جوزى قالى انه بيحبنى 2
مبقاش فيه دموع، ولا حتى رعشة في إيدي. قفلت الخط بالراحة من غير ما يحسوا.
قعدت على كرسي مكتبي وبصيت من الشباك الإزاز الكبير على النيل.. النيل اللي كان شكله هادي من بعيد، بس جواه دوامات بتغرق بلد. كنت حاسة إن جوايا نفس الدوامات دي، بس مفيش نقطة مية واحدة هتطلع برة. الوجع اللي كان هيموتني من دقيقة، اتقلب لحاجة تانية خالص.. اتقلب لخطة.
الساعة كانت دخلت على 9 الصبح. قمت، لميت حاجتي في الشنطة، وبلغت السكرتيرة إني هغيب بقية اليوم لظروف طارئة. نزلت الجراج، ركبت عربيتي، وطول الطريق مكنتش مشغلة راديو ولا كاسيت.. كنت مشغلة صوت ضحكتهم في دماغي. الضحكة اللي دفعت تمنها سنتين من عمري وصحتي ونفسيتي.
أول حاجة عملتها، مروحتش البيت.. رحت على مكتب محاماة كبير في المعادي، مكتب صاحبه قريبي ومن برة العيلة، ومحدش من طرف شريف يعرفه. دخلت له، وقعدت معاه ساعتين كاملين. حكيت له كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم.. حكيت له عن حسابات شريف البنكية، عن نصيبي في الشقة اللي كاتبينها بالنص، وعن الشغل اللي دخلت فيه معاه بفلوسي وورثي من أبويا.
المحامي بص لي وقال لي: “يا منى، الكلام ده لو طلع من بقك في المحكمة من غير دليل، هيطلعوكي مريضة نفسية وشكاكة.. والشرع مبيطلقش بالظن. لازم دليل يهد الدنيا.”
ابتسمت له ابتسامة باردة وقلت له: “الدليل هيجي لحد عندي بالليل.. جهز لي أنت بس ورق دعوى الطلاق، وحجز تحفظي على كل مليم دخلت بيه معاه في الشغل.”
طلعت من عنده الساعة واحدة الضهر. رحت على شقتي.. الشقة اللي مروة كانت بتدخلها وتنام فيها معايا لما كنت بموت من وجع الإجهاض.
دخلت الأوضة، فتحت الكومودينو بتاعي، وطلعت “المذكرات الغبية” اللي كانوا بيضحكوا عليها. مذكراتي اللي كنت بكتب فيها كل تفصيلة، كل يوم كنت بحس فيه بنظرة غريبة بين شريف ومروة وبكدب نفسي.. كل مرة شريف كان بيرجع فيها متأخر وريحة برفيوم حريمي عليه ويقول لي “ده شغل”.. كل خروجة مروة كانت بتصر تيجي معانا فيها وتلبس أحسن ما عندها.
فتحت المذكرات وقريت.. ولقيت إن غبائي مكنش غباء، كان طيبة.. والطيبة في الزمن ده بتتداس بالرجلين.
شلت المذكرات في شنطتي، وفتحت الخزنة الصغيرة اللي في الدولاب. طلعت منها نسخة المفتاح الاحتياطي بتاعة الشقة اللي مع مروة.. النسخة اللي مروة مكنتش تعرف إني غيرت الكالون بتاعها الأسبوع اللي فات بس لسه ملحقتش أديلها المفتاح الجديد! يعني مروة من النهاردة مبقاش معاها مفتاح لبيتي.
الساعة بقت 5 المغرب. غيرت هدومي.. لبست فستان أسود شيك جدًا، الفستان اللي شريف كان دايما يقول لي “بلاش تلبسيه عشان بيبينك قوية زيادة عن اللزوم”. حطيت ميك اب كامل، خبيت بيه الهالات السودا والوجع اللي تحت عيوني. كنت شبه الستات اللي بيطلعوا في الأفلام قبل ما يرتكبوا جريمة.. بس أنا جريمتي كانت هتبقى قانونية وذكية.
الساعة 7:30 بالليل، تليفوني رن. كان شريف.
رديت بصوت ناعم، رايق، مفيش فيه الهوا: “أيوة يا حبيبي.. وصلت بالسلامة من السفر؟”
صوته جه ملهوف وممثل بارع كالعادة: “يا روحي لسه واصل حالا.. مغيرتش حتى هدومي. أنا حاجز لنا في المطعم اللي على النيل اللي بتحبيه.. الساعة 8:30 بالظبط هكون عندك تحت البيت.”
قلت له وعيني في المراية: “تمام يا شريف.. أنا جاهزة ومستنياك.”
نزلت له الساعة 8:30. أول ما فتحت باب العربية وركبت، بص لي بذهول.. شكل الفستان والميك اب والثقة اللي في عيني خضته.
قال لي وهو بيتبسم: “إيه الحلاوة دي؟ ده أنا وحشني الجمال ده من زمان!”
ملت عليه، وبسته على خده.. بوسة باردة زي الموت، وقلت له: “أنت اللي وحشتني يا شريف.. وحشني كلامك أوي.”
طول الطريق للمطعم، كان بيحاول يمسك إيدي، وكنت بسحبها بحجة إني بتعدل أو بفتح الشنطة. وصلنا المطعم.. مكان رومانسي، شموع، مزيكا هادية، والنيل برضه برة بيبص علينا.
قعدنا، وطلبنا الأكل. شريف بدأ يتكلم.. بدأ يقول كلام حنين، كلام من اللي كان بيخليني أعيط زمان من كتر ما أنا محتاجاه. كان بيتكلم وأنا باصة في عينيه.. باصة للراجل اللي شاركني سريري وحزني على ابني، وهو بكل خسة بينافقني عشان يرجع يضحك عليا مع صاحبتي بالليل.
وفجأة.. وسط كلامه الحنين، تليفونه اللي كان حاطه على الترابيزة رن.
بصيت على الشاشة.. الاسم كان مكتوب “مروة”.
شريف وشه اتخطف ثانية، وبعدين ابتسم وقال لي: “دي مروة.. تلاقيها بتطمن عليكي كالعادة، هقفل عليها عشان متبوّظش قعدتنا.”
مديت إيدي بالراحة، وأخدت التليفون من قدامه قبل ما يدوس قفل. بصيت له وقلت له بابتسامة عريضة: “عيب يا شريف.. دي مروة صاحبتي وأختي.. رُد عليها وافتح الاسبيكر خلّيها تسلم عليا وتعرف إننا مع بعض.”
شريف ريقه جِف.. وعينيه بدأت تروح وتيجي من الخوف.
حكايات شروق خالد
شريف وشّه اتخطف وبدأ يوتر: “لا يا حبيبتي، مفيش داعي.. أكيد بتسأل على حاجة تافهة وأنا مش عايز أضيع وقتنا.”
مديت إيدي تاني بس بثبات أكتر، وصوتي كان هادي لدرجة مرعبة: “شريف.. لو مروة صاحبتي بتطمن عليا، يبقى لازم أسمع صوتها.. افتح الاسبيكر يا شريف، ولا فيه حاجة عايز تخبيها؟”
في اللحظة دي، شريف عرف إن فيه حاجة اتغيرت. الرعب بدأ يظهر في عينيه، بس كان لسه بيحاول يمثل: “انتي بتقولي إيه يا منى؟ أخبي إيه؟ خلاص، هفتح.”
ضغط على زرار الاسبيكر بصباع بيرتعش.. صوت “مروة” طلع من السماعة، مكنش صوت واحدة بتطمن على صاحبتها، كان صوت ست بتتمسكن: “شريف حبيبي، وحشتني.. لسه مرزوع معاها؟ أنا زهقت من الانتظار، مش قولتلي إنك هتدخل الحمام وتكلمني من هناك؟”
المطعم فجأة بقى هادي جداً بالنسبة لي، مكنتش سامعة غير صوت أنفاسي المنتظمة، وصوت مروة اللي بيحطم آخر ذرة ثقة كانت فاضلة. شريف اتجمد، بيبصلي وباصص للتليفون، مش عارف ينطق ولا يتنفس.
أنا مكنتش حزينة.. كنت حاسة بقوة غريبة. مسكت الموبايل من قدامه، وقربته من بقي، وقلت بهدوء شديد: “أيوة يا مروة.. شريف معاكي، بس أنا اللي بسمعك دلوقتي.”
سكتت مروة.. سكتت لدرجة إني حسيت إن الخط اتقطع، وبعدين سمعت صوت شهقة رعب.
أنا كملت، وكل كلمة كانت طالعة زي الرصاص: “عارفة يا مروة؟ أنا سمعت ضحكتك الصبح، وسمعت كلامك عن مذكراتي.. وسمعت خططكم وأنا قاعدة في مكتبي. كان نفسي أصرخ، بس اكتشفت إن السكوت أحسن.. السكوت بيخليكم تكملوا في غبائكم لحد ما تقعوا في شر أعمالكم.”
شريف بدأ يهمس لي: “منى.. اسمعيني، الموضوع مش زي ما انتي فاهمة..”
قاطعته وأنا باصة في عينيه بكل برود: “مش فاهمة إيه يا شريف؟ مش ده صوت مروة؟ مش دي هي اللي كانت بتضحك عليا؟ مش دي صاحبة عمري اللي كانت بتواسيلي خيبتي وهي اللي سارقة مني حياتي؟”
بصيت للموبايل تاني وقلت لمروة: “يا مروة، المفتاح اللي معاكي للشقة؟ ملوش لازمة دلوقت.. لأنك مش هتدخلي بيتي تاني، ولا هتشوفي وشي تاني.. ومعاكي شريف، خديه، مبروك عليكي الراجل اللي بيضحك عليا عشان يرضيكي، والست اللي بتخون صاحبتها عشان تحس إنها مرغوبة.. أنتوا لايقين على بعض جداً.”
قفلت الخط في وشها، ورميت التليفون على الترابيزة قدام شريف. المطعم كان كله بيبص علينا، بس مكنش يهمني نظرات الناس.
قمت وقفت، حطيت شنطتي على كتفي، وقبل ما أمشي، بصيت لشريف اللي كان قاعد زي المخنوق: “الطلاق هتوصلك أوراقه بكره، وحقوقي في الشركة والبيت.. المحامي بتاعي هيتصل بيك. خليك فاكر يا شريف.. أنا شفت اللي كنت محتاجة أشوفه، ودلوقتي.. أنا اللي ماشية بمزاجي.”
مشيت وسبته في المطعم، وسط الناس، وسط خيبته، وسط الهدوء اللي كنت بتمناه لنفسي. خرجت للهواء الطلق، لأول مرة من سنين.. حسيت إني بتنفس حقيقي.
ثوانٍ كشفت المستور
حكايات شروق خالد
