بعد فرحى بأسبوع 2
حماتي وقفت ساندة ضهرها على الحيطة، عينيها الضيقة كانت بتقرأ كل ملامح وشي، ونظراتها الشكاكة خلتني أحس إن نفسي مكشوف قدامها. سماح عيطت وصوت شهقاتها علي، وبصت لأمها وقالت بنبرة استعطاف: «شايفة يا أمي؟ هو مكنش قصده طمع، هو بس اتلخبط وفكر في مستقبلي ومستقبل البيت، الشيطان اللي دخل بيننا».
الحاجة فوزية ما اتكلمتش على طول. خدت نفس طويل وقربت مننا، وبصت لي وأنا لسة قاعد على الأرض وقالت بنبرة هادية بس ناشفة زي الحجر: «قوم اقف على حيلك يا واد الناس، الراجل ما يتراميش تحت رجلين ست عشان يثبت براءته. إنت قولت إن الشيطان عمى عينك؟ ماشي، وإحنا ولاد بلد وبنصدق في التوبة، بس التوبة بيبان أولها من أخرها بـ الأفعال مش بـ الدموع والكلام المحسوب».
قومت وقفت بسرعة، وطيت راسي بتمثيلية متقنة وقولت: «إلي تشوفيه يا حاجة، لو عايزاني أمشي من البيت دلوقتي مش هقول لأ، المهم تكوني عارفة إني مش طمعان في شقاكم».
الحاجة فوزية شاورت بإيدها وقالت: «لا هتمشي ولا هتقعد، البيت بيتك ومراتها في حبالك. إحنا هنقفل على السيرة دي خالص، ولا كلمة “فلوس” ولا “توكيل” ولا “مشاريع” تتنطق في البيت ده لحد ما حزننا ينتهي والبلد تدور. اتفضل شوف شغلك وركز في أكل عيشك، وسيب القرش المركون في حاله».
بست راس حماتي وبست راس سماح، وقولت لهم حاضر من عينيا، وخرجت من الشقة وأنا حاسس إني حققت أول خطوة في الخطة الكبيرة. الماية بدأت ترجع لمجاريها، والحذر اللي كان مالي البيت بدأ يفك واحدة واحدة مع مرور الأيام.
عدى شهر، والوضع استقر تماما. بقيت أرجع من شغلي جايب معايا طلبات البيت على قد ما أقدر، وأبين لهم إني بطحن نفسي في الصخر عشان مليمين، وحماتي بدأت تطمن لي تاني، وترجع تدفع في مصاريف البيت ببذخ وتجيب اللحمة والفواكه والخير كله، وأنا ساكت ومبفتحش بؤي ولا حتى ببص للفلوس وهي بتدفعها، كنت بعمل نفسي مش واخد بالي تماماً عشان الثقة تزيد وتثبت.
في ليلة، نزلت قابلت مدحت صاحبي في القهوة المتطرفة اللي بنقعد عليها. قعدت معاه وقولتله بابتسامة نصر: «كله تمام يا مدحت، الستات بلعوا الطعم، وحماتي رجعت تثق فيا وسماح بقت خاتم في صباعي، بس الخطوة الجاية إيه؟ أنا مش هقعد أمثل العمر كله والفلوس مركونة هناك في البنك».
مدحت شد نفس عميق من الشيشة، وطلع الدخان وهو بيضيق عينيه وقالي بصوت واطي: «التقيل جاي يا صاحبي. دلوقتي هما مطمنين لك، والوديعة اللي بنص مليون باسم مراتك دي هي المفتاح. إنت مش هطلب منها توكيل تاني، التوكيل بيفزع الستات وبيحسسهم بالخطر. إحنا هنعمل حوار تاني خالص».
سألته بلهفة: «حوار إيه؟ أنطق!»
مدحت قرب مني أكتر وقال: «إنت هتروح لمراتك بوش مكسور ومهموم، وتقولها إنك وقعت في مشكلة كبيرة في شغلك، أو إنك عليك وصلات أمانة ومهدد بالحبس، وإنك محتاج مبلغ صغير، وليكن 50 ألف جنيه بس فك زنقة. لما تطلب مبلغ صغير من الـ 500 ألف، الست مش هترفض عشان تنقذ جوزها من الحبس، خصوصاً إنها واثقة فيك دلوقتي. لما تديك الـ 50 ألف وتصرفهم، هترجع لها بعد أسبوعين وتقولها المشروع اشتغل والـ 50 بقوا 70 وتديها مكسبها في إيدها كاش! لما تشوف المكسب بعينيها والقرش بيولد قرش، الطمع هيدخل قلبها هي وأمها، وهما اللي هيجوا يبوسوا إيدك ويقولولك خد الـ 500 ألف كلهم وشغلهم لنا وكبرهم!».
الكلام نزل في دماغي زي السحر. فكرة مدحت كانت شيطانية ومضمونة 100%. الستات لما يشوفوا المكسب الحقيقي بعينيهم، الخوف هيموت والطمع هو اللي هيسوق.
رجعت البيت وأنا مجهز السيناريو والحوار. دخلت الشقة ورميت نفسي على الكنبة في الصالة، وحطيت إيدي على راسي وعملت نفسي بتنهد بكسرة وهم كبير. سماح خدت بالها، قربت مني وقعدت جنبي وقالت بقلق: «مالك يا عبده؟ فيك إيه يا حبيبي؟ وشك مقلوب بقالك كام يوم وشغلك مش عاجبني».
أنا اتنهدت وقولت بصوت مخنوق: «مفيش يا سماح.. أزمة وتعدي إن شاء الله».
سماح لحت: «أزمة إيه؟ قولي بس، إحنا ملناش غير بعض».
قولت لها وأنا بداري وشي: «الشركة اللي بشتغل معاها في التوريدات، البضاعة اتأخرت في المينا، وصاحب الشغل حملني المسؤولية لوحدي، وكاتب عليا وصل أمانة بـ 60 ألف جنيه، وقالي لو الفلوس ما جهزتش خلال يومين هيقدم الوصل للنيابة ويحبسني. أنا مش عارف هجيب الرقم ده منين في يومين، الدينا مسودة في وشي يا سماح».
سماح شهقت وحطت إيدها على صدرها: «يا مصيبتي! حبس إيه ونيابة إيه؟ طب اتصرف، كلم حد من أصحابك».
رديت بكسرة: «أصحابي كلهم غلابة وعلي باب الله ومحدش معاه ربع المبلغ ده. أنا شكلي هتحبس يا سماح، والزفة اللي عملناها من شهرين هتقلب بفضيحة في المنطقة».
سماح سكتت وفكرت، وعينيها راحت ناحية أوضة أمها. أنا كنت مراقب نظراتها وعارف هي بتفكر في إيه. قامت بسرعة ودخلت لأمها الأوضة، وفضلوا جوة يتوشوشوا حوالي ربع ساعة، وأنا برة قاعد على نار، خايف حماتي تقفش اللعبة وتبوظ الطبخة.
الباب اتفتح، وخرجت حماتي ومعاها سماح. الحاجة فوزية بصت لي بنظرة جد وقالت: «سماح حكت لي على المصيبة اللي إنت فيها. إحنا ما نرضاش بالفضيحة، ولا نرضى إن جوز بنتنا يتحبس والناس تشمت فينا وهو لسة عريس جديد».
وقفت وقولت بسرعة: «كتر خيرك يا حاجة، بس أنا مش عايز أحملكم همي».
حماتي قاطعتني وقالت: «اسمعني للآخر.. الوديعة اللي باسم سماح مقفولة ومينفعش نكسرها دلوقتي عشان الخسارة، بس أنا معايا كاش في البيت حوالي 60 ألف جنيه كنت شايلاهم لظروف الزمن تحت البلاطة بعيد عن البنك. هيدهم لك تفك بيهم زنقتك وتخلص وصل الأمانة ده، وترجع لشغلك وراسك مرفوعة».
أنا فرحت من جوايا، بس في نفس الوقت اتصدمت.. الست طلعت القرشين من البيت مش من البنك! يعني الخطة نجحت بس جزئياً.
أخدت الفلوس منها وأنا ببوس إيدها وبدعي لها، وتاني يوم نزلت قابلت مدحت وقولتله على اللي حصل.
مدحت عينيه لمعت وقال: «حلو قوي! كدة هما أدوا لك الأمان بالكامل. الفلوس دي بقى مش هترجعها 60 ألف.. إنت هتقعد أسبوعين، وتدخل عليهم بـ 85 ألف جنيه! وتقولهم البضاعة خرجت والمكسب كان خيالي، وادي فلوسكم ومعاها المكسب بتاعكم كمان. ساعتها الست الكبيرة هريالتها هتسيل على المكسب السريع، وهي اللي هتسحب لك من البنك!»
نفذت كلام مدحت بالظرف. بعد أسبوعين، دخلت البيت بالليل، وكنت لابس نضيف وراسم على وشي ضحكة من الودن للودن. ناديت على سماح وحماتي، وقعدتهم في الصالة، وطلعت رزمة فلوس من جيبي وحطيتها على التربيزة بخبطة مسموعة.
حماتي بصت للفلوس وقالت باستغراب: «إيه ده يا عبده؟»
قولت بفخر وثقة: «دول 85 ألف جنيه يا حاجة. الـ 60 ألف بتوعك كاملين، ومعاهم 25 ألف جنيه مكسب من بضاعة المينا اللي فكينا أزمتها. أنا قولت لازم أرد لكم الجميل، والقرش معايا مبيقعدش، بيشتغل وبيجيب قرش غيره».
سماح عينيها وسعت من الفرحة، وحماتي بصت للفلوس المسكوبة على التربيزة، ومدت إيدها ولمستهم، ووشها اتغير تماماً. اللمعة اللي في عينيها مكنتش لمعة رضا.. كانت لمعة الطمع الخالص اللي أنا كنت مستنيه من زمان.
الحاجة فوزية بصت لي وقالت بصوت واطي ومحمل بنبرة جديدة خالص مكنتش موجودة قبل كده: «بسم الله ما شاء الله.. كل ده مكسب في أسبوعين يا عبده؟»
قولت بذكاء: «وأكتر من كده يا حاجة لو الشغل تقيل والسيولة موجودة.. البلد مليانة خير بس اللي يفهم السوق».
حماتي سكتت وبصت لسماح، وبعدين دارت وشها ليا وقالت كلام خلاني أحس إن الكنز خلاص بقى في جيبى: «طب بقولك إيه يا عبده.. تعال معايا الأوضة جوة عشان عايزين نتكلم في موضوع مهم يخص فلوس البنك والوديعة».
دخلت وراها وأنا حاسس إن الدنيا ضحكت لي، بس أول ما دخلت الأوضة وقفلنا الباب، لقيت حماتي بتلتفت ليا، وملامحها رجعت حادة وناشفة تاني، وقالت لي كلام صدم وركبي، وخلاني أعرف إن اللعبة الحقيقية لسة مابدأتش..
«حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
«طب بقولك إيه يا عبده.. تعال معايا الأوضة جوة عشان عايزين نتكلم في موضوع مهم يخص فلوس البنك والوديعة».
دخلت وراها وأنا حاسس إن الدنيا ضحكت لي، وخلاص النص مليون والـ 850 ألف بقوا في جيبي. بس أول ما دخلت الأوضة وحماتي قفلت الباب بالترباس، التفتت ليا، وملامحها الطماعة اختفت في ثانية، ورجعت حادة، ناشفة، وعينيها فيها نظرة ذكاء تخوف.
قعدت على السرير وبصت لي وقالت بصوت واطي ومسموع: «اقعد يا عبده يا ابن أمنة.. اقعد عشان الكلام اللي جاي ده مش عايز سماح تسمع منه كلمة».
قعدت على الكرسي وأنا ركبي بتخبط في بعضها، الست دي بتتحول في ثانية، والوش الملاك اللي كانت لابساه برة طار. قولت بتلعثم: «خير يا حاجة فوزية؟ في إيه؟»
حطت إيدها على ركبتها وقالت: «الـ 60 ألف جنيه اللي أنا ادهمهالك، مكنوش تحت البلاطة ولا حاجة.. دول كانوا قرشين شايلاهم في بوستة قريبة من هنا، وأنا مش عيلة صغيرة عشان أصدق حكاية بضاعة المينا ووصول الأمانة اللي بتطلع 25 ألف جنيه مكسب في أسبوعين! أنا ياما عشت وياما شفت، وحماك الله يرحمه كان بيمشي تحت إيده ملايين وعارفة التجارة بتكسب كام وإزاي. إنت فاكر لما تجيب لي الـ 25 ألف دول كاش إن ريالتنا هتسيل ونروح نجري نكسر الوديعة ونديك شقا عمرنا؟»
النفس اتكتم في صدري، وحسيت إن دمي هرب من عروقي. الست قارياني وقاريا مدحت والخطط كلها! حاولت أصلح الموقف وقولت بصوت مرعوب: «يا حاجة والله العظيم أنا…»
قاطعتني بحركة حازمة من إيدها: «اششش.. اسمع ومتقاطعنيش. أنا عارفة إنك طمعان، وعارفة إن عينك زغللت من يوم ما عرفت الأرقام. وأنا كان ممكن أخد بنتي وفلوسي وأمشي وأخرب بيتك من أول يوم.. بس أنا لولا إني خايفة على بنتي وبحبها ومستخسرة لقب “مطلقة” يمسكها بعد شهر جواز، ومستخسرة صوان العزا يقلب بخراب بيوت، مكنتش قعدت في بيتك دقيقة واحدة».
سكتت شوية، وبصت للحيطة وجمعت نبرة صوتها وقالت كلام صدمتي فيه كانت أكبر: «بس أنا هماشيك في اللعبة يا عبده.. وهديك الفلوس!».
برقت عيني وقولت بذهول: «هتديني الفلوس؟ بعد كل اللي قولتيه ده؟!»
قالت بابتسامة صفرا تشيب: «أيوة.. هديك الـ 500 ألف بتوع وديعة سماح كلها تشغلها. بس مش عشان أنا صدقتك ولا عشان سواد عيونك.. أنا هديهالك بشرط واحد، والشرط ده لو وافقت عليه، بكرة الصبح ننزل البنك ونسحب الفلوس ونحطها في إيدك».
بلعت ريقي وسألتها وأنا حاسس إن في مصيدة بتنصب حوالين رقبتي: «شرط إيه يا حاجة؟»
قربت وشها مني وقالت بصوت زي فحيح الأفعى: «تكتب لبنتي سماح شقة الزوجية دي اللي إحنا قاعدين فيها بيع وشراء نهائي، وتكتب لها مؤخر صداق بـ 200 ألف جنيه وتلتزم بيه في ورق رسمي عند محامي برة. الشقة دي ملكك وإنت ورثتها عن أبوك، يعني مأمنة. تكتب الشقة والمؤخر باسم بنتي، تاخد النص مليون جنيه كاش في إيدك تعمل بيهم المشروع اللي إنت بتموت عليه.. كسبت وشغلت الفلوس؟ أهو الشقة في الآخر لمراتك وعيالك وإنت الكسبان من أرباح النص مليون. خسرت الفلوس أو لعبت بديلك؟ يبقى بنتي طلعت ببيت يسترها وقرش يأمنها من غدرك وصاحبك اللي بيوزك برة».
جسمي كله اتجمد. الشقة! الشقة دي حيلتي من الدنيا، ورثي الوحيد اللي بيسترني، وحماتي عايزاني أمضي عليها وأبيعها لمراتي عشان تديني الفلوس! اللعبة اتقلبت عليا، وبدل ما أنا اللي كنت بصطادهم، لقيت نفسي واقف في خانة اليك، ومحطوط بين نارين: يا إما أرفض وأخسر الكنز وتفضل نظرتهم ليا إني حرامي وطمعان ومكشوف، يا إما أوافق وأقامر ببيتي وشقتي عشان أطول النص مليون جنيه.
الحاجة فوزية قامت وقفت، وطبطبت على كتفي وقالت بنبرة فيها تحدي مرعب: «فكر يا واد الناس.. قدامك لحد بكرة الصبح. لو وافقت، هقول لسماح إنك راجل وسيد الرجالة وإننا هنشاركك في مشروع العمر وهنكتب الورق سوا عند المحامي والبنك. لو رفضت.. يبقى تاخد الـ 85 ألف بتوعك دول، وتنسى إن كان ليك حماة أو زوجة في البيت ده، ولما نخرج من الأوضة دي، هقش الشنط وأخد بنتي في إيدي ونمشي، والباب يفوت جمل».
سابتني واقف في وسط الأوضة وخرجت، ورجعت وشها البشوش لسماح برة وقالت لها: «يلا يا سماح يا بنتي جهزي العشا لجوزك عشان حبيبك راجع تعبان من الشغل والشركة».
أنا قعدت على السرير، دماغي كانت بتلف زي الساقية. الفلوس بقت قريبة جداً، بس تمنها غالي.. تمنها شقتي.
نزلت في نفس الليلة وقابلت مدحت في القهوة وأنا منهار، وحكيت له الشرط التعجيزي بتاع حماتي.
مدحت أول ما سمع الكلام، عينه لمعت وضرب التربيزة بإيده وقال بصوت واطي ومتحمس: «وافق يا عبده! وافق فوراً ومن غير ما تفكر!».
بصيت له بذهول وقولت: «إنت اتجننت يا مدحت؟! أوافق أبيع شقتي اللي حيلتي من الدنيا؟ طب أفرض المشروع خسر؟!»
مدحت ضحك وقرب مني وقال: «يا غبي افهم! إنت هتكتب الشقة بيع وشراء، والمشروع مش هيخسر لأننا مش هنعمل مشروع أصلاً! إحنا هناخد النص مليون جنيه كاش، ونطلع بيهم على تاجر الدولار والدهب اللي أعرفه، هنشتري بيهم بضاعة مخفية، وفي ظرف شهرين النص مليون دول هيبقوا مليون ومليون ونص! ساعتها هترجع لحماتك وترمي لها النص مليون بتوعها وتقولها ادي فلوسكم أهي وشغلكم مش عايزة، وتجبر سماح ترجع لك الشقة وتلغي التنازل، وتبقي إنت اللي كسبت المليون المهاجرة في جيبك والشقة رجعت لك! الست دي بتلعب معاك قمار، وإنت لازم تقبل التحدي وتكسب الطاولة كلها!».
كلام مدحت رجع الحماس والشرار لعيني. الشيطان عمى قلبي تماماً وصور لي إن المليون جنيه بقت في جيبى وخلاص الشقة هترجع.
تاني يوم الصبح، صحيت ولبست، ودخلت على حماتي وسماح وهما قاعدين بيفطروا. قعدت وقولت بابتسامة ثقة مفيهاش تراجع: «جهزي نفسك يا حاجة فوزية.. إنتي وسماح. بكرة الصبح هنروح للمحامي نكتب ورق الشقة والمؤخر، ومن هناك نطلع على البنك عشان نسحب الوديعة ونبدأ الشغل الكبير».
سماح عينيها لمعت بالفرحة والاطمئنان، وحماتي هزت راسها بابتسامة غامضة، كأنها كانت متأكدة إني هقع في الفخ.
وبالفعل، عدى اليوم، وتاني يوم الصبح كنا واقفين عند المحامي. مضيت على عقد بيع الشقة لمراتي سماح، ومضيت على وصلات المؤخر بـ 200 ألف جنيه، وبقيت غريب في بيتي ومليش فيه مليم. ومن مكتب المحامي، طلعنا على البنك الأهلي.
وقفنا قدام الموظف، وحماتي طلعت الأوراق، وسماح مضت على طلب كسر الوديعة واستلام المبلغ كاش بناءً على رغبتهم. الموظف غاب جوة شوية، ورجع ومعاه شنطة سودا تقيلة، حطها على المكتب وقال: «اتفضلي يا مدام سماح.. دول 500 ألف جنيه كاش بعد خصم أرباح الكسر».
سماح أخدت الشنطة بإيد بتترعش، وبصت لأمها، وحماتي مسكت الشنطة وادتها ديركت ليا وقالت بصوت حاد: «أهو شقا البنت بقا في إيدك يا عبده.. وريني بقى شطارة الرجالة والمليون جنيه اللي هترجعهملنا».
أخدت الشنطة، وحسيت بتقل الفلوس في إيدي، وفرحة عارمة عمت كياني كله. ودعتهم وقولتلهم أنا هطلع على الشغل عشان أسلم الفلوس لأصحاب البضاعة ونبدأ فوراً.
طيران على القهوة، لقيت مدحت مستنيني ومعاه شنطة تانية. قعدت وفتحت الشنطة ورأيته الفلوس، وهو عينيه لمعت بطمع يفوق طمعي بمراحل. قال لي: «عاش يا بطل! يلا بينا بقى على الراجل الكبير في وسط البلد عشان نسلم الفلوس وناخد الدهب والدولار ونبدأ العد التنازلي».
ركبنا تاكسي، وطول الطريق وأنا حاضن الشنطة كأنها حتة من قلبي. وصلنا العمارة القديمة اللي في وسط البلد، طلعنا الدور الرابع، ومدحت خبط على باب شقة مقفولة مفيهاش أي يافطة. الباب اتفتح ودخلنا، لقيت مكتب فخم وقاعد وراه راجل هيبة، دقنه بيضا ولابس لبس نضيف جداً.
مدحت قال: «مساء الخير يا باشا، ده عبده صاحبي اللي كلمتك عنه، ومعاه الأمانة كاملة ونقداً».
الراجل ابتسم وقال: «أهلاً يا شباب، نورتوا. حط الشنطة هنا يا عبده عشان نعد الفلوس ونسلمكم البضاعة».
حطيت الشنطة على المكتب، والراجل فتحها وبدأ يعد الرزم بمهارة وسرعة. وأنا مبهور بالمنظر والملايين اللي بتتعد قدامي. فجأة، ومن غير أي مقدمات، الباب الخارجي للشقة اتكسر بصوت رعد هز المكان، ودخلت قوة من الشرطة والدواير السرية مس*دساتهم مرفوعة في وشنا، وظابط صرخ بأعلى صوته: «اثبت مكانك منك ليه!! كبس كبس.. ممسوكين بتهمة الاتجار في العملة الأجنبية برا السوق المصرفية والنصب!!».
أنا ركبي سابت، والشنطة والفلوس طارت من قدام عيني، وبصيت لمدحت لقيت وشه أصفر زي الليمونة، والظابط قرب مني وكلبش إيدي ورا ضهري وهو بيقول: «هات الشنطة دي يا عسكري.. دي الحرز الحقيقي!».
في اللحظة دي، وأنا بتسحب على السلم والكلابشات بتاكل في إيدي، تلفوني في جيبي كان بيرن.. المأمور سمح لي أرد عشان أشوف مين، طلعت التليفون لقيت المتصل «حماتي الحاجة فوزية». فتحت الخط وأنا ببكي وبصرخ: «الحقيني يا حاجة فوزية الفلوس ضاعت وأنا اتقبض عليا!!».
جالي صوت حماتي من الناحية التانية، بس المرة دي مكنش فيه لا غضب ولا حزن، كان صوت ضحكة هادية، باردة، وواثقة، وقالت لي كلام خلاني أعرف إن اللي دخلت معاه المأمورية مكنش مدحت..
«حكايات رومانى مكرم
