خمس ايام 2

جوزي سمع الدكتور بيقول إن فاضلي بس خمس أيام وأموت، مسك إيدي وابتسم وهمس وقال:

> «أخيرًا… خمس أيام بس وكل بيتك وفلوسك هيبقوا ملكى انا بتوعي لوحدى»

 

وبعد ما خرج من الأوضة، فضلت أسمع صوت خطواته وهو بيبعد عن الباب، وأنا بحاول أتحكم في دقات قلبي.

 

اسمي إلهام فؤاد… عندي ٤٩ سنة، دكتورة سابقة اتحولت لرئيسة مجلس إدارة مجموعة عيادات ومشروعات طبية في القاهرة. بنيت كل حاجة من الصفر: كل عقار، كل حساب بنكي، كل استثمار كان باسمي قبل ما أتجوز بدير جابر.

ما كانش عندي أطفال، ولا شريك حياة… كان عندي شغلي وبس. ولما وصلت سن ٤٦، حسيت إن بيوتي مليانة، بس حياتي فاضية. وساعتها ظهر بدير — أصغر مني بعشر سنين، وسيم، لَبِق، وشغال إداري في مستشفى من مستشفياتي. لما عزمني على العشا، حسيت إني رجعت بنت عندها ٢٥ سنة، وصدقت إني لقيت الحب أخيرًا.

لكن بعد تلات سنين… لقيت نفسي في أوضة كبار الزوار في المستشفى، كبدي بيقف، وكلاويّ بتنهار، وجسمي أصفر تحت إضاءة أنا اللي كنت منقياها بنفسي عشان تريح العيانين.

وسمعت رئيس الطاقم الطبي بيقول لبدير بصوت مكسور:

> «خمس أيام بالكتير… ويمكن أقل. أنا آسف يا بدير بيه.»

>

كنت حاسة إن جسمي بيهد من بدري، بس لما سمعتها بصوت واضح، عرفت إن اللي بيتغير مش بس اللي جوايا… ده كمان الأقنعة اللي حواليا كلها بتقع.

 

غمضت عيني وعملت نفسي نايمة. دخل بدير، وقعد على طرف السرير، ومسك إيدي وفضل يحرك صباعه على معصمي كأنه في لحظة حنية، لكن لما قرب من ودني، صوته كان حاجة تانية خالص.. صوت يخوف.

قال وهمس:

> «أخيرًا… استنيت اللحظة دي كتير. تلات سنين تمثيل… تلات سنين أصحى على وشك البارد المشغول… أسمع محاضراتك عن الأخلاق وإنتِ قاعدة على ثروة كنتِ فاكرة إنك اشتريتي بيها راجل أصغر منك. ما كنتيش تعرفي إن خطتي أنا أحسن بكثير.»

>

سكت ثانية، وبعدين قال:

> «الشاي كان تحفة… جرعات صغيرة كل يوم. قالوا توتر، قالوا إرهاق، قالوا سن ويأس… ولا مخلوق هيشك في حاجة. هتموتي، وأنا اللي هورث كل حاجة: بيتك، فلوسك، مستشفياتك… كل مليم باسمك هيبقى بتاعي.»

>

ضغط على إيدي آخر ضغطة، وعدّل الغطا عليّ وزبطه زي أي زوج مخلص، وخرج وهو بيكلم الممرضة بصوت متأثر ومكسور، كأنه الزوج المنهار من العياط.

 

الباب اتقفل. فتحت عيني.

**خمس أيام**… هو فاكرهم أيام انتصاره، لكن بالنسبة لي كانوا عدّاد تنازلي لدماره وخربه.

الصدمة خبطتني في الأول، بس عقلي اشتغل في ثانية وبسرعة؛ إزاي أقلب الترابيزة عليه؟ هو ما كانش يعرف إني من شهور مراقبة كل حاجة: كل حركة، كل جرعة شاي، كل ابتسامة صفرا ومزيفة. أنا مش صيد سهل يتاكل كدا.

أول ما سمعت خطواته بتبعد، بصيت على جهاز المراقبة اللي قدامي، النور الأخضر بيرمش بإيقاع ثابت… إيقاع أنا عارفة أتحكم فيه كويس. من ست شهور، أول ما حسيت إن تعبي ده مش طبيعي، بدأت أراجع كل حاجة: عقودي، توكيلاتي، حساباتي في البنوك، وحتى كاميرات بيتي. خبرتي كدكتورة وكمديرة شركات كانت هي درعي… وكل درع استخدمته في داري وبصمت تامر.

والأهم من كل ده… إني ما بقيتش لوحدي زي ما بدير فاكر وغرقان في أوهامه.

 

مديت إيدي بالراحة تحت المخدة وضغطت على زرار صغير… زرار محدش يعرف بطريقه غير تلاتة بس في الشركة كلها. مش طوارئ طبية… دي طوارئ قانونية بحتة.

الزرار ده بعت رسالة واحدة لمكتب المحامي بتاعي:

الخطة اللي حطّيتها أول ما الشك لعب في دماغى لما لاحظت إن الشاي اللي بيعملهولي بإيده عمره ما بيمد إيده يشرب منه بق واحد، ولما بدأ يسأل كتير وبطريقة مكشوفة عن أوراق الملكية والعقود. ماكنتش متأكدة وقتها بنسبة مية في المية… بس كنت عاملة حسابي ومستعدة

#الكاتب_رومانى_مكرم

رفعت جسمي بالعافية وبتحدي، وسحبت ملف بلاستيك صغير من الدرج اللي جنب السرير، ملف فيه أوراق كان ناقصها توقيع واحد بس مني.. كنت مستنية اللحظة اللي بدر يكشف فيها وشه الحقيقي بالكامل.

واللفتة دي جت لحد عندي. مسكت القلم… ودست على وجعي وتجاهلت الألم. **الخمس أيام دول مش هيبقوا بتوعه، هيبقوا الجحيم اللي هيعيش فيه بقية عمره ورا القضبان.**

يا ## الجزء الثاني

وقعت على الورقة الأخيرة. قلمي الحبر جفف السطر الأخير من العقد، كأنه كان بيحط المسمار الأخير في نعش بدير وجشعه.

الملف ده ما كانش وصية… أنا مستحيل أسيب له مليم واحد يفتكر إنه كسبه بالسم اللي كان بيحطهولي في الشاي. الملف ده كان “عقد بيع وشراء وتنازل كامل” عن كافة أصول ومستشفيات وممتلكات إلهام فؤاد لصالح مؤسسة خيرية كبرى ومجموعة استثمارية طبية منافسة، بتاريخ مسبق وموثق بالشهر العقاري، ومرفق معاه توكيل إدارة كامل للمحامي بتاعي، أستاذ عاصم.

في نفس الدقيقة، الباب اتفتح بهدوء، ودخل عاصم. ملامحه كانت صارمة، وعيونه مليانة غضب مكتوم وهو بيبص لحالتي، بس نظرة الذكاء في عينه طمنتني. مد إيده وأخد الملف، وبص للتوقيع وقال بصوت واطي:

> «كل حاجة جاهزة يا دكتورة إلهام. الأوراق هتوصل للجهات الرسمية قبل ما اليوم يخلص. بدير قانونًا من اللحظة دي مش هيملك حتى السرير اللي إنتِ نايمة عليه.»

>

هزيت راسي بتعب، وقلتله بصرامة وأنا بنهج:

> «مش بس الأوراق يا عاصم… التسجيلات. الكاميرا المخفية اللي في أوضة النوم واللا سلكي اللي في المطبخ. أنا عايزة ملف السموم والتحاليل الجنائية للدم اللي عملتها برة المستشفى هنا تكون على مكتب النائب العام.»

>

عاصم ابتسم ابتسامة باهتة وقال:

> «كله تحت السيطرة. التحاليل أثبتت وجود مادة “الثاليوم” بنسب تراكمية في دمك، والملفات والفيديوهات وهو بيحط الجرعات في الشاي وبيمسح الكوبايات جاهزة. بس إحنا محتاجين الخمس أيام دول يمروا كأنك بتموتي فعلاً عشان يقع في الفخ بكامل إرادته ومن غير ما يشك ويهرب.»

>

مر اليوم الأول والتاني… وبدير كان عايش دور الزوج المكلوم ببراعة تستحق الأوسكار. كان بيدخل الأوضة، يمسك إيدي قدام الممرضين والدموع في عينه، ويهمس بـ “أدعية الشفاء”، وأول ما الكل يخرج، يميل على ودني ويقول بامتشاق وفرحة مكتومة:

> «عدى يومين يا لولو… فاضل تلاتة. المحامي بتاعي جهز كل ورق حصر الورثة، ومستني بس شهادة الوفاة عشان يستلم المفاتيح. تصدقي هتوحشيني؟ بس مستشفياتك هتبقى في إيد أمينة.»

>

كنت بكتم دقات قلبي، وبعمل نفسي في غيبوبة تامة، وجهاز النبض كان بيصفر بإيقاع ضعيف ومبرمج بالاتفاق مع رئيس الطاقم الطبي — اللي طلع في الآخر صديق عمري ودفعته في الكلية، وكان معايا في الصورة من أول لحظة.

في اليوم الرابع، بدير بدأ يتصرف كأنه مالك المكان؛ دخل الأوضة وهو بيتكلم في التليفون بصوت عالي وبيقول لسيراميك القصر:

> «أيوا يا متر، جهزلي عقود بيع الفيلا بتاعة التجمع، مش بحب الديكور بتاعها… وأول ما أستلم الإدارة هغير مجلس الإدارة كله.»

>

بصيت له من تحت جفوني الشبه مقفولة، وشفت في عينه نظرة انتصار مريض. كان فاكر إنه قت*ل الضحية وورثها، وما يعرفش إن الضحية هي اللي بتسحبه للمشنقة برجليه.

جاء اليوم الخامس… يوم النهاية المنتظر.

الصبح بدري، بدير دخل الأوضة ومعاه محاميه الخاص، ووشه باين عليه الترقب. النبض على الشاشة بدأ يقل ويقل… والمؤشرات بتنزل للصفر. الدكتور أعلن الوفاة إكلينيكيًا، وبدير أطلق صرخة تمثيلية عالية ورمى نفسه على السرير وهو بيعيط.

بعد ساعتين بس، وبدير واقف في مكتب إدارة المستشفى، لابس أسود، وعلامات الحزن على وشه، دخل عليه المحامي بتاعي، أستاذ عاصم، ومعاه اتنين من رجال الشرطة برتب رفيعة، ومعاهم أمر ضبط وإحضار.

بدير وقف ومسح دموعه بسرعة وقال باستنكار:

> «في إيه؟ إنتو مين؟ وإزاي تدخلوا عليا كده في وقت عزا مراتي؟»

>

عاصم طلع الملف الأسود من شنطته، ورماه على المكتب وقال بثقة زلزلت الأرض تحت رجلين بدير:

> «عزا مين يا بدير بيه؟ الدكتورة إلهام فؤاد باعت وكلت كل ممتلكاتها ومستشفياتها قبل ما تتعب أصلاً. إنت مش هتورث منها غير بدلة السجن… بتهمة الشروع في الق*تل بالسم البطء، والتآمر لسرقة أموالها.»

>

وش بدير اتحول للون الأزرق، وركبه خبطت في بعضها وهو بيشوف الظابط بيطلع الكلبشات وبيقوله:

> «معانا أمر من النيابة العامة بناءً على تسجيلات صوت وصورة وفيديو وإنت بتقدم لها السم، وتقرير الطب الشرعي لعينات دمها. اتفضل معانا من غير شوشرة.»

>

في اللحظة دي، بدير التفت لباب المكتب وهو مش مصدق، والباب اتفتح… ودخلت أنا، على كرسي متحرك، بوش شاحب بس بعيون كلها قوة وتحدي، وبصيت في عينه المبرقة من الصدمة والرعب، وقلتله بصوت هز الأوضة:

> «فاكر إن خمس أيام كفاية عشان تموتني وتورثني يا بدير؟ الخمس أيام دول كانوا حبل المشنقة اللي إنت لفيته حوالين رقبتك بإيدك. الشر برضه غبي… وإلهام فؤاد مش الضحية اللي هتموت في صمت.»

>

 
## الجزء الخامس

الراجل اللي واقف تحت في الشارع، والولاعة منورة تفاصيل وشه الباردة، كان دكتور رفعت الهواري… شريكي الأول، وأول إنسان وثقت فيه في حياتي المهنية. رفعت اللي أعلنوا وفاته في حادثة عربية على طريق السويس من عشر سنين، بعد ما دخلنا في ق*ضية تعويضات ضخمة بسبب شحنة أجهزة طبية مغشوشة، ووقتها الق/ضية اتقفلت بموته وشيلت أنا الليلة لوحدي ودَفعت كل المبالغ عشان أحمي اسم المستشفى.

رفعت رفع راسه وبص لشبّاكي، طفى الولاعة، وركب العربية السودا واختفت في ضلمة شوارع القاهرة كأنها سراب.

رجعت لورا وصدري بيعلو ويهبط من الصدمة. التليفون كان لسة في إيدي والصوت على الخط قال بنبرة تسييل منها السخرية:

> «أظن كدا عرفتي إننا مش بنهزر يا إلهام. رفعت لسة عايش، والفلوس اللي بدأتي بيها كانت فلوسنا إحنا. قدامك لحد بكرة الصبح… يا إما توقعي لـ (ألفا هولدنج) وتعيشي، يا إما التركيبة اللي في جسمك هتحولك لج*ثة حقيقية المرة دي، ومش هتلاقي دكتور شريف يلحقك.»

>

الخط قطع.

دخلت في حالة ذهول، وعقلي بيجمع الخيوط بسرعة مرعبة. رفعت ما ماتش… رفعت زيف موته عشان يهرب من الديون والقضايا، وفضل عايش في الضل بيراقبني وأنا بكبّر الشغل، ولما لقى الإمبراطورية بقت بمليارات، قرر يرجع ياخدها، وزرع بدير في حياتي عشان يخلص مني بطريقة تبان طبيعية! بدير ما كانش غير قناع غبي لوش قديم بشع.

عاصم دخل الأوضة بسرعة لما سمع صرختي، وشاف منظري الشاحب:

> «في إيه يا دكتورة؟ شفتي مين من الشباك؟! وشك بقى أبيض زي القماش!»

>

سندت على المكتب وقلتله بصوت حشرج من الصدمة:

> «رفعت الهواري لسة عايش يا عاصم… رفعت هو اللي ورا شركة ألفا، وهو اللي حرك بدير وهو اللي باعتلي السم.»

>

عاصم عيونه وسعت وضرب كف بكف:

> «دكتور رفعت؟! اللي مات من عشر سنين؟! ده معناه إننا مش بنحارب مجرم عادي، ده شبح راجع من الماضي وجايب معاه تنظيم كامل.»

>

قبل ما نتحرك خطوة واحدة، تليفوني رن تاني، بس المرة دي كان دكتور شريف من معمل الأبحاث. صوته كان طالع مخنوق وفي خلفيته صوت أجهزة المعمل بتصفر:

> «إلهام… اسمعيني كويس. أنا فحصت السائل اللي في الأمبول، وفحصت عينة تانية من دمك المسحوب بالليل. الكلام صح… المادة اللي في دمك عبارة عن مركب نانوي ذكي (Nanoparticle-based toxin). المادة دي نايمة في خلايا الكبد، والترياق اللي بعتوه في الأمبول هو فعلاً المادة الوحيدة اللي تقدر تفكك الرابطة دي قبل ما تبدأ تهاجم قلبك وجهازك العصبي بعد 24 ساعة.»

>

أنفاسي اتخطفت وقلتله:

> «يعني إيه يا شريف؟ يعني مفيش حل غير إني أتنازل ليهم؟»

>

شريف سكت ثانية وقال بنبرة مليانة تحدي وأمل ضعيف:

> «قانوناً وطبياً، الترياق ده تركيبته معقدة جداً ومش هنلحق نصنع زيه في كام ساعة. بس أنا لاحظت حاجة… المركب ده بيفقد مفعوله تماماً لو درجة حرارة الجسم اتغيرت لدرجة معينة ومفاجئة، أو لو اتعرض لصدمة حرارية طبية مدروسة. أنا بجهز حالا بروتوكول طوارئ في المعمل، بس المخاطرة فيها عالية جداً على قلبك… ممكن نق/تله، وممكن يق/تلك.»

>

عاصم أخد التليفون من إيدي وقال لشريف بحسم:

> «شريف، جهز المعمل والسرير فوراً. إلهام مش هتنازل عن شقى عمرها لرفعت الهواري وعصابته. أنا هتحرك حالا مع قوة من مباحث الأموال العامة ومكافحة التزوير على مقر شركة ألفا هولدنج، هقلب الدنيا لحد ما أجيب أصل ورقهم وأثبت إن رفعت عايش وبيزور مستندات.»

>

الساعة بقت 6 الصبح. الشروق بدأ يظهر ونوره الأحمر بيدخل من شباك المكتب، كأنه بيعلن عن بدء اليوم الأخير في المهلة.

كنت واقفة في نص المكتب، ببص لأوراق ممتلكاتي، وجوايا صراع مرير. من ناحية، حياتي اللي بتضيع وثواني عمري اللي بتعد تنازلي، ومن ناحية تانية، كبريائي وشقى عمري اللي مستحيل أسيبه للي خانوني.

التفت لعاصم وقلتله بجمود وعيون مليانة شرار:

> «عاصم… جهز ورق التنازل لشركة ألفا هولدنج.»

>

عاصم بصلي بصدمة:

> «إنتِ بتقولي إيه يا دكتورة؟! هتستسلمي لرفعت وبدير؟»

>

ابتسمت ابتسامة غامضة، وسحبت قلمي وقلت:

> «أنا عمري ما استسلمت. الورق ده هيتجهز، بس هنحط فيه بند مخفي… بند أنا ورفعت بس اللي نفهمه من أيام الشراكة القديمة. هخليه يفتكر إنه كسب، وعقبال ما يكتشف الفخ، هكون أنا في معمل شريف باخد الصدمة الحرارية. يا نعيش إحنا الاتنين وشغل عمري يرجعلي، يا نموت أنا والإمبراطورية سوا ومياخدش منها قشة واحدة.»

>

في نفس اللحظة، تليفوني نور برسالة من رقم مخفي:

> «الساعة بتعد يا إلهام… فاضل 4 ساعات على ميعاد الشهر العقاري. الورق جاهز؟»

>

مسكت القلم، وضغطت عليه بكل قوتي، وكتبت أول سطر في الخطة الانتحارية اللي هتبدأ كمان شوية.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء السادس

كتبت السطر الأول في “عقد الفخ”، البند اللي رفعت مستحيل يلاحظه لو قراه مية مرة، بس هيدمره تماماً. البند كان بيتنص على إن التنازل بيشمل كافة الأصول العقارية والطبية المسجلة باسم شركة “الهواري وفؤاد للاستثمار” — وده كان الاسم القانوني القديم لشركتنا من خمسطاشر سنة قبل ما يزيف موته.

قانوناً، إعادة إحياء الاسم ده في عقد رسمي وتوقيعه يعني اعتراف موثق بوجود الشراكة القديمة، وظهور توقيع رفعت عليه أو على أي مستند مستلم هيثبت للنيابة والأموال العامة إن “الميت” لسة عايش وبيدير شركات بأسماء وهمية، وده كفيل يهد إمبراطوريته الخفية كلها فوق دماغه.

سلمت الورق لعاصم وقلتله بنبرة حاسمة:

> «عاصم، هتروح الشهر العقاري. هتقابل المندوب بتاعهم، وتخليه يوقع على استلام النسخة دي الأول كإجراء مبدئي قبل التوثيق. أول ما يوقع ويمسك القلم، رجالة المباحث اللي معاك يقبضوا عليه بتهمة التعامل باسم شخص متوفي والتزوير.»

>

عاصم أخد الملف وعيونه بتلمع ببريق الأمل:

> «والترياق يا دكتورة؟ المندوب هيكون معاه الأمبول التاني!»

>

هزيت راسي وقلت بجمود:

> «مش عايزة ترياق منهم يا عاصم. الترياق ده وراه ذل وتنازلات مش هتخلص. أنا هتحرك حالا مع شريف للمعمل. الصدمة الحرارية هي طريقي الوحيد… يا هطلع منها حية بكرامتي، يا هكون قفلت اللعبة دي للأبد.»

>

الساعة جَت 9:30 الصبح.

وصلت معمل الأبحاث السري بتاع دكتور شريف في أطراف القاهرة. المكان كان مجهز بأجهزة طبية معقدة، وفي النص كان فيه كبسولة حرارية مغلقة (Hyperthermic Chamber)، أجهزة قياس النبض وضغط الدم كانت بتصفر في كل مكان، والجو كان مشحون بالتوتر كأننا في غرفة عمليات لحالة حرجة.

شريف كان لابس لبس المعقم الميداني، وشه كان عرقان وعيونه قلقانة جداً. مسك إيدي وقال بصوت واطي:

> «إلهام… أنا هرفع درجة حرارة جسمك الداعمة لـ 41.5 درجة مئوية خلال دقيقتين بس عن طريق حقن محاليل حرارية وصدمات كهرومغناطيسية دقيقة. دي درجة حرارة قاتلة للخلايا الطبيعية لو استمرت، بس هي الدرجة الوحيدة اللي هتكسر الرابطة النانوية للسم وتخليه يدوب وينزل في البول. المخاطرة على قلبك 80%… إنتِ متأكدة؟»

>

بصيت للكبسولة، وحسيت بوخز السم بدأ يزحف فعلاً لرقبتي وصدرى، ونبضات قلبي بدأت تتسارع بشكل مش طبيعي. الراجل اللي في التليفون ما كانش بيكذب، النبض التنشيطي بدأ.

قلت لشريف بثبات:

> «ابدأ يا شريف. الموت هنا أهون مية مرة من إني أشوف رفعت وبدير بياخدوا مستشفياتي.»

>

دخلت الكبسولة. الباب الزجاجي اتقفل بكتم تام للهوا.

بدأ شريف يشغل الأجهزة. في ثواني، حسيت بنار قايدة جوة عروقي. السخونية ما كانتش من برة، كانت بتغلي جوة دمي. عيوني بدأت تغيم، وجهاز النبض بدأ يصرخ بإيقاع سريع ومجنون: 140… 160… 180 دقة في الدقيقة!

كنت حاسة إن روحي بتتسحب، وصوت شريف جاي من بعيد عبر المايك وهو بيصرخ في المساعدين بتوعه:

> «الضغط بيقع! النبض هيقف! زودوا الأكسجين… إلهام قاومي! كمان 30 ثانية والمركب يتكسر!»

>

في اللحظة دي، وسط الضباب والألم المرعب، شفت شاشة المراقبة اللي برة الكبسولة… تليفون شريف الخاص كان بيرن، والاسم اللي مكتوب عليه كان مفاجأة شلت القدرة اللي باقية في عقلي على التفكير.

المتصل كان: **أستاذ عاصم المحامي!**

شريف فتح الخط بسرعة وسبيكر عشان أسمع، وصوت عاصم جه ملهوف ومبحوح وهو بيصرخ وسط صوت سرينات الشرطة:

> «شريف!! وقف العملية حالا!! وقف كل حاجة! المندوب اللي جه الشهر العقاري مش تبع رفعت… رفعت الهواري مات فعلاً من عشر سنين في حادثة السويس والشركة دي واجهة لشخص تاني خالص… الشخص ده معاكم في المستشفى دلوقتي ومطلع على كل تفاصيل التحاليل من الأول!!»

>

أنفاسي انقطعت تماماً، وعيني جَت في عين شريف اللي واقف ورا الزجاج… شريف ساب لوحة التحكم، وابتسامة غريبة، باردة، ومرعبة بدأت تترسم على وشه وهو بيبصلي، ومد إيده ببطء… وفصل جهاز الأكسجين عن الكبسولة!

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء السابع

الهوا اتسحب من الكبسولة في ثانية. صدرى هبط والبلور الزجاجي قدام وشي بدأ يتغطى ببخار أنفاسي الأخيرة والمكتومة.

شريف كان واقف ورا الزجاج، لابس نفس الوش البارد اللي شفت بدير لابسه من كام يوم. نظرة الصداقة والدعم اللي عشت عمرها كله مصدقاها اتبخرت، وحل مكانها جشع أعمى ملوش قاع. مَد إيده وضغط على زرار قفل لوحة التحكم تماماً عشان عاصم ما يعرفش يوقف الأجهزة من برة، وبصلي وقال بصوت واطي واصل عبر سماعة الطوارئ الداخلية:

> «آسف يا إلهام… بس إنتِ اللي صممتي تكبري وتدخلي في حتة مش بتاعتك. رفعت الهواري مات فعلاً، وأنا اللي اشتريت منه اسم شركته القديمة بالورق والمستندات من عشر سنين عشان أعمل الواجهة دي. أنا اللي صنعت “ألفا هولدنج” بالفلوس اللي كنتِ فاكرة إني بساعدك تديريها.»

>

حاولت أرفع إيدي وأخبط على الزجاج، بس الغليان اللي في عروقي شل حركتي. شريف كمل وهو بيبص لساعة إيده ببرود:

> «بدير كان مجرد حجر شطرنج غبي، لما لقاكي بتكبري في السن ومفيش وريث، طمع وعرض عليا الشراكة من وراكي عشان نخلص منك ويورثك هو قانوناً ونقسم الإمبراطورية. بس هو اتسرع وغباءه كشفه. المكالمة اللي جاتلك بالليل؟ أنا اللي مغير صوتي ببرنامج، والراجل اللي شفتيه تحت في الشارع ده ممثل كومبارس أنا مأجره ولابس ماسك سيليكون لوش رفعت عشان أجننك وأخليكي تجري عليا برجليكي… وتدخلي الكبسولة دي بكامل إرادتك.»

>

دقات قلبي بدأت تتسارع لدرجة الانفجار، المؤشر على الشاشة عدى الـ 190. شريف ابتسم كمل:

> «الطب الشرعي هيقول إيه؟ الدكتورة إلهام فؤاد ماتت بسكتة قلبية حادة نتيجة صدمة حرارية تجريبية كانت بتعملها بطلبها وتحت إشرافها لإنقاذ نفسها من سم وهمي! أنا هطلع منها بطل حاول ينقذ صديقة عمره، وبصفتي الشريك الخفي الأكبر لشركتك من خلال العقود القديمة… الإمبراطورية كلها هترجعلي.»

>

رؤيتي بدأت تسود، والنور الأحمر في الكبسولة بدأ يختفي من قدام عيني. شريف لف ضهره للكبسولة وبدأ يلم أوراقه وحاجته في الشنطة بكل برود، مستني المؤشر يوصل للصفر عشان يعلن الوفاة.

لكن شريف، برغم ذكائه، غفل عن حاجة واحدة… حاجة أنا دايماً كنت بتميز بيها عنه وعن بدير: **أنا عمري ما بحط حياتي في إيد شخص واحد.**

من ست شهور، لما الشك لعب في دماغي وبدأت أراقب الكاميرات، ما كنتش بمشي ورا بدير بس. أنا كنت مبرمجة “السيرفر الرئيسي” لمجموعة مستشفياتي إنه ينقل كل المؤشرات الحيوية وتحاليلي اليومية لجهة تانية خالص برة مصر، لجامعة الطب في ألمانيا اللي عملت فيها دكتوراه زمان.

وفوق كل ده… الزرار الصغير اللي تحت المخدة في المستشفى؟ الزرار ده ما كانش مبرمج يبعت رسالة لعاصم وبس. ده كان خط طوارئ مفتوح بيرسل “بث حي ومباشر” لصوت الأوضة، وصوت مكتبي، وحتى الإشارات اللاسلكية اللي بتتحرك في محيطي.

عاصم ما كانش بيكلم شريف من تليفونه وبس… عاصم كان سامع كل كلمة شريف قالها من أول ما دخلت المعمل عبر خاصية التتبع والربط اللي أنا مفعلاها على تليفون عاصم من غير ما يعرف لحمايته.

وفجأة… وقبل ما عيني تقفل تماماً، صوت انفجار هز جدران المعمل السري.

الباب الحديدي للمعمل اتخلع من مكانه، ودخلت قوة مكافحة الإرهاب والأموال العامة، ومعاهم عاصم وهو بيصرخ ويوجه الظباط:

> «اضبطوه!! شريف هو القاتل!! افتحوا الكبسولة حالا!!»

>

شريف اتفاجئ، لَف وشه وبلم، وحاول يمد إيده يدمر لوحة التحكم، بس رصاصة دقيقة من الظابط جَت في كتفه، وقعته في الأرض وهو بيصرخ والدم بيسيل منه.

عاصم جِري على اللوحة، وبمساعدة مهندس تقني كان معاهم، ضربوا الكود الاستعجالي. الباب الزجاجي اتفتح، والهوا البارد دخل صدري زي طوق النجاة اللي رجعني من برزخ الموت.

وقعت من الكبسولة على الأرض وأنا بكح وانهج، ورجالة الإسعاف جيروا عليا بأجهزة الأكسجين والمحاليل المضادة فوراً.

شريف كان متكلبش في الأرض، وعيونه مليانة غل وهو بيبصلي والظباط بيسحبوه، صرخ وهو بيبصلي:

> «لحقتي نفسك المرة دي يا إلهام… بس جسمك لسة فيه التركيبة الحيوية! لو ما خدتيش الترياق الحقيقي اللي معايا في الشنطة، هتموتي برضه خلال ساعات! أنا الوحيد اللي معايا المفتاح!»

>

قعدت على الأرض، وسندت ضهري على الكبسولة، وحطيت ماسك الأكسجين، وبصيت لشريف وهو بيتجرجر برة الأوضة، وقلتله من ورا الماسك بصوت حاسم طالع من وسط الموت:

> «التركيبة الحيوية دي يا شريف… أنا عطلتها من تلات أيام لما سافرت ألمانيا في السر وعملت غسيل بلازما كامل ونقل دم خلايا جذعية. السائل اللي في دمي دلوقتي كان مجرد محلول ملح وجلوكوز أنا اللي حقنته لنفسي عشان يظهر على شاشاتك الغبية… أنا اللي سحبتك لجريرتك يا شريف، وإنت اللي فتحت بوقك واعترفت بكل حاجة وصوتك متسجل صوت وصورة للنيابة.»

>

شريف صرخ صرخة جنونية وهو مش مصدق إن اللعبة اتقلبت عليه بالكامل.

بعد يومين…

كنت قاعدة في فيلتي، الههدوء مغرق المكان. بدير في سجن القناطر مستني حبل المشنقة بتهمة التآمر والشروع في الق*تل، وشريف اتقبض على شبكته الدولية كلها بتهمة التزوير، غسيل الأموال، ومحاولة الاغتيال العمد.

ممتلكاتي، مستشفياتي، واسمي رجعوا ليا بالكامل وبقوة أكبر من الأول.

كنت ماسكة كوباية شاي — شاي أنا اللي عملاه بإيدي المرة دي — وبص لبرة في الجنينة. تليفوني رن… بس المرة دي كان رقم دولي مشفر.

فتحت الخط، وجاني صوت امرأة، نبرتها حادة وفيها هيبة تخلع القلب، قالتلي ببرود:

> «برافو يا دكتورة إلهام… صدمتيني وصدمتي الكل. شريف وبدير كانوا مجرد واجهات صغيرة لينا في الشرق الأوسط. إنتِ دمرتي فرع كامل من شغلنا في القاهرة… وده ثمنه هيكون غالي جداً. افتحي التلفزيون حالا… وبصي على البورصة ومستشفى العاصمة الكبيرة بتاعتك.»

>

حسيت بنغزة جديدة في قلبي، وفتحت التلفزيون بسرعة… وشفت شريط الأخبار العاجلة وهو بيعلن عن كارثة جديدة هتهد كل حاجة بنيتها من الصفر!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *