوابات المستخبية، التحويلات، بوليصة التأمين، الإمضاء المزور، ومحضر الشؤون الاجتماعية القديم اللي أثبت إن أبويا سـلّـمـنـي للقسم رسمي قبل ما ياخدني برعاية قانونية.

أبويا ما كانش حرامي..

ده كان الراجل اللي وقف في طوابير، وعمل أوراق، واستحمل أسئلة تـهـيـن الكرامة، واستنى شهور عشان ياخدني في حضنه ويروح بيا البيت وهو مطمن.

عيلة الألفي استقبلوني في بيتهم القديم في جاردن سيتي.. بيت بلكوناته حديد قديم وشكله أثري. خالتو الكبيرة، ست عجوزة وطيبة، مسكت وشي وعيطت من غير صوت.. ورتني صور لأمي “فريدة” وهي في الجيزة وسط الجناين، بـتـضـحـك وحاطة إيدها على بطنها وهي حامل فيا.

— عمرها ما صدقت إنك مت يا حسن.. فضلت تدور لآخر نفس.

ما عرفتش أرد بأيه..

ما كنتش قادر أحب فجأة ست ميتة ما شفتهاش..

بس كنت قادر أحترم حقها وحقي في الحقيقة.

استلمت الورث بشرط واحد: أبويا له حق الإقامة مدى الحياة معايا في أي مكان يختاره، وفتحت له حساب خاص لعلاجه وعملياته وكل اللي كان بيحرم نفسه منه.

لما عرف.. زعل وشخط فيا:

— أنا مش عاوز فلوسك يا حسن!

— دي مش فلوس يا با.. ده شقاك المعمور اللي بيرجع لك.. ده راحة بال متأخرة.

بص الناحية التانية، وعينه دمعت كأنه مكسوف إنه يستحق الراحة.

نهى حاولت تحارب في المحكمة عشان تاخد الشقة، وقالت إنها كانت زوجة ووقفت في البيت وعملت وعملت..

المحامي بتاعي قدم كل الحجج:

مقدم الشقة من أبويا..

أقساطي أنا اللي مدفوعة من حسابه..

وعقد انفصال الأموال.. والإمضاء المزور.

خرجت نهى من المولد بلا حمص.. خسرت الشقة، والحسابات، والاسم، وخرجت بقض*ية تزوير فوق كتافها.

وحماتي “كريمة” وقعت في شر أعمالها.. النيابة لما نبشت وراها، لقت قضايا تانية قديمة وبلاغات من أمهات تانين قالوا لهم إن عيالهم ماتوا في نفس المستشفى.. الحكاية كانت شبكة تجارة أطفال، وأنا كنت الناجي الوحيد اللي عاش باسم وأب حقيقي.

يوم ما خدوا كريمة على السجن، زعقت فيا وهي بـتـتـرحّـل:

— لولا أبوك الصعيدي ده لقطك من الشارع، كنت زمانك ميت في الزبالة!

وقفت وبصيت لها في عينها:

— لأ.. لولا إنك بعتيني وحرمتيني من أمي، كنت كبرت في حضنها.. بس ربنا عوضني بأجلّ راجل في الدنيا.

طأطأت راسها في الأرض.. وأخيرًا انكسرت عينها.

أبويا كان مستنيني برة المحكمة ومعاه كيس فيه “بندق وفستق” وسندوتشات كفتة جايبها من الحسين، وقالي: “الهم عاوز بطن مليانة يا حسن عشان تقدّر تدوس عليه”.

قعدنا على دكة في الشارع، هو بيشرب الحاجه الساقعة وأنا باصص له واللقمة واقفة في زوري.

— أنت كويس يا حسن يا ابني؟

بصيت لملامحه.. تجاعيد وشه.. إيده الخشنة اللي شالت الطوب.. ضوافره التعبانة من الشغل.. الراجل اللي لقاني في كرتونة وقرر ما يرمينيش للدنيا.

— دلوقتي بس بقيت كويس يا با.. دلوقتي عرفت أنا ابن مين.

طأطأ راسه وقال بصوت واطي:

— ومش زعلان مني؟

— زعلان إني ما بستش رجلك كل يوم يا با.. الدم ما بيعملش أب، اللي وقف وسند وعاش هو الأب.

ما عيطش.. أبويا عمره ما كان بتاع عياط.

كل اللي عمله إنه ضربني بالراحة على قفايا، نفس الضربة اللي كان بيعملها زمان لما كنت بطلع الأول في المدرسة.

بعد كام شهر.. بعت نص الأملاك والبيوت اللي مش عاوزها، وفتحت مؤسسة خيرية صغيرة باسم “مؤسسة الألفي رسلان” لرعاية الأطفال مجهولي النسب ومساعدة الأهالي الغلابة اللي بيربوا عيال مش من دمهم بس بـيـعـامـلـوهـم بأصلهم.

الخزنة في بيتي دلوقتي فاضية تماماً من الفلوس.

مفيش فيها رزم ولا دولارات.

فيها جواب أبويا.. وصورتي وأنا في البطانية الكحلي.. وورقة طلاقي من نهى.

في يوم، جالي رسالة من رقم غريب.. كانت نهى بـتـبـعـت من رقم في السجن أو تليفون حد هناك:

“كل ده حصل عشان خمسين ألف جنيه؟”

قريت الرسالة مرتين.. أخدت سكرين شوت وبعتها للمحامي، وبعدين رديت عليها بـجـمـلـة واحدة:

“لأ.. كل ده حصل عشان هُنـتِ الراجل الوحيد اللي عمري ما هُـنـت عليه.”

وعملت بلوك.

ليلِتها.. أخدت أبويا وعزمته في مطعم كباب وكفتة كبير في الحسين.. فضّل يقولي: “ده غالي، والمحلات دي بتاعة السياح، وأكل البيت أحسن ومصاريف ع الفاضي”.. بس أول ما داق اللحمة، ابتسم زي العيل الصغير.

— أمك الحقيقية كانت من عيلة الألفي بتاعة وسط البلد.. أكيد كانت غاوية الأكل النضيف ده — قالي وهو بـيـضـحـك.

هزيت راسي وقولتله:

— وأبويا كمان غاوي الأكل ده.. كل يا با ومستخسرش في نفسك.

ساب الشوكة وبصلي وعينه مليانة مية:

— أنهي أب فيهم يا حسن؟

بصيت في عينه مباشرة وقولت بكل فخر:

— أنت.. أنت يا رسلان.. أنت أبويا.

الدنيا برة كانت زحمة، وصوت الأذان طالع من المساجد، وتواشيح الحسين بـتـلـعـلـع في الجو.. القاهرة اللي خبتني، هي نفسها اللي رجعتني. أنا خسرت ست خاينة، وكدبة عشت فيها سنين، واسم مالوش لازمة.

بس كسبت الحقيقة..

بيت نضيف مفيش فيه خاين..

وأب ما رمانيش في الهوا.. أب لـمّـنـي واداني عمره مرتين.

الأولى.. لما شالني من جنب السور.

والتانية.. لما وقف يستلف وعينه في الأرض، عشان يـوّرّيـنـي الوش الحقيقي للدنيا.

نهى كانت فاكرة إن أبويا جاي يشحت فلوس..

ما كانتش تعرف إن أبويا جاي يـصـحّـي الـعـدالـة.

ولما فتحت الخزنة، الكنز ما كانش جوة الحديد..

الكنز كان واقف في طرقة المستشفى، بجلابيته البسيطة وقلبه التعبان.. وله كل الحق في الدنيا إنه يقولي: “يا ابني”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *