جوزى قالى انه بيحبنى1

:جوزي قال لي إنه بيحبني، ونسي يقفل السكة.. وبعد ست ثواني بالظبط، سمعت صوت صاحبة عمري وجميلة الجميلات وهي بتضحك عليا.. ومن نفس أوضة الفندق!
كنت قاعدة في مكتبي بالدور الـ 34 في برج قزاز طويل على النيل في القاهرة، ومستقرة قدامي كومة عقود للمشغلين والمشروعات، وفجأة.. مبقتش شايفاها، ومبقتش قادرة أقرا كلمة واحدة منها.
النيل كان لونه رمادي الصبح ده، والسما مغيمة ومكتومة.. من نوع إضاءة الشتا اللي بتخلي كل حاجة تبان على حقيقتها، حقيقة صادمة وقاسية. “شريف” كلمني الساعة 8:12 الصبح. اتصل مكالمة.. مبعتش رسالة. وده كان المفروض يكون أول إنذار ليا! بقاله شهور “مشغول جدًا” إنه يتصل، ومضغوط جدًا إنه يتكلم، وتعبان ومطفي لدرجة تمنعه حتى يلمسني.. إلا لو كان فيه ناس حوالينا ومضطرين نكفي شكلنا قدامهم عشان نباّن طبيعيين.
بس الصبح ده، صوته كان طالع دافي وحنين.. نفس النبرة اللي كان بيكلمني بيها لما كان عندنا 25 سنة ومش حيلتنا لبة، وبنأكل سندوتشات من بنزينة في عربيته القديمة المخرعة، وإحنا بنرسم نفسنا عايشين الحياة الجميلة اللي بنحلم بيها.
قال لي: “يا حبيبتي.. أنا بس كنت عايز أسمع صوتك”.
غمضت عيني زي المغفلة، وسبت الكلمتين دول يأكلوا حتة جوة قلبي كانت هتموت من الجوع. سألته: “إنت كويس؟”
* “آه، بس كنت بفكر فيكي. أنا عارف إني كنت بعيد ومقصر الفترة اللي فاتت.”
زوري اتخنق بالدموع: “فعلا.. كنت بعيد.”
* “هعوضك عن كل ده الليلة.. هنخرج نتعشى، أنا وإنتي وبس. مفيش تليفونات.. أنا وحشتني مراتي.”
“مراته”.. بعد 9 سنين جواز، وبعد سنتين كاملين بنام فيهم ضهرنا لضهر على نفس السرير، وبعد إجهاض خسرت فيه ابني.. إجهاض كسرني وشرخ قلبي، وبدل ما يقربه مني خلاه أبرد وأبعد.. بعد كل ده، الكلمتين دول كان لسه ليهم القدرة يخلوني أصدق وأتشمم ريحة الأمل.
قلت له: “وأنا حابة كده جدًا.”
* “بحبك يا منى.”
* “وأنا كمان بحبك.”
عمل صوت بوسة في التليفون.. زي ممثل بارع بيأدي مشهد حنين، وبعدها الخط سكت. نزلت التليفون وكنت لسه هقفل، بس صباعي اتزحلق.. والمكالمة فضلت مفتوحة!
وهنا.. سمعت ضحكته!
مش الضحكة اللي بيضحكها معايا.. ولا الضحكة العفوية اللي حبتها زمان. دي كانت ضحكة واطية.. خبيثة.. ضحكة بني آدم بيقلع القناع بتاعه.
سمعت “شريف” وهو بيقول: “بلعت الطُعم تاني يا سيدي!”
جسمي كله اتجمد في مكانه. وسمعت صوت ست بتضحك جنبه.. الصوت ده أنا عارفاها وحافظاه قبل ما عقلي يستوعب الصدمة. عارفة النفَسة الصغير اللي بتاخده قبل ما تقول نكتة بايخة أو تلت وتلق. عارفة الثقة المدمرة اللي في صوتها.. الثقة اللي بتيجي من كونها واحدة مسموح لها تدخل بيتي، ودولابي، وتعرف أسراري، وحزني، ووجعي.
“مروة” قالت بدلع: “طبعًا هتصدق.. دي دايما هتموت وتحس إنها مرغوبة ومحبوبة.”
“مروة”.. صاحبة عمري من أيام الجامعة. وصيفتي في فرحي.. البنت اللي كانت بتقف جنبي لما أتعب.. البنت اللي نامت على كنبة صالوني أيام إجهاضي عشان قالت لي “مفيش ست المفروض تصحى لوحدها بعد ما تخسر ابنها”.
الست اللي عارفة مكان مفتاح شقتي الاحتياطي، وفلوس الطوارئ اللي شايلاها، وجوابات جدتي الله يرحمها، ومذكراتي اللي بكتب فيها لما مبقدرش أقول الحقيقة بصوت عالي.
نفسي انقطع.. على الناحية تانية من الخط، سمعت صوت ملايات السرير بتتفرك وتتحرك.. مش صوت مكتب، ولا صوت مطار، ولا رحلة الشغل الرسمية في الإسكندرية اللي قالي إنه مسافرها.. صوت ملايات سرير!
“شريف” قال وهو بيضحك (كنت سامعة ابتسامته الواطية في صوته): “بس متقسيش عليها أوي كده.”
“مروة” ردت: “أنا والنبي؟! دي بنت شخصيتها كلها حوالين دور ‘الزوجة المجروحة والضحية’. دي لو تبطل عياط وتكتب في مذكراتها الغبية دي، يمكن تلاحظ اللي بيحصل من ورا ضهرها!”
إيدي اتشنجت على التليفون لحد ما عضم صوابعي ابيض من كتر الضغط.
“شريف” ضحك ضحكة مكتومة وقال: “مش هتلاحظ.. منى مبتشوفش غير اللي هي عايزة تشوفه بس.”
“مروة” كملت: “اللي هي محتاجاه بجد هو دكتور نفساني.. وإشارة تفوقها!”
وبعدها الاتنين ضحكوا مع بعض.. ضحكوا عليا!
ضحكوا على الليالي اللي قعدت فيها على أرض الحمام بعيط عشان “شريف” قال لي إنه مش قادر يتكلم عن موضوع البيبي اللي مات تاني.. ضحكوا على الأيام اللي “مروة” كانت بتجيلي الصبح وجايبة معاها قهوة وبتقولي ‘إنتي لسه زي القمر ومتعوضة’.. ضحكوا على كل عشوة جمعتنا، وهم بيلمسوا ركب بعض من تحت الترابيزة وأنا قايمة بكل غباء أملى ليهم كاسات العصير تاني!
كنت عايزة أصرخ.. كنت عايزة أهد الدنيا فوق دماغهم بإيديا دول.
بس فيه حاجة أبرد من الغضب مشيت في عروقي.. حاجة زي “الهدوء القاتل”.
لو اتكلمت دلوقتي، هيتخضوا.. هيكدبوا.. هيطلعوني مجنونة وبتخيل. “مروة” هتعيط أول واحدة، وتعمل نفسها بريئة، و”شريف” هيقلب حنين وجنتل، وعلى ميعاد العشا.. هيلفوها ويدوروا ويخلوني أنا اللي أعتذر لأني فهمتهم غلط!
عشان كده.. فضلت ساكتة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *