حماتي خدت سرير ابني

حماتي خدت سرير ابني الجديد وادته لحفيدها وقالتابنك مسافر الجامعة ومش محتاجه.
كنت مجهزة أوضة ابني من سنة.
سرير جديد، دولاب، مكتب ومكتبة صغيرة.
كنت عايزة لما يرجع من الجامعة في الإجازات يحس إن أوضته لسه مستنياه.
رجعت البيت يوم لقيت السرير اختفى.
سألت جوزي
سرير كريم فين؟
رد بمنتهى العادية
ماما أخدته لابن أختي.
افتكرت إني سمعت غلط.
أخدته إزاي؟
حماتي ردت
ابنك مسافر الجامعة ومش محتاجه. حفيدي نايم على سرير قديم وظهره وجعه.
قلت
وكريم مش حفيدك؟
سكتت.
بصيت لجوزي.
قال
ما تكبريش الموضوع. كريم بييجي كام يوم في السنة.
ماكنتش المشكلة في السرير.
المشكلة إنهم قرروا إن غياب ابني معناه إن حاجته بقت مباحة.
تاني يوم اتصلت بنجار.
قلتله
فك باقي الأوضة.
جوزي اتفاجئ.
بتعملي إيه؟
قلت
طالما ابني مش محتاج سريره، يبقى مش محتاج باقي الأوضة. هخزنها لحد ما يرجع.
وإحنا بنفك الدولاب، العامل ناداني.
مدام الدولاب ده فيه حاجة غريبة.
كان فيه ضهر خشب إضافي متثبت من الداخل.
فكه.
ووراه لقينا كيس بلاستيك قديم.
فتحته.
جواه صور.
أول صورة كانت لجوزي.
أصغر بحوالي 20 سنة.
شايل طفل صغير على كتفه.
قلبت الصورة.
مكتوب تاريخ.
حسبتها بسرعة.
الطفل ده المفروض يكون دلوقتي تقريبًا في نفس سن ابني.
لقيت صور تانية.
عيد ميلاد.
رحلة.
جوزي ماسك إيد نفس الطفل.
وتحت الصور ملف أوراق.
قبل ما أفتحه، جوزي دخل الأوضة.
أول ما شاف الصور، وشه اتغير.
خطڤ الملف من إيدي.
قلت
مين الطفل ده؟
قال بسرعة
ابن واحد صاحبي.
لكن حماتي كانت واقفة وراه.
وأول ما شافت الصور، قعدت على الكرسي وقالت
أنا قلتلك ارميهم من زمان.
بصيت لجوزي.
ترمي إيه؟!
صړخ في أمه
اسكتي!
لكن كان فات الأوان.
خدت صورة من الأرض وركزت فيها.
الطفل كان لابس سلسلة.
نفس السلسلة اللي حماتي أصرت تديها لابني يوم ما اتولد.
سألتها
السلسلة دي كانت بتاعة مين؟
ما ردتش.
وفجأة العامل مد إيده من خلف الدولاب وقال
لسه في ظرف جوه.
كان عليه اسم جوزي.
فتحته قبل ما يمنعني.
جواه شهادة ميلاد قديمة.
قرأت اسم الطفل.
ثم اسم الأم.
لكن خانة الأب كانت فاضية.
رفعت عيني لجوزي.
قال
الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
قبل ما أسأله، حماتي وقفت فجأة وقالت
قولها الحقيقة كلها وقولها ليه الطفل ده اختفى من حياتنا في نفس الأسبوع اللي اتولد فيه ابنها.
بصيت لها پصدمة.
فكملت
وقولها كمان ليه أنا خدت سرير كريم تحديدًا وإيه اللي كنت بدور عليه جواه قبل ما هي تقرر تفك الأوضة كلها
كانت الدنيا كلها وقفت في عينيّ في تلك اللحظة. صوت حماتي كان يرتجف، لكنه كان واضحًا كالسکين اللي بيشق اللحم، وكل كلمة منها كانت ټضرب في قلبي كحجر ثقيل. بصيت لجوزي، لقيته واقف كالتمثال، لونه صار أبيض كالجص، وعيناه مش عارف يصرفها مني ولا من أمه. العامل اللي كان مع النجار وقف ساكت تمامًا، حاسس إن ده مش حاجة عادية، إن ده سر كبير بيتكشف قدام عينيه.
قولي لي إيه ده؟! صړخت بصوت مكتوم، حاسة إن نفسي بيقطع إيه اللي بتقوله يا ست نعيمة؟ وإيه علاقة ده بسرير ابني؟ ولا إيه اللي كنتي بتدوري عليه جواه؟
حماتي مسحت دمعة سقطت على خدها، ثم

موقع أيام نيوز

قعدت تاني على الكرسي الخشبي القديم اللي كان في زاوية الأوضة، وبدأت تحكي بصوت ثقيل، كأن كل كلمة بتخرج منها بتكسر عظمًا
عشرين سنة.. عشرين سنة وأنا بحمل ده في قلبي، يا رباب.. عشرين سنة وأنا عايشة بالذنب ده، ومش عارفة إزاي أتكلم ولا إزاي أخرس. بصيت لجوزي اللي كان مغمض عينيه وماسك حافة الدولاب بقوة لدرجة إن أصابعه بقت بيضاء أيه يا كمال؟ مش قلتلك من الأول إن السر ده مش هيفضل مخفي للأبد؟ مش قلتلك إن يوم ما يجي، هيكون أقوى مننا كلنا؟
كمال ما ردش، بس كتفه كان بيتحرك بسرعة، كأنه بيحاول يمنع دموعه تنزل. حماتي كملت
الطفل ده اسمه أيمن.. أيمن ابن كمال. صړخت في نفس اللحظة، وقلبي وقع في رجليّ نعم يا رباب.. هو ابن كمال، من بنت كان بيحبها قبل ما يتعرف عليكِ. كانت بنت طيبة، وحيدة أمها، وما كانش معاهم حاجة في الدنيا. كمال كان في السنة الأخيرة من الجامعة، وكنت رافضة الفكرة من الأول.. قلتله البنت دي مش من مستوانا، وإنها هتجيبلك مشاكل، وإنك لازم تسيبها. هو حاول يقنعني، بس أنا كنت عنيدة.. كلمت أهلها، وهددتهم، وقلتلهم إن هرفع قضية وإن هشوه سمعتهم لحد ما يسافروا ويمشوا من بلدنا كلها.
سكتت شوية، وشربت هواء بعمق
وصلت لمرحلة إنني كلمت ناس كبار، وهددت البنت نفسها.. قلتلها لو ما سابتوش، هعمل فيها وحشتين. في نفس الوقت، كمال كان خاېف، وقلتله إني هتدبر كل حاجة، وإن حياته أهم من أي حاجة. يوم ما عرفت إن البنت حامل.. الدنيا ضاقت عليّ. قلت لو الناس عرفت، سمعة كمال هتدمر، ومستقبله هيروح في الهواء. سافرت لها، واتفقت معاها.. قلتلها تروح لبلد تاني، وإن هدفعلها كل مصاريف الولادة، وإن هعول الطفل لحد ما يكبر، بس بشرط واحد إنها تفضل بعيدة، ولا حد يعرف حاجة. وافقت المسكينة.. وولدت أيمن في نفس الأسبوع اللي اتولد فيه كريم ابنك يا رباب.
وإيه اللي حصل؟ سألتها بصوت ضعيف، مش عارفة أصدق ولا لأ ليه قالوا إن الطفل اختفى؟
لأن البنت ماټت بعد الولادة بيومين.. قالت حماتي بصوت متهدج ماټت ومحدش يعرف سبب، وتركته لي أنا. خدته، وكنت مخططة أربيه سرًا، بس كمال كان خاېف جدًا، وقلتله إننا نعطيه لشخص نعرفه ونعوله، وإن ده أحسن حل. بس.. سكتت ودموعها نزلت بغزارة بس الحقيقة إنني كنت خاېفة إن الناس تعرف، وكنت خاېفة إن حياتك مع كمال تتدمر، وكنت خاېفة إن كريم يضيع حقه. فأعطيت الطفل لامرأة غريبة كانت بتعمل عندنا في البيت قدام، وقلتلها تسافره لبلد تاني، وإن هبعثلها فلوس كل شهر لحد ما يكبر. وكنت ببعث الفلوس، وبعرف أخباره، بس ما كانش مسموح لأحد يعرف، ولا حتى كمال كان يعرف وينه

بالظبط.. كان بس يعرف إنه عايش.
بصيت لكمال اللي كان واقف مكتوف اليدين، وقالتله بصوت مليان ألم
وأنت؟ كنت عارف كل ده؟ كنت عارف إن لك ابن في مكان تاني، وكنت عايش معايا وكأني ما أعرفش حاجة؟ وكل ده ليه؟ عشان سمعة؟ عشان الناس تقول إيه؟
يا رباب.. اسمعيني الأول.. قال كمال بصوت مهزوز أنا كنت مجبر.. أمي كانت قالتلي إنها هتدبر كل حاجة، وإن ده الأفضل للكل. كنت خاېف منك، وخاېف من كريم، وخاېف من الناس.. حاولت أكتر من مرة أعرف وين أيمن، بس أمي كانت تمنعني، وتقول لي إن لو عرفت مكانه، هيروح كل حاجة بنيناها. وكنت بحتفظ بالصور والشهادات دولاب دولاب قديم، لحد ما نقلناهم هنا، وخبأتهم وراء ضهر الدولاب ده.. عشان ما حد يشوفهم، وعشان ما أنسى إني لي ابن بروحي.
وعلاقة ده بسرير كريم إيه؟ سألتها، ورجعت لقلب الموضوع اللي بدأ كل ده ليه خدتي سرير ابني وادته لحفيدك؟ وكنتي بتدوري على إيه جواه؟
حماتي خفضت راسها خجلًا، وقالت
عرفت إن أيمن رجع للقاهرة.. عرفت إنه عايش هنا، وإن ظهره ۏجع من النوم على سرير قديم، وإن مش معاه فلوس يشتري سرير جديد. حاولت أشتري له واحد، بس كنت خاېفة أسأل أحد عن السبب، وكنت محتاجة سرير بسرعة. شفت سرير كريم فاضي، وقلت في نفسي كريم مسافر ومش محتاجه، وابني التاني محتاجه أكتر.. ونسيت إن كريم برضه ابني، وإن ده غلط، وإن ده بيجرحك. وكنت بدور جواه.. ترددت شوية ثم كملت كنت بدور على مبلغ من الفلوس كنت خبيته جواه، عشان أديه للي ربى أيمن، وأطلب منها تجيبه لي، وإن شاء الله أعوضه عن كل السنين اللي فاتت. ما كنتش عارفة إنك هتفكي الأوضة كلها، ولا إن السر ده هيتكشف بالطريقة دي.
وقفت أنا مصډومة، مش عارفة أتكلم إزاي. عشرين سنة.. عشرين سنة وأنا عايشة مع راجل خبي عليّ إنه له ابن تاني، وأمه كانت بتدبر كل ده ورايا، وكل ده بحجة الخۏف من السمعة والخۏف من المستقبل. شفت السلسلة اللي كانت على الطفل في الصورة، وتذكرت يوم ما كريم اتولد، حماتي جابت له نفس السلسلة وقالت دي سلسلة مباركة، خليها عليه دايماً. كانت عايزة تربط بين الاثنين، بسرها الخاص.
والسلسلة دي؟ سألتها كانت بتاعة أيمن صح؟
نعم.. قالت كانت لامه، وأعطيتها لكريم عشان.. عشان ما ينساش أخوه، وعشان أشعر إنهم متصلين ببعض حتى لو ما كانش حد يعرف.
في تلك اللحظة، سمعنا صوت الباب بيتفتح، وطلع ابن أخت حماتي اللي خدت ليه السرير، ومعاه شاب في نفس سن كريم تقريبًا، طويل القامة، بملامح تشبه كمال كتير، وعيناه نفس لون عينيه. الشاب كان واقف متردد، وماسك حقيبة صغيرة في يده.
يا تيتة.. قال ابن الأخت بصوت

خاڤت قلتلي أجيبك الحاجة دي، ولقيت واحد في الطريق بيقول عايز يقابلك، وقال اسمه أيمن.
حماتي صړخت بصوت خفيف، وركضت نحوه، ومسكت يديه كأنها مش مصدقة إنه قدامها. كمال وقف متجمد، وعيناه كانت مفتوحة على آخرها، وبدأت دموعه تنزل بلا توقف. أنا كنت واقفة في مكاني، مش عارفة أتحرك، قلبي بين ألم الحقيقة وبين دهشة القدر اللي جمعهم كلهم في نفس اللحظة، وفي نفس المكان.
أيمن.. يا حبيبي.. قالت حماتي وهي بتقبله في راسه تعال يا بني.. تعال شوف أبوك.. تعال شوف عيلتك.
أيمن بص لكمال، وبص لي، ثم بص لحماتي، وقال بصوت هادئ لكنه مليان ألم
أنا عرفت كل حاجة.. السيدة اللي ربتني قالتلي كل شيء قبل ما ټموت من شهر.. قالتلي مين أبوي، ومين تيتتي، وإنكم كنتو بتبعتوا الفلوس كل سنة، وإنكم خايفين تعرفوني. جيت أسأل.. جيت أعرف ليه؟ ليه خبيتوني؟ ليه حرمتوني من أبوي وعيلتي كل السنين دي؟
كمال ركض نحوه، ومسكه في كتفيه، وقال بصوت متهدج
سامحني يا بني.. سامحني يا أيمن.. ما كانش قصدي أضيعك.. كنت خاېف.. كنت مجبر.. والله ما نسيتك يومًا.. كل صورة كنت بحتفظ بيها، كل سنة كنت أسأل عنك.. سامحني.
السماح لله يا أبي.. قال أيمن ودموعه نزلت بس ليه ما قلتوش لي؟ ليه ما جيتوش لي؟ كنت بحس إن وحيد في الدنيا، وإن مالي حد.
وقفت أنا أشوف المشهد ده، وحسيت إن الڠضب اللي كان في قلبي بدأ يخف، وبدأت أفهم إنهم كانوا ضحاېا خوفهم وتفكيرهم الخاطئ، وإن الذنب مش في حبهم لابنهم، لكن في الطريقة اللي اختاروها ليتعاملوا مع الموضوع. بصيت لسرير كريم اللي كان واقف في ناحية الأوضة، وبصيت لايمن اللي كان واقف جنب أبوه، وفكرت في كريم اللي في الجامعة، وقلت في نفسي الحق مش في السرير ولا في الدولاب ولا في الأشياء.. الحق في إننا نعيش بصدق، وإننا ما نحرمش حد من حقه، وإن الأخوة لازم تتجمع مهما طالت السنين ومهما كانت الصعوبات.
بعد ساعات، جلسنا كلنا في صالة البيت، والسرير كان رجع مكانه، وقلت لحماتي وقلت لكمال
السرير ده لكرم، بس أيمن محتاج سرير.. نشتري له واحد جديد، ونعمل له أوضة كويسة زي ما يستحق، ونعوضه عن كل السنين اللي فاتت. ومن اليوم ده، ما فيش أسرار بيننا.. أيمن ده ابن كمال، وأخ كريم، وعيلتنا كلها، وكل واحد ليه حقه عندنا.
حماتي مسكت يدي، وقالت بدموع الفرح والندم
شكرًا يا رباب.. شكرًا يا بنتي.. أنا كنت خاېفة منك، وكنت فاكرة إنك هتكرهينا، بس طلعت أطيب وأقوى من ما كنت أتخيل.
الغلط كان مننا كلنا قلت لما سمحنا للخوف يتحكم فينا، ولما نسينا إن الحق والصدق مهما طال الوقت، بيجي يوم ويظهر، وبيكون أقوى من كل حاجة.
بعد أسبوع، جابوا
سرير جديد لايمن، وجهزنا له أوضة جميلة، واتصلت بكريم وأخبرته بالحقيقة كلها، وقلت له إن له أخ كبير، وإننا لازم نكون معاه ونعوضوه. كريم رد بصوت فرحان يا ماما.. ده حلو جدًا! خلاص أنا راجع إجازة قريب، وأشوف أخوي، ونعرف بعض.
ويوم ما رجع كريم، كان أول شيء عمله إنه ركض نحوايمن ومسك يده وقال أخي.. أنا سعيد جدًا إنك معانا. وشفتهم جنب بعض، كأنهم توأم، نفس الملامح، نفس الضحكة، وحسيت إن الدنيا كلها صارت حلوة، وإن السر اللي خبوه عشرين سنة، في النهاية جاب معاه خير لم نكن نتوقعه.
أما حماتي، فكانت كل يوم تجلس مع أيمن وتحكيله قصص من أيام صغره، وتعوضه عن كل لحظة غياب، وصرت أراها تنظر لي باحترام ومحبة، كأنها عرفت إن القوة مش في إخفاء الحق، ولا في فرض الرأي، لكن في الصدق والعدل والتراحم. وكل ما أشوف السرير بتاع كريم في أوضته، وأشوف سرير أيمن بجانب أوضته، أتذكر إن ما فيش حاجة في الدنيا أغلى من العائلة، وإن ما فيش سر يفضل مخفي للأبد، وإن الحقيقة مهما كانت مؤلمة في البداية، هي الوحيدة اللي بتجيب السلام والفرح في النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *